الاسئلة و الأجوبة » الخلق والخليقة » العلّة من وراء خلق الله تعالى للخلق


احمد ماه كريم / الكويت
السؤال: العلّة من وراء خلق الله تعالى للخلق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ما هي العلة من وراء خلق الله تعالى لكل هذه المخلوقات من دقيقها إلى كبيرها ومن قديمها إلى جديدها ومن قريبها إلى بعيدها إذا كان الجواب لإظهار قدرة الله تعالى فهناك الكثير من المخلوقات لم يكن أصلا الإنسان موجودا في وقتها أو على عهد قريب منها حتى يرى على الأقل نتائجها بعد أن فنت وأنتهت حيث أن هناك الكثير من المجرات قد خلقها الله قبل خلقة الإنسان بآلاف السنين وقد أندثرت هذه المجرات ولم تسمع بها البشرية وليس للبشرية علم بها وكذلك في زمننا الحالي هناك مجرات ونجوم بعيده كل البعد عن كوكبنا حيث أننا نجهل مكانها وحجمها ومسارها ولو أن الله تبارك وتعالى قد خلق عشر هذه النجوم والمجرات لكفي لإظهار قدرته عزوجل..
ودمتم.
الجواب:

الأخ أحمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: ان العلة الغائية غير العلة الفاعلية , والعلم بالعلة الغائية يسبق وجود الشئ ,نعم تحققها في الخارج يكون بعد وجود الشئ, وهي من الجهة الأولى سميت بالعلة . فسؤالك لماذا خلق الخلق حتى يوجد لهم بعد ذلك المصلحة ؟ ليس في محله , فالمصلحة سابقة في علم الله .

ثانياً: وأما بالنسبة لإظهار القدرة للملائكة في خلق السموات والأرض في ستة أيام، فقد جاء في ضمن رواية عن أهل البيت (ع) وهو جواب عن سبب الخلقة في ستة أيام لا عن سبب أصل خلق السموات والأرض .

ثالثاً: وأما سبب خلق الملائكة فالملائكة مدبرة لهذا العالم بأذن الله , والنظام الأتم الذي خلق الله العالم عليه يتم عن طريق الأسباب والمسببات والملائكة تدخل في ضمن سلسلة الأسباب والمسببات طوليا بالنسبة لقدرة الله تعالى فلاحظ .
وللتفصيل في الجواب وجمعه بشكل علمي بحت ننقل كلام الشيخ مصباح اليزدي في المنهج الجديد في تعليم الفلسفة, قال:
إن مسألة هدف الخلق والعالم تعتبر من المسائل المهمة في الفلسفة الإلهية وعلم الكلام, وقد جرت فيها بحوث متعددة وأبديت فيها وجهات نظر مختلفة: فمن جهة أنكر بعض أصحاب الرأي ، الهدف والعلة الغائية في الأفعال الإلهية, ومن جهة أخرى اعتبر البعض الهدف الإلهي هو إيصال النفع إلى المخلوقات , وذهبت فئة ثالثة إلى القول بوحدة العلة الفاعلية والعلة الغائية في المجردات.
وبشكل عام فإنه توجد في المضمار أحاديث طويلة لا يسعنا هنا نقلها ونقدها. ولهذا فنحن نشرح أولا مفهوم الهدف والمصطلحات الفلسفية المشابهة له, ثم نستعرض مقدمات مفيدة في توضيح المسألة ورفع الشبهات عنها, وبالتالي نبين المعنى الصحيح لكون الله هادفا.الهدف والعلة الغائية:
يطلق الهدف في اللغة على النقطة التي يوجه إليها السهم, ويقصد منه في المحاورات العرفية نتيجة الفعل الاختياري التي يأخذها الفاعل المختار بعين الاعتبار منذ البدء ويؤدي الفعل من أجل الوصول إليها, بحيث إذا لم تقصد نتيجة الفعل فإن الفعل لا يتم إنجازه. وتسمّى نتيجة الفعل بـ (الغاية) من جهة أنها ينتهي إليها الفعل وتسمى ب ((الهدف والغرض)) من جهة أنها منذ البدء كانت مورد نظر وقصد الفاعل, ويطلق عليها اسم ((العلة الغائية)) من جهة إن مطلوبيتها تؤدي إلى تعلق إرادة الفاعل بإنجاز الفعل, إلا أن المؤثر الحقيقي في إنجاز الفعل هو العلم والحب للنتيجة وليس وجودها الخارجي, بل النتيجة الخارجية في الواقع معدولة للفعل وليست علة له .
وتستعمل كلمة ((الغاية)) عادة بمعنى ما تنتهي إليه الحركة, والنسبة بين مواردها وموارد الهدف هي ((العموم والخصوص من وجه)), لأنه في الحركات الطبيعية لا يمكن الأخذ بعين الاعتبار هدفا لفاعلها الطبيعي, ولكن مفهوم الغاية يصدق على ما تنتهي إليه تلك الحركات, ومن جهة أخرى ففي الأفعال الإيجادية حيث لا توجد حركة فإنه يصدق الهدف والعلة الغائية, إلا أن الغاية بمعنى ما تنتهي إليه الحركة لا مجال لها هنا . ولكنه أحيانا تستعمل الغاية بمعنى العلة الغائية, ومن هنا لابد من الدقة حتى لا يحصل خلط بين المعنيين فتنسب أحكام أحدهما للآخر.
وقد كانت العلاقة بين الفاعل والفعل ونتيجته موضوعا لبحوث فلسفية متعددة, ونحاول هنا توضيح بعض المطالب المرتبطة بموضوع بحثنا الحالي والمفيدة لتبيين المعنى الصحيح للهدف الإلهي من الخلق.

تنبيه على عدة ملاحظات:
1- إن الأفعال الاختيارية للإنسان تتم عادة بهذه الصورة, حيث يظهر أولا تصور للفعل ونتيجته, ويتم التصديق بمقدمية الفعل لحصول النتيجة والفائدة المرتبة عليه, ثم يحصل الشوق في النفس إلى الخير والكمال والفائدة المترتبة على الفعل, وفي ظل ذلك ينبع الشوق إلى الفعل نفسه, فيما إذا كانت الشروط متوفرة والموانع مفقودة فإن الشخص يتخذ القرار للقيام بالفعل, وفي الحقيقة فإن العامل الأصلي والمحرك الواقعي لإنجاز الفعل هو الشوق إلى فائدته, ولهذا لابد من عد العلة الغائية هي الشوق, ويسمى متعلقه بالعلة الغائية مجازا وبالعرض.
لكنه لا ينبغي أن يتصور كون هذه المراحل ضرورية في كل فعل اختياري, بحيث أن كان الفاعل فاقدا للعلم الحصولي والشوق النفساني فإن فعله لا يكون اختياريا أو ليس له علة غائية, وإنما الضروري في كل فعل اختياري هو مطلق العلم والحب, سواء كان علما حضوريا أم حصوليا,وسواء أكان شوقا زائدا على الذات أم كان حبا هو عين الذات .
وبناء على هذا فالعلة الغائية في المجردات التامة هي نفس حبها لذواتها وهو يتعلق بآثار الذات أيضا بالتبع, ذلك الحب الذي هو عين ذات الفاعل, ولهذا فإن مصداق العلة الفاعلية والعلة الغائية في مثل هذه الموارد هو ذات الفاعل.
2- كما أشرنا من قبل فإن مطلوبية الفعل تابعة لمطلوبية الخير والكمال المترتب عليه, ومن هنا فإن مطلوبية الهدف تتمتع بالأصالة بالنسبة إلى مطلوبية الفعل
فإنها فرعية وتبعية. لكن الهدف الذي يقصد من إنجاز الفعل فقد يكون مقدمة للوصول إلى هدف أرفع, ومطلوبيته تتم أيضا في ظل مطلوبية شيء آخر, ولكنه بالتالي لابد أن يكون لكل فاعل هدف نهائي وأصيل تكتسب الأهداف المتوسطة والقريبة والمقدمات والوسائل المطلوبية في ظله. وعلى ايّ حال فمطلوبية الفعل فرعيه وتبعيه, وأما الإحالة في الأهداف فإنها تتوقف على قصد الفاعل ونيته ودوافعه, فقد يعد أحد الأهداف هدفا متوسطا لفاعل معين وهدفا نهائيا وأصيلا لفاعل آخر.
3- إن المطلوبية الأصيلة للهدف والمطلوبية الفرعية للفعل والوسيلة تظهر في النفوس بصورة الشوق, ومتعلق هذا الشوق هو كمال مفقود يتحقق نتيجة للفعل أما في المجردات التامة حيث تكون كل الكمالات الممكنة الحصول لها موجودة بالفعل فإن الخير والكمال المفقود ليس متصورا حتى يحصل بواسطة الفعل, وفي الواقع فالحب للكمال الموجود هو الذي يتعلق بآثاره بالتبع ويؤدي إلى إفاضة تلك الآثار, أي إنجاز الفعل الايجادي. إذن مطلوبية الفعل لدى المجردات فرعية وتبعية أيضا, لكنها تابعة للكمال الموجود وليست تابعة لمطلوبية الكمال المفقود.

رابعاً: قد يكون للأفعال التي يقوم بها الأنسان آثار متعددة وهو لا يلتفت إليها جميعا أو لا يتمتع بالدافع للظفر بها, ولهذا فهو يقوم بالفعل عادة للوصول إلى أحد الآثار والنتائج, وإن كان من الممكن أيضا أن يؤدي الفعل لعدة أهداف في عرض بعضها.
أما في مورد المجرد التام فإن جميع آثار الخير المترتبة على الفعل تكون مورد نظره ومطلوبة له, وصحيح أن مطلوبيتها جميعا تابعة لمطلوبية الكمال الموجود فيه, ولكنه قد توجد علاقة الأصالة والتبعية النسبية بين الأشياء المطلوبة بالتبع, فمثلا وجود العالم ووجود الإنسان من جهة كونها شعاعا من الكمال الإلهي يكونان مطلوبين بالتبع لله تعالى, لكن لما كان الإنسان متميزا بكمالات أكثر وأرفع, ويعتبر وجود العالم مقدمة لوجوده فلهذا يمكن القول إن للإنسان مطلوبية أصيلة بالنسبة لمطلوبية العالم.إن الله تعالى هادف:
بالالتفات إلى الملاحظات التي بيناها تتضح ضرورة وجود العلة الغائية لكل فعل اختياري, سواء أكان الفعل إيجادياً أم إعداديا, وسواء أكان دفعياً أم تدريجيا, وسواء أكانت فاعلية الفاعل بالقصد أم بالرضا أم بالعناية أم بالتجلي.
والعلة الغائية هي في الحقيقة أمر في ذات الفاعل وليست نتيجة فعله الخارجية, وإطلاق العلة الغائية على النتيجة الخارجية إطلاق مجازي وبالعرض,وهو بلحاظ أن محبة الفاعل أو رضاه أو شوقه قد تعلق بحصولها, وكون النتيجة الخارجية غاية للأفعال الإعدادية والتدريجية بمعنى ما تنتهي إليه الحركة لا علاقة له بالعلة الغائية, والغاية بالذات للحركة غير العلة الغائية بالذات (تحسن الدقة هنا).
وبناء على هذا تكون الأفعال الإلهية ذات علة غائية أيضا من جهة أنها اختيارية, وكون الساحة الإلهية المقدسة منزهة عن العلوم الحصولية والشوق النفساني لا يستلزم نفي العلة الغائية عن ذاته, كما أنه لا يستلزم نفي العلم والحب عن ذاته المقدسة.
وبعبارة أخرى: إن نفي الداعي والعلة الغائية الزائدة على الذات عن المجردات التامة والفاعل بالعناية وبالرضا وبالتجلي لا يعني نفي مطلق الهدف عن هؤلاء وقصر الهدف على الفاعل بالقصد, وكما أن العقل يتناول المفاهيم المأخوذة من الصفات الكمالية للمخلوقات ويجردها من ألوان المحدوديات واللوازم المادية والإمكانية وينسبها لله تعالى بعنوان كونها صفات إيجابية, فكذا الحب والكمال فإنه بعد تجريده من جهات النقص والإمكان يثبته للذات الإلهية ويعتبره العلة الغائية لأفعاله سبحانه, ولما كانت جميع الصفات الذاتية الإلهية عين ذاته المقدسة فهذه الصفة التي هي العلة الغائية للخلق ومنشأ الإرادة الفعلية تعتبر عين أيضاً وبالتالي تصبح العلة الفاعلية والعلة الغائية للافعال الإلهية هي نفس ذاته المقدسة ذاته المقدسة. وكما أن العلم الإلهي يتعلق بالأصالة بذاته المقدسة, وبالتبع بمخلوقاته التي تعد تجليات لوجوده مع اختلاف مراتبها ودرجاتها, فالحب الإلهي يتعلق بالأصالة أيضا بذاته تعالى وبالتبع بخير وكمال مخلوقاته, وتسود بينها أيضا الأصالة والتبعية النسبية في المحبوبية والمطلوبية, إي إن الحب الإلهي للمخلوقات يتعلق في الدرجة الأولى بأكملها الذي هو أول مخلوق, ثم يمتد إلى سائر المخلوقات, الأكمل بالأقل كمالا. وحتى بين الماديات والجسمانيات التي ليس بينها تشكيك خاص فإنه يمكن عد وجود الأكمل هدفا لخلق الأنقص, وبالعكس يمكن اعتبار الجمادات مقدمة لظهور النباتات والنباتات مقدمة لظهور الحيوانات والجميع مقدمة لظهور الإنسان: (( خلق لكم ما في الأرض جميعاً )) (البقرة:29), وبالتالي يمكن عد الحب للإنسان الكامل علة غائية لخلق العالم المادي. وبهذا المعنى نستطيع القول إن سبحانه خلق العالم المادي من أجل تكامل الموجودات الجسمانية ووصولا إلى خيرها وكمالها الواقعي, لأن كل موجود له مراحل مختلفة من الكمال والنقص فإن أكمل مراحله تتمتع بالأصالة النسبية في المحبوبية والمطلوبية, ولكنه لا يلزم من ذلك أن تكون الموجودات الأنقص أو المراحل الأنقص لوجود أحد المخلوقات غير متمتعة بأي درجة من المطلوبية.
وعلى هذا المنوال يمكننا أن نأخذ بعين الاعتبار أهدافا طولية لخلق نوع الإنسان, أي إن الهدف النهائي هو وصوله إلى آخر مراتب كماله ونيله للقرب الإلهي والتمتع بأرفع وأدوم الفيض والرحمة والرضوان الأبدي. والهدف المتوسط هو تحقق العبادة والطاعة لله سبحانه وهي تعتبر وسيلة للوصول إلى ذلك المقام الرفيع والهدف النهائي, والهدف القريب هو توفر الأرضية المادية والاجتماعية وتحقق المعرفة اللازمة للانتخاب الحر لسبيل الحياة السليمة وانتشار عبادة الله في المجتمع.
ولهذا فإنه في القرآن الكريم بعد التأكيد على أن خلق العالم والأنسان ليس باطلا ولا عبثاً بل له هدف حكيم (آل عمران /191,ص27, الأنبياء/16-17, الدخان/38-39, الجاثية/22, إبراهيم/19, الحجر/85, النحل/3, العنكبوت/44, الروم /8, المؤمنون/115) فهو يعلن من ناحية أن الهدف لخلق العالم هو توفرّ أرضية الامتحان والانتخاب الحر للإنسان (هود/7, الملك/2, الكهف/7), ويصرح من ناحية أخرى بأن الهدف من خلق الإنسان هو عبادة الله تعالى (الذاريات/56, يس/61), وبالتالي فإنه يعد الهدف النهائي هو جوار الرحمة الإلهية والظفر بالفوز والفلاح والسعادة الأبدية (هود/108-119, الجاثية/23, آل عمران/15, التوبة/72). وبالالتفات إلى ما ذكرناه نستطيع أن نبين طريقا للجمع بين الأقوال الثلاثة المذكورة في صدر البحث فنقول: إن مقصود الذين عدوا العلة الغائية هي الذات الإلهية المقدسة فحسب هو أن المطلوب الذاتي وبالأصالة لله سبحانه ليس شيئاً سوى ذاته المقدسة التي هي الخير المطلق والمتميزة بالكمالات اللانهائية, ومقصود الذين ينكرون العلة الغائية للأفعال الإلهية هو إنه ليس له داعف زائٌد على الذات, وفاعليته ليست من قبيل الفاعلية بالقصد, ومقصود الذين يعدّون العلة الغائية والهدف من الخلق هو إيصال النفع إلى المخلوقات أو وصولها إلى الكمال هو أن يبينوا الهدف الفرعي والتبعي. والحاصل أنه يمكننا أن نأخذ بعين الاعتبار تأويلاً صحيحا للقولين الآخرين بحيث لا تغدو فيهما منافاة للقول الذي تبنيناه.
ودمتم في رعاية الله


حسين / العراق
تعليق على الجواب (1)
الجواب السابق مطول وذكر أمور فلسفية ومصطلحات كلامية مع أنّ رسول الله صلى الله عليه واله والأئمّة عليهم جاؤوا لقوم أُميون ويعلومنهم العقائد بأبسط ما يكون للفهم.
فهلا تنزلتم بمستوى الحديث لأسلوب أهل البيت(عليهم السلام) بدون ذكر مصطلحات الغائية والفاعلية وما شابه وأعطونا جواباً واضحاً، لأنّ إجابتكم وإجابة كلّ من سألته من رجال الدين هذا السؤال بجواب غير مقنع البتة..
فالسؤال ليس عن القدرة الإلهية أو الرحمة أو الحكمة أو ...الخ.
وإنّما: لماذا خُلقنا أليس من الأفضل لو أبقانا معدومين أفضل من خلقنا وتعريضنا للبلاء والمحن والشهوات والنزوات ثمّ يعاقبنا على أدنى خطأ؟! ألا يعد هذا جبراً للإنسان بدون موافقة منه لأن يدخل مضمار الحياة والخلق ويدخل في سباق مجبراً عليه؟؟!!
رجاء أريد السبب المقنع وليس كلام المصطلحات أو الأسباب التي يكرّرها معظم رجال الدين (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) وأمثالها..
الجواب:
الأخ حسين المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما دمت تأنس بكلام المعصومين(عليهم السلام) سننقل لك بعض الروايات بهذا الشأن: 
في علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص9 قال:
أولاً: حدّثنا أبي(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن الحسن بن علي بن أبي عثمان، عن عبد الكريم بن عبد الله، عن سلمة بن عطا، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: خرج الحسين بن عليّ(عليهما السلام) على أصحابه، فقال: أيّها الناس! إنّ الله جلّ ذكره ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه.
فقال له رجل: يا بن رسول الله! بأبي أنت وأُمذي فما معرفة الله؟
قال: معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته.
قال مصنف هذا الكتاب - يعني ذلك - أن يعلم أهل كلّ زمان أنّ الله هو الذي لا يخليهم في كلّ زمان عن إمام معصوم، فمن عبد ربّاً لم يقم لهم الحجّة فإنّما عبد غير الله عزّ وجلّ.

ثانياً: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى الجلودي، قال: حدّثنا محمّد بن زكريا الجوهري، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، قال: سألت الصادق جعفر بن محمّد(عليه السلام)، فقلت له: لم خلق الله الخلق؟
فقال: إنّ الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قدرته وليكلفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد.

ثالثاً: حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن محمّد بن زيد، قال: جئت إلى الرضا(عليه السلام) أسأله عن التوحيد؟ فأملى عليَّ: الحمد لله فاطر الأشياء إنشاءا ومبتدعها ابتداءا بقدرته وحكمته، لا من شيء فيبطل الاختراع، ولا لعلّه فلا يصح الابتداع، خلق ما شاء كيف شاء متوحّداً بذلك لاظهار حكمته وحقيقة ربوبية، لا تضبطه العقول، ولا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأبصار، ولا يحيط به مقدار، عجزت دونه العبارة، وكلّت دونه الأبصار، وضلّ فيه تصاريف الصفات، احتجب بغير حجاب محجوب، وأستتر بغير ستر مستور، عرف بغير رؤية، ووصف بغير صورة، ونعت بغير جسم، لا إله إلاّ الكبير المتعال.

رابعاً: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، وحدّثنا أبي(رضي الله عنه)، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستاني، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:
إنّ الله عزّ وجلّ لمّا أخرج ذرّية آدم(عليه السلام) من ظهره ليأخذ عليهم الميثاق له بالربوبية، وبالنبوّة لكلّ نبيّ، كان أوّل من أخذ عليهم الميثاق نبوّة محمّد بن عبد الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثمّ قال الله جلّ جلالة لآدم: أنظر ماذا ترى؟
قال: فنظر آدم إلى ذرّيته وهم (ذر) قد ملؤا السماء، فقال آدم: يا ربّ! ما أكثر ذرّيتي ولأمر ما خلقتهم؟ فما تريد منهم بأخذك الميثاق عليهم؟
قال الله عزّ وجلّ: يعبدونني ولا يشركون بي شيئاً، ويؤمنون برسلي ويتبعونهم.
قال آدم: يا ربّ! فمالي أرى بعض الذر أعظم من بعض، وبعضهم له نور كثير، وبعضهم له نور قليل، وبعضهم ليس له نور؟
قال الله عزّ وجلّ: كذلك خلقتهم لأبلوهم في كلّ حالاتهم.
قال آدم: يا ربّ! أفتأذن لي في الكلام فأتكلم؟
قال الله عزّ وجلّ: تكلّم فإنّ روحك من روحي، وطبيعتك من خلاف كينونتي.
قال آدم: يا ربّ! لو كنت خلقتهم على مثال واحد وقدر واحد وطبيعة واحدة وجبلة واحدة وألوان واحدة وأعمار واحدة وأرزاق سواء، لم يبغ بعضهم على بعض، ولم يكن بينهم تحاسد ولا تباغض ولا اختلاف في شيء من الأشياء؟
قال الله جلّ جلالة: يا آدم! بروحي نطقت وبضعت طبعك تكلفت ما لا علم لك به، وأنا الله الخالق العليم بعلمي خالفت بين خلقهم، وبمشيتي يمضى فيهم أمري، وإلى تدبيري وتقديري هم صايرون، لا تبديل لخلقي، وإنّما خلقت الجنّ والإنس ليعبدوني، وخلقت الجنّة لمن عبدني وأطاعني منهم واتّبع رسلي ولا أبالي، وخلقت النار لمن كفر بي وعصاني ولم يتّبع رسلي ولا أبالي، وخلقتك وخلقت ذرّيتك من غير فاقة لي إليك واليهم، وإنّما خلقتك وخلقتهم لأبلوك وأبلوهم أيّكم أحسن عملاً في دار الدنيا في حياتكم وقبل مماتكم، وكذلك خلقت الدنيا والآخرة والحياة والموت، والطاعة والمعصية، والجنّة والنار، وكذلك أردت في تقديري وتدبيري وبعلمي النافذ فيهم خالفت بين صورهم وأجسامهم وألوانهم وأعمارهم وأرزاقهم وطاعتهم ومعصيتهم، فجلعت منهم السعيد والشقي، والبصير والأعمى، والقصير والطويل، والجميل والذميم، والعالم والجاهل، والغنى والفقير، والمطيع والعاصي، والصحيح والسقيم، ومن به الزمانة ومن لا عاهلة به، فينظر الصحيح إلى الذي به العاهة فيحمدني على عافيته، وينظر الذي به العاهة إلى الصحيح فيدعوني ويسألني أن أعافيه ويصبر على بلائي فأثيبه جزيل عطائي، وينظر الغنيّ إلى الفقير فيحمدني ويشكرني، وينظر الفقير إلى الغني فيدعوني ويسألني، وينظر المؤمن إلى الكافر فيحمدني على ما هديته، فلذلك خلفتهم لأبلوهم في السراء والضراء، وفيما عافيتهم وفيما ابتليتهم وفيما أعطيتهم وفيما أمنعهم، وأنا الله الملك القادر، ولى أن أمضى جميع ما قدرت على ما دبرت ولي أن أغير من ذلك ما شئت إلى ما شئت فأقدم من ذلك ما أخرت وأؤخر ما قدمت، وأنا الله الفعال لما أريد، لا أسأل عمّا أفعل وأنا أسأل خلقي عمّا هم فاعلون.

خامساً: حدّثنا أبي(رحمه الله)، قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، قال: قال رجل لجعفر بن محمّد: يا أبا عبد الله! إنا خلقنا للعجب؟
قال: وما ذاك لله أنت.
قال: خلقنا للفناء؟
فقال: مه يا بن أخ، خلقنا للبقاء وكيف تفنى جنّة لا تبيد ونار لا تخمد، ولكن قل: إنّما نتحرك من دار إلى دار.

سادساً: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن محمّد أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري، عن يعقوب بن يزيد، عن الحسن بن علي الوشاء، عمّن ذكره، عن بعضهم، قال: ما من يوم إلاّ وملك ينادي من المشرق: لو يعلم الخلق لماذا خلقوا. قال: فيجيبه ملك آخر من المغرب: لعملوا لما خلقوا.

سابعاً: أخبرني أبو الحسن طاهر بن محمّد بن يونس بن حياة الفقيه فيما أجازه لي ببلخ، قال: حدّثنا محمّد بن عثمان الهروي، قال: حدّثنا أبو محمّد الحسن بن مهاجر، قال: حدّثنا هشام بن خالد، قال: حدّثنا الحسن بن يحيى، قال: حدّثنا صدقة بن عبد الله، عن هشام، عن أنس، عن النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، عن جبرئيل(عليه السلام)، قال: قال الله تبارك وتعالى: من أهان وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت في شيء أنا فاعله مثل ترددي في قبض نفس المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه، وما يتقرب إلى عبدي بمثل أداء ما اقترضت عليه، ولا يزال عبدي يبتهل إلي حتّى أحبّه، ومن أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً وموئلاً، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن يريد الباب من العبادة فاكفه عنه لئلا يدخله عجب فيفسده، وإنّ عبادي المؤمنين لمن لم يصلح إيمانه إلاّ بالفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه بالغني ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالسقم ولو صححت جسمه لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلاّ بالصحة ولو أسقمته لأفسده ذلك، أني أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم فإنّي عليم خبير.

ثامناً: حدّثنا الحسين بن يحيى بن ضريس البجلي، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن عمارة السكري السرياني، قال: حدّثنا إبراهيم ين عاصم بقزوين، قال: حدّثنا عبد الله بن هارون الكرخي قال: حدّثنا أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن يزيد بن سلام بن عبد الله بن عبد الله مولى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: حدّثني عبد الله ابن يزيد، قال: حدّثني أبي يزيد بن سلام، عن أبيه سلام بن عبد الله أخي عبد الله بن سلام، عن عبد الله بن سلام مولى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: في صحف موسى بن عمران(عليه السلام): يا عبادي! إنّي لم أخلق لأستكثر بهم من قلّة، ولا لأنس بهم من وحشة، ولا لأستعين بهم على شيء عجزت عنه، ولا لجر منفعة، ولا لدفع مضرة، ولو أن جميع خلقي من أهل السماوات والأرض اجتمعوا على طاعتي وعبادتي لا يفترون عن ذلك ليلاً ولا نهاراً ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، سبحاني وتعاليت عن ذلك.

تاسعاً: حدّثنا محمّد بن أحمد الشيباني(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون)؟
قال: خلقهم ليأمرهم بالعبادة.
قال: وسألته عن قوله الله عزّ وجلّ: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)، ولذلك خلقهم؟
قال: ليفعلوا ما يستوجبون به رحمته فيرحمهم.

عاشراً: حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد(رضي الله عنه)، قال: حدّثني محمّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن عبد الله بن أحمد النهيكي، عن علي بن الحسن الطاطري، قال: حدّثنا درست بن أبي منصور، عن جميل بن دراج، قال لأبي عبد الله(عليه السلام): جعلت فداك ما معنى قول الله عزّ وجلّ: (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون)؟
فقال: خلقهم للعبادة.

الحادي عشر: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن جميل بن دراج، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله عزّ وجلّ: (وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون)؟
قال: خلقهم للعبادة.
قلت: خاصّة أم عامّة؟
قال: لا، بل عامّة.

الثاني عشر: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني(رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفي، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، قال: لم خلق الله سبحانه وتعالى الخلق على أنواع شتّى ولم يخلقهم نوعا واحدا؟
فقال: لئلا يقع في الأوهام أنّه عاجز ولا يقع صورة في وهم ملحد إلاّ وقد خلق الله عزّ وجلّ عليها خلقاً لئلا يقول قائل: هل يقدر الله عزّ وجلّ على أن يخلق صورة كذا وكذا، لأنه لا يقول من ذلك شيئاً إلاّ وهو موجود في خلقه تبارك وتعالى، فيعلم بالنظر إلى أنواع خلقه أنّه على كلّ شيء قدير.
 ودمتم في رعاية الله

حسين / العراق
تعليق على الجواب (2)
السلام عليكم ورحمة الله، وجزاكم الله خيرا..
ولكن رغم الروايات التي ذكرتموها عن الأئمّة الأطهار(صلوات الله وسلامه عليهم) إلاّ أنّها لم تحلّ لي الإشكال!
ويبقى السؤال نفسه: ما فائدة خلق الخلق وهو غير محتاج لنا ولا محتاج ليظهر قدرته و...الخ؟!!
أعتقد من خلال إجابتكم والتي تشابه إجابة بعض طلبة العلم الذين طرحت عليهم نفس السؤال والذين اجابوني بجواب مقارب لجواب حضراتكم.. أنّ العلة مخفية علينا نحن العوام، ولعلّها تظهر بظهور الإمام(عجّل الله فرجه)، أو يوم القيامة، والله أعلم.
الجواب:
الأخ حسين المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
بعد أن خلق الله الخلق تفضّلاً منه جعل لهم غاية، وهذه الغاية هي تحقيق الإمكانات التي فطر خلقه عليها، وأوضحها غريزة حبّ الكمال، ولم يخلقهم منذ البداية كاملين، ولكنّه شاء أن يجعلهم في معرض التكامل بالعمل والمجاهدة والسعي. والله تعالى ليس محتاجاً إلى عبادة الخلق، ولكنّه جعل العبادة من اسباب تكاملهم، لأنّ في الإنسان جنبتين: جنبة ظاهرية، وجنبة باطنية روحية.
ويتكامل الإنسان في جنبته الظاهرية بالأعمال البدنية الظاهرية ومنها أعمال البر والصلاح، وأفضلها الصلاة والصوم والزكاة والحجّ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..
وأمّا الجنبة الباطنية فتتكامل بأعمال القلوب، كالعقائد الحقّة والنوايا الطيبة، وأوضحها الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر...
ولا موضوع للعبادة قبل الخلق، وأمّا بعد الخلق فلا ينبغي أن يفهم من العبادة ما لازمه احتياج المعبود إلى العبادة، كيف وهو الغني الكامل على الاطلاق؟! ولكنّه سبحانه لعظيم فضله وجوده وكرمه خلق الانسان ووهبه طاقات وقابليات كامنة وندبه إلى العمل والعلم حتّى تخرج تلك القابليات إلى التحقق، بشرط ان يلتزم الانسان بما شرعه الله تعالى من الاعمال الجوارحية والجوانحية، فاذا امتثل امر الله تعالى ونهيه يترقى في الدرجات حتّى يصل إلى اوج الكمال اللائق به فيستحق الخلود الابدي في الجنة والرضوان، وقد وهبه آلات تساعده على تفعيل تلك الطاقات الكامنة كآلات الحركة من اليد والرجل وآلات الادراك كالسمع والبصر والعقل..الخ فضلا عن القوة الدافعة له نحو العمل وهي الارادة الحرة.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال