الاسئلة و الأجوبة » الصحابة (الأعلام) » كلام حول حديث الحوض


فؤاد ملي / لبنان
السؤال: كلام حول حديث الحوض

قرأت من موقع لإخواننا السنة رد على حديث الحوض ...

*************************

الظاهر مرادهم من حديث الحوض هو "حدثني عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى المقبرة، فقال : ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا، إن شاء الله، بكم لاحقون . وددت أنى قد رأيت إخواننا ) فقالوا : يا رسول الله ! ألسنا بإخوانك ؟ قال ( بل أنتم أصحابي . وإخواننا الذين لم يأتوا بعد . وأنا فرطهم على الحوض ) فقالوا : يا رسول الله ! كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك ؟ قال : ( أرأيت لو كان لرجل خيل غر محجلة، في خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله ؟ ) قالوا : بلى، يا رسول الله ! قال : فإنهم يأتون يوم القيامة، غرا محجلين، من الوضوء . وأنا فرطهم على الحوض . فلا يذادن رجال عن حوضي، كما يذاد البعير الضال، أناديهم : ألا هلم ! إلا هلم ! ألا هلم ! فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : فسحقا . فسحقا ." لا حديث الثقلين

*************************

أرجو ان اشاهد أو اسمع ردّكم عليهم أو تعليقكم أو ارشادنا لموقع او دراسة لكم رددتم عليهم من خلالها.
اسأل الله سبحانه لكم التوفيق...

الجواب:
الأخ فؤاد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هذا الحديث - أي حديث الحوض - من الأحاديث المتضافرة المتواترة التي نصَِّ على تواترها أهل السنة قبل غيرهم.
قال النووي: قال القاضي عياض: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأول ولا يختلف فيه.
ثم قال: وقال القاضي: حديثه متواتر النقل روته خلائق من سعيد وجندب، وعبد الله بن عمرو، وابن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة بن عامر، وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، وأبي ذر، وثوبان، وأنس، وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية أبي بكر، وزيد بن أرقم، وأبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وأبي برزة، وسويد بن جبلة، وعبد الله بن الصنابحي، والبراء بن عازب، وأسماء بنت أبي بكر، وخولة بنت قيس وغيرهم (شرح مسلم 15: 53).
وقال الكناني في (نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص18):((.. وأوردت فيه أحاديث كثيرة منها حديث الحوض من رواية نيّف وخمسين صحابياً)).
نقول: وهذا الحديث في الواقع هو من الأحاديث التي استشكل بيانها على أهل السنة، لأنها تتنافى مع ما ذهبوا إليه من خيرية الصحابة جميعاً، لذا تراهم ذهبوا ذات اليمين وذات الشمال في محاولة منهم لتأويله وصرفه عن ظاهره كي يتماشى مع متبنياتهم في صحّة خلافة الثلاثة بعد رسول الله(ص)، وكذلك من دعوى عدالة الصحابة... مع أن هذين الأمرين، ونعني بهما صحة خلافة الثلاثة بعد رسول الله(ص)، وكذلك عدالة الصحابة، ليسا من الأمور المقطوع بها كي يستدعي ذلك تأويل النصوص المخالفة لهما...
ومن هنا نجد - في بيان الإشكال الذي واجهه أهل السنة في هذه الأحاديث ـ مثل الإمام مالك بن أنس يعلن ندمه على تدوين حديث الحوض في كتابه الموطأ، وأيضاً كالإمام الشافعي يظهر تأسفه لتدوين مالك لهذه الأحاديث، ولو كانت صحيحة.
قال الصديق المغربي في (فتح الملك العلي: 151): حكي عن مالك أنه قال: ما ندمت على حديث أدخلته في الموطأ إلاّ هذا الحديث!! وعن الشافعي أنّه قال: ما علمنا في كتاب مالك حديثاً فيه إزراء على الصحابة إلا حديث الحوض، وودنا أنّه لم يذكره. انتهى!!!
وعلى أية حال ما تجشمه القوم من حل الإشكال في بيان الحديث لم يحل لهم الاشكال، فهم قد اعترفوا ضمناً ـ بفعل هذا الارتباك وعناء التأويل ـ ان الحديث ظاهر في الصحابة، وأن فيه إزراء عليهم ـ على حد تعبير الإمام الشافعي المتقدم ـ، وأما تأويله بالمرتدين فهو تأويل بارد ترده الفاظ الحديث نفسها: فقوله(ص): (ليردن عليَّ أقوام...) (صحيح البخاري 8: 150، صحيح مسلم 4: 1794)، يدل على كثرة من بدل وأحدث بعد النبي(ص)، ومنه يستفاد كثرة ما حرّف في الدين وبدّل لأنه إذا كان الذين بدلوا أقواماً فلا ريب في أنَّ الذي بدل يكون كثيراً، لأن ما بدله بعضهم لا يصح لنسبته إلى غيره.
وقوله (ص): (من أصحابي..)، ظاهر في أنَّ أولئك المبدّلين في الدين والمحدثين فيه هم ممن صحب النبي(ص) وخالطه.
وقوله(ص): (ارتدوا على أدبارهم القهقرى)، فالارتداد يراد به الرجوع، وهو أعم من أن يكون من الدين أو من غيره، وإن غلب إطلاقه على الرجوع عن الدين، وهو محتمل في هذه الأحاديث، إلاّ أنّ قوله: (أحدثوا) ظاهر في أنهم كانوا باقين على الإسلام، لان المرتد عن الدين بعد النبي(ص) لا يمكنه أن يحدث في الإسلام شيئاً، اللهم إلا إذا كان يبطن خلاف ما يظهر.
وأيضاً يرد دعوى أن المراد بهذه الأحاديث أهل الردّة، قوله(ص): (رجال منكم): (أعرفهم ويعرفونني..)، وغيرها من الألفاظ التي لا تتلاءم وتأويلها بأهل الردّة بعده (صلى الله عليه وآله) .
والغريب ! في الجواب الذي ورد في الموقع المذكور أنهم ذكروا ما قاله الشاطبي في (كتاب الاعتصام) وهو ينسف تفسير الحديث بأهل الردة، لأن المرتد حكمه الكفر، هذا أن بنينا على ان الردة التي حصلت بعد رسول الله(ص) هي الإرتداد عن الدين. إذ الحديث قد ورد فيه: (قد بدلوا بعدك)، قال الشاطبي: ولو كان الكفر لقال: قد كفروا بعدك .. فراجع وتدبر.
وسنذكر هنا جملة من الأحاديث التي تدل على اعتراف الأصحاب بالإحداث بعد النبي(ص)، الأمر الذي يوافق ما ورد في حديث الحوض.
روى البخاري عن العلاء بن المسيب، عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك، صحبت النبي(ص). وبايعته تحت الشجرة . فقال: يابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده!(صحيح البخاري 3: 30).
وفي الموطأ لمالك (باب في فضل الشهداء في سبيل الله): مالك عن أبي النضر مولى عمر أبن عبيد الله أنّه بلغه أنَّ رسول الله(ص) قال لشهداء أحد: هؤلاء أشهد عليهم، فقال أبو بكر: يا رسول الله، ألسنا بإخوانهم، أسلمنا كما أسلموا وجاهدنا كما جاهدوا، فقال رسول الله(ص): بلى ولا أدري ما تحدثون بعدي. قال: وبكى أبو بكر، ثم بكى، ثم قال: إنا لكائنون بعدك. (الموطأ لمالك: 173، 301).
وقد أخرج ابن عساكر، وابن عبد البر في الاستيعاب، وأحمد في المسند، والطبراني في الكبير، وغيرهم: أخرج البزار بسند صحيح عن ابن سعيد قال: ((ما عدا إن وارينا رسول الله(ص) في التراب فأنكرنا بقلوبنا))!
وفي فتح الباري: قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: ((وما نفضنا أيدينا عن دفنه حتى أنكرنا قلوبنا))!
قال ابن حجر: يريد أنهم وجدوها تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة. (فتح الباري 8: 114).
وقد جاء في (الكنز المكتوم) ناقلاً عن العلامة الزرندي من كتاب (الإعلام بسيرة النبي عليه السلام) أنه روى عن عائشة لما حضرتها الوفاة قيل لها: هل ندفنك في روضة النبي(ص). فقالت: بل ادفنوني في البقيع، فإني قد أحدثت أموراً بعده! (الكنز المكتوم: 173عن كتاب فلك النجاة لعلي محمد فتح الدين الحنفي).
وفي (تاريخ الخلفاء) للسيوطي قال: أخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي صالح قال: لما قدم أهل اليمن زمان أبي بكر وسمعوا القرآن جعلوا يبكون فقال أبو بكر: هكذا كنا ثم قست قلوبنا! (تاريخ الخلفاء: 67).
ونختم كلامنا بما ذكره العلامة التفتازاني في (شرح المقاصد)، وهو من كبار متكلمي أهل السنة في العقائد: ((وأما ما وقع بين الصحابة من المحاربة والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ، والمذكور على السنة الثقات يدل بظاهره على أنَّ بعضهم قد حاد عن طريق الحق، وبلغ حد الظلم والفسق، وكان الباعث له الحقد والحسد واللداد وطلب الملك والرياسة والميل إلى اللذات والشهوات إذ ليس كل صحابي معصوماً ولا كل من لقي النبي(ص) بالخبر موسوماً، إلا أن العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول الله(ص) ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنهم محفوظون عما يوجب التضليل والتفسيق صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلال في حق كبار الصحابة)) (شرح المقاصد في علم الكلام 2: 306).
فهذه هي الحقيقة إذن، وقد أفصح عنها التفتازاني، كما أفصح عنها غيره من علماء أهل السنة الذين قالوا كما قال التفتازاني بأن الصحابة غير معصومين، وفيهم العدول وغير العدول كالمازري شارح البرهان (انظر الإصابة 1: 19، النصائح الكافية: 161)، وابن العماد الحنبلي (النصائح الكافية: 162 عن الآلوسي)،والشوكاني في (إرشاد الفحول). ومن المتأخرين الشيخ محمود أبو رية (شيخ المضيرة: 101)، والشيخ محمد عبده، والسيد محمد بن عقيل العلوي، والسيد محمد رشيد رضا، والشيخ المقبلي، والشيخ محمد صادق الرافعي. (انظر: الإمامة في أهم الكتب الكلامية ـ للميلاني ـ : 465).
فقد صرّح كل هؤلاء بأن الصحابة غير المعصومين، وأنّ فيهم العدول وغير العدول الأمر الذي لا ينافي تفسير حديث الحوض فيهم ... وهذا المعنى بعينه هو رأي الشيعة الإمامية .. وهو الرأي الوسط الحق، الذي لا إفراط فيه ولا تفريط.. ولو أردنا أن نتتبع ما فعله الصحابة من المخالفات في الدين لاحتجنا إلى كتب ومجلدات كثيرة، ونشير إلى مسألة علمية مهمة وهي : أنه ليس من العدل العمل بالعمومات قبل البحث عن مخصصاتها كما هو الحال في بعض الآيات الواردة في هذا الشأن، والتي يستدل بها إخواننا أهل السنة على عدالة جميع الصحابة ويتركون مخصصاتها من الآيات الأخر الواردة في المنافقين والفاسقين والبغاة منهم.. إن هذا من التطفيف الذي نهى المولى سبحانه عنه بآيات كريمة صريحة... فلينفع عاقل نفسه، وليتق مسلم ربّه.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال