الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(وجوده سبحانه وتعالى) » الأدلّة العقلية على وجود الله تعالى


م/ احسان / لبنان
السؤال: الأدلّة العقلية على وجود الله تعالى
كيف نستطيع معرفة الله؟
وما هي الأدلّة العقلية لوجوده سبحانه وتعالى؟
وما هو أفضل كتاب يفضّل قراءته في هذا المجال؟
وكيف نؤمن بربّ لا نراه؟
وكيف وجد الله ومن أين؟
أرجو الإجابة, وأنا مؤمن بالله, ولكن للاطمئنان
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ وجود الله تعالى أغنى من أن يحتاج إلى بيان أو يتوقّف على برهان, إذ أدركه كلّ ذي عقل, وأحسّ به كلّ ذي شعور, وفهمته كلّ فطرة. حتّى الذي ينكره بلسانه لا محالة يتوجّه إليه عند الاضطرار بقلبه وجَنانه, بل يمكن القول بأنّ وجوده تعالى فطري لا يحتاج في الحقيقة إلى دليل, ولكن نذكر لكم بعض الأدلّة العقلية على وجوده تعالى حسبما طلبتموه:
الأوّل: برهان النظم؛ أوضح الأدلّة على إثبات الله تعالى الذي يحكم به العقل, هو: دليل النظم والتدبير؛ فالكلّ يرى العالم بسماواته وأراضيه, وما بينهما من مخلوقاته ورواسيه من المجرّة إلى النملة، فنرى أجزاءها وجزئياتها مخلوقة بأحسن نظم, وأتقن تدبير، وأحسن صنع, وأبدع تصوير, فيحكم العقل بالصراحة أنّه لا بدّ لهذا التدبير من مدبّر, ولهذا التنظيم من منظم, ولهذا السير الحكيم من محكم, وذلك هو الله تعالى.

الثاني: امتناع الصدفة؛ فإنّا إذا لم نؤمن بوجود الخالق لهذا الكون العظيم, فلا بدّ وأن نقول: بأنّ الصدفة هي التي أوجدته، أو: أنّ الطبيعة هي التي أوجدته. لكن من الواضح أنّه لا يقبل حتّى عقل الصبيان أن تكون هذه المخلوقات اللامتناهية وجدت بنفسها بالصدفة العمياء، أو بالطبيعة الصماء.

الثالث: برهان الاستقصاء؛ فإنّ كلاً منّا إذا راجع نفسه يدرك ببداهة أنّه لم يكن موجوداً أزليّاً, بل كان وجوده مسبوقاً بالعدم, وقد وجد في زمان خاص, إذاً فلنفحص ونبحث: هل أنّنا خلقنا أنفسنا؟ أم خلقنا أحد مثلنا؟ أم خلقنا القادر الله تعالى؟ ولا شكّ أنّنا لم نخلق أنفسنا؛ لعدم قدرتنا على ذلك, ولا شكّ أيضاً أنّ أمثالنا لم يخلقونا؛ للسبب نفسه, إذاً لا يبقى بعد التفحّص والاستقصاء إلاّ أنّ الذي خلقنا هو: الله تعالى؛ لأنّه القادر على خلق كلّ شيء.

الرابع: برهان الحركة؛ إنّا نرى العالم بجميع ما فيه متحرّكاً, ومعلوم أنّ الحركة تحتاج إلى محرّك؛ لأنّ الحركة قوّة، والقوّة لا توجد بغير علّة، إذاً لا بدّ لهذه الحركات والتحوّلات والتغيّرات من محرّك حكيم قدير, وهو: الله تعالى.

الخامس: برهان القاهرية؛ إنّ الطبيعة تنمو عادة نحو البقاء لولا إرادة من يفرض عليها الفناء؛ فالإنسان الذي يعيش، والأشجار التي تنمو لا داعي إلى أن يعرض عليها الموت أو الزوال إلاّ بعلّة فاعلة قاهرة، فمن هو المميت؟ ومن هو المزيل؟ ذلك الذي له القدرة على فناء مخلوقاته، وهو: الله تعالى(1).

هذه أدلّة خمسة من بين الأدلّة العقلية الكثيرة التي تبرز الإيمان الفطري بوجود الله تعالى.
وأمّا كيف وجد وأين وجد، فذلك ممنوع شرعاً من التحدّث عنه! بل ولا يمكن للعقل أن يدركه. والكتاب المفضّل لمعرفة هذه الأُمور هو كتاب (الإلهيات) للشيخ السبحاني، وكتاب (العقائد الحقّة) للسيّد علي الحسيني الصدر.
ودمتم في رعاية الله

(1) العقائد الحقّة: 36 أصل التوحيد.

انكي السومري / بريطانيا
تعليق على الجواب (1)

اسمح لي بتعليق على الادلة (ساضع علامات تنصيص لتمييز الاقتباس عن كلامي)

"إن وجود الله تعالى أغنى من أن يحتاج إلى بيان أو يتوقف على برهان, حيث أدركه كل ذي عقل, وأحسّ به كل ذي شعور, وفهمته كل فطرة . حتى الذي ينكره بلسانه لا محالة يتوجه إليه عند الاضطرار بقلبه وجَنانه, بل يمكن القول بأن وجوده تعالى فطري لا يحتاج في الحقيقة إلى دليل, ولكن نذكر لكم بعض الأدلة العقلية على وجوده تعالى حسبما طلبتموه "

السطر الاول من هذا الرد هو مغالطة التماس العواطف Appeal to Emotion فبدل ان يقدم المدعي برهاناً على ادعاءه فهو يلجأ الى الاطراء على دعواه ونسبتها الى العقلاء واهل الفطرة حتى يحسنها ويجملها بنظر الاخرين فيتبعونها ولكن هيهات هيهات! فنحن الملحدون لانقدم العواطف على العقل ولانقدم المغالطة على البرهان فاما ان تقدم برهاناً والا لا نقبل ادعاءك.

وكما قلت في رد اخر فان القضايا الوجودية لايمكن ان تثبت بلا واسطة البرهان لانها ليست قضايا تحليلية تربط بين مفهومين او معنيين حتى تثبت بلحاظ طرفيها وانما لابد لاثباتها من المرور في العالم.

"الأول : برهان النظم. أوضح الأدلة على إثبات الله تعالى الذي يحكم به العقل, هو دليل النظم والتدبير . فالكل يرى العالم بسماواته وأراضيه, وما بينهما من مخلوقاته ورواسيه من المجرة إلى النملة . فنرى أجزاءها وجزئياتها مخلوقة بأحسن النظم, وأتقن تدبير وأحسن صنع, وأبدع تصوير, فيحكم العقل بالصراحة أنه لابد لهذا التدبير من مدبر, ولهذا التنظيم من منظم, ولهذا السير الحكيم من محكم, وذلك هو الله تعالى ."

هذا الدليل حتى اذا صح، وهو غير صحيح، فهو اعم من المدعى وبالتالي فان المدعى لاثبت منه. فالدليل ينتج عنه في حال صحته وجود منظم او وجود مصمم ولكن بما ان مفهوم المنظم اوسع من مفهوم الله فان الدليل اوسع من المدعى. لكي نفهم هذا بصورة صحيحة يجب ان نلاحظ ان مفهوم المصمم من حيث هو مصمم اي من يضع الاشياء بنحو معين من الترتيب المقصود لايتضمن ان يكون خالق الشيء ولايتضمن ان يكون عالما بكل شيء ولايتضمن ان يكون قادرا على كل شيء ولا رحمان رحيم او رازق كريم او مرسل للانبياء وختمهم بمحمد وكل هذه ضرورية لوجود الله وليست كلها محتوات في مفهوم المنظم. فالدليل اعم من المدعى كما قلنا.

لكن الدليل لايصح من عدة وجوه ساذكر بعضها.

1- ان العلم الحديث قدم لنا احتمالا اخر لتفسير النظام في العالم وتعدد الاحتمال يبطل الاستدلال. اضف الى هذا ان ما قدمه العلم ليس مجرد احتمال وانما نظريات مؤيدة بالادلة التجريبية وهي على هذا اقرب للصدق من مجرد تكهنات فلسفية قائمة على التأمل والمماثلة الساذجة. فالنظام في المجموعة الشمسية يفسر عبر الجاذبية التي تحفظ الكواكب في مداراتها والجاذبية قوة طبيعية. فالسبيل الوحيد لكي يصدق الدليل هو ان يكون علم الفلك وكل ما توصل اليه الفلكيون من نظريات في عداد المستحيل والا لو كان كلامهم محتمل لابطل استدلالك بناءا على القاعدة المشهورة: تعدد الاحتمال يبطل الاستدلال.

2- ان المشاهد من النظام انما هو بعض من العالم ولم يشاهد اي احد العالم بكله فكيف تدعي ان العالم مشاهد؟ وانه منظم؟ ولو فرضنا ان هناك من زار كل زاوية في العالم وكل بقعة من بقاعه ووجد انها منظمة فان هذا لايثبت منه ان العالم منظم لان صفات الكل ليست بالضرورة صفات الجزء وانما حتى يستقيم برهانك لابد ان تثبت ان العالم منظم بينما انت احتججت بان بعضه منظم فكيف امكنك استنتاج الكل من الجزء؟

3- من يستطيع ان يميز التصميم الجيد فانه بالضرورة قادر تمييز التصميم الرديء وهذه لايمكن الفرار منها لان ما لايكون تصميم جيد فهو غير جيد. فالان انت انظر كل التصميمات الرديئة في العالم وانظر الى كل الخراب الذي يجري باستمرار في الكون. فبحسب قانون الثرموداينمكس (الانتقال الحراري) الثاني فان كل شيء في العالم يسير من حسن الى سيء الى اسوأ. الكون كله في حالة انهيار وتداعي على بعضه البعض. فالقمر يبتعد عن الارض وحركة الارض تبطأ باستمرار والشمس سينفذ وقودها ودرجة الحرارة على الارض تتزايد. ثم انظر الى تصميم جسمك وقل لي اي مهندس يصمم العين بحيث تخرج العصيبات الضوئية الى الامام باتجاه الضوء ومن ثم تعود القهقري الى الخلف فتتسبب في بقعة مظلمة في العين تعرف بالبقعة العمياء؟ هل سمعت عن مصمم كاميرا يخطئ مثل هذا الخطأ؟ واي مصمم يضع البروتستات في مجرى البول عند الرجل فيتسبب في تضخمها عند نصف الرجال المسنين؟ وانظر الى تصميم العمود الفقري وتصميم اوعية الاطراف السفلية التي قد ينتج عنها الدوالي. واخبرني لماذا يصمم الله السمندل المسمى Typhlomolge rathbuni بعينين ثم يجلعه اعمى؟

اكتفي بهذا المقدار للاختصار.

"الثاني : امتناع الصدفة. فإنا إذا لم نؤمن بوجود الخالق لهذا الكون العظيم, فلابد وأن نقول : بأن الصدفة هي التي أوجدته أو أن الطبيعة هي التي أوجدته . لكن من الواضح أنه لا يقبل حتى عقل الصبيان أن تكون هذه المخلوقات اللامتناهية وجدت بنفسها بالصدفة العمياء أو بالطبيعة الصماء ."

القسمة في هذا الدليل غير منحصرة لان لها ثالث (واكثر) فالله ليس نقيض الصدفة حتى يلزم من عدم الايمان به الركون الى الصدفة. وها انت ذا وضعت ثالثا في البين فقلت الطبيعة! فهنا نعود بك الى الرد السابق فنقول لك ان علوم العلماء الذين ارسلو سفناً فضائية الى المريخ وهبطو على سطح القمر قد اعطونا تفسير طبيعي لوجود العالم في نظرية الانفجار العظيم كما اعطانا العلم تفسيرا لظهور الانواع الحية في نظرية التطور. فلست ادري ماذا تقصد بعقول الصبيان؟ فحسبما ارى ان العلماء الحقيقيين الذين اخترعو واكتشفو هم من فسرو العالم طبيعيا بينما يتهمهم غيرهم ممن لم يخترعو لم يكتشفو ولم ينتصرو على ذبابة فان عقولهم عقول الصبيان؟

"الثالث : برهان الاستقصاء. فان كلاً منا إذا راجع نفسه يدرك ببداهة أنه لم يكن موجوداً أزلياً, بل كان وجوده مسبوقاً بالعدم, وقد وجد في زمان خاص, إذن فلنفحص ونبحث : هل أننا خلقنا أنفسنا ؟ أم خلقنا أحد مثلنا ؟ أم خلقنا القادر الله تعالى ؟ ولا شك أننا لم نخلق أنفسنا, لعدم قدرتنا على ذلك, ولا شك أيضاً أن أمثالنا لم يخلقونا لنفس السبب, إذن لا يبقى بعد التفحص والاستقصاء إلا أن الذي خلقنا هو الله تعالى, لأنه القادر على خلق كل شيء ."

هل حقاً لاتعرف من اين اتيت؟ فكل منا له اب وام ولد منهما وهذه الملاحظة البديهية التي يعرفها اي طفل حينما يقول هذه امي وهذا ابي هي مفتاح معرفة من اين اتينا. ولكن دعني اسير على خطى برهانك فنقول ان البشر لم يخلقونا فكيف لايبقى من احتمال سوى الله؟ فهل القسمة منحصرة بثلاثة احتمالات هي اما انا خلقت نفسي او من هو مثلي او الله؟ هل بنظرك هذه قسمة منحصرة وترديد منطقي سليم؟ سادع الجواب لك لانني اعلم كما تعلم انت انها ليست قسمة منحصرة.

"الرابع : برهان الحركة. انا نرى العالم بجميع ما فيه متحركاً, ومعلوم أن الحركة تحتاج إلى محرك, لأن الحركة قوة والقوة لا توجد بغير علة . إذن لابد لهذه الحركات والتحولات والتغيرات من محرك حكيم قدير, وهو الله تعالى ."

1- البرهان اعم من المدعى. لان البرهان ينتج منه، اذا صح، وجود علة محركة او وجود محرك ومفهوم المحرك اوسع من مفهوم اله اذا لم اقل الله.
2- نحن لانرى العالم بكل ما فيه وانما نرى بعض من العالم. لم ير اي احد العالم بكله ولم ير اي احد كل ما في العالم. فادعاؤك المشاهدة لما لم يشاهده احد هو ادعاء كاذب.
3- الحركة لاتحتاج محرك على نحو ما كان يظن ارسطو (ومن قبله افلاطون الذي قسم الحركة الى عشر اقسام) لان نيوتن اثبت ان الجسم المتحرك بسرعة ثابتة لايحتاج محرك وهذا هو ما يعرف بقانون الاستمرارية او القانون الاول لنيوتن. مرة ثانية اجدك تردد ما وجد العلم الحديث جواب له. نعم! ان احلى رد على كل حجج اهل الاديان لايعدو ان يكون كتاب في الفيزياء من كتب المدرسة الثانوية. لكن اذا توخينا العدالة فان ارسطو ميز بين نوعين من الحركة: الحركة بلا محرك وهي تسمى Kinematics او الحركة بالطبع (مثالها سقوط الاجسام) والثاني هو الحركة بوجود محرك واسماها Dynamics او الحركة بالقهر (مثالها رمي الاجسام الى الاعلى).

"الخامس : برهان القاهرية. إن الطبيعة تنمو عادة نحو البقاء لو لا إرادة من يفرض عليها الفناء . فالانسان الذي يعيش والاشجار التي تنمو لا داعي إلى أن يعرض عليها الموت أو الزوال إلا بعلة فاعلة قاهرة . فمن هو المميت ومن هو المزيل ؟ ذلك الذي له القدرة على فناء مخلوقاته وهو الله تعالى ."

1- البرهان اعم من المدعى. فمحصله هو وجود فاعل قاهر وفاعل قاهر اعم من الله. هذه ثالث مرة تضع برهان لاينتج عنه المدعى.
2- الطبيعة ليس فيها اي بقاء فقد قلنا ان قانون الثرموداينمكس الثاني يجعل كل شيء في حالة تحول من سيء فاسوأ فالخلايا تموت لما تصبح الاغشية التي تحفظها غير قادرة على طرح الفضلات وامتصاص الغذاء. والموت صفة طبيعية لها وليست مقهورة عليها وليست مجبرة على ما سواها. فالامر يشبه البطارية التي تتوقف عن العمل بعد ان تنفذ طاقتها. انها لم تكن مجبرة على التوقف.

"هذه أدلة خمسة من بين الأدلة العقلية الكثيرة التي تبرز الايمان الفطري بوجود الله تعالى. وأما كيف وجد وأين وجد، فذلك ممنوع شرعاً عن التحدث عنه"

ولم هو ممنوع؟

" بل ولا يمكن للعقل أن يدركه"

لكن الله يستطيع ان يخبرنا على اي حال وان كنا لاندركه. واذا لم يكن يخبرنا عن الامور التي لايمكن ان نصل اليها بالبحث العلمي والفلسفي ومهما بلغنا من معرفة وتقدم فما الفائدة من وحيه اذاً طالما لايقدم لنا ما نعجز عن معرفته؟ وكل ما يخبرنا به هو ما يمكن ان نعرفه بالعقل والبديهة؟

الجواب:

الأخ انكي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الردود والاعتراضات المذكورة لا تستند إلى برهان علمي، وإنما هي مجرد إشكالات مثارة يمكن بيان زيفها بأدنى التفات.
أولاً: أما الاعتراض الأول ودعوى أن الدليل المذكور في جوابنا هو مغالطة التماس العواطف، فهو عدم مقدرة المعترض على التمييز بين العاطفة وبين الدليل الوجداني، وما اشرنا إليه هو من قبيل الدليل الوجداني وليس من قبيل العاطفة ولا هو محاولة لاستثارتها، فالانسان الذي يتجرد من العناد والتعصب إذا خلي وطبعه وفطرته الاولى لابد ان يقر بوجود الله فيتوجه إليه توجها غريزياً، لأن قضية وجود الله مركوزة في الجبلة البشرية فلا يتطرق إليه سبحانه من هذه الجهة شك (( أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ )) (ابراهيم:10)، غير ان الفطرة المشوهة بتاثير القضايا الالحادية والنظريات الكفرية لا يتسنى لها فهم هذا الدليل فتحسبه عاطفة... مع أن الله تعالى ظاهر لكل ذي فطرة سليمة وهذا ما اشار إليه الامام الحسين عليه السلام في بعض الادعية: (أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟ عميت عين لا تراك ولا تزال عليها رقيبا...) الدعاء. نقول للملحد: هذا النوع من الادلة لا يناسب حالك بعد أن تشوهت فطرتك وعميت بصيرتك، ولكن دعنا ننتقل الى الدليل الثاني.
وأما الاعتراض على برهان النظم بأنه أعم من المدعى فهو اعتراض واه، لأن المقصود من ذكره ليس هو اثبات صفات المنظم ككونه خالقا ورازقا أو رحمانا او رحيما...الخ حتى يكون اعم، بل لاثبات وجود (منظم) من خلال ملاحظة النظام، وأما الصفات الاخرى فيستدل عليها بأدلة أخرى، فلا تكون الدعوى إذن أعم من المدعى. فما عقب به الملحد بالتطرق إلى سائر الصفات التي للخالق تبارك وتعالى هو تعميم منه لأجل المصادرة على مطلوبه الذي لم نقل به، ومن ثم نسبنه إلينا.
وأما زعمه بأن الملاحظة التي على اساسها تم الاستدلال على شمول النظام لجميع أجزاء العالم لا يمكن ان تستفاد من مجرد ملاحظة جزء من الكون، واحتمل لذلك أن لا يكون في ذلك الجزء المفترض تنظيم وضرب له أمثلة... فهو كلام مبتن على افتراضات محضة لا تنقض الدليل، لأن الاحتمال الذي يبطل الدليل العقلي هو قضية جزئية سالبة تنقض الكلية الموجبة التي هي نفس الدليل، فقولنا (كل شيء في العالم خاضع للنظام) ينقضه قول: (بعض الاشياء في العالم ليست خاضعة للنظام) ويكفي أن يأتي بشيء واحد على الاقل حتى تتحقق الجزئية السالبة، وما ذكره من الامثلة لا ينقض الدليل، فعلى الملحد أن يثبت مواضع نقض الدليل لا ما يتصوره بفهمه أنه كذلك، فالعلماء لم يذكروا أن هذه الامور التي استشهد بها مناقضة للنظام العام ولا قادحة فيه، إذ النظام ليس هو فقط نظام (الكون) بل أيضا نظام (الفساد)، وقد جعل المنظم الحكيم في تكوين الاشياء الارضية بل والسماوية عوامل فسادها وزوالها، فالامراض والنقائص والكوارث والحروب كلها خاصعة لنظام الكون والفساد في العالم، فالاشياء لم تخلق لتدوم إلى الابد.

ثانياً: الملحد لا يفهم معنى هذا الدليل وعبثا يحاول نقضه بادعاء عدم تمامية الاستدلال فيه، بل نقول: القسمة حاصرة، لأن الاشياء أما ان توجد بنفسها او توجد بغيرها، فإذا وجدت بغيرها فهذا الغير إما ان يكون مريدا وقاصدا لإيجادها أو انها تجب عنه من دون قصد ولا إرادة، والاول (وجود الشيء بنفسه) باطل لأن المعدوم لا يمكنه ان يهب الوجود لنفسه إذ فاقد الشيء لا يعطيه، والثاني هو الخالق تبارك وتعالى والثالث هو الطبيعة، وأما الصدفة فهي انكار وجود السبب مطلقاً، وليست هي نقيض الله تعالى كما يصادر الملحد. والملحد ايضاً يخلط بين التفسير والسبب، وبين الطبيعة والدليل المستفاد من العلم الطبيعي، وهذا الخلط جعله يرتب على الدليل المذكور اشكالات لا وجود لها إلا في خياله واوهامه.

ثالثاً: وأما اعتراضه على دليل الاستقصاء بنفس اعتراضه على دليل النظم وزعمه أن القسمة غير حاصرة فهو جهل محض، ومرة اخرى يخلط بين الاسباب ولا يفرق بين السبب البايلوجي وهما (الوالدان) والسبب التكويني، لا شك ان المكون للجنين ليس هو الاب ولا الام وإلا لجعلا وليدهما مثلما يريدان له ان يكون، والحال انهما غير قادران على التحكم في صفاته ولا حتى جنسه، وعجزهما هذا يثبت بأنهما مجرد سبب بايلوجي لنشوء الطفل المتولد عنهما.

رابعاً: وأما اعتراضه على دليل الحركة بما اعترض عليه آنفا على دليل النظم حيث زعم أن الدعوى أعم من المدعى وذلك من خلال المصادرة على مطلوب غير مذكور في الدليل تبرع به هو ثم حاكم الدليل طبقا له، فدليل الحركة لا يثبت به اكثر من وجود محرك، اما هوية أو ماهية أو صفات هذا المحرك فتستفاد من أدلة اخرى، وهو دليل فلسفي قديم استعمله ارسطو من خلال ملاحظة الحركات في عالم الطبيعة، وصورته المختصرة هي: (لكل متحرك لابد من وجود محرك)، وهذه الصورة تندرح تحت دليل اعم وهو دليل العلة والمعلول: (لكل معلول علة). وأما ما كشفه العلم المعاصر في قانون القصور الذاتي، القائل: ان الجسم إذا حرك استمر في حركته ما لم يمنعه شيء خارجي عن مواصلة نشاطه الحركي، هذا القانون أسئ استخدامه، إذ اعتبر دليلا على ان الحركة حين تنطلق لا تحتاج بعد ذلك إلى سبب خاص وعلة معينة، واتخذ أداة للرد على مبدأ العلية وقوانينها. ولكن الصحيح ان التجارب العلمية في الميكانيك الحديث، انما تدل على ان العامل الخارجي المنفصل ليس هو العلة الحقيقية للحركة، والا لما استمرت حركة الجسم بعد انفصال الجسم المتحرك عن العامل الخارجي المستقل. ويجب لهذا ان تكون العلة المباشرة للحركة قوة قائمة بالجسم، وان تكون العوامل الخارجية شرائط ومثيرات لتلك القوة.

خامساً: في إشكاله على دليل القاهرية لم يزل الملحد يراوح في مكانه، فهو متشبث بذلك الوهم السابق والذي تقدم نقضه والذي يزعم فيه ان الدليل أعم من المدعى، فهو لا يفرق بين المفهوم والمصداق، فإذا ثبت المفهوم بالدليل فالمصداق يمكن اثباته بدليل آخر فلسفي وغالباً عقائدي، وذلك من خلال براهين التوحيد. واما بقية اعتراضه فقد رددنا عليه حينما تطرقنا إلى نظام الفساد المساوق لنظام الكون والمندرج كل منهما تحت النظام الكلي، فلا نعيد.
ودمتم في رعاية الله


نور / السعودية
تعليق على الجواب (2)
طيب ما في دليل عقلي على وجوده وما ذكرته مجرد كلام ولو طبقناه بنرجع نقول الله أوجد الكون فمن أوجد الله على فرض ان الصدفة مرفوضة في قانونك
وأيضاً تقول الكون يحتاج لمحرك وهو الله فمن أوجد هذا المحرك لانه يستحيل أيضاً وجوده من العدم أو الصدفة
الجواب:
الأخت نور المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدليل العقلي في اثبات وجود الله تعالى يستفاد من مبدأ العلة والمعلول (قانون السببية) فإن ثبت أن للوجود سبباً فقد ثبت المطلوب، إذ الكون لا يمكن أن يكون متكونا بالصدفة، والصدفة لو صحت لا يترتب عليها النظام المحكم الذي نشاهده في كل شيء، وأما النقاش في ماهية ذلك السبب فهو أمر آخر وراء الاعتقاد بضرورة وجود السبب، ولا يجوز أن تتسلسل الاسباب إلى غير نهاية فإن ذلك باطل ومستحيل عقلا، أي لابد لنا أن نخلص في نهاية المطاف إلى سبب هو مسبب جميع الاسباب وهو الله تعالى
فهذا هو الدليل العقلي الذي يستند إليه كل برهان في اثبات وجود الخالق سبحانه وتعالى
ودمتم في رعاية الله

محمد زين / لبنان
تعليق على الجواب (3)
هذا ما قاله لي احد الملاحدة عندما نقلت له جوابكم :
أنصحك ان تطالع ما يقوله ستيفن هاكينغ. ليس هناك من أعجاز ونظام في الكون. على العكس تماما الكون وتكوينه هو نقيض الكمال
الجواب:
الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نقول لهذا الملحد: ننصحك بمطالعة ما يقوله موريس بوكاي، وغاري ميللر، وكريستوفر شاموت، ودايفيد ليفلي، ودوغلاس آرشر، وأميل بريس دافن، وآرثر أليسون، وجيفري لانج، وكيث مور، والدكتورة أنجريد ماتسون... وغيرهم من العلماء والمتخصصين في العلوم الذين اهتدوا الى الاسلام وذكروا في قصة إسلامهم حقائق مذهلة نزلت كالصواعق على الملاحدة أمثال هذا الملحد، ليقرأ عن هؤلاء العلماء وليحاول أن يفهم سر اهتدائهم وإيمانهم لأن في ذلك طريقاً إلى معرفة علة ضلاله وانحرافه وإلحاده. إن قصص استبصارهم واهتدائهم تثبت عظمة الإسلام ونبيه وكتابه المعجز القرآن الكريم.
ودمتم في رعاية الله

حسن صالح / العراق
تعليق على الجواب (4)
اذا كنت امشي في طريق وراني شخص كافر ويسألني ماذا تعبد؟ وقلت له انا اعبد الله، وقد يسالني ما هو دليلك على وجود الله؟ فماذا اقول له؟
الجواب:

الأخ حسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الدليل على وجوده تعالى في هذا المقام بحسب مفروض سؤالك ان تقول لذلك الكافر لا يخلو الامر اما ان تكون خالقا لنفسك او انك مخلوق فان كنت خالقا لنفسك فكيف خلقتها ولم تكن موجودا من قبل، فان كانت موجودا قبل خلقك لها فما هو مغزى خلقك لشيء موجود؟ فذلك تحصيل للحاصل.

وان كنت مخلوقا من شيء غيرك فمن هو الذي خلقك ؟ ولا يخلو اما ان يكون الذي خلقك عاطل عما لديك من العقل والفهم والقوة وسائر الخصائص والصفات الكمالية كالطبيعة مثلا فكيف يمكن تعقل ان يمنحك خالقك موهبة ليست فيه او يجعل لك صفة كمال يفتقر اليها؟ ان القول بذلك يصادم البديهية لان فاقد الشيء لا يعطيه، واما ان يكون خالقك حائزا على صفاتك الكمالية وقد أوجدك عن علم وحكمة وقدرة ونحن نقول ان هذا الخالق هو الله، فتفكر فيما يليق بشأنه والسلام .
ودمتم في رعاية الله


عباس الاسدي / العراق
تعليق على الجواب (5)
ما هو ردك او تفسيرك
1- ان العلم يثبت كل شيئ
2- ورزقكم في السماء (ونرى الاطفال يموتون جوعا)
3- خلقنا من الماء كل شيئ حي بينما هناك احياء لاتعتمد على الماء
4- الروح .. علمها عند ربي وهناك كائنات مجهرية تحيى بعد ماكانت ميته
5- نظرية التطور لدارون
الجواب:

الأخ عباس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: ان المقصود من العلم في هذه المقولة هو ما يقوم على الحس والتجربة دون ما يعم العلوم الفلسفية او هما مع العلوم المستندة الى الوحي والا اذا اريد من العلم كل ما ذكرناه فلا مشكلة في هذه المقولة وهذا البحث من موضوعات نظرية المعرفة ويطلق عليه المذهب الحسي والكلام فيه متشعب بتشعب ابحاث نظرية المعرفة اذ له في كل منها كلام ورأي وفيه اتجاهات متعددة ومختلفة من حيث التطرف والاعتدال وهو على الاجمال يرى انه لا طريق لنا الى اكتشاف الواقع الخارجي الا الحس والتجربة فما ليس بمحسوس ولا يخضع للتجربة فهو غير موجود بل هو وهم وخرافة واما العقل فعندهم لا يدرك حقيقة زائدة على ما يصل اليه الحس بل هو مجرد وسيلة لادراك الحواس وكذلك ينكر الكليات والبديهيات العقلية والمعرفة الحضورية التي من ضمنها ادراك القضايا النفسية والوجدانية الى غير ذلك من شؤون المعرفة الكثيرة. وتحليل الجوانب المذكورة آنفا ومناقشتها ليست بالامر السهل وتحتاج الى مقدمات منطقية وفلسفية كثيرة وعميقة ولعله بمراجعة الانسان لنفسه مع عدم تعرضه للشبهات يمكنه الاطمئنان بعدم صحة ما ذكر.
واقل ما يمكن ان يقال في رد هذا المذهب ان الحس والتجربة انما تبحث في المادة وشؤونها ولا يمكنها انكار ما وراء المادة بنحو السالبة بانتفاء الموضوع فكيف ينكرون ما وراء المادة ويعتبرونه وهما وخرافة مع انه لا طريق عندهم لنفيه ولا لاثباته فان الحس والتجربة انى لهما الوصول الى ما وراء حدودهما وهي المادة ؟

ثانياً: ينبغي الالتفات الى ان الانسان لديه ارادة واختيار فليس هو مجبورا بحيث التي تنفذ على الارض 100% ارادة الله تعالى او على وجه اصح بناء على استحالة انفكاك الارادة عن المراد تشريعية كانت او تكوينية انه لم يلتفت الى ما تتعلق به ارادة الله تعالى فانها قد تتعلق لمجرد التسبيب واما ايصال المراد فعلا الى هذا الانسان او ذاك الحيوان او ذلك النبات فإنما هو من فعل الانسان وباقي المخلوقات. ومن هنا يتضح ان موت الاطفال جوعا من تقصير الانسان محضا واما الله تعالى فقد اعطى الموجودات ما يكفيها من الرزق ولذا ورد في الامر انه ما جاع فقير الا بما متع به غني فالغني انما تمتع بحصة الفقير ولذا صار فقيرا .
وقد تجدر الاشارة الى اننا لا نقصد ان الانسان مفوض في الدائرة المشار اليها وانما الصحيح كما ورد عن المعصوم (امر بين امرين) .

ثالثاً: لا شاهد على ان ما يخلق من شيء يكون محتاجا ومعتمدا على ذلك الشيء بعد خلقه ولا العكس اعني ما يحتاجه بعد خلقه يكون قد خلق منه فالله تعالى خلق الانسان من طين والجن من نار فهل الانسان والجن بعد خلقهما معتمدان ومحتاجان اليهما ؟

رابعاً: يبدو ان مراد الاخ السائل قوله تعالى (( يَسأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أَمرِ رَبِّي )) (الإسراء:85) والروح في هذه الاية بمعنى يغاير ما فهمه الاخ الكريم من انها الروح المتبادرة الى الذهن عند اطلاقها وهي الموجودة في الكائنات الحية بقرينة قوله (( مِن أَمرِ رَبِّي )) وامره تعالى عرفه بقوله (( إِنَّمَا أَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ )) (يس:82) وفي بعض الاخبار انه ملك اعظم من جبرائيل وميكائيل .
قد لا يراد بالماء هو العنصر الارضي السيال بل يراد به المادة التي خلقت منها الاشياء مطلقا فالماء وان كان حقيقة في الماء السيال المتعارف الا انه حقيقة بعد حقيقة فالحقيقة الاولى للماء هي المادة التي حدث بها الشيء المخلوق والمعبر عنها بالفاظ اخرى كالنور والقلم والعقل ... نحن نسلم ان هناك مخلوقات حية كالملائكة والجن غير مخلوقة من الماء السيال الارضي الا انها مخلوقة من الماء بمعنى النور المادة مطلقا .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال