الاسئلة و الأجوبة » الخلق والخليقة » علة خلق الله السموات والارض في ستة أيام


قاسم / البحرين
السؤال: علة خلق الله السموات والارض في ستة أيام
كما هو معلوم بالنص القرآني أن الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون فلماذا خلق الله السماوات في ستة أيام! وما الحكمة من ذلك؟
الجواب:

الاخ قاسم المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إن سؤالك له وجهان: فمرة تريد السبب في كون العدد هو ستة أيام لا غير؟ فسيدخل في الجواب معرفة ما هي هذه الايام هل هي أيام أرضية أو سماوية أو من أيام الله وما معنى الايام؟ هل المقصود بها قطعة زمنية أو طور من الاطوار؟ ثم ما هي ميزات العدد ستة, الى معنى الزمان وهل يعقل قبل خلق الكون, وغير ذلك؟ وقد حاول بعضهم الاجابة على هذه الاسئلة وذكر محتملات للحكمة من ذلك طوينا عنها كحشاً ولم نفصل لانا نعتقد أن سؤالك لا يتعلق بهذا الوجه.
وانما تريد الوجه الثاني: وهو لماذا كان هذا التدريج والاحتياج الى زمن معين لخلق السماوات والارض؟ مع أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يخلقه بآن من الزمان فيقول له كن فيكون, ألا يعني الاحتياج الى زمن في خلق السماوات والارض محدودية في قدرة الله ـ اعوذ بالله ـ ؟

والجواب على ذلك:
إن ارادة الله ومشيئتة تعلقت بأن يخلق الكون (وبالاحرى المخلوقات أجمع) حسب النظام الاتم، وأن النظام الاتم حسب علم الله هو ان يتم خلق الاشياء بالاسباب والمسببات أي قانون العلة والمعلول، ومن الواضح على ذلك أنه لا يتم خلق شيء إلا اذا كملت علته التامة أي تمت جميع شروطه واسبابه (اذ لكل شيء قدر وقضاء) وهذا يحتاج الى زمن وتدرج وترتب ولاحق بعد سابق.
فمثلاً لا يوجد زيد إلا بعد أن يوجد أبوه عمرو ولا يوجد عمرو الا بعد أن يوجد أبوه خالد, فاذا وجد زيد قبل وجود عمرو فأنه لا يكون زيد بن عمرو، بل يكون شخصاً آخر وهكذا في بقية الأشياء, فان وجود ماهية معينة في الخارج (أي التشخص) متعلق بالمكان والزمان, فتأمل.
وقد عزا بعض الفلاسفة ذلك الى قصور القابل بمعنى أن قدرة الله جل جلاله غير محدودة ولكن المانع من ذلك هو عدم الاستعداد في المخلوق (القابل).
ثم منهجوا ذلك على طبق قاعدة (الواحد لا يصدر منه إلا الواحد) فقالوا بصدور العقل الاول ثم الثاني ثم الثالث الى العاشر الذي سموه العقل الفعال على طبق ما توصلوا اليه من الافلاك العشرة، ثم إن هذا العقل الفعال وهو الذي صدر منه هذا العالم.
ولكن فلاسفة متكلمي الاسلام رفضوا ذلك وقالوا بامكان صدور أكثر من واحد من القادر المختار وان تعددت الجهة، كما في النفس الانسانية البسيطة يصدر منها افعال كثيرة ولا يخل ذلك بوحدتها وبساطتها.
وعلى كل فربما يقال: بأن معنى قصور القابل هو عدم القدرة على تحمل الفيض الالهي مباشرة لنزول الرتبة في ترتب الموجودات, من دون النظر الى قاعدة (الواحد لا يصدر منه إلا الواحد). ومثال ذلك ما ورد في قصة الاسراء والمعراج من وقوف جبرائيل عند حد معين لم يتجاوزه وقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله) تقدم فسأله النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك فقال لو تقدمت لاحترق جناحاي، ومنه يعلم ارتفاع رتبة نبينا (صلى الله عليه وآله) على رتبة جبرائيل التي بها استطاع الاستفادة من الفيض الالهي مباشرة كما في قضية الاسراء والمعراج. فلاحظ.
ثم إن في الروايات اشارة الى الحكمة من هذا التدرج في الخلق, فعن الامام الرضا(عليه السلام) عندما سأله المأمون عن قول الله عز وجل (( وهو الذي خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء ليبلوكم ايكم احسن عملا ))[الملك:2] قال (عليه السلام) في ضمن كلامه:... وخلق السماوات والارض في ستة أيام وهو مستول على عرشه وكان قادراً على ان يخلقها في طرفة عين ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلقه منها شيئاً بعد شيء وتستدل بحدوث ما يحدث على الله تعالى ذكره مرة بعد مرة (الحديث) (توحيد الصدوق: 32 ج2). وهذا له علاقة بالنظام الاتم.
ومثله ما عن أمير المؤمنين(عليه السلام): وأما قولهك (( انما اعظكم بواحدة )) فان الله جل ذكره نزل عزائم الشرائع وآيات الفرائض في اوقات مختلفة كما خلق السماوات والارض في ستة أيام ولو شاء لخلقها في أقل من لمح البصر ولكنه جعل الاناة والمداراة امثالاً لامنائه وايجاباً للحجة على خلقه (الاحتجاج 1: 379). وهذا اشارة الى انه كتب على نفسه الخلق بالاسباب والمسببات لانه لازم للنظام الاتم لعالم الامكان (وانظر بحار الانوار 54: 6).
وفي الآية دلالة على نظام التدريج (انظر بحار الانوار 54: 216). وقال الطوسي في (البيان): وانما خلقهما في هذا المقدار من الزمان مع قدرته ان يخلقهما في اقل من لمح البصر ليبين بذلك أن الامور جارية في التدبير على منهاج, ولما علم في ذلك من مصالح الخلق من جهة اقتضاء أن بنشأها على ترتيب يدل على انها كانت من تدبير عالم بها قبل فعلها مثل سائر الافعال المحكمة (التبيان في تفسير القرآن5: 451), وانظر ايضاً (صفحة 334, و4: 221, ومجمع البيان 5: 245).
وقد فصل صاحب (الميزان) بين الخلق والأمر، فجعل الخلق هو التقدير بضم شيء الى شيء, وأن الامر يرجع بالاخر الى النظم المستقر في جميع الشؤون, فامر كل شيء هو الشأن الذي يصلح له وجوده وينظم له تفاريق حركاته وسكناته وشتى اعماله واراداته فهو عبارة أخرى عن التدبير, وقد قال الله تعالى (( انما امره اذا اراد شيئاً ان يقول له كن فيكون )) (يس:83).
ثم قال والحاصل: ان الامر هو الايجاد سواء تعلق بذات الشيء أو بنظام صفاته وأفعاله فامر ذوات الاشياء الى الله وأمر نظام وجودها الى الله لانها لا تملك لنفسها شيئاً البتة, والخلق هو الايجاد عن تقدير وتأليف سواء كان ذلك بنحو ضم شيء الى شيء، كضم اجزاء النطفة بعضها الى بعض وضم نطفة الذكور الى نطفة الاناث، ثم ضم الاجزاء الغذائية اليها في شرائط خاصة حتى يخلق بدن الانسان مثلاً, ام من غير أجزاء مؤلفة كتقدير ذات الشيء البسيط وضم ماله من درجة الوجود وحده وماله من الاثار والروابط التي له مع غيره, فالاصول الاولية مقدرة مخلوقة كما ان المركبات مقدرة مخلوقة، قال الله تعالى: (( وخلق كل شيء فقدره تقديرا )) (الفرقان:2)، وقال: (( الذين اعطى كل شيء خلقه ثم هدى )) (طه:5), وقال: (( الله خالق كل شيء )) (الزمر:62), فعمم خلقه كل شيء, فقد اعتبر في معنى الخلق تقدير جهات وجود الشيء وتنظيمها سواء كانت متمايزة منفصلا بعضها عن بعض اولا بخلاف الأمر ولذا كان الخلق يقبل التدريج كما قال: (( خلق السماوات والأرض في ستة ايام )) بخلاف الامر قال تعالى (( وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر )) (القمر: 50). (الميزان8: 150).
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال