الاسئلة و الأجوبة » سب الإمام علي (عليه السلام) وبغضه » لعن معاوية لعلي (عليه السلام)


محسن كريم شعبان / العراق
السؤال: لعن معاوية لعلي (عليه السلام)

يقول الوهابية في منتدياتهم حول  لعن علي على المنابر بأمر من معاوية:

*************************

إن هذه الفرية من الأشياء المكذوبة في حق معاوية رضي الله عنه بل من الأباطيل التي روج لها الرافضة .

وهذه دعوى تحتاج إلى دليل، وهي مفتقرة إلى صحة النقل، وأغلب الرافضة ومن أشرب قلبه ببغض معاوية رضي الله عنه، لا يتثبتون فيما ينقلون، وإنما يكتفون بقولهم : ( كما ذكر ذلك المؤرخون ) أو ( وكتب التواريخ طافحة بذلك ) . ولا يحيلون إلى أي مصدر موثوق، وكما هو معلوم مدى أهمية الإحالة والتوثيق لمثل هذه الدعاوى عند المحققين والباحثين ..
ومعاوية رضي الله عنه منزه عن مثل هذه التهم، بما ثبت من فضله في الدين، كما أن معاوية رضي الله عنه كان محمود السيرة في الأمة، أثنى عليه الصحابة وامتدحه خيار التابعين، وشهدوا له بالدين والعلم والفقه والعدل والحلم وسائر خصال الخير .

ومن علم سيرة معاوية رضي الله عنه في الملك وما اشتهر به من الحلم والصفح وحسن السياسة للرعية، ظهر له أن ذلك من أكبر الكذب عليه .
ولا شك أن هذه الحكاية لا تتفق أبداً مع منطق الحوادث، ولا طبيعة المتخاصمين، وإن الكتب التاريخية المعاصرة لبني أمية لم تذكر شيئاً من ذلك أبداً، وإنما هي من كتب المتأخرين، مثل :
1- كتاب تاريخ الطبري (5/71 ) عن أبي مخنف .
2- تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص285) .
3- الكامل لابن الأثير (2/397) . وغيرهم ممن كتبوا تاريخهم في عصر بني العباس ..
وهذا العمل إنما كان بقصد - من بعضهم - أن يسيئوا إلى سمعة بني أمية، ويعلنوا للعلويين أن اضطهاد العباسيين للعلويين لم يبلغ القدر الذي ارتكبه الأمويون من قبل .
ثم كيف يسمح معاوية رضي الله عنه بذلك ؟! وهو الذي لم يصح عنه أبداً أنه سبّ علياً أو لعنه مرة واحدة، فضلاً عن التشهير به على المنابر !! ..
وقد علق ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية (7/284) على قصة لعن علي رضي الله عنه على المنابر بعد القنوت، بقوله : ولا يصح هذا ..

ثم لنا أن نتساءل أيضاً لماذا يُعن بنو أمية بسب علي رضي الله عنه وهم الغالبون المنتصرون ؟
وما يمكن أن يقال في إجماع المسلمين على أنه لا يجوز لعن المسلم على التعيين ؟
وهل يكون هذا الحكم غائباً عن معاوية رضي الله عنه ومن أتى بعده من بني أمية ؟
وكيف نفسر ما نقله صاحب العقد الفريد من أن معاوية أخذ بيد الحسن بن علي في مجلس له، ثم قال لجلسائه : من أكرم الناس أباً وأماً وجداً وجدة ؟ فقالوا : أمير المؤمنين أعلم .. فأخذ بيد الحسن وقال : هذا أبوه علي بن أبي طالب، وأمه فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، وجده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدته خديجة رضي الله عنها .
وأما ما قيل من أن علياً كان يلعن في قنوته معاوية وأصحابه، وأن معاوية إذا قنت لعن علياً وابن عباس والحسن والحسين، فهو غير صحيح لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا أكثر حرصاً من غيرهم على التقيّد بأوامر الشارع الذي نهى عن سباب المسلم ولعنه .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : من لعن مؤمناً فهو كقتله . صحيح البخاري مع الفتح (10/479) .
وقوله صلى الله عليه وسلم : لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة . صحيح الجامع (2/1283) .
ثم إن هذا الأثر - قصة لعن علي على منابر بني أمية - مروي من طريق علي بن محمد وهو شيخ ابن سعد وهو المدائني فيه ضعف . وشيخه لوط بن يحي ( أبو مخنف ) ليس بثقة متروك الحديث وإخباري تالف لا يوثق به وعامة روايته عن الضعفاء والهلكى والمجاهيل . انظر : السير (7/302 ) والميزان (3/419 ) . وفي سندها أيضاً أبو جناب الكلبي، ضعيف، راجع هذه الرواية الطويلة الملفقة في تاريخ الطبري ( 5 / 71 ) .
ثم إن هذا الأثر، وهو الوحيد الذي ورد فيه التصريح المباشر بقصة اللعن وهو المشهور، وهو الذي يتمسك به عامة أهل البدع والجهل .. يشير إلى أن علياً رضي الله عنه كان يلعن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم !! فلماذا لم يتحدثوا عن هذه ؟!!
وأما ما سوى هذه الرواية، فهي شبهات واهية، ليس فيها أي دليل على ما يتشدق به أهل البدع والأهواء، وسيتم الرد عليها إن شاء الله ..

الشبهة الأولى : ما جاء في صحيح مسلم ( برقم 2404 ) عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسب أبا تراب ؟ فقال : أما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسبه لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : خلفه في مغازيه فقال له علي : يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، قال : فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي علياً، فأتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما نزلت هذه الآية ﴿ فقل تعالوا ندعُ أبناءنا وأبناءكم .. ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال : اللهم هؤلاء أهلي .
الجواب : هذا الحديث لا يفيد أن معاوية أمر سعداً بسب علي، ولكنه كما هو ظاهر فإن معاوية أراد أن يستفسر عن المانع من سب علي، فأجابه سعداً عن السبب، ولم نعلم أن معاوية عندما سمع رد سعد غضب منه ولا عاقبه ..
كما أن سكوت معاوية هنا، تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ظالماً يجبر الناس على سب علي كما يدعون، لما سكت عن سعد ولأجبره على سبه، ولكن لم يحدث من ذلك شيء، فعُلم أنه لم يأمر بسبه ولا رضي بذلك ..
يقول النووي رحمه الله في ذلك : قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بأنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كأنه يقول : هل امتنعت تورعاً أو خوفاً أو غير ذلك . فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك فله جواب آخر، ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار، أو أنكر عليهم، فسأله هذا السؤال، قالوا : ويحتمل تأويلاً آخر أن معناه : ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وأنه أخطأ . شرح صحيح مسلم ( 15 / 175 ) .

وقال القرطبي في المفهم ( 6 / 278 ) : ( وهذا ليس بتصريح بالسب، وإنما هو سؤال عن سبب امتناعه ليستخرج من عنده من ذلك، أو من نقيضه، كما قد ظهر من جوابه، ولما سمع ذلك معاوية سكت وأذعن، وعرف الحق لمستحقه ) .
والذي يظهر لي في هذا والله أعلم : أن معاوية رضي الله عنه إنما قال ذلك على سبيل المداعبة لسعد، وأراد من ذلك استظهار بعض فضائل علي رضي الله عنه، فإن معاوية رضي الله عنه كان رجلاً فطناً ذكياً يحب مطارحة الرجال واستخراج ما عندهم، فأراد أن يعرف ما عند سعد في علي رضي الله عنهما، فألقى سؤاله بهذا الأسلوب المثير ..
وهذا مثل قوله رضي الله عنه لابن عباس : أنت على ملة علي ؟ فقال له ابن عباس : ولا على ملة عثمان، أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم . انظر الإبانة الكبرى لابن بطة ( 1 / 355 ) .
وظاهر قول معاوية هنا لابن عباس جاء على سبيل المداعبة، فكذلك قوله لسعد هو من هذا الباب، وأما ما ادعى الرافضة من الأمر بالسب، فحاشا معاوية رضي الله عنه أن يصدر منه مثل ذلك، والمانع من هذا عدة أمور :-
الأول : أن معاوية نفسه ما كان يسب علياً رضي الله عنه، فكيف يأمر غيره بسبه ؟ بل كان معظماً له معترفاً له بالفضل والسبق إلى الإسلام، كما دلت على ذلك أقواله الثابتة عنه .
قال ابن كثير: وقد ورد من غير وجه أن أبا مسلم الخولاني وجماعة معه دخلوا على معاوية فقالوا له : هل تنازع علياً أم أنت مثله ؟ فقال : والله إني لأعلم أنه خير مني وأفضل، وأحق بالأمر مني .. البداية والنهاية ( 8 / 132 ).
ونقل ابن كثير أيضاً عن جرير بن عبد الحميد عن المغيرة قال : لما جاء خبر قتل علي إلى معاوية جعل يبكي، فقالت له امرأته : أتبكيه وقد قاتلته ؟ فقال : ويحك إنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم . نفس المصدر ( 8 / 133 ) .
الثاني : أنه لا يعرف بنقل صحيح أن معاوية رضي الله عنه تعرض لعلي رضي الله عنه بسب أو شتم أثناء حربه له في حياته، فهل من المعقول أن يسبه بعد انتهاء حربه معه ووفاته، فهذا من أبعد ما يكون عند أهل العقول وأبعد منه أن يحمل الناس على سبه وشتمه .
الثالث : أن معاوية رضي الله عنه كان رجلاً ذكياً، مشهور بالعقل والدهاء، فلو أراد حمل الناس على سب علي وحاشاه من ذلك، أفكان يطلب ذلك من مثل سعد بن أبي وقاص، وهو من هو في الفضل والورع، مع عدم دخوله في الفتنة أصلاً !! فهذا لا يفعله أقل الناس عقلاً وتدبيراً، فكيف بمعاوية ؟!!
الرابع : أن معاوية رضي الله عنه انفرد بالخلافة بعد تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما له واجتمعت عليه الكلمة والقلوب، ودانت له الأمصار بالملك، فأي نفع له في سب علي ؟! بل الحكمة وحسن السياسة تقتضي عدم ذلك، لما فيه من تهدئة النفوس وتسكين الأمور، ومثل هذا لا يخفى على معاوية رضي الله عنه الذي شهدت له الأمة بحسن السياسة والتدبير .
الخامس : أنه كان بين معاوية رضي الله عنه بعد استقلاله بالخلافة وابناء علي من الألفة والتقارب ما هو مشهور وفي كتب السير والتاريخ ..
ومن ذلك أن الحسن والحسين وفدا على معاوية فأجازهما بمائتي ألف، وقال لهما : ما أجاز بهما أحد قبلي، فقال له الحسن : ولم تعط أحد أفضل منا . البداية والنهاية ( 8 / 139 ) .
ودخل مرة الحسن على معاوية فقال له : مرحباً وأهلاً بابن رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم، وأمر له بثلاثمائة ألف . المصدر نفسه ( 8 / 140 ) .
وهذا مما يقطع بكذب ما ادعي في حق معاوية رضي الله عنه من حمله الناس على سب علي رضي الله عنه، إذ كيف يحصل هذا مع ما بينه وبين أولاده من هذه الألفة والمودة والاحتفاء والتكريم ..

الشبهة الثانية : ما جاء في صحيح مسلم ( برقم 2409 ) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال : استُعمل على المدينة رجل من آل مروان قال : فدعا سهل بن سعد فأمر أن يشتم علياً رضي الله عنه، فأبى سهل، فقال له : أما إذا أبيت فقل : لعن الله أبا تراب، فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب .. ثم ذكر الحديث وسبب تسميته بذلك .
الجواب : هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل إن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه ؟؟ ثم إن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية رضي الله عنه سفياني وليس مرواني ..
ومن الغرائب أن هؤلاء المبتدعة ينكرون سب علي، ولم يتورعوا عن سب خير البرية بعد الأنبياء أبي بكر وعمر وعثمان !! وكتبهم طافحة بذلك ..
ولنستمع إلى ما رواه أبو نعيم في الحلية ( 1/ 84 - 85 ) عن أبي صالح قال : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية : صف لي علياً، فقال ضرار : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال معاوية : لا أعفيك، قال ضرار : أما إذ لابدّ، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب - غليظ، أو بلا إدام -، كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم - اللديغ -، ويبكي بكاء الحزين، فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا : إلىّ تغررت ؟ إلىّ تشوفت ؟ هيهات، هيهات، غري غيري، قد بَتَتّكِ ثلاثاً، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آهٍ آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق . فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال - أي معاوية - : كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار ؟ قال ضرار : وَجْدُ من ذبح واحِدُها في حِجْرِها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج .
قال القرطبي معلقاً على وصف ضرار لعلي رضي الله عنه وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال : ( وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي رضي الله عنه ومنزلته، وعظم حقه ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لما كان معاوية موصوفاً به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح .. ) المفهم للقرطبي ( 6 / 278 ) .
وبعد هذا الموقف، هل يتصور من معاوية رضي الله عنه، أن يصرح بلعن علي رضي الله عنه على المنابر ؟!
وهل يعقل أن يسع حلم معاوية رضي الله عنه الذي بلغ مضرب الأمثال، سفهاء الناس وعامتهم وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان ؟؟!! والحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم ودين ..
و أما ما قيل من أن بني أمية كانوا يسبون علي بن أبي طالب في الخطب، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله . انظر خبر أمر عمر بن عبد العزيز بترك سب علي على المنابر في الكامل لابن الأثير (3/255-256) وسير أعلام النبلاء للذهبي (5/147 ) .
قلت : إن من أحب شخصاً لا ينبغي أن ينسب كل عمل خير له ؛ صحيح أن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، واعتبر خامس الخلفاء الراشدين، لأنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية والخلافة وطريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية رضي الله عنه، فمعاوية صحابي جليل القدر والمنزلة، وهو خال المؤمنين، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحت يده يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن مثل هذه الفضيلة والمكانة لا تجعل من معاوية رضي الله عنه يصرح بلعن علي رضي الله عنه على المنابر ..
سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل : معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : والله إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : سمع الله لمن حمده، فقال معاوية : ربنا ولك الحمد . فما بعد هذا ؟ . وفيات الأعيان، لابن خلكان (3 /33)، وبلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه الشريعة (5/2466) .
وأخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال : سمعت رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال : يا أبا مسعود ؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟! فرأيته غضب غضباً شديداً وقال : لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه وصاحبه وصهره وأمينه على وحيه عز وجل . كتاب الشريعة للآجري ( 5/2466-2467) شرح السنة لللالكائي، برقم (2785) . بسند صحيح .
وسئل المعافى بن عمران، معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز . السنة للخلال ( 2/ 435 ) .
و كذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة، قيل له : أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟
فقال : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس بهم أحد . كتاب الشريعة (5/2465-2466) بسند صحيح، وكذلك أخرج نحوه الخلال في السنة، برقم (666) .
وروى الخلال في السنة بسند صحيح ( 660 ) أخبرنا أبو بكر المروذي قال : قلت لأبي عبد الله أيهما أفضل : معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم : خير الناس قرني الذي بعثت فيهم .
وعن الأعمش أنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال : فكيف لو أدركتم معاوية ؟ قالوا : يا أبا محمد يعني في حلمه ؟ قال : لا والله بل في عدله . السنة للخلال ( 1 / 437 ) .
وإن الجمع الذي بايع معاوية رضي الله عنه بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي ذلك يقول ابن حزم رحمه الله كما في الفصل ( 5 / 6 ) : فبويع الحسن، ثم سلم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بخلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته .
ولاشك أن الصحابة رضوان الله عليهم يتورعون عن مثل هذه الأعمال والأقوال، وهم يعلمون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن سب المسلم أو لعنه بعينه، وهو يعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان . انظر تخريجه في : كتاب السنة لابن أبي عاصم (2/487) والصحيحة (1/634) ومشكاة المصابيح (4847) ..
إلى غيرها من الأحاديث التي تزجر عن هذه الفعلة القبيحة، والتي يتورع منها عوام الناس لعلمهم بحرمة دم وعرض المسلم، فما بالك بالصحابة الكرام ومن شهد بدر وبيعة الرضوان، وهو يعلم علم يقين أن الله رضي عنهم .

*************************

الجواب:

الأخ محسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نذكر لك نماذج من لعن بني امية واذنابهم لعلي(عليه السلام) :
أولا: في الطبقات الكبرى لابن سعد 6/304 قال:
قال أخبرنا سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال جاء سعد بن جنادة إلى علي بن أبي طالب وهو بالكوفة فقال يا أمير المؤمنين إنه ولد لي غلام فسمه قال هذا عطية الله فسمي عطية وكانت أمه أم ولد رومية وخرج عطية مع بن الأشعث على الحجاج فلما انهزم جيش بن الأشعث هرب عطية إلى فارس فكتب الحجاج إلى محمد بن القاسم الثقفي أن ادع عطية فإن لعن علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط واحلق رأسه ولحيته فدعاه فأقرأه كتاب الحجاج فأبى عطية أن يفعل فضربه أربعمائة وحلق رأسه ولحيته.

ثانياً: في تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 8/25 :
فجاء رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معاوية إليهم في تخلية ستة منهم ويقتل ثمانية فقال لهم رسول معاوية إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي إن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفا على ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم فقالوا اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك فأمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم وقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان قالوا هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق فقال أصحاب معاوية أمير المؤمنين كان أعلم بكم ثم قاموا إليهم فقالوا تبرؤن من هذا الرجل قالوا بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله ووقع قبيصة بن ضبيعة في يدي أبي شريف البدي فقال له قبيصة إن الشر بين قومي وقومك أمرا فليقتلني سواك فقال له برتك رحم فأخذ الحضرمي فقتله وقتل القضاعي قبيصة بن ضبيعة.

ثالثاً: في انساب الاشراف للبلاذري 5/258 :
 وبعث معاوية إلى من بقي منهم بأكفان وحنوط مع رجل من أهل الشام ليرعبهم بذلك، وأمره أن يدعوهم إلى البراءة من علي وإظهار لعنه، ويعد من فعل ذلك ان يتركه، فإن لم يفعل قتل، فإنّ دماءهم حلال لشهادة أهل مصر هم عليهم، فقالوا : اللَّهمّ فإنّا لا نفعل ذلك، ثمّ أمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم، فقاموا الليل يصلَّون، فلمّا أصبحوا عرض عليهم مثل الذي عرض فأبوه، وبعث إليهم معاوية هدبة الأعور بن فيّاض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف الفزاري ليقتلوهم، فلمّا رأوهم يصلَّون قالوا : ما أحسن صلاتكم ! ! فما تقولون في أمير المؤمنين عثمان ؟ قالوا : جار في الحكم وعمل بغير الحقّ وخالف صاحبيه، فقالوا : أمير المؤمنين أعلم بكم، وما كان الله ليظلمكم ولا يدعكم، وقال الهيثم بن عديّ : هو ابن أبي شريف . وقالوا : لمّا رأى حجر الأكفان قال : تكفنوننا كأنّا مسلمون، وتقتلوننا كأنّا كافرون .

رابعاً: في معجم البلدان للحموي 3/191 :
قال الرهني : وأجل من هذا كله أنه لعن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، على منابر الشرق والغرب ولم يلعن على منبرها إلا مرة، وامتنعوا على بنى أمية حتى زادوا في عهدهم أن لا يلعن على منبرهم أحد ولا يصطادوا في بلدهم قنفذا ولا سلحفاة، وأي شرف أعظم من امتناعهم من لعن أخي رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على منبرهم وهو يلعن على منابر الحرمين مكة والمدينة ؟

خامساً: في العثمانية للجاحظ ص285 : وروى العباس بن بكار الضبي قال : حدثني أبو بكر الهذلي عن الزهري قال : قال ابن عباس لمعاوية : ألا تكف عن شتم هذا الرجل ؟ قال : ما كنت لافعل حتى يربو عليه الصغير ويهرم فيه الكبير . فلما ولى عمر بن عبد العزيز كف عن شتمه فقال الناس : ترك السنة . قال : وقد روى عن ابن مسعود إما موقوفا عليه أو مرفوعا : كيف أنتم إذا شملتكم فتنة يربو عليها الصغير ويهرم فيها الكبير، يجرى عليها الناس فيتخذونها سنة، فإذا غير منها شئ قيل : غيرت السنة .

سادساً: في تاريخ اليعقوبي 2/223 :
وفي هذه السنة عمل معاوية المقصورة في المسجد وأخرج المنابر إلى المصلى في العيدين، وخطب الخطبة قبل الصلاة، وذلك أن الناس، إذا صلوا، انصرفوا لئلا يسمعوا لعن علي، فقدم معاوية الخطبة قبل الصلاة.

سابعاً: في تاريخ الطبري 4/205 :
فقال لهم رسول معاوية إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من على واللعن له فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم وإن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم غير أنه قد عفى عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل نخل سبيلكم قالوا اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك فأمر بقبورهم فحفرت وأدنيت أكفانهم وقاموا الليل كله يصلون فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية يا هؤلاء لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة وأحسنتم الدعاء فأخبرونا ما قولكم في عثمان قالوا هو أول من جار في الحكم وعمل بغير الحق فقال أصحاب معاوية أمير المؤمنين كان أعلم بكم ثم قاموا إليهم فقالوا تبرؤن من هذا الرجل قالوا بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله.

ثامناً: وفي مروج الذهب 3/26 قال : وقد كان زياد جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي فمن ابى ذلك عرضه على السيف.
وقال في 3/32: ثم ارتقى بهم الامر في طاعته الى ان جعلوا لعن علي سنة ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير .
وقال في 3/32 : وذكر بعض الأخباريين أنه قال لرجل من أهل الشام من زعمائهم وأهل الرأي والعقل منهم : من أبو تراب هذا الذي يلعنه الامام على المنبر ؟ قال : أراه لصاً من لصوص الفتن .
وقال في 3/184 : وترك لعن علي على المنابر .

تاسعاً: في الاغاني لابي فرج الاصفهاني 17/100 :
رسول معاوية يطلب من أصحاب حجر لعن علي فيأبون فجاء رسول معاوية إليهم فإنه لمعهم إذ جاء رسول بتخلية ستّة منهم وبقي ثمانية . فقال لهم رسول معاوية : إنّا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من عليّ واللَّعن له، فإن فعلتم هذا تركناكم، وإن أبيتم قتلناكم، وأمير المؤمنين يزعم أنّ دماءكم قد حلَّت بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك فابرؤا من هذا الرجل يخل سبيلكم . قالوا : لسنا فاعلين ؛ فأمر / بقيودهم فحلَّت، وأتي بأكفانهم فقاموا الليل كلَّه يصلَّون . فلما أصبحوا قال أصحاب معاوية : يا هؤلاء، قد رأيناكم البارحة أطلتم الصلاة، / وأحسنتم الدعاء، فأخبرونا ما قولكم في عثمان، قالوا : هو أوّل من جار في الحكم، وعمل بغير الحق . فقالوا : أمير المؤمنين كان أعرف بكم . ثم قاموا إليهم وقالوا : تبرؤن من هذا الرجل ؟ قالوا : بل نتولَّاه . فأخذ كلّ رجل منهم رجلا يقتله.

عاشراً: وفي ربيع الابرار للزمخشري 5/363 :
كان يزيد بن عبد الملك وهو يزيد الناقص مدر بالخيل فبلغه عن فرس لرجل من عبد القيس فراهة واستيلاء في الحلب على القضب فوجه إليه من يشتريه له فقال : لا أبيعه إلا بحكمي فبذلوا له عشرة آلاف دينار . فقال : لو أعطيتموني بوزن الفرس مائة مرة دنانير ما بعته إلا بحكمي . قالوا : فما حكمك قال : ترك لعن علي بن أبي طالب . فكتب يزيد إلى الآفاق بذلك وأخذ الفرس . فترك لعنه إلى اليوم .

الحادي عشر: وفي كتاب سليم ص280 : وترك أهل الشام لعن الشيطان وقالوا : لعن علي وقاتل عثمان . فاستقر على ذلك جهلة الأمة وأتباع أئمة الضلالة والدعاة إلى النار .
وفي ص314 : بداية خطة معاوية في لعن علي عليه السلام وكان معاوية يومئذ بالمدينة، فعند ذلك نادى مناديه وكتب بذلك نسخة إلى جميع البلدان إلى عماله : ( ألا برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي بن أبي طالب أو فضائل أهل بيته وقد أحل بنفسه العقوبة ) . وقامت الخطباء في كل كورة ومكان وعلى كل المنابر بلعن علي بن أبي طالب عليه السلام والبراءة منه والوقيعة فيه وفي أهل بيته عليهم السلام بما ليس فيهم، واللعنة لهم .

الثاني عشر: في نهج البلاغة 1/105 : ومن كلام له عليه السلام لأصحابه أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد ويطلب ما لا يجد . فاقتلوه ولن تقتلوه . ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني . فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة . وأما البراءة فلا تتبرأوا مني فإني ولدت على الفطرة، وسبقت إلى الإيمان والهجرة
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال