الاسئلة و الأجوبة » إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) وإقامة الشعائر » من الذي يحدد مصداق الشعائر؟


ياسر علي العرب / السعودية
السؤال: من الذي يحدد مصداق الشعائر؟
كيف أحدد أن هذا الفعل من الشعائر الحسينية او لا؟
الجواب:

الأخ ياسر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في كتاب الشعائر الحسينية للشيخ محمد السند ص 61 قال:
في كيفيّة تحقّق الموضوع ومعالجة بعض قواعد التشريع
بعد معرفة أنّ الأصل الأوّليّ ومقتضى القاعدة الأوّليّة هو أنّ الشارع إذا أورد عنواناً معيّناً في دليل من الأدلّة فإنّه يجب أن يبقى على معناه اللغويّ.. أي أنّ كلّ دليل ورد من الشارع يبقى على معناه اللغويّ ما لم ينقله الشارع إلى الحقيقة الشرعيّة ; هذا من جهة.. ومن جهة أخرى هناك أمر آخر يضيفه الأصوليّون وهو تحقّق هذا العنوان وحصوله في الخارج.. فنحن تارة نتكلّم في مرحلة التأطير والتنظير.. وفي أفق الذهن أو في أفق اللوح باعتباره القانون فحينئذ يبقى المعنى على حاله.. وتارة نتكلّم عن مرحلة أخرى هي غير التنظير القانونيّ بل هي مرحلة التطبيق في الخارج والوجود في الخارج.. في هذه المرحلة أيضاً، فما لم يعبّدنا الشارع ويتصرّف في الوجود الخارجيّ لأيّ عنوان ; فالأصل الأوّليّ هو أن يكون وجوده ومجاله أيضاً عُرفيّاً.. سواء كان له وجودٌ تكوينيٌ، أو كان له وجود اعتباريٌ لدى العُرف.. إلاّ أن يجعل الشارع له وجوداً خاصّاً بأن ينصب دليلا على ذلك..

أمثلة على تحديد الوجود الخارجيّ للموضوع من الشارع المقدّس
مثال 1: في تحقّق الطلاق، لو قال الزوج: طلّقتُ امرأتي، أو أطلّقُكِ، أو سأُطلّقك.. فكلّ هذه الصيغ لا يُمضيها الشارع ولا يقرّها، وهي غير مُحقّقة، ولا موجِدة للطلاق، وإن كانت في العرف موجِدةً له.. لكن عند الشارع لا أثر لها.. إلاّ أن يقول: أنتِ طالق، بلفظ اسم الفاعل المراد منه اسم المفعول.. هنا الشارع وإن لم يتصرّف في ماهيّة الطلاق ولم يتصرّف في عنوانه، بل أبقاه على معناه اللغويّ، لكنّه تصرّف في كيفيّة وجوده وحصوله في الخارج..

مثال 2: الحلف لا يكون حلفاً شرعيّاً بالله، والنذر لا يكون نذراً لله إلاّ أن تأتي به بالصيغة الخاصة، فهذا تصرّف في كيفيّة الوجود.. فإن دلّ الدليل على كيفيّة تصرّف خاصّة من الشارع وفي كيفيّة الوجود، فلا يتحقّق ذلك الأمر إلاّ بها..
أمّا إذا لم يَقُم الدليل من الشارع على ذلك، فمقتضى القاعدة الأوّليّة أنّ وجوده يكون وجوداً عرفيّاً - تكوينيّاً كان أو اعتباريّاً - ما لم يرد دليل من الشارع لتحديد وجوده وحصوله في الخارج.. نرجع إلى محلّ البحث ; لو لم يكن دليل إلاّ عموم آية (( لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ )) .. وعموم آية: (( ذلِك وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) .. وقلنا أنّ المعنى يبقى على حاله، حيث إنّ الشارع لم يتصرّف في معناه اللغويّ الّذي هو ما يقال عنه مرحلة تقنين القانون.. ولم يتصرّف أيضاً في مرحلة التطبيق الخارجيّ من جهة خارجيّة.. فما يتّفق عليه العُرف بحيث يُصبح تبياناً وإضاءةً لمعنى من المعاني الدينيّة، يُصبح شعيرةً وشَعاراً..
ويجدر التنبيه هنا على أنّ وجودات الأشياء على قسمَين: الوجود التكوينيّ والوجود الإعتباريّ للأشياء
القسم الأوّل: هو الوجود التكوينيّ ; مثل: وجود الماء، الحجر، الشجر، الإنسان، الحيوان...
القسم الثاني: وجود غير تكوينيّ، بل هو إعتباريّ - أي فرضيّ، ولو من العرف - مثل: البيع، فالبائع والمشتري يتّفقان على البيع بخصوصيّاته.. فيتقيّدان بألفاظ الإيجاب والقبول فيها.. فحينئذ: هذا البيع أو الإجارة أو الوصيّة أو المعاملة ليس لها وجود حسّيّ خارجيّ.. وإنّما وجودها بكيفيّات إعتباريّة فرضيّة في عالم فرضيّ يمثّل القانون.. سواء قانون الوضع البشريّ، أو حتّى قانون الوضع الشرعيّ عند الفقهاء، إذ يحملون هذا على الاعتبار الفرضيّ.. فهو عالَم اعتبار لما يتّخذه العقلاء من فرضيّات.. العقلاء يفترضون عالماً فرضيّاً معيّناً.. لوحة خاصّة بالعقلاء، لوحة القانون العقلائيّ.. فوجودات الأشياء على أنحاء.. تارةً نسق الوجود التكوينيّ، وتارة نسق الوجود الإعتباريّ، وإن كان اعتبارات الشارع وتقنينات الشارع وفرضيّات الشارع وقوانينه يُطلق عليها أيضاً اعتبار شرعيّ.. ولكن من الشارع..

خلاصة القول أنّ كلّ عنوان أُخذ في دليل - كالبيع، أو الهبة، أو الوصيّة، أو الشعائر، أو الطلاق، أو الزوجيّة - إذا أُبقي على معناه اللغويّ ; وأيضاً أُبقي على ما هو عليه من الوجود عند العرف فبها.. غاية الأمر أنّ الوجود عند العرف ليس وجوداً تكوينيّاً.. بل وجودٌ طارىءٌ اعتباريّ في لوحة تقنيناتهم وفي لوحة اعتبارهم. مثلا: حينما يقول الشارع في الآية الكريمة: (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ )) ليس معناه: أنّ البيع الّذي هو بيعٌ عند الشارع قد أحلّه الله، لأن ذلك يكون تحصيل الحاصل، لأنّ البيع الّذي عند الشارع هو حلالٌ من أساسه.. بل المقصود مِن: (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ )) وكذلك: (( أَوفُوا بِالعُقُودِ )) المراد أنّ البيع والعقود الّتي تكون متداولة في أفق اعتباركم أنتم أيها العقلاء قد أوجبتُ - أنا الشارع - الوفاء بها.. وقد أحللتها لكم.
فإذن قد أبقاها الشارع على ما هي عليه من وجود ومعنىً لغويّ عند العقلاء والعُرف.. وقد يتصرّف الشارع في بعض الموارد - كما بينّا في الطلاق - حيث يقيّدها بوجود خاصّ.. فحينئذ، يتبيّن أنّ الأشياء قد يبقيها الشارع على معناها اللغويّ، ويبقي وجودها في المقام الآخر على ما هي عليه من وجود إمّا تكوينيّ أو اعتباريّ.. ومن جهة أخرى، فإنّ العلامة أو ( الدالّ ) إمّا عقليّة أو طبعيّة، أو وضعية.. فهل الشعائر أو الشعيرة هي علامة تكوينيّة أم عقلية أم طبعيّة أم هي وضعيّة؟ الشعيرة علامة وضعيّة نرى أنّ الشعيرة والشعار هي علامة وضعيّة وليست عقليّة ولا طبعيّة.. وهنا مفترق خطير في تحليل الماهيّة.. للتصدّي للكثير من الإشكالات أو النظريّات الّتي تُقال في قاعدة الشعائر.. نقول أنّ الشعيرة هي علامة وضعيّة.. بمعنى أنّ لها نوعاً من الاقتران والربط والعُلقة الاعتباريّة.. فالوضع هو إعتباريّ وفرضيّ بين الشيئَين.. والأمر كذلك في الأمور الدينيّة أيضاً.. مثلا كان شعار المسلمين في بدر: « يا منصور أمِت » حيث يستحب في باب الجهاد أن يضع قائد جيش المسلمين علامة وشعاراً معيّناً للجيش.. الشعائر أو الشعارة هي ربط اعتباريّ ووضع جعليّ فطبيعتها عند العرف هو الاعتبار ; حتّى شعار الدولة وشعار المؤسسات وشعار الأندية، والوزارات.. والشركات التجارية، والفرق الرياضية.. لكنّ كلّ ذلك أمر اعتباري.. فهو علامة حسّيّة دالّة على معنى معين.. لكنّ الوضع والعلقة فيه إعتباريّة.. فلا بدّ من الالتفات إلى تحليل أعمق لماهيّة الشعائر والشعيرة.. فماهيّة الشعار والشعيرة علامة حسّيّة لمعنى من المعاني الدينيّة.. ولكنّ هذه العلامة ليست تكوينيّة، ولا عقليّة، ولا طبعيّة.. وإنّما هي علامة وضعيّة.. فالشعائر هي التي تفيد الإعلام، وكلّ ما يُعلِم على معنى من المعاني الدينيّة، أو يدلّ على شئ له نسبة إلى الله عزّ وجل، فإنّ هذا الإعلام والربط بين المَعلَم والمُعلَم به.. وهذا الربط هو في الماهيّة وضعيّ إعتباريّ.. فالموضوع يتحقّق بالعُلقة والوضع الإعتباريّ.
وإذا كان تحقّق ماهيّة الشعائر والشعيرة بالعُلقة الوضعيّة الإعتباريّة، وافتراضنا أنّ الشارع لم يتصرّف في كيفيّة الوجود.. بمعنى أنّ المتشرّعة إذا اختاروا واتّخذوا سلوكاً ما علامة لمعنى دينيّ معيّن.. فبالتالي يكون ذلك السلوك من مصاديق الشعائر.. وكما قلنا أنّ ماهية الشعائر تتجسّد في كلّ ما يوجب الإعلام والدلالة فيها وضعيّة.. والواضع ليس هو الشارع، لأنه لم يتصرّف بالموضوع.. فبذلك يكون الوضع قد أُجيز للعرف والعقلاء.. كما ذكرنا في البيع أنّ له ماهيّة معيّنة، وكيفيّة خاصّة حسب ما يقرّره العقلاء.. وكيفيّة وجوده إعتباريّة.. وذكرنا أنّ الشارع إن لم يتصرّف في الماهيّة والمعنى في الدليل الشرعيّ، ولم يتصرّف في كيفيّة الوجود.. فالماهيّة تبقى على حالها عند العقلاء ; بخلاف الطلاق الذي تصرّف الشارع في كيفيّة وجوده في الخارج.. الشعائر ومناسك الحجّ وممّا تقدّم: تبيّن خطأ عدّ مناسك الحجّ - بما هي مناسك - شعائر.. حيث إنّ الشعائر صفة عارضة لها.. وليست الشعائر هي عين مناسك الحجّ كما فسّرها بعض اللغويّين.. بيان ذلك: حينما نقول مثلا: « الإنسانُ أبيض »، هل يعني أن الماهيّة النوعيّة للإنسان هي البياض.. كلاّ.. أو حين نقول: « الإنسان قائم » ; فهل يعني أنّ الماهيّة النوعيّة للإنسان هي القيام.. كلاّ، إذ القيام والبياض أو السمرة، أو السواد ليست ماهيةً للإنسان، وإنّما هذه عوارض قد تَعرض على الماهيّة وقد تزول عنها.. إنّ كُنه الإنسان وماهيّته بشيء آخر، لا بهذه العوارض.. وكذلك مناسك الحجّ، إذ ليست ماهيّة المنسك هي الشعار.. بل الشعار هو ما يكمُن وينطوي فيه جنبة الإعلام والعلانية لشئ من الأشياء..

مثال آخر: لفظة « زيد » كُنهها ليس أنّها سِمة لهذا الإنسان.. كنهها هو صوت متموّج يتركّب من حروف معيّنة.. نعم من عوارضها الطارئة عليها أنّها سِمة واسم وعلامة لهذا الإنسان.. وهذا من عوارضها الإعتباريّة لا الحقيقيّة، حيث إنّها علامة على ذلك الجسم..
إذن جنبة العَلاميّة لون عارض على أعمال الحجّ، أو على العبادات، أو على الموارد الأخرى.. لا أنّها عين كُنه أعمال الحجّ.. وليس كون الشعائر هي نفس العباديّة، ولا كون العباديّة هي الشعائر..
أما كيف يسمح الشارع في أن يتصرف العُرف بوضع الشعائر أو غير ذلك.. فهذا ما سنقف عليه لاحقاً إن شاء الله تعالى.. الترخيص في جعل الشعائر بيد العرف إنّ الشارع حينما لا يتصرّف في معنى معين ولا في وجوده في الخارج، فهل يعني هذا تسويغاً من الشارع في أن يتّخذ العُرف والعقلاء ما شاؤوا من علامة لمعاني الدين وبشكل مطلق؟ أم هناك حدود وقيود.. وما الدليل على ذلك؟ هل اتّخاذ المسلمين لهذه المعالم الحسّيّة مَعلَماً وشعاراً، سواء كانت معالم جغرافية، كموقع بدر وغدير خُمّ.. أو معلماً زمنيّاً، كمولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهجرته صلى الله عليه وآله وسلم وتواريخ الوقائع المهمة.. أو مَعلَماً آخر غير زمانيّ ولا مكانيّ، كأن يكون ممارسةً فعليّة.. هل هذا فيه ترخيص من الشارع أم لا؟
للإجابة على هذا السؤال المهمّ لا بدّ من تحرير النقاط التالية:
النقطة الأولى: وهذه هي جهة الموضوع في قاعدة الشعائر الدينيّة، وهي أنّ العناوين الّتي ترد في لسان الشارع إذا لم يرد دليلٌ آخر يدلّ على نقلها من الوضع اللغويّ إلى الوضع الجديد والمعنى الجديد، فهي تبقى على حالها، وعلى معانيها الأوّليّة اللغويّة..

النقطة الثانية: أنّ تحقّق تلك الموضوعات وكيفيّة وجودها في الخارج.. إن كان الشارع صرّح وتصرّف بها فنأخذ بذلك، وإلاّ فإنّها ينبغي أن تبقى على كيفيّة وجودها العرفيّ أو التكوينيّ..

النقطة الثالثة: أنّ وجودات الأشياء على نسقَين:
أ- بعض الوجودات وجودات تكوينيّة..
ب- وبعض الوجودات وجودات إعتباريّة.. وقد أشرنا سابقاً لذلك، ولكن لزيادة التوضيح نقول: إنّ عناوين أغلب المعاملات وجودها إعتباريّ.. كالبيع والإجارة، والهبة والوصيّة والطَلاق والنِكاح وما شابه ذلك.. كلّ هذه العناوين كانت وجودات لدى العرف والعقلاء.. (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) ; (( أَوفُوا بِالعُقُودِ... )) وغيرها من العناوين..

فآية: (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) لسانٌ شرعيّ وقضيّة شرعيّة تتضمّن حكماً شرعيّاً وهو الحِلّيّة، بمعنى حلّيّة البيع وصحّته وجوازه.. ولم يتصرّف الشارع بماهيّة البيع. ولا بكيفيّة وجوده، إلاّ ما استُثني.. فكيفيّة وجوده عند العُرف والعقلاء تكون معتبرة.. فما يصدق عليه وما يسمّى وما يُطلق عليه « بيع » في عُرف العقلاء جُعِل موضوعاً لقضيّة شرعيّة، وهي حلّية ذلك البيع.. وإلاّ فإنّ هذا الدليل (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) ليس المقصود منه البيع الشرعيّ، إذ البيع الشرعيّ أحلّه الله.. ولو كان البيع المراد في هذا اللسان هو البيع الشرعيّ، لما كان هناك معنىً لحلّيّته.. لأنّه سوف يكون تحصيلا للحاصل. البيع الشرعيّ إذا كان شرعيّاً فهو حلالٌ بذاته.. فكيف يرتّب عليه الشارع حكماً زائداً وهو الحلّيّة.. فلسان الأدلّة الشرعيّة والّتي وردت فيها عناوين معينة إذا لم يتصرّف الشارع بها ولم يتعبّد بدلالة زائدة، تبقى على ما هي عليه من المعاني الأوّليّة، وتبقى على ما هي عليه عند عُرف العقلاء.. حينئذ يأتي البيان المزبور في لفظة « الشعائر » الواردة في عموم الآيات: (( يا أيّها الذين آمَنوا لا تُحِلّوا شعائرَ الله )) أو: (( ذلك ومَن يُعظِّم شعائرَ الله.. )) وقد مرّ بنا أنّ ماهيّة الشعيرة، أو الشعائر التي هي بمعنى العلامة إذا أضيفت إلى الله عزّ وجل.. أو أضيفت إلى الدين الإسلاميّ، أو أضيفت إلى باب من أبواب الشريعة، فإنّها تعني علامة ذلك الباب، أو علامة أمر الله.. أو علامة أحكام الله وما شابه ذلك. والعَلامة - كما ذكرنا - ليست عين المنسك، وليست عين العبادة، وليست عين الأحكام الأخرى في الأبواب المختلفة.. وإنّما العلامة أو الإعلام شيء طاريء زائد على هذه الأمور، كاللّون الّذي يكون عارضاً وطارئاً على الأشياء ; فيكون طارئاً على العبادة أو المنسك أو الحكم المعين.. فجنبة الإعلام والنشر في ذلك الحكم أو في تلك العبادة أو ذلك المنسك تتمثّل بالشعيرة والشعائر. وبهذا النحو أيضاً تُستعمل في شعائر الدولة أو شعائر المؤسسة والوزارة - مثلا - فهي ليست جزءاً من أجزاء الوزارة أو المؤسّسة مثلا وإنما هي علامةٌ عليها.

فالنتيجة أنّ الشعيرة والشعائر والشِعار تبقى على حالها دون تغيير في كلا الصعيدَين: صعيد المعنى اللغويّ، وصعيد كيفيّة الوجود في الخارج. فإطلاق الشعائر على مناسك الحجّ ليس من جهة وجودها التكوينيّ أو الطبعيّ.. بل من جهة الجعل والاتّخاذ من الله عزّ وجلّ: (( وَالبُدنَ جَعَلنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُم فِيهَا خَيرٌ )) يعني باتّخاذ وضعيّ واعتباريّ أصبحت علامة ونبراساً للدين.. هذه الشعائر في مناسك الحجّ، جُعلت - بالوضع والاعتبار - علامةً للدين، ولعلوّ الدين، ولرقيّه وانتشاره وعزّته ونشر أحكامه. بعد هذا البسط يتّضح من ماهية الشعيرة ومن وجود الشعيرة، أنّ وجودها ليس تكوينيّاً.. والمقصود ليس نفي تكوينيّة وجود ذات الشعيرة.. بل إنّ تَعَنوُن الشيء بأنّه شعيرة وجعله علامة على شيء آخر تَعنونه هذا ; وجَعله كذلك ليس تكوينيّاً بل إعتباريّاً.. وإلاّ فالبُدن هي من الإبل، ووجودها تكوينيّ.. ولكن كونها شعيرة وعلامة على حُكم من أحكام الدين أو على عزّة الإسلام شيء إعتباريّ، نظير بقية الدلالات الّتي تدلّ على مدلولات أخرى بالاعتبار والجعل.. فالشعائر وإن كانت وجودات في أنفسها تكوينيّة، ولكن عُلقتها ودلالتها على المعاني إتّخاذية وإعتباريّة، بواسطة عُلقة وضعيّة ربطيّة إعتباريّة ; هذا من جهة وجودها.

ومن جهة أخرى، فقد دلّلنا على أنّ الشعائر والشعيرة تكون بحسب ما تُضاف إليه.. كما قد يتّخذ المسلمون الشعائر في الحرب مثلا، كما ورد دليل خاصّ في باب الجهاد على استحباب اتّخاذ المسلمين شعاراً لهم. مثل ما اتّخذه المسلمون في غزوة بدر، وهو شعار : « يا منصور أمِت ».. فالمقصود، إذا لم يرد لدينا دليل خاصّ على التصرّف في معنى الشعائر أو الشعيرة - الّتي هي بمعنى العلامة كما ذكرنا - فإنّه يبقى على معناه اللغوي الأوّلي.. الوجود الإعتباريّ للشعيرة وكذلك في الوجود الخارجيّ.. إذ المفروض أنّ المتشرّعة إذا اتّخذوا شيئاً ما كشعيرة، يعني علامة على معنى دينيّ سامي.. معنىً من المعاني الدينيّة السامية، أو حكماً من الأحكام العالية، وجعلوا له علامة.. شعيرة وشعار وشعائر.. فالمفروض جعل ذلك بما هي شعيرة لا بما هي هي. أي بوجودها النفسيّ، لكن بما هي شعيرة، ( كاللفظ بما هو دال على المعنى.. لا يكون دالا على المعنى إلاّ بالوضع.. ) فالشعيرة بما هي شعيرة، أي بما هي علامة دالّة على معنى سامي من المعاني الدينيّة.. وتشير بما هي علامة على حكم من الأحكام الدينيّة الركنيّة مثلا، أو الأصليّة.. وهي دلالة إعتباريّة، اتّخاذيّة، وضعيّة.. وهذا يعني أنّها مجعولة في ذهن الجاعل، وبالتبادل وبالإتّفاق تصبح شيئاً فشيئاً شعيرة وشعار.. مثل ما يجري في العُرف بأن يضعوا للمنطقة الفلانية اسماً معيّناً مثلا.. وبكثرة الاستعمال ; شيئاً فشيئاً ينتشر بينهم ذلك الاسم فيتواضعون عليه، ويتعارف بينهم أنّ هذه المنطقة تُعرف باسم كذا، ويحصل الاستئناس في استعمال اللفظ في ذلك المعنى.. فينتشر ويتداول.. فحينئذ يكون اللفظ المخصوص له دلالة على المعنى المعيّن دلالةً وضعيةً.. خلاصة القول إلى هنا عرفنا أنّ في آية: (( لا تُحِلّوا شعائر الله )) وآية: (( وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) هناك ثلاثة محاور: محور الحكم، ومحور المتعلّق، ومحور الموضوع..
فنقول: لو كنّا نحن ومقتضى القاعدة، لو كنّا نحن وهاتَين الآيتَين الشريفتَين فقط وفقط.. فحينئذ، نقول: إنّ المعنى لشعائر الله، كالزوال، وكدلوك الشمس بقي على ما هو عليه في المعنى.. ووجوده أيضاً على ما هو عليه من وجود، وقد بيّنّا في كيفيّة وجوده أنّها ليست تكوينيّة، بل هي وضعيّة وإعتباريّة واتّخاذية.. كما في آية (( أَحَلَّ اللهُ البَيعَ... )) نُبقيه على ما هو عليه من معنى، ونبقيه على ما هو عليه من وجود.. ووجوده هو وجود إعتباريّ لدى العقلاء..

وكذلك الأمر في شعائر الله، حيث هناك موارد قد تصرَّف فيها الشارع بنفسه وجعلَ شيئاً ما علامة، وغاية هذا التصرّف هو جعل أحد مصاديق الشعائر.. كالمناسك في الحجّ.. وهناك موارد لم يتصرّف الشارع بها ولم يتّخذ بخصوصها علامات معيّنة.. وإنّما اتّخذ المتشرّعة والمكلّفون شيئاً فشيئاً فِعلا من الأفعال - مثلا - علامة وشعاراً على معنى من المعاني الإسلاميّة.. فتلك الموارد يشملها عموم الآية: (( ذلِكَ وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ )) وكذلك يشملها عموم: (( لا تُحِلّوا شعائر الله )) .. فلو كنّا نحن وهاتين الآيتين فقط يتقرّر: أنّ معنى الشعائر ووجودها هو اتّخاذي بحسب اتّخاذ العرف.. لكن قبل أن يتّخذها العرف شعيرة ومشاعر، وقبل أن يتواضع عليها العُرف، والمتشرّعة والعقلاء والمكلّفون لا تكون شعيرة.. وإنّما تتحقّق شعيريّتها بعد أن تتفشّى وتنتشر ويُتداول استعمالها، فتُصبح رسماً شعيرة وشعائر، ويشملها عموم (( لا تُحِلّوا شعائر الله... )) و (( ذلِك وَمَن يُعَظِّم شَعَائِرَ اللهِ... )) ..
فالمفروض أنّ المعنى اللغويّ لشعائر الله هو معنىً عامّ طُبّق في آية سورة المائدة أو في آية سورة الحجّ على مناسك الحجّ.. ولكن لم تُحصَر الشعائر بمناسك الحجّ.. بل الآية الكريمة دالّة على عدمه: (( وَالبُدنَ جَعَلنَاهَا لَكُم مِن شَعَائِرِ اللهِ لَكُم فِيهَا خَيرٌ )) و( مِن ) دالة على التبعيض والتعميم.. فإذن، اللفظ حسب معناه اللغويّ عامّ، ونفس السياق الّذي هو سياق تطبيقي ليس من أدوات الحصر كما ذكر علماء البلاغة، فإنّهم لم يجعلوا تطبيق العام على المصداق من أدوات الحصر.. بل عُلّل تعظيم مناسك الحج لكونها من الشعائر، فيكون من باب تطبيق العامّ على أفراده.. وذكرنا أنّ أغلب علماء الإماميّة من مفسّريهم وفقائهم ومحدّثيهم ذهبوا في فتاواهم وتفاسيرهم إلى عموم الآية لا إلى خصوصها، ومنهم الشيخ الطوسيّ في التبيان، حيث ذكر أقوالا كثيرة نقلا عن علماء العامّة، ثمّ بعد ذلك ذهب إلى أقوائيّة عموم الآية، وأنّه لا دليل على تخصيصها.. كما أنّ هناك دليلا على ذلك من الآية الشريفة (( ذلك وَمَن يُعَظِّم حُرُمَاتِ اللهِ فَهُوَ خَيرٌ لَهُ عِندَ رَبِّهِ )) ، حيث إنّ من الواضح أنّ حرمات الله أعمّ من حرمات الحجّ، هنا الموضوع للحكم هو مُطلق حرمات الله وكذلك الأمر بالنسبة لشعائر الله في الآية الأخرى.. فإذن لو كنّا نحن ومقتضى هاتين الآيتين، فهاتان الآيتان بحسب معناهما اللغويّ وبحسب وجودهما بين العقلاء وعُرف المكلّفين وجودهما إعتباريّ إتّخاذي، ولو من قِبَل المتشرّعة.. هذا الكلام بحسب اللسان الأوّليّ في أدلّة الشعائر وقاعدة الشعائر، أمّا بحسب اللسان الإلتزاميّ، فالأمر أوضح بكثير كما سنتعرّض إليه..
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال