الاسئلة و الأجوبة » النبي محمد (صلى الله عليه وآله) » لا يصح ما ورد أنه قال لامثلن بسبعين


الهام / العراق
السؤال: لا يصح ما ورد أنه قال لامثلن بسبعين
في احدى المحاضرات لاحد علمائنا الاجلاء قال ان رسول الله (ص) لما رأى ما فعل بحمزه (ع) قال لامثلن بسعبين واحد منهم جزاء ذلك فنزلت الايه (فأن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ..الى اخر الايه ورسول الله لا ينطق عن الهوى فاذا قالها بوحي كما هو المفروض فلم نزلت ايه تخالفه وكيف ان رسول الله الذي بعث رحمه للعالمين يأمر بالتمثيل بجثث البشر حتى ولو كانوا مشركين واعداء له (ص) وهو الذي قال لا يجوز المثله ولو بالكلب العقور.
ولكم خالص الشكر وبارك الله فيكم
الجواب:

الأخت الهام المحترمه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ص)للسيد جعفر مرتضى ج 6ص 256 قال:
فجاء (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوقف عليه، فيقال : انه (صلى الله عليه وآله) لما رآه في تلك الحالة قال : (لولا أن تحزن صفية، وتكون سنة من بعدي، لتركته حتى يكون في بطون السباع، وحواصل الطير . أو قال : لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى، ولئن أظهرني الله على قريش يوما من الدهر في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلا منهم) . والمسلمون أيضا قالوا : (والله، لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر، لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب) . ويقال : انه (صلى الله عليه وآله) بكى وشهق، وقال : رحمة الله عليك، لقد كنت فعولا للخير، وصولا للرحم، أم والله لأمثلن بسبعين منهم مكانك . فنزل حبريل بقوله تعالى : (( وَإِن عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثلِ مَا عُوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ )). فعفا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصبر . وفي رواية، قال : أصبر، ونهى عن المثلة . وفي أخرى : كفر عن يمينه . ونقول : ان بكاءه (صلى الله عليه وآله) على حمزة لا مانع منه، وأما ما سوى ذلك مما ذكر آنفا، فنحن نشك في صحته . ونعتقد أنه كقضية ممارسة عمل المثلة الشنيع المنسوب له (صلى الله عليه وآله) زورا وبهتانا، قد وضع بهدف اظهار رسول الله (صلى الله عليه وآله) كأحد الناس، الذين يتعاملون مع القضايا من موقع الانفعال والعصبية للقبيلة والرحم، ولتبرر بذلك جميع المخالفات التي ارتكبها ويرتكبها الحكام الظالمون . كما أن ذلك يسقط قول وفعل الرسول (صلى الله عليه وآله) عن الاعتبار والحجية، فلا يبقى لما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) من ذم لمن يحبهم بعض الناس تأثير يذكر .

أما ما نستند إليه في حكمنا على هذه الأقاويل بالوضع والاختلاق، فهو الأمور التالية :
أولاً: ان ذلك لا ينسجم مع روحية وأخلاق وانسانية النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ينسجم حتى مع روح التدبير للأمور العامة، من قبل أي انسان حكيم، مدبر للأمور، ولا مع سياسة الأمم بالمعنى الصحيح والسليم للسياسة . وذلك لأنه لا مبرر لابقاء جثة شهيد في الصحراء، تصهرها أشعة الشمس، عرضة للوحوش والسباع والطير، ولا فائدة في اجراء كهذا . إذ من الواضح : أن ذلك لا يعتبر انتقاما من قريش، ولا أداء لحق ذلك الشهيد العظيم، ان لم يكن إساءة واهانة له، بملاحظة أن اكرام الميت دفنه. ثم، أو ليست انسانيته (صلى الله عليه وآله) وأخلاقه الرفيعة هي التي أملت عليه حتى أن يغيب جثث قتلى المشركين في قليب بدر، فكيف بالنسبة لهذا الشهيد العظيم، أسد الله وأسد رسوله؟!! ويحاول البعض أن يدعي : انه (صلى الله عليه وآله) لم يقصد مدلول هذا الكلام، وانما هو يريد فقط أن يظهر مظلوميته ووحشية الطرف الآخر، أبي سفيان وأصحابه . ولكنها محاولة فاشلة، فإننا نجل النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أمر كهذا، ولا يجوز نسبته إليه، لان معناه امكانية التشكيك في كثير من أقواله، ومواقفه، وأفعاله (صلى الله عليه وآله). أضف إلى ذلك : أن ما جرى لحمزة (عليه السلام) قد جرى مثله لغيره من الشهداء، وإن كان ما جرى لحمزة (عليه السلام) أفظع وأبشع . فلماذا اختص عضبه (صلى الله عليه وآله) بما جرى لعمه وحسب؟! . ثم إن المفروض بهذا النبي العظيم، هو أن يظهر الجلد والصبر لا الجزع والحزن، الا بالنحو المعقول والمقبول، والا فما وجه اللوم لغيره ممن فقد الأهل والأحبة، ان تجاوز حده، وظهر منه ما لا ينبغي في مناسبات كهذه؟!

ثانياً: قولهم على لسانه (صلى الله عليه وآله) : انه ان ظفر بقريش فسيمثل بثلاثين . مرفوض أيضا، إذ هذه جثث قتلى المشركين أمامه، وهي اثنان أو ثمانية وعشرون جثة، بل وأكثر من ذلك، كما يظهر من بعض النصوص، فلماذا لا يمثل بها، ويشفي غليل صدره منها؟! ولم لم يبادر المسلمون - بدورهم - إلى التمثيل بتلك الجثث التي تركها أصحابها وفروا خوفا من أن يدال المسلمون منهم، كما فروا من قبل في بدر؟!

ثالثاً: أما نزول الآية الكريمة ردا عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي قوله تعالى : (( وَإِن عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثلِ مَا عُوقِبتُم بِهِ )). فلا يصح أيضا، لان الآية مكية، لان سورة النحل قد نزلت في مكة، وأحد قد كانت في السنة الثالثة من الهجرة . والقول : بأن سورة النحل كلها قد نزلت في مكة الا هذه الآيات انما يستند إلى هذه الروايات بالذات، فلا حجة فيه . ان قلت : قد تحدثت السورة عن المهاجرين، وهذا يناسب أن تكون السورة قد نزلت بعد الهجرة . فالجواب : أنه لم يثبت ان المقصود هو الهجرة إلى المدينة فان الهجرة إلى الحبشة كانت قد حصلت والمسلمون في مكة، فلعلها هي المقصودة . والقول : بأن ذلك مما تكرر نزوله . أولا : يحتاج إلى اثبات . وثانيا : يلزمه أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد خالف الحكم الإلهي الثابت، فاحتاج الله إلى تذكيره بأن موقفه هذا مخالف لنص تلك الآية التي لديه !! . وثالثا : قد روي عن ابن عباس في قوله : فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به قال : هذا حين أمر الله نبيه أن يقاتل من قاتله، ثم ذكر أنها نسخت ببراءة . وعن ابن زيد، قال : كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين، فأسلم رجال ذوو ممنعة، فقالوا : يا رسول الله لو أذن الله لانتصرنا من هؤلاء الكلاب، فنزلت هذه الآية، ثم نسخ ذلك، بالجهاد .

رابعاً: ان قولهم : انه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى في هذه المناسبة عن المثلة . محل نظر، وذلك لما ورد عن سعيد، عن قتادة، عن أنس - فذكر حديث العرنيين - وفي آخره، قال : قال قتادة : وبلغنا أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان بعد ذلك يحث على الصدقة، وينهى عن المثلة . ويقول العسقلاني، عن ابن عقبة في المغازي : (وذكروا : أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة، والى هذا مال البخاري، وحكاه امام الحرمين في النهاية عن الشافعي) . فكلام قتادة السابق صريح في أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد نهى عن المثلة بعد قضية العرنيين، وكانت بعد قصة أحد، لأنها كانت في حدود السنة السادسة . أضف إلى ذلك : ما ذكره سعيد بن جبير، الذي أضاف في قصة العرنين قوله : (فما مثل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل ولا بعد، ونهى عن المثلة) . فمعنى ذلك هو أن رسول الله لم يمارس هذا الفعل الشنيع أصلا، كما أنه قد نهى من كان بصدد ممارسته . ونحن بدورنا لنا كلام في قصة العرنيين هذه، حيث اننا نرفض أن يكون (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مثل بهم، ولا سيما بملاحظة ما قدمناه آنفا، عن سعيد بن جبير . وقد أنكر أبو زهرة ذلك أيضا . وكان علي بن حسين ينكر حديث أنس في أصحاب اللقاح : أخبرنا ابن أبي يحيى، عن جعفر، عن أبيه، عن علي بن حسين قال : لا والله، ما سمل رسول الله عينا ولا زاد أهل اللقاح على قطع أيديهم وأرجلهم . ولكن ما يهمنا هنا : هو أن ما ذكروه في قصة العرنين يتنافى بشكل ظاهر مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المثلة، انما كان في أواخر أيام حياته، لان سورة المائدة قد كانت من أواخر ما نزل عليه (صلى الله عليه وآله) . نعم، يمكن أن يكون (صلى الله عليه وآله) قد قطع أيدي وأرجل العرنيين من خلاف، لانهم مفسدون في الأرض . وذلك هو الحكم الثابت لمن يكون كذلك . ثم زاد الرواة وأصحاب الأغراض على ذلك ما شاؤوا .

خامساً: انهم يقولون : ان أبا قتادة جعل يريد التمثيل بقريش لما رأى من المثلة، فمنعه (صلى الله عليه وآله وسلم) . وهذا هو المناسب لاخلاقه وسجاياه (صلى الله عليه وآله وسلم) . أما أبو قتادة فإنه ان صح ما نقل عنه يكون قد تصرف هنا بوحي من انفعاله وتأثره، الناجم عن ثورته النفسية بسبب ذلك المشهد المؤلم . كما أننا نشك في ما جاء في ذيل هذه الرواية، الذي يذكر : أنه (صلى الله عليه وآله) قد قرض قريشا في هذه المناسبة، حتى قال : إنه عسى ان طالت بأبي قتادة المدة أن يحقر أعماله مع أعمالهم . فإننا نعتقد أن هذه التقريظات من تزيد الرواة تزلفا للحكام الأمويين - كما عودونا في مناسبات كثيرة - في مقابل علي (عليه السلام)، وأهل بيته، لفسح المجال أمام تنقصهم والطعن بهم، ويكفي أن نتذكر هنا موقف قريش من علي (عليه السلام) وأهل البيت، حيث نجده (ع) يصفها بأسوأ ما يمكن، بسبب موقفها السئ هذا . يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) : (فدع عنك قريشا، وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنهم قد أجمعوا على حربي كاجماعهم على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبلي، فجزت قريشا عني الجوازي، فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن عمي) .
هذا ولابد أن لا ننسى هنا : أنه (صلى الله عليه وآله) قد قال لعلي (عليه السلام)، حربك حربي، وسلمك سلمي . وقال علي (عليه السلام) : (اللهم إني أستعديك على قريش (ومن أعانهم)، فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفأوا انائي، وأجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري) . وقال (عليه السلام) : (ما لي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين، واني لصاحبهم بالأمس، كما أنا صاحبهم اليوم) . ولأبي الهيثم بن التيهان كلام جيد، حول موقف قريش من علي، من أراده فليراجعه . وفيه يحلل أبو الهيثم سر عداء قريش لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنه انما كان بسبب بغيها وحسدها له، وعدم قدرتها على اللحاق به . وقد ذكرنا شطرا كبيرا من النصوص الدالة ذلك مع مصادرها، في مقال لنا بعنوان الغدير والمعارضون . هذا كله . . عدا عما كان في صدور قريش من حقد على بني هاشم عموما، وعلى الأنصار أيضا . وقد مر في جزء سابق من هذا الكتاب في فصل سرايا وغزوات قبل بدر الماحة عن موقف قريش من الأنصار فليراجع ذلك هناك . وأخيرا نقول : إن هذه كانت حالة قريش بعد طول المدة، فكيف يحقر أبو قتادة أعماله مع أعمالها؟! وكيف يكون لها ذلك المقام المحمود عند الله تعالى؟! .

ما هو الصحيح في القضية :
ولعل الصحيح هنا هو قضية أبي قتادة المتقدمة، وإن كان قد تزيد الرواة فيها تزلفا للحكام، كما أشرنا . يضاف إلى ذلك : ما رواه غير واحد عن أبي بن كعب (رض)، قال : لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا، ومن المهاجرين ستة، منهم حمزة . فمثلوا بهم، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا، لنربين عليهم . فلما كان يوم فتح مكة أنزل الله : (( وَإِن عَاقَبتُم فَعَاقِبُوا بِمِثلِ مَا عُوقِبتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرتُم لَهُوَ خَيرٌ لِلصَّابِرِينَ )) فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : نصبر، ولا نعاقب، كفوا عن القوم الا أربعة . وحسب نص ابن كثير : عن عبد الله بن أحمد : فلما كان يوم الفتح، قال رجل : لا تعرف قريش بعد اليوم، فنادى مناد : ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أمن الأسود والأبيض الا فلانا وفلانا، ناسا سماهم، فأنزل الله الخ . وعن الشعبي، وابن جريج ما يقرب من هذا أيضا باختصار . وفي رواية : أن المسلمين لما رأوا المثلة بقتلاهم قالوا : لئن أنالنا الله منهم لنفعلن، ولنفعلن، فأنزل الله : وان عاقبتم الآية، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : بل نصبر . لكن ما تذكره هذه الروايات من أن الآية قد نزلت في هذه المناسبة محل نظر، وذلك لما قدمناه من كونها مكية، ويمكن أن يكون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عاد فذكرهم بالآية، مبالغة منه (صلى الله عليه وآله وسلم) في زجرهم عن ذلك، فتوهم الراوي : أن الآية قد نزلت في هذه المناسبة .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال