الاسئلة و الأجوبة » الخلق والخليقة » التعارض بين الداروينية والقرآن في مسألة التغير ومظاهره


ابو عبد الحميد / تونس
السؤال: التعارض بين الداروينية والقرآن في مسألة التغير ومظاهره

بسم الله الرحمان الرحيم

تصطدم نظرية داروين مع الإسلام في مسألة خلق الإنسان ولكن إذا أردنا معرفة تطابق هذه النظرية مع الكائنات الأخرى فسوف تتضح لنا آليات يمكن أن نفهم بها عدة آيات قرآنية.
فاستنتاج داروين هو أن الكون ليس بسكوني بل هنالك حركة دينامكية تتغير من خلالها أشكال الموجودات , فعلى سبيل المثال لو أخذنا الإنسان نفسه فهو من أصل واحد من خلال النص الديني ولكننا نجد الأبيض والأسود والطويل والقصير وما إلى غير ذلك , بل أكثر من هذا فإنه يمكننا معرفة منطقة شخص من خلال ملامحه , كسكان الصين أو القوقاز أو غيرها , فالتطابق بين الشخص وموطنه هو نتيجة عوامل بيولوجية ومناخية ونفسية وجاء القرآن الكريم ليركز على النقطة الأخيرة من خلال مسخ بني إسرائيل لقردة أو خنازير .
فالقرآن هو كتاب بياني فذكر لنا هذا التشكل من خلقة إلى أخرى في شكل عقاب وترك لنا المجال للبحث في هذا الأمر من الناحية الصيرورية للحياة .
إن الطبقات الجيولوجية هي بمثابة كتاب نستطيع من خلاله معرفة الكائنات الحية الموجودة في حقبة زمنية معينة لأنها تحتفظ بالهياكل العظمية للحيوانات التي ماتت في تلك الفترة .
ومن خلال دراسة هذه الطبقات يتضح لنا جليا أن الهياكل الموجودة حاليا لم تكن بالسابق فلو أخذنا على سبيل المثال هيكل فيل اليوم وفيل عاش منذ 100 ألف سنة نلاحظ اختلافا كبيرا فهنالك أجزاء أضيفت وأخرى قد اختفت فالاستنتاج هو أن المخلوقات تتكيف حسب الظروف البيئية الموجودة , فنقول أن الوسط البيئي الذي عاش فيه نوح (ع) سمح بطول العمر لإنسان تلك الفترة أو أن الوسط البيئي الذي عاشت فيه الديناصورات قد سمح بظهور أشكال ضخمة وحتى في زمن واحد نجد اختلافا فمعدل الأعمار للهنود يختلف عن معدل أعمار سكان شمال أوربا وهكذا .
فالقرآن الكريم مثلما ذكر لنا تدني في المستوى أي من إنسان إلى قرد فقد ذكر لنا أيضا رقي في المستوى أي من قرد إلى نسناس وهو بإخراج دابة الأرض التي سوف تكلم الناس.
ودمتم في رعاية الله

الجواب:
الأخ أبا عبد الحميد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الأسس التي بنيت عليها نظرية النشوء والأرتقاء لا تصادم مسألة خلق الإنسان فحسب، بل لا تنسجم مع خلق سائر الكائنات! هذا لو سلمنا بصحة هذه الاسس، لكن أنى لمدعيها ذلك وقد رد عليه علماء قومه، مع أن دارون لم يستطع اثبات التحول الديناميكي التدريجي بالتجربة والبرهان وإنما استنتج ذلك من جداول مقارنة للصفات المتشابهة في الأحياء والنباتات، ولا ينحصر وجود التشابه بما قرره دارون إذ لا تنحصر ملازمة بين وجود التشابه وإنها جاءت من تطور تدريجي.
وملاحظة بعض هذه الظواهر التطورية في الكائنات الحية بمقدار ما قرره دارون لا يساعد في استنباط آليات فهم أو تفسير آيات القرآن الكريم . لأن هذه الآليات لو استعملت في تحليل الخطاب القرآني سوف لا ترقى إلى درجة القطع لعدم إبتنائها على البرهان، وهي في أحسن الأحوال أدلة تمثيلية قائمة على رصد أنحاء الشبه بين السرد العام لنظرية دارون وبين ما يتراءى للفهم من المعاني الظاهرة لبعض الآيات التي تتحدث عن الخلق أو التي تستنطق لتكون منطبقة على الخلق.
فاستنتاج دارون فيما يتعلق بديناميكية الكون والكائنات والتي يترتب عليها حدوث التغيير في أشكال بعض الموجودات، فإنه وإن اتفق محض اتفاق مع مسألة تعدد الأعراق ومسألة المسخ لوجود تشابه صوري بينهما فهو لا يبرر مصداقية نظرية النشوء والارتقاء، لأن منشأ حصول التغيير المشار إليه يستند إلى إرادة الله تبارك وتعالى وهي إرادة مختارة تختار عن قصد حصول هذا التغير، أما منشأ حصول التغير عند دارون فهو يستند إلى الخصوصية الذاتية العمياء لطبعية الكائنات.
ونحن لا نسلم بأن الاختلاف بين أشكال بعض الأمم الإنسانية تتحكم فيه عوامل بيولوجية ومناخية ونفسية , أما العوامل البيولوجية فتكاد تكون خاضعة بنسبة 100% إلى أصول وقوانين وراثية صارمة لا مجرد حصول بعض التغيرات العرضية ، وأما العوامل المناخية فلا تساعد على تغيير ملامح الخلقة ولا تؤدي إلى نشوء عرق جديد، فلا يفلح أهل الصين القاطنين في أوربا الغربية وإن عاشوا آلافاً مؤلفة من السنين أن يتحولوا إلى سحنة الأوربيين. فتبقى الملامح الفارقة ثابتة، نعم إذا تم التدخل وراثياً فذاك بحث آخر.
وأما العوامل النفسية ، فهي في الغالب متغيرة تبعاً لمثيرات العرف والثقافة وأحياناً البيئة ، أما النفوس نفسها فلا، فالنفس الإنسانية لا تصير بهيمية مطلقاً مهما أمتد الزمان والعكس صحيح، إذ لا يتوقع من قرد أن يكون ذا نفس ناطقة إنسانية، والنقض على ذلك بمسخ بعض بني إسرائيل قردة وخنازير لا يمكن صرفه إلى مسخ النفس بحيث نفهم من ذلك أن في بني اسرائيل اليوم من يحمل أنفساً قردية أو خنزيرية، فهذا غير صحيح البتة، أولاً لأن الثابت أن الممسوخ لا يلبث حياً أكثر من ثلاث كما ثبت في الدليل النقلي، وثانياً لأن الطائفة التي مسخت من بني اسرائيل إنما مسخت لا عتدائها على بعض أوامر الله تعالى ، أي أنها عوقبت فمسخت ولم يبق لها أثر في أجيال بني اسرائيل اللاحقة .
ونحن لا نوافقك فيما ذهبت إليه من أن القرآن كتاب بياني فحسب، وكأنك تريد أن تقول أن القرآن قائم على الصور والتشبيهات والتوصيفات العامة، وليس هو بالكتاب العلمي القائم على البرهان، بحيث يصح أن يعتمد عليه في امثال هذه القضايا النظرية والعلمية. هذه النظرة ـ أعني اعتبار القرآن مجرد كتاب بيان ـ شائعة عندكم في المغرب العربي بفضل دراسات بعض المفكرين أمثال محمد أركون ومحمد عابد الجابري وغيرهما. وهي نظرة تفتقر إلى الدقة لأنها قائمة على المنهج التجزيئي لا المنهج الشمولي، وهذا المنهج انتقائي بطبيعته ، وإلا فالقرآن مليء بالأدلة البرهانية القوية بل هو بالأحرى من ناحية الدليل أسمى من البرهان. فتنبه.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال