الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » وحدة الوجود (1)


سيد عمار الموسوي / الكويت
السؤال: وحدة الوجود (1)
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
السؤال: أود معرفة نظرية وحدة الوجود بشكل موجز, و أنواع هذه النظرية أي من قال بوحدة الوجود ووحدة الموجود بأنواعها, و أهم العلماء الذين اتبوعوا هذه النظرية. و إذا كان بالامكان مع معرفة رأي سماحتكم بالموضوع؟
و شكرا ً
جزاكم الله خير الجزاء
الجواب:
الأخ عمار الموسوي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم تطرح مسألة وحدة الوجود في كتب الفلاسفة القدماء بالصورة التي هي عليها الآن من حيث عنوانها والشكل الذي تراها عليه في الكتب الحديثة، فالفلاسفة السابقون لملا صدرا لم يذكروها كما هي عليه بعده...
وربما كان العرفان الإسلامي أحد أهم العوامل المؤثرة في ذلك ــ يعني في أدخال بحث الوحدة والكثرة في أبحاث الفلسفة ــ ولعل أول من أدخل هذه المسألة إلى العرفان الإسلامي وذكرها بهذا العنوان الصريح هو محيي الدين بن عربي في القرن السابع الهجري.
نعم، كانت مسألة الوحدة مطروحة في العرفان قبل ابن عربي ولكن حتى ذلك الوقت لم يستطع أصحاب النظر والعلماء من القطع بأن الوحدة التي يدعيها العارف هل هي وحدة شهود أم أنها وحدة وجود؟ وبعبارة أخرى، ان هذه الوحدة التي بحثها العرفان هل هي وحدة لها صفة إنسانية؟ ومعنى ذلك ان العارف يصل إلى مرحلة لا يرى معها غير وجود الله, أم انها وحدة واقعية؟ ومعنى ذلك أنه على مستوى الواقع والحقيقة لا يوجد شيء في هذا العالم سوى الحق تعالى.
والفرق بيّّن كبير جداً!! فالأولى مسألة متعارفة, فالعارف لشدة تعلقه بالحق تعالى وشدة عشقه له لا يرى غير معشوقه ومحبوبه في هذا العالم...
ويعتقد البعض الآخر أن العرفان القديم في القرنين الثالث والرابع الهجريين حينما يتحدث عن وحدة الوجود فانه لا يعني سوى وحدة الشهود وإن النظرة العرفانية للكون لا تعني بالوحدة الوحدة الواقعية للوجود بل تعني وحدة الشهود.
ولكن البعض الآخر يعتقد ان النظرة العرفانية الإسلامية تعني بوحدة الوجود الوحدة الحقيقية ولكنهم لم يجدوا تعبيراً فلسفياً لهذه المسألة وان ما أنجزه محيي الدين بن عربي هو أنه عبر عن المسألة بتعبير فلسفي لا غير...
ثم دخلت هذه المسألة ـ بعد محيي الدين ـ في الفلسفة المشائية والاشراقية وعلم الكلام كما فتح لها باباً خاصاً في مسائل العرفان وقد دخلت في فلسفة ملا صدرا بشكلها الخاص.
فمسألة وحدة الوجود ذات أصل عرفاني وما ذكره ملا صدرا في فلسفته حول وحدة الوجود قد استعاره من العرفان, وليست المسألة من ابداعات ملا صدرا كما يعتقد. (أنظر ص 163 ـ 165 من كتاب بحوث موسعة في شرح المنظومة).
وقد نسب السبزواري إلى الفهلويين القول بوحدة الوجود، فعندما أراد أن يؤرخ لمسألة وحدة الوجود نراه يرجع تأريخها إلى زمن بعيد فيقول: ان الفهلويين ـ حكماء إيران القدماء ـ يقولون بوحدة الوجود... ولكن ملا صدرا وأمثاله ردوا عليه وقالوا ليس مقصود شيخ الاشراق ـ الذي اعتمد السبزواري على نظريته في النور ـ من النور هو الوجود لأنه يقول بحقيقة النور واعتبارية الوجود.
ثم إنه هناك ثلاث أو أربع نظريات في باب وحدة الوجود وكثرته وهي:
النظرية الأولى: وهذه النظرية من الأفضل تسميتها بوحدة الشهود وليس بوحدة الوجود ، وحتى إذا لم نقل أن العرفاء من الجيل الأول لم يقصدوا وحدة الشهود وإنما كانوا يقصدون وحدة الوجود، فان العرفاء من الجيل الثاني كانوا يقصدون وحدة الشهود، حتى ان القشيري يرى ان من سبقه من العرفاء يقولون بوحدة الشهود ولا يقولون بوحدة الوجود.
النظرية الثانية: وهي النظرية القائلة بكثرة الوجود كثرة مطلقة, والكثرة المطلقة تعني أن الوجود يتكثر بتكثر عدد الموجودات فلا يوجد أي اشتراك وسنخيه بين وجود وآخر، وترى هذه النظرية ان الاشتراك من مختصات الماهية, ولم يذكر هذا القول بهذه الصراحة في كلام أي حكيم من الحكماء، ولكن ملا صدرا وأمثاله من الفلاسفة استبطنوا مثل هذا الكلام من أقوال الفلاسفة المشائين، ولكن من الصعب نسبة هذه النظرية بهذه الكيفية لهم، ولكن على الرغم من ذلك ألصقت هذه المسألة بالفلاسفة المشائين وشاع أن المشائين يقولون بكثرة الوجود, الكثرة التي لا تدع مجالاً لأي نوع من الاشتراك مهما كان صغيراً.
النظرية الثالثة: وهي ما ذكره العرفاء في باب وحدة الوجود حيث قالوا: لا وجود لأي نوع من أنواع الكثرة في الوجود والوجود حقيقة واحدة وهو واحد محض لا غير, وليس للكثرة فيه من سبيل, وهذا يساوي القول بالوجود بالذات لأن حقيقة الوجود تساوي الوجود الذاتي ومن هنا فحقيقة الوجود تساوي ذات الحق حتماً وعلى هذا (فليس في الدار غيره ديار)… وإذا ما تنازل العرفاء عن اعتقادهم في وجود الموجودات فانهم يقولون: ان العالم ليس إلاّ شيئاً تجلت فيه الحقيقة الإلهية وليس هو حقيقة مستقلة بذاتها. وهذا الكلام يتجلى بصراحة منذ عصر محيي الدين بن عربي ومن بعده من العرفاء حيث انه يصرح بقوله: العالم غائب ما ظهر قط, والله تعالى ظاهر ما غاب قط.
النظرية الرابعة: وهي للعرفاء أيضاً, ولعلها تشترك مع سابقتها من جهة أنهم يقولون: ان الوجود حقيقة واحدة ولكنها وحدة في عين الكثرة ، وكثرة في عين الوحدة، وهذا يعني ان الوجود واحد ذو مراتب وليس الوجود أموراً متبايناً كما يقول المشاؤون كما أنه ليس واحداً محضاً لكي لا يقبل المراتب كما هي النظرية السابقة بل هو حقيقة واحدة ذات مراتب متعددة وكل مرتبة ليست مباينة لنفس الحقيقة وإنما هي عين تلك الحقيقة وليست شيئاً آخر, لأن القول بالمراتب لا ينسجم مع التباين, بل أن القول بالمراتب لا يصح إلاّ مع وحدة السنخية, فإذا ما قلنا بالتباين فإن هذا يعني نفي المراتب لأنه لا يصح أن يكون شيئان متباينان وبنفس الوقت يعبران عن مرتبتين لحقيقة واحدة.
وإذا أردنا التعرف على ما انتخبه الفلاسفة من هذه النظريات الأربع وأصبح مورداً لقبولهم، فهو القول بأن (الوجود حقيقة ذات مراتب) وهذه المراتب مختلفة ، فمرتبة غنية ومرتبة فقيرة ، أو بعبارة أخرى ، مرتبة شديدة ومرتبة ضعيفة ، وفيما بين الشديدة والضعيفة توجد مراتب كثيرة ترتبط شدتها وضعفها تبعاً لقربها وبعدها عن عين الوجود وهو الحق تعالى، فكلما كانت المرتبة بعيدة عنه كانت أكثر ضعفاً وكلما اقتربت منه ازدادت شدة. (أنظر ص 175 ـ 178 من بحوث موسعة في شرح المنظومة).
والوجود بالاصطلاح الفلسفي يساوي مطلق الواقع وهو المقابل للعدم وحسب الاصطلاح فانه نقيضه ولهذا فهو يشمل الذات الإلهية المقدسة والواقعيات المجردة والمادية الجواهر منها والاعراض والذوات والحالات.
وهذه الواقعيات العينية عندما تنعكس في الذهن بصورة قضية فانه يؤخذ منها على الأقل مفهومان اسميان يحتمل أحدهما طرف الموضوع ويكون عادة من المفاهيم الماهوية ويحتل الآخر الذي هو مفهوم (موجود) طرف المحمول وكونه محمولاً يقتضي أن يصبح مشتقاً.
وبتعبير آخر، ان الواقع الخارجي عندما ينعكس في الذهن بصورة قضية فإن مفهوم (موجود) يصبح محمولها.
ودمتم في رعاية الله

عبد الجواد الحسيني / العراق
تعليق على الجواب (1)
ان مذهب وحدة الوجود الذي جذره ابن عربي عقليا لا يمت بصلة الى الفهلوين لكن بعض الكتاب امثال الدكتور مهدي الحائري في كتابه هرم الوجود يرى ان نظرية ابن عربي ما هي الا قرائة اسلاميه لافكار بارمنيدس و يصفها بالساذجه قياسا بنظرية الشيرازي بينما الشيرازي نفسه كما ينقل الشهيد مطهري يفضل ابن عربي على الفارابي وابن سينا. فتامل
الجواب:

الأخ عبد الجواد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وحدة الوجود لدى ابن عربي وسائر الصوفية تختلف اختلافا جذريا عن وحدة الوجود المأخوذة عن الفهلويين من حكماء فارس، لأن الصوفية ينفون حقيقة الوجود عما سوى الخالق تبارك وتعالى ويزعمون ان الموجودات الظاهرة في العالم هي شؤونات له عز وجل وهي لا حقيقة لها في أنفسها بل هي وهم وخيال.

بينما يرى الفهلويون وتبعا لهم السهروردي وملا صدرا ان الوجود حقيقة واحدة مشككة يرجع ما به الامتياز الى ما به الاشتراك، أي انها ذات مراتب متعددة في عين وحدتها ويمثلون لها بالنور الذي تكون له مراتب متعددة فمنه النور الشديد ومنه النور الضعيف وما بينهما، مع ان الاختلاف بين شدة الشديد وضعف الضعيف ليس في امر آخر خارج عن أصل النورية فالتفاوت بين جميع هذه المراتب هو بالنور لا بشيء آخر، وهكذا الوجود، فإنه وإن كان ذا حقيقة واحدة إلا ان له مراتب متعددة، فوجود الواجب بذاته أعلى وأتم وأقوى من وجود الواجب بغيره، ووجود العلة أقوى من وجدود المعلول وهكذا.

ولذلك فإن التمييز بين وحدة الوجود لدى الصوفية ووحدة الوجود لدى الفلاسفة أمر لا بد منه، فما ذكره الدكتور الحائري لا يخلو من وجه حق لأن ابن عربي ربما استفاد فكرة وحدة الوجود من الفلاسفة الاغريق ولا سيما السابقين منهم على افلاطون وارسطو وربما استفادها من الافلاطونية المحدثة والحركة الغنوصية المنبثقة عنها والتي انتشرت انتشارا في البلاد الاسلامية ومنه الاندلس موطن ابن عربي وبلاد المغرب العربي، أما وصف فكرة وحدة الوجود هذه بالساذجة قياساً على وحدة الوجود في الفلسفة الاسلامية المعاصرة فربما كان صحيحاً من جهة وخاطئ من جهة اخرى، لأن اختلاف مبنى العرفاء والمتصوفة عن الفلاسفة يناسبه وحدة الوجود بالمعنى الصوفي فمن هذه الجهة وصف الدكتور لها بالسذاجة خاطئ. وأما من جهة ان وحدة الوجود الصوفية تقتضي انكار الحقائق الخارجية البديهية الوجود فيصح وصفها حينئذ بالساذجة ولكن كما اوضحنا لكم فإن الحكم على الفكرة ينبغي ان لا يتغافل فيه عن المبنى، فلا يجوز محاكمة الصوفية من وجهة نظر فلسفية ولا محاكمة الفلاسفة من وجهة نظر صوفية.

وينبغي أخيرا ان نلفت نظركم الى ان ابن عربي لم يكن يعتد بالنظريات الفلسفية العقلية والبراهين المنطقية في طرح افكاره، ولذلك لا يصح وصف منهج ابن عربي بالعقلي، وبالتالي فإن أخده عن الفلاسفة لو صح لم يكن أخذا فلسفياً بل لعله تأثر بأفكار الفلسفة ووظفها طبقا لمنهجه الصوفي الخاص.
ودمتم برعاية الله


محسن تيجا / مصر
تعليق على الجواب (2)
يقول سيدي النابلسي رضي الله عنه الفرق بين وحدة الوجود وكثرة الموجود، الوجود هو الحق، الموجود شئ ظهر به الوجود، الموجودات كثيرة , والوجود واحد وحقيقة واحدة، الوجود ليس صفة وليس صفة للحوادث، الوجود كل شيء قائم به فإذا قام به الشيء يقال له موجود، الوجود لا يختلف ولا يتعدد وهو واحد في نفسه وإن كثرت الأشياء القائمة به وتعددت . إقرأ كتاب الوجود الحق والقول الفصل لسيدي عبد الغني النابلسي رضي الله عنه
الجواب:

الأخ محسن المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ (عبد الغني النابلسي) متصوف يعتقد بوحدة الوجود على مشرب الصوفية، وله أبيات شعرية تشير إلى عقيدته تلك:

وجودي جل عن جسمي ***** وعن روحي وعن عقلي
وعن شرعي وتكليفي ***** وعن حكمي وعن نقلي
وعلمي ليس يدركه ***** سوى من لم يزل مثلي

إلى آخر أبياته التي يظهر فيها جلياً قوله بوحدة الوجود والموجود، وتسمى قصيدته هذه بالقصيدة الشطحية لكثرة ما ورد فيها من الشطحات ..
فقوله في البيت الأول: ((وجودي جل عن جسمي))، فيه إشارة جلية إلى نفي الوجود إلاّ عن الله تعالى فوجود ما سواه باطل.
وهذا شبيه بقول الحلاج: ((ليس في الجبة إلاّ الله))، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومنه قول ابن عربي في فتوحاته: (( ليس في الجبة شيء غير ما قاله الحلاج يوماً فأنعموا ))
ومضامين هذه الأقوال واحدة، والإعتقاد بمثل هذه العقيدة كفر عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، لأنه يستلزم الحلول والإتحاد وكلاهما باطل، إذ لا ينبغي للواجب أن يتصل بالممكن أو القديم بالحادث لاختلاف الرتبة .
ودمتم في رعاية الله


حيدر الرماحي / العراق
تعليق على الجواب (3)
إذن ما هي الفلسفة الصحيحة عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام‏)‏ ؟
الجواب:

الأخ حيدر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الفلسفة عند اهل البيت (عليهم السلام) هي الحكمة التي وردت الاشارة اليها في قوله عز وجل : (( يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلبَابِ )) (البقرة:269)، والحكمة هذه من اساليب الدعوة الى الله تعالى، قال عز وجل من قائل (( ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ )) (النحل:125) فالناس بالنسبة لفهم الدليل ثلاث طبقات من يناسبه دليل الحكمة ومن يناسبه دليل الموعظة الحسنة ومن يناسبه الجدال بالتي هي احسن ... ومستقر كل دليل من هذه الادلة مشعر من مشاعر الانسان، فدليل الحكمة يوصل من يستعمله الى معرفة حقائق الاشياء على ما هي عليه في نفس الامر، ولهذا الدليل مستند او مستقر كما اشرنا وهو الفؤاد الذي هو اعلى مشاعر الانسان، لانه محل المعارف الالهية المجردة.

واما دليل الموعظة الحسنة فانه يوصل الى اليقين والاطمئنان الذي هو اصل علم الاخلاق . ومستنده هو القلب الذي هو من مشاعر الانسان التي يحصل بها الاطمئنان واما دليل المجادلة بالتي هي احسن فهو يوصل الى عالم الصور والمعاني وهو وسيلة للاحتجاج على الخصم .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال