الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(وجوده سبحانه وتعالى) » لا بدّ من الدليل العقلي في إثبات الله تعالى


حامد محل / العراق
السؤال: لا بدّ من الدليل العقلي في إثبات الله تعالى
أرجو الردّ على الإشكال جزاكم الله خير الجزاء.
أصل المعرفة: إثبات الخالق بالعقل (الإمامية), أمّا الأشاعرة قالوا (بالنقل) الدليل النقلي.
ما هو الدليل العقلي على إثبات الخالق؟ نقول: هو دفع الضرر الذي يقول بوجود الخالق, أمّا أن يكون (نبيّ), فإذا كان (نبيّ) فأنت تطيع الدليل (النقلي) وليس الدليل العقلي, وأمّا إذا كان غير (نبيّ) فمن أين له أن يعرف أنّ هناك خالقاً؟
الجواب:

الاخ حامد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبر كاته
إنّ الله سبحانه منح الإنسان العقل وميّزه به عن البهائم والدواب بهذه المنحة، وقد وصف القرآن الكريم من لا يستفيد من عقله وفكره بأنّه شرّ الدواب، قال تعالى: (( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذِينَ لاَ يَعقِلُونَ )) (الانفال:22).. وفي العقل قدرة ذاتية منحه الله إياها للوصول إلى معرفة وجود خالق للكون, بل حتّى له قدرة في بيان جملة من صفات هذا الخالق، وعودة سريعة إلى قصّة ابن طفيل (حيّ بن يقظان) تستطيع أن تستشف قدرة الإنسان المنعزل عن الوحي والاتّصال بالأنبياء في الوصول بل التيقّن من وجود خالق ومدبّر لهذا الكون.

وفي هذا المعنى يقول الإمام الصادق(عليه السلام) في وصف العقل ودوره في الإلهيات: (إنّ أوّل الأُمور ومبدأها وقوّتها وعمارتها، التي لا ينتفع شيء إلاّ به: العقل، الذي جعله الله زينةً لخلقه، ونوراً لهم، فبالعقل عرف العباد خالقهم، وأنّهم مخلوقون، وأنّه المدبّر لهم، وأنّهم المدبّرون، وأنّه الباقي وهم الفانون، واستدلّوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه، من سمائه وأرضه وشمسه وقمره وليله ونهاره، وبأنّ لهم خالقاً ومدبّراً لم يزل ولا يزول، وعرفوا به الحسن من القبيح، وأنّ الظلمة في الجهل، وأنّ النور في العلم، فهذا ما دلّهم عليه العقل)(1).
وقال الرضا(عليه السلام): (افترقت فدلّت على فرقها، وتباينت فأعربت من مبانيها لمّا تجلّى صانعها للعقول، وبها احتجب عن الرؤية وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أُنيط الدليل، وبها عرفها الإقرار، وبالعقل يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به..
ولا ديانة إلاّ بعد المعرفة، ولا معرفة إلاّ بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفات للتشبيه، فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه، وكلّ ما يمكن فيه يمتنع عن صانعه)(2).

أمّا من يستدلّ بالدليل النقلي فقط على إثبات الخالق وغير ذلك من مسائل الإلهيات, فنقول: إنّ آيات القرآن الكريم تحرّض كلّ التحريض على التدبّر في آيات الله، وبذل الجهد في تكميل معرفة الله ومعرفة آياته، بالتذكّر والتفكّر والنظر فيها، والاحتجاج بالحجج العقلية.. وقد استدلّ القرآن على بعض المطالب الإلهية بالأدلّة العقلية وسلك المنهج العقلي، فاستدلّ على التوحيد مثلاً بقوله: (( لَو كَانَ فيهمَا آلهَةٌ إلَّا اللَّه لََفسَدَتَا )) (الانبياء:22) ، وقوله تعالى: (( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ سُبحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )) (المؤمنون:91).
واستدلّ في إبطال مقالة من زعم من المشركين أنّ له سبحانه ولداً قال: (( وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبحَانَهُ بَل لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ )) (البقرة:116).
فالقوّة العاقلة هي هبة سماوية من الله سبحانه إلى البشر، وهي وإن لم تكن بقادرة على كشف جميع الأخبار السماوية وتحتاج إلى الوحي الإلهي، لكنّها ليست بعاجزة مطلقاً!

ومن هنا لا يجوز التقليد في أُصول الدين، فإن دلّ هذا على شيء فإنّما يدلّ على أنّ بعض المسائل الإلهية، كإثبات وجود الخالق، ومعرفة بعض صفاته، قابلة الحصول لدى العقل البشري.
وعليه فالبحث عن وجود الله لا يقتصر على الدليل النقلي فقط، بل العقل - بما هو عقل وله قدرة ذاتية على تشخيص الضرر - يأمرنا بدفع الضرر المحتمل، وكذلك يستقلّ العقل بلزوم شكر المنعم، وإلاّ خالف الإنسان إنسانيته ولم يعد أهلاً للتميّز عن العجماوات، ولا يتحقّق الشكر إلاّ بمعرفة هذا المنعم.

ومن هنا كان للعقل دور في هذه المعرفة، ولعلّ الأدلّة التي ذكرها الفلاسفة والمتكلّمون، مثل: دليل النظم، وبرهان الإمكان، وبرهان حدوث المادّة، كافية في بيان قدرة العقل المستقلّة عن الوحي في الوصول إلى معرفة وجود الخالق وصفاته..
بل وحتى الإيمان بالأنبياء والتصديق بهم يحتاج إلى مقدّمات عقلية، منها: مطالبتهم الإثبات بالمعجزة وإظهارها، كي يُسدّ الطريق على مدّعي النبوّة.. فللعقل دور مهم في مسائل الإلهيات لا يمكن تجاوزه، أو الاكتفاء بالنقل في إثبات هذه المسائل دونه.
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي 1: 29 حديث (34) كتاب (العقل والجهل).
(2) التوحيد للصدوق: 40 حديث (2) باب التوحيد ونفي التشبيه.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال