الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » تحقيق الاوعية الثلاثة : الزمان, الدهر, السرمد


زهرة عبد المحسن / البحرين
السؤال: تحقيق الاوعية الثلاثة : الزمان, الدهر, السرمد
هل يعتبر الزمان المطلق حادث دهري؟ وما الدليل العقلي؟
الجواب:

الأخت زهرة  المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ينبغي علينا قبل حل هذا السؤال أن نذكر تعريف بعض المصطلحات تجنبا لوقوع اللبس، فالزمان والدهر والسرمد هي أوعية الوقت الثلاثة، والفرق بين كل منها إنما هو بحسب الفرق في شدة الوجود وضعفه، أي أنها متفاوتة تبعا لرتبة الموجود في السلسلة الطولية
فالزمان هو أول تلك الاوعية وهو وقت الاشياء المادية والجسمانية وهو مدة انتقال الجسم إلى الأمكنة الظاهرة العقلية أو مكثه فيها.

أما الدهر فهو وقت للمجردات عن المادة العنصرية والمدّة الزمانية، سواء أكانت مجردة عن الصور مطلقاً كالعقول، أم عن الصور التامة كالأرواح، أم غير مجردة عنهما كالنفوس، وهو قار الذات بمعنى أن فيه التعاقب والتمايز والترقيّ والهبوط في كل من الثلاثة (العقول، الارواح، النفوس) إلاّ أن ذلك في العقول (معنى)، وفي الأرواح (رقيقة)، وفي النفوس (صورة).

وأما السرمد فهو وقت المشيئة وأول صادر عنها وهي الحقيقة المحمدية وهو مسبوق بالغير وملحوظ فيه الإمتداد والاستمرار، ولكن لما أريد منه عدم التناهي لا في نفسه ولا إلى غيره كان مفارقاً للزمان والدهر، لانتهائهما إلى غيرهما، ومبايناً للأزل لكون السرمد مسبوقاً بغيره، والأزل غير مسبوق بالغير، وقولنا أن السرمد لا ينتهي إلى غيره مع أنّه مسبوق بالغير، نريد به أنّ السرمد هو ظرف المشيئة، وليس قبله شيء من الممكنات يجوز أن ينتهي إليه، ولا يصح أن ينتهي إلى الأزل؛ لأن الحادث لا ينتهي إلى القديم.
بعد هذه المقدمة يمكننا الاجابة عن سؤالك فنقول: إن كنت تقصد من (الزمان المطلق) وقت الاشياء المادية والجسمانية (في نفسه، لا الى إلزمانيات) فليس هو بغض النظر عنها حادثا دهريا لأنه قطعا ليس من النفوس ولا من الارواح ولا من العقول، وهو (من جهة اطلاقه) لا يحمل عليه التعاقب او التمايز أو الترقي والهبوط، فلا يكون من هذه الجهة أيضا حادثا دهريا... وغالبا ما يقال فيه انه قديم زمانا لعدم مسبوقيته بالزمان.

ولكن قد ذكر بعض الفلاسفة أن الزمان المطلق هو زمان العالم، وقد وصفوا العالم بانه حادث دهري، وجعلوا مطلق التجرد هو المائز بين الدهري والزماني، ولما كان نظرهم منصبا على هذا الامر جوزوا أن يوصف الزمان المطلق (اي الزمان المجرد عن النسب والاضافات) بانه حادث دهري، وهذا مبنى آخر عند بعض الفلاسفة لا يتسع له المقام الآن، ولكن نشير إليه اجمالا لأننا كنا قد أجبنا عن بعض الاسئلة فيما سبق تبعا لهذا المبنى، وملخص القول: أن اصحاب هذا المبنى قد جعلوا الزمان ظرفا للاجسام وعالمه هو الملك، والدهر ظرفا للنفوس وعالمه هو الملكوت والسرمد ظرفا للعقول وعالمه هو الجبروت، وذلك تبعا لشدة التجرد، ولكنهم تخبطوا أحيانا فجوزوا أن يكون السرمد وقتا لعالم الوجوب، والحال أن الواجب تعالى مجرد عن جريان الوقت عليه بأي معنى من تلك المعاني، نعم، يقال فيه سبحانه أنه الازل أو الابد، وهما ذاته من دون فرق، إذ لا يدرك للأزل والأبد معنى غير ذات الحق سبحانه وتعالى، وإلاّ لزم تعدد القدماء.
ودمتم في رعاية الله


محمد حبيب / العراق
تعليق على الجواب (1)
ما الدليل العقلي على وجود الدهر... وما الدليل العقلي على وجود السرمد
الجواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدليل العقلي على وجود الدهر والسرمد هو وجود عوالم أخرى غير عالم الملك ليست فيها كثافات مادية ولا حركات فلكية. ولا يلتأم وجود العالم سواء أكان لطيفا أم كثيفا إلا بظرفين أحدهما هو المحل والآخر هو الوقت، ومفهومهما يختلف بحسب شدة التجرد وضعفه، ويطلق اسم المجرد على الذي لا يكون متعلقا بالمادة فسواء أكان متعلقاً بالصورة فقط كالنفس أو غير متعلق بالصورة والمادة جميعا كالعقل، فإنه (أي المجرد في عالمي الملكوت والجبروت) ليس مجردا على الاطلاق من جميع الجهات كالواجب سبحانه بل لا يخلو من شائبة تعلق ما بسببها يحصل التكثر، إذ جميع العوالم الإمكانية هي مثار الكثرة، وأما صرف الوحدة فلا يوجد إلا في عالم الوجوب بالذات.
وينشأ بسبب ذلك التكثر نوع من الارتباطات الخاصة بين المجردات كل في عالمه، وهذه الارتباطات والعلائق في عرض كل عالم تصحح وجود الوقت في كل رتبة، فمثلما كان الزمان مقياسا للحوادث والحركات الارضية يكون في العوالم المجردة مقياسا للارتباطات الخاصة بين المجردات اللازمة عن حقيقة كونها متكثرة...
ودمتم في رعاية الله

محمد حبيب / العراق
تعليق على الجواب (2)
فهل ممكن ان يستغنى عن الزمان والدهر والاكتفاء بالسرمد حيث نعيش عندئذ عالم العقل ولا يكون حينها جسم او نفس انما فقط عقول حيث لانعرف عندئذ كيف تتعايش العقول
الجواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ليس حيث تذهب، إنما مراتب الوقت في الاوعية الثلاثة تابعة لشدة التجرد وضعفه، فالعقول أو المعاني العقلية نتيجة لتجردها عن المادة والصورة تكون في مرتبة وجودية أعلى ويكون الوقت بالقياس إليها (لا بالقياس إلى عقل الإنسان) سرمدياً، واما العقول أو المعاني العقلية التي عند الانسان فإنها لو كانت مفارقة لكان هذا هو حالها، ولكنها ليست مفارقة، والكلام في مراتب النفس والروح والعقل هو باعتبار كونها مفارقة لا مقارنة للإنسان...فلاحظ.
ودمتم في رعاية الله

محمد حبيب / العراق
تعليق على الجواب (3)
واذا اكتفي بالسرمد والتي اول صادر عنها هي الحقيقة المحمدية ا فلا يوجد حينها ادم ولا اناس قبلها
الجواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قد أوضحنا أن الكلام هو في أوعية الوقت الثلاثة، والتفاوت إنما هو بحسب اختلاف الرتبة في التجرد عن المادة أو الصورة أو كليهما، وأما الحقيقة المحمدية فهي أول صادر عن المشيئة الألهية، ففي تلك الرتبة لا يوجد مخلوق، وليس لا آدم عليه السلام ولا ذريته، وليس لمخلوق هناك عين ولا أثر... ومثاله: أنك لو اردت صناعة عربة معينة من الخشب، فسوف تقوم بتقطيع الخشبة الأولى إلى قطع مختلفة يجتمع منها في النهاية شيء لو صممته على هيئة العربة واحسنت ترتيب الاجزاء ووضعها في المواضع الصحيحة طبقا للصورة التي رسمتها في ذهنك عن العربة فإنك سوف تنتهي إلى صناعة ذلك الشيء المسمى عربة، ولو ارتأيت أن تصنع عربات أخرى على منوال هذه العربة لأغراض تجارية مثلا فسوف تقوم بعملية مشابهة لصناعة العربة الأولى.... والأن لو انك تركت العربة جانباً وتوجهت إلى الخشب الذي صنعته منها فهل يصح سؤالك: أين هي العربة؟ ففي الرتبة الخشبية المحضة لا يوجد عربة ولا أجزاء العربة ولا أمثالها.... وهكذا يكون اعتراضك: ألا يوجد في رتبة أو مقام الحقيقة المحمدية آدم والناس؟ اعتراض لا معنى له، وهو شبيه بمن يتوجه الى الخشبة ويسأل عن وجود العربة قبل صنعها بواسطتها.
ودمتم في رعاية الله

محمد حبيب / العراق
تعليق على الجواب (4)
واذا اكتفي بالسرمد واكتفي بعالم العقول فلا ندري أي العقول ستكون موجودة او من اين جاءت العقول او كيف تتكاثر
الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يبدو لنا جلياً أنك لم تستوعب الموضوع الذي طرحناه بعنوان (الأوعية الثلاثة)؛ لأنك حتى الآن لست قادراً على التمييز بين المجرد وغير المجرد وأنواع التجرد في الوجود، فلا موضوعية لما تسأل عنه بخصوص تكاثر العقول ومنشؤها، فقد أوضحنا لك بأن العوالم تترتب بشكل طولي من الأعلى تجريدا إلى ألاضعف تجريدا، فأعلى الاشياء تجريدا بعد الحقيقة المحمدية هي العقول أو المعاني العقلية وعالمها هو الجبروت، ثم يتلوها الرقائق أو الأرواح وعالمها هو عالم الأمر، ثم يتلوها النفوس وعالمها هو الملكوت، ثم يتلوها المثال وعالمها هو البرزخ، ثم يتلوها المادة وعالمها هو الملك أو الشهادة. فهذا هو الترتيب بحسب التجريد.
والانسان فيه قبضة من جميع تلك العوالم، لأن فيه عقلاً وروحاً ونفساً وجسداً وخيال الانسان بإزاء عالم المثال، ولذلك قيل فيه:

دواؤك فيك وما تبصر ***** وداؤك منك وما تشعرُ
وتزعم أنك جرمٌ صغير ***** وفيك انطوى العالم الأكبرُ

ودمتم في رعاية الله


ام عباس / الكويت
تعليق على الجواب (5)
هل يمكن تطبيق الدهر مثلا على ما حدث في احدى المرات حين اتفق أن الامام علي ع ثبت حضوره عند أكثر من شخص، كلهم حضر معهم على حدة في نفس الوقت؟
أو عندما شاهده أحد أصحابه وقت الاحتضار، وكان الإمام ع حاضرا عنده، فقال له إني أراك قد جئت مع ملك الموت؟
الجواب:
الأخت ام عباس المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدهر هو زمان عالم الملكوت (عالم النفس) والحوادث المروية التي اشرتم اليها فيها خرق لبعض النواميس الطبيعية فيحتمل والله اعلم انها داخلة تحت الولاية التكوينية للامام (عليه السلام) حيث يستطيع الامام ان يعمل قدرته الموهوبة له من الله عز وجل في التصرف في عالم الطبيعة ان يكسر القوانين الطبيعية والانظمة المألوفة والمتعارفة في علاقات الانسان بالاشياء المحيطة به فحضور امير المؤمنين (عليه السلام) مثلا في اكثر من مكان واحد في نفس الوقت ربما يكون داخلا تحت تلك القدرة الموهوبة التي هي الاصل في الولاية التكوينية او يكون داخلا تحت تجلي النفس الالهية الملكوتية التي هي قوة لاهوتية وجوهرة بسيطة حية بالذات وهي اعلى رتبة من النفس الناطقة ... فمن الواضح ان هذه النفس الالهية لها اشراقات وفيوضات كالنور المنعكس في المرايا المتعددة وظرف هذه النفس هو الدهر .
ودمتم في رعاية الله

ماجد / السعودية
تعليق على الجواب (6)
أخي الكريم حقيقة لم أستطع الصبر على هذه الكلمات التي أدليت بها في جوابك: (تجلي النفس الالهية الملكوتية التي هي قوة لاهوتية وجوهرة بسيطة حية بالذات) فأنا حاولت تفسيرها بمنطق آخر ولكن وجدتها لا تليق إلا بالذات الإلهية وليست في الإمام علي (عليه السلام) فأتمنى منك التوضيح ؟
الجواب:
الأخ ماجد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
النفس الالهية هي النفس المنسوبة الى الله تشريفا لها كما تقول الوحي الالهي وبيت الله والحرم الالهي...فالنسبة في الجميع تشريفية وهذه النفس ليست واجبة الوجود بل هي ممكنة الوجود مخلوقة فلا يختلط عليك الامر فالله تعالى ليس نفسا ملكوتية لان الملكوت احد العوالم المعنوية واعلى منه عالم الجبروت الذي هو عالم العقل.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال