الاسئلة و الأجوبة » عثمان بن عفان » بئر رومة


الباحث / مصر
السؤال: بئر رومة
نرجو منكم تفنيد الرواية التاريخية الخاصة بشراء او حفر عثمان بن عفان لبئ روما وتصدقه به علي المسلمين
الجواب:

الأخ الباحث المحترم
السلام عليكم ورحمة الله
في الصحيح من سيرة الإمام علي (عليه السلام) للسيد جعفر مرتضى العاملي ج 18 ص 280 قال:
بالنسبة لحفر بئر رومة نقول: ذكروا في جملة فضائل عثمان: أنه لما قدم رسول الله (صلى الله عليه واله) المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، قال: من يشتري بئر رومة من خالص ماله؛ فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين، بخير له منها في الجنة؟! فاشتراها عثمان من صلب ماله، وجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين، ثم لما حصر عثمان منعوه من الشرب منها، حتى شرب ماء البحر.

وللروايات نصوص مختلفة جداً كما سنرى، وسنشير إلى بعض مصادرها فيما يأتي. ونحن نشك في صحتها، استناداً إلى ما يلي:
أولاً: تناقض نصوصها الشديد جداً، حتى إنك لا تجد نصاً إلا ويوجد ما ينافيه ويناقضه، ونذكر على سبيل المثال: أنهم يروون: أن عثمان ناشد الصحابة بقضية بئر رومة، وذلك حين الثورة عليه.
فرواية تقول: إنه اطلع عليهم من داره وهو محصور فناشدهم وأخرى تقول: ناشدهم في المسجد. ورواية تقول: إنه اشترى نصفها بمائة بكرة، والنصف الآخر بشيء يسير. وأخرى تقول: إنه اشتراها بأربعين ألفاً. ( ولا ندري لماذا هذه الأثمان الباهظة، خصوصاً في تلك الفترة )؟! وثالثة: بخمس وثلاثين.ورابعة: إنه اشترى نصفها باثني عشر ألف درهم، والنصف الآخر بثمانية آلاف. وخامسة: إنه اشتراها بعشرين ألفاً. وسادسة: بخمسة وعشرين ألفاً. ورواية تقول: إن هذه البئر كانت ليهودي لا يسقي أحداً منها قطرة إلا بثمن. وأخرى: إنها كانت لرجل من مزينة. وثالثة: لرجل من بني غفار. ورواية تقول: إنه اشترى البئر. وأخرى تقول: إنه حفرها.
والجمع: بأنه اشتراها، ثم احتاجت إلى الحفر) لا يصح، لأنهم يقولون: إن عثمان قال ذلك حين المناشدة، والمناشدة كانت واحدة ولم تتكرر. والمهم هو شراؤها. فالمناشدة به أنسب.
ورواية تقول: إنها كانت عيناً. (أي فيها نبع وسيلان على وجه الأرض). وأخرى تقول: كانت بئراً. ورواية تقول: إنه اشتراها عند مقدم النبي (صلى الله عليه واله) والمهاجرين المدينة. وأخرى تقول: إنه اشتراها وهو خليفة. ورواية تقول: إن النبي (صلى الله عليه واله) طلب منه ذلك. وأخرى تقول: إنه (صلى الله عليه وآله) ناشد المسلمين من يشتريها منهم. وثالثة تقول: إن غفارياً أبى بيعها للنبي بعين في الجنة!! فبلغ ذلك عثمان فاشتراها منه بخمسة وثلاثين ألفاً. وثمة تناقضات كثيرة أخرى لا مجال لذكرها؛ فمن أراد المزيد فليراجع وليقارن.

ثانياً: ما ورد في الرواية - كما عند النسائي وأحمد والترمذي - من أنه (صلى الله عليه واله) قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب، لا يصح بوجه، فقد كان في المدينة آبار كثيرة عذبة، وقد استمر النبي (صلى الله عليه واله) على الإستقاء والشرب منها إلى آخر حياته، ومنها: بئر السقيا، وبئر بضاعة، وبئر جاسوم، وبئر دار أنس التي تفل فيها النبي (صلى الله عليه واله) فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، وبئر البويرية، وبئر الحفير، وبئر أريس، وبئر الهجير، وغير ذلك من آبار لا مجال لذكرها.

ثالثاً: لو صح حديث بئر رومة؛ فلا بد من الإجابة على التساؤلات في المجالات التالية:
ألف: إنه إذا كان عثمان قدم حديثاً من الحبشة، ولم يكن له مال؛ فمن أين جاء بالأربعين، أو الخمسة والثلاثين، أو العشرين ألفاً من الدراهم، أو المئة بكرة؟! ومتى وكيف اكتسب هذا المال؟!.
ب: لماذا لا يعين المسلمين في حرب بدر بشيء من تلك المبالغ الهائلة من الدراهم؟ أو بشيء من تلك البكرات التي أخرج منها مئة من صلب ماله، حسبما تنص عليه الرواية؟!. مع أن المسلمين كانوا في بدر بأمس الحاجة إلى أقل القليل من ذلك، وكان الاثنان والثلاثة منهم يعتقبون البعير الواحد، ومع أنه لم يكن معهم إلا فرس واحد، وإلا ستة أدرع وثمانية سيوف، والباقون يقاتلون بالعصي وجريد النخل. أو لماذا لا يطعم المسلمين المهاجرين، ويسد حاجاتهم، ويكفيهم معونة الأنصار؟! ولماذا لا يعين النبي نفسه بشيء من ماله، وقد كان يعاني أشد الصعوبات، ولم يتسع الحال عليه وعليهم إلا بعد سنوات من الهجرة؟!
ج: وتقول روايات المناشدة: إنهم قد منعوه من الشرب من تلك البئر، حتى اضطر إلى الشرب من ماء البحر. وهذا عجيب حقاً!! فإنه إذا كان يستطيع الحصول على الماء، فلماذا لا يشرب من غيرها من العيون العذبة التي كانت في المدينة والتي تعد بالعشرات؟! أو من العيون التي كانت بين المدينة إلى البحر؟! كما أن من كان يمنعه من شرب الماء، لم يكن ليسمح بدخول أي ماء كان إليه، ومن أي مصدر كان.
ويقولون: إن عماراً أراد أن يدخل إليه روايا ماء؛ فمنعه طلحة ولم يستطع الحصول على الماء إلا من قبل علي الذي أرسل إليه الماء مع أولاده، وعرضهم للأخطار الجسيمة، كما هو معلوم. وهل يمكن أن نصدق أنه شرب من ماء البحر حقاً؛ مع أن البحر يبعد مسافات كبيرة جداً عن المدينة، أم أن ذلك كناية عن شربه للمياه غير العذبة والمالحة؟!
د: إذا كان عثمان قد بذل هذا المال حقاً، فلماذا لم تنزل فيه ولو آية واحدة تمدح فعله، وتثني عليه؟! وكيف استحق علي أن تنزل فيه آيات حينما تصدق بثلاثة أقراص من شعير، وحينما تصدق بخاتمه، وحينما تصدق بأربعة دراهم، وحين قضية النجوى؟! وهذا عثمان يبذل عشرات الآلاف، ومئة بكرة من الإبل، ولا يذكره الله بشيء، ولا يشير له بكلمة ولا بحرف؟! وبعد.. لماذا امتنع عثمان - كغيره - عن التصدق بدرهم في آية النجوى، حتى نزل القرآن يلوم الصحابة وهو معهم على إشفاقهم: أن يقدموا بين يدي نجواهم صدقة؟!!.

بئر أريس:
وأخيراً: فلسنا ندري لماذا اختصت بئر رومة بهذا التعظيم والتبجيل، دون بئر أريس، مع أنها أيضاً - كما يدَّعون!! - قد اشتراها عثمان؛ وقد اشتراها أيضاً من يهودي، وكذلك هو قد تصدق بها!!. بارك الله في آبار عثمان، وليمت اليهود بغيظهم، فإنهم يملكون الآبار، ويشتريها منهم عثمان، ويتصدق بها، وينال الأوسمة، ويحصل على الفضائل والكرامات!!.

حقيقة القضية:
وبعد.. فإن كان للقضية أصل، فلعله ما رواه ابن شبة: « عن عدي بن ثابت، قال: أصاب رجل من مزينة بئراً يقال لها: رومة؛ فذكرت لعثمان بن عفان، وهو خليفة، فابتاعها بثلاثين ألفاً من مال المسلمين، وتصدق بها عليهم ».
وقد ضعف السمهودي هذه الرواية: بأن في سندها متروكاً، ورواها الزبير بن بكار في عتيقه، وردها بقوله: وليس هذا بشيء، وثبت عندنا: أن عثمان اشتراها بماله، وتصدق بها على عهد رسول الله (صلى الله عليه واله).
ونقول نحن: لقد ثبت عدم صحة تلك الروايات التي أشار إليها الزبير بن بكار بأي وجه، ولا سيما مع تناقضها، ومع ما تقدم من الإيراد عليها ووجوه الإشكال فيها، مما لا دافع له. هذا، عدا ما في أسانيدها من نقاش كبير وكثير، فوجود المتروك في سند هذه الرواية لا يضر، ولا يعني أنها مكذوبة، ما دامت منسجمة مع الواقع التاريخي، ومع الظروف التي كانت قائمة آنذاك. وما دام لا يمكن أن يصح غيرها، فالظاهر: أنها حرفت وحورت ليمكن الاستفادة منها في إثبات فضيلة لعثمان، لا يمكن أن تثبت له بدون هذا التحوير والتزوير. ولكننا لم نفهم قوله: (( ابتاعها بثلاثين ألفاً من مال المسلمين، وتصدق بها عليهم ))؛ فإنها إذا كانت من مالهم، فما معنى الصدقة بها عليهم؟ إلا أن يقال: إن عثمان والهيئة الحاكمة كانوا يرون أنهم يملكون بيوت الأموال حقاً، فلا بأس إذن بأن يشتريها من مال المسلمين، ثم يتصدق بها عليهم!! وقد ذكرنا بعض الشواهد والدلائل على نظرتهم هذه حين الحديث عما جرى لأبي ذر (رحمه الله) في مورد آخر، فراجع.

وأخيراً.. فقد ذكرنا في ضمن هذه الفصول: أن علياً (عليه السلام) طلب من الذين منعوا الماء عن عثمان أن يسمحوا له بالشرب من بئره، وذلك يشير إلى أنها لم تكن للمسلمين، وإنما هي من أملاك عثمان. إلا إن فرض أن إضافته إليه كانت لأدنى ملابسة، كإضافة البيوت لأزواج النبي (صلى الله عليه واله) مع أنها لرسول الله (صلى الله عليه واله). بئر رومة.. حديث خرافة: وقد يقال: إن قوله (عليه السلام): ((دع الرجل، فليشرب من مائه، ومن بئره)) يدل على أن عثمان لم يجعل بئر رومة وقفاً على المسلمين، بل اشتراها لنفسه، وبقيت ملكاً له إلى حين موته.. ويجاب: أولاً بأن الإضافة قد تكون لأدنى ملابسة، كإضافة البيوت إلى الأزواج، مع أنها ملك للنبي (صلى الله عليه واله) في آية: ﴿ وَقَرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾.
وقد قلنا: إن عثمان قد اشترى البئر من أموال المسلمين، فنسبت إليه. وإن كنا لا نمنع من أن يكون قد اشتراها بأموال بيت المال، ثم سمح لأقاربه بالاستفادة منها، فظنّ بعض الناس أنه أطلقها للناس.. ولربما تكون قد بقيت في ملكه إلى أن قتل، فاستباحها المسلمون بعد قتله، إما لأنهم يرون أنه اشتراها من بيت مال المسلمين، لا من أمواله الشخصية، وإما لأن ورثته لم يمنعوا الناس عنها للظروف القاهرة التي هيمنت على الواقع العام آنئذٍ. وهكذا، فإنه (عليه السلام) قد أشار إلى بطلان حديث وقف عثمان بئر رومة بصورة عابرة، ومن دون اكتراث..
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال