الاسئلة و الأجوبة » عثمان بن عفان » هل جهز عثمان جيش العسرة؟


طارق الأنصاري / ألمانيا
السؤال: هل جهز عثمان جيش العسرة؟
السلام عليكم..
من هم المنفقون في غزوة تبوك، الذين ذكرهم القرآن الكريم؟
الجواب:


الأخ طارق المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

في (الصحيح من سيرة النبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله وسلّم)) للسيد جعفر مرتضى العاملي ج 29 ص 110، قال:
((لم يكن في تبوك عسرة مالية:
وجميع دعاواهم هذه ترتكز على دعوى أنّ غزوة تبوك كانت في شدّة من الزمان، حتّى سمّوا ذلك الجيش بجيش العسرة، اقتباساً من الآية القرآنية التي أطلقت هذا الوصف في هذه المناسبة، فقد قال تعالى في إلماحة منه إلى حالتهم هذه: (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النبيّ وَالُمهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
ثمّ رتبوا مقولات لا أساس لها عن نفقات هذا الصحابي أو ذاك، وجعلوا ذلك ذريعة لنسبة الفضائل والكرامات لمن أعوزتهم الفضائل في شتّى مجالاتها ومظاهرها.
والحقيقة هي: أنّه لم تكن في تبوك عسرة مالية، ولا احتاج (صلّى الله عليه وآله) إلى أخذ الأموال من أحد، وهذا هو ما قرّرته الآيات القرآنية الكثيرة، التي نزلت لتعالج أمر هذه الغزوة..
ويدلنا على ذلك أمور:
1- قد ذكرت الآيات والروايات: أنّ المشكلة الأساسية في حرب تبوك هي الخوف والرعب من بني الأصفر، ففي بعض النصوص: أنّ الجد بن قيس مثلاً قد اعتذر عن تخلفه بقوله: ((ما لي وللخروج في الريح والحرّ الشديد، والعسرة إلى بني الأصفر، فوالله ما آمن خوفاً من بني الأصفر، وأنا في منزلي، أفأذهب إليهم أغزوهم، إنّي والله يا بني عالم بالدوائر)).
2- إنّهم لا يتوقّعون من تلك الغزوة غنائم ولا سبايا، ولا فتح بلاد، وهذا هو ما يسعى إليه الكثيرون منهم، حيث رضوا بالحياة الدنيا، ولولا ذلك لسارعوا إلى الخروج، لأنّهم كانوا يعرفون أنّ الحرب ستكون مع جبّار، لا يسهل الحصول على شيء من ذلك معه. وقد رووا: أنّه(صلّى الله عليه وآله) قال للجد بن قيس يحرضه على الخروج: (تجهز فإنّك موسر، لعلك تحقب من بنات بني الأصفر). وقال تعالى مشيراً إلى ذلك، وإلى كذبهم في تعللاتهم التي يسوقونها للتخلص والتملص من المسير:  (لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
3ــ إنّهم كرهوا أن ينفروا في الحرّ ــ بحسب زعمهم ــ قال تعالى: (...وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ).
4ــ إنّهم قد رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إلى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ).
5ــ إنّه لا صحّة لما يدَّعى من وجود شحّة في الأموال، وحاجة إلى النفقات، ولذلك لم تزل الآيات الكثيرة تنعى عليهم امتناعهم عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، رغم كثرة الأموال لديهم.. ومن ذلك قوله تعالى: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وقال جلّ وعلا: (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ)، وقال سبحانه وتعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)، وقال سبحانه: (فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ)، وقال تبارك وتعالى: (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)، (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ).
6ــ قد صرّحت الآيات القرآنية في نفس مناسبة غزوة تبوك: بأنّ الله تعالى لم يطلب من الذين لا يجدون ما ينفقون أن ينفروا للغزو، فلا معنى للتعلل بفقدان ما يحتاجون إليه من أموال، قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى المَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى المُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوَالِفِ).
ويقول بعض الإخوة هنا: إنّ نفس هذه الآيات دليل على أنّ الأكثيرين كانوا يجدون ما ينفقون، إذ لا يصحّ في الحكمة ترخيص غير الواجد إذا كانوا الأكثر، أو فقل: إذا كانوا بحيث لو رخِّصوا لم يبق من يخرج إلاّ القليل.
ثمّ هي تدلّ على أن الآخرين كانوا واجدين من عند أنفسهم، لا بتبرع فلان وفلان، وإلاّ فلماذا الترجيح بجعل هذا واجداً، وهو لم يجد إلاّ من التبرعات، وجعل ذلك فاقداً ثمّ ترخيصه في لعقود؟!
7ــ إنّه ليس بالضرورة أن يكون المقصود بالآيات التي مدحت اتّباع النبيّ(صلّى الله عليه وآله) في ساعة العسرة خصوص العسرة المالية، فإنّ كون الإسلام والمسلمين في خطر شديد وأكيد من قبل جبّار بني الأصفر، مع ظهور الفشل في أصحابه، وإصرار المنافقين على المكر به(صلّى الله عليه وآله) وبالمسلمين ــ إنّ ذلك ــ من أعظم موجبات العسر والحرج على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فكيف إذا كان سبب تخلّف الكثيرين هو هذه الأمور التافهة، مثل بُعد الشقة، وكون الجو حارّاً، وترك مواسم القطاف للثمار التي أينعت، وما إلى ذلك؟!
وذلك كلّه يدلّ على أنّ المقصود بقوله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ)، ليس هو العسرة المالية، بل هو الخطر الشديد والأكيد على الإسلام وأهله، إذ لو كان المراد العسر المالي، فالمفروض أنّه لم يكلّفهم بالمسير معه، كما أنّهم معذورون في التخلّف عنه، ولا مورد لشن هذا الهجوم على المتخلّفين، ولا يحسن تأنيبهم بهذه الحدّة والشدّة.
8ــ على أنّهم يدَّعون: أنّ عثمان وبعضاً آخر قد أزاحوا علّة الجيش كلّه من الناحية المالية، ولم تبق عسرة، رغم أنّ الآية المشار إليها آنفاً تقول: إنّ العسرة باقية، وقد كاد يزيغ قلوب فريق من المهاجرين والأنصار، لولا أنّ الله تعالى قد تداركهم بالتوبة.
9ــ إنّ الذين تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع، هم أفراد قليلون جدّاً، لا يزيدون على سبعة أشخاص معروفة أسماؤهم وقبائلهم. فإذا كان عثمان وطلحة وعمر وبعض آخر، قد جهزوا جيش العسرة الذي كان يعد بعشرات الألوف، فهل عجزوا عن تجهيز سبعة أشخاص، وتركوهم حتّى تولوا وأعينهم تفيض من الدمع؟! ولم يرق لهم قلب، ولا ارتعش لهم جفن. رغم أنّ ما سألوه لم يكن هو الدواب والمراكب، بل مجرّد أن يزودوهم بنعال، أو بالماء والزاد، كما في بعض الروايات.
إنّ ذلك كلّه يدلّنا على أنّ القضية لم تكن هي أنّ الجيش كلّه أو جلّه كان في عسرة من أمره، بل القضية هي شحّة هؤلاء الناس بأموالهم وأنفسهم وسعيهم للتملّص من هذا المسير، الذي كان لازماً وضرورياً جدّاً.. وعليه يتوقّف حفظ الدين وحياة المسلمين، في حين أنّ النبيّ( صلّى الله عليه وآله) كان يذكّرهم في كلّ يوم من على منبره ويقول: (اللّهمّ إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض).
تجهيز عثمان لجيش العسرة خرافة:
وأمّا بالنسبة لحديث تجهيز عثمان لجيش العسرة، فلا يمكن قبوله، من الناحية العلمية، بل الأدلّة متضافرة على لزوم ردّه، والحكم عليه بأنّه موضوع ومصنوع..
وقد تعرَّض العلامة الأميني(رحمه الله) في كتابه القيم (الغدير) لهذا الحديث، وبيَّن طرفاً من تناقضاته، وأكّد عدم صحّة أسانيده.
ونحن نذكر هنا بعض تناقضات هذا الحديث، ثمّ نعقِّب ذلك ببعض ما يفيد ويزيد في جلاء الحقّ، وسطوع شمس الحقيقة.
فنقول: تناقض الروايات:
قال ابن هشام: أنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة، لم ينفق أحد مثلها، حدّثني من أثق به: أنّ عثمان بن عفان أنفق في جيش العسرة في غزوة تبوك ألف دينار. زاد الصالحي الشامي قوله: غير الإبل والزاد.. وأنّه(صلّى الله عليه وآله) قال: (ما يضرّ عثمان ما فعل بعد هذا اليوم).. وعند الكلبي: جهزهم بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، زاد قتادة عليها: سبعين فرساً أيضاً.. وعند البلاذري: جهزهم بسبعين ألفاً.. وعند الطبراني: جهزهم بمأتي بعير بأحلاسها وأقتابها، ومائتي أوقية من الذهب. وعند أبي يعلى: سبع مائة أوقية من الذهب. وعند ابن عدي: بعشرة آلاف دينار. وعند ابن حنبل: بثلاث مائة بعير بأحلاسها وأقتابها، وقال(صلّى الله عليه وآله): (ما على عثمان ما عمل بعد هذا). وعند ابن عساكر: جهز ثلث الجيش. وعند ابن الأثير: جهز نصف جيش العسرة. وفي الكامل في التاريخ: قيل كانت ثلاث مئة بعير وألف دينار. وعند عماد الدين العامري: أنفق ألف دينار، وحمل على تسعمائة بعير، ومائة فرس، والزاد، وما يتعلق بذلك، حتّى ما تربط به الأسقية. وفي الحلبية أيضاً: عند بعض أعطى ثلاث مئة بعير بأحلاسها وأقتابها وخمسين فرساً. وعن أبي عمرو في الدرر: أنّ عثمان حمل على تسعمائة بعير ومئة فرس بجهازها. أبو بكر أعطى ماله كلّه: تقدّم: أنهم يقولون: إن أبا بكر قد أعطى في هذه الغزوة ماله كلّه. وقالوا: إنه ــ يعني مال أبي بكر ــ كان أربعة آلاف درهم.
ونحن وإن كنّا قد أثبتنا قبل صفحات يسيرة عدم صحّة ذلك، ولكننا نقول: إنّه على فرض صحة ذلك، وإلزاماً لهؤلاء القائلين بما ألزموا به أنفسهم، نسأل: ألم يكن من حمل ماله كلّه أولى من عثمان بالإعلان بشأنه، والدعاء له، والثناء عليه؟! وإذا كانت النفقات العظيمة لا تختص بعثمان، فلماذا يفوز عثمان وحده بالأوسمة، والألقاب، دون غيره ممن أنفق وساهم من الرجال والنساء؟!
فإنّ الثناء على الرجل بملاحظة مستوى تضحيته أولى من الثناء عليه بملاحظة مقدار ما يبذله من مال! لا سيما وأنّ الثناء إنّما جاء من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى)).
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال