الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » التفكر في الله تعالى بين الجواز وعدمه


محمد عبد الامير / البحرين
السؤال: التفكر في الله تعالى بين الجواز وعدمه

أولاً: في تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي (عليه الرحمه) ج 19 ص 53 - في تفسير قوله تعالى (( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى )) في سورة النجم "نص ما يقول "
وفي الدر المنثور أخرج أبو الشيخ عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فتهلكوا.
أقول: وفي النهي عن التفكر في الله سبحانه روايات كثيرة أخر مودعة في جوامع الفريقين، والنهي إرشادي متعلق بمن لا يحسن الورود في المسائل العقلية العميقة فيكون  خوضه فيها تعرضا للهلاك الدائم.
حسنا : بالنسبة لما تعرض إليه حيث قال إن النهي إرشادي فلم يذكر السيد الطباطبائي أساس ما توصل إليه وسند ما توصل إليه من نتيجة النهي الإرشادي فهل يوجد روايات تدل على ما توصل إليه؟ ففي نفس الصفحة قد ذكر العلامة روايات تنهي عن التفكر في ذات الله وفي روايات أهل البيت ورد العديد من تلك الروايات ولكن هل ورد روايات تجيز التفكر في ذات الله حتى يقول إن النهي إرشادي ؟

ثانياً: ذكر ملا صدرا في كتابه الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة (حديث عن النبي يقول رب زدني فيك تحيرا ) ص256 ج 5 في كلام أرسطو في حشر جميع الصور الطبيعية .[ وقد ذكره في هامش الكتاب ] هل هذا الحديث ثابت عن النبي (ص) ؟

ثالثاً: في كتاب نهاية الحكمة للسيد الطباطبائي ص24 إلى 25 يقول : الحق أنها حقيقة واحدة في عين أنها كثيرة (5)، لأنا ننتزع من جميع مراتبها ومصاديقها مفهوم الوجود العام الواحد البديهي، ومن الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة بما هي كثيرة غير راجعة إلى وحدة ما..." إلى أن يصل في قوله" في ص 26 فيقول : فالنور حقيقة واحدة بسيطة متكثرة في عين وحدتها، ومتوحدة في عين كثرتها، كذلك الوجود حقيقة واحدة ذات مراتب مختلفة بالشدة والضعف والتقدم والتأخر والعلو والدنو وغيرها.
حسناً... فالنتيجة التي وصل إليها أن الوجود حقيقة واحدة مشككة أي ذات مراتب مختلفة في الشدة والضعف فهل هذه عقيدة صحيحة لما يعتقده العلامة الطباطبائي بأن وجود الله ووجودنا واحد بدليل قوله : " أنه من الممتنع انتزاع مفهوم واحد من مصاديق كثيرة " فالمشكلة تكون لما نقل ابن شعبة الحراني في كتابه " تحف العقول" ص245 في خطبة الأمام الحسين في التوحيد إلى أن يقول (( يصيب الفكر منه الايمان به موجودا ووجود الايمان لا وجود صفة )) فالامام يقرر أن وجود الله وجود الإيمان به لا كالذي قرره العلامة الطباطبائي بأنه وجوده صفة فما هو الصحيح لعقيدتنا ؟

الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما ذكره العلامة الطباطبائي مبتنٍ على أصول فلسفية مأخوذة عن مدرسة الحكمة المتعالية لصدر الدين الشيرازي، وقد تطرق السيد في مواضع من تفسيره وسائر كتبه إلى جملة من المسائل الفلسفية على ذوق أصحاب هذه المدرسة. وبالتالي يدّعي هنا أنّ التفكر في الله لا يراد منه التفكر في حقيقة وكنه الذات المتعالية التي لا يعلمها حتّى الأنبياء، بل بوجودها.
إذ يرى السيد الطباطبائي تبعاً لملا صدرا الشيرازي أن ذلك الوجود يقع في أقصى مراتب التشكيك الوجودي، وأما نفس حقيقة الذات فمن المحال معرفة كنهها، وحينئذ فالتفكر المشار إليه في كلامه قد يراد منه حسب رأيه التفكر في وجود الله تعالى الذي ربّما يصدق معه أن يقال فيه: أنه (تفكر في الله).
وأمّا كون النهي إرشاديا استفاده من ظاهر الروايات التي ذكرت فيها علّة النهي وهي (الهلاك)، إذ أن الذي يفكر في ذات الله لا يرتكب معصية ولكن يخشى عليه من الضلال والهلاك، كالمقتحم في البحر وهو ليس بسبّاح ماهر، فإنه لا إشكال من اقتحامه البحر، ولكن يخشى عليه من الغرق.
ويعتقد السيد الطباطبائي أن الوجود حقيقة واحدة مشككة وأن الوجود المنسوب إلى سائر ما خلق الله تعالى هو وجود رابط لا تذوت له من دون مدد مستمر من الخالق تبارك وتعالى، وهو ما يسمى بعقيدة وحدة الوجود والموجود في عين الكثرة، خلافا للمتصوفة الذين ذهبوا إلى وحدة الوجود والموجود في عين الوحدة،ـ واعتبروا أن المخلوقات جميعا شؤون لله عز وجل لا حقيقة لها وإنما هي وهم أو خيال، فنفوا بهذا القول الواقعية الخارجية... بينما لا يترتب على القول بوحدة الوجود والموجود في عين الكثرة نفي للواقعية الخارجية.
وأمّا الحديث المنسوب إلى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلم نعثر له على سند، وإنّما ذكر مرسلاً في كتب الصوفية والعرفاء، من ابن عربي فما بعد.
وأمّا رواية تحف العقول، فالإمام(عليه السلام) يريد في خطبته نفي وجود صفة خارجة عن ذات الله تعالى، فقال المجلسي في بيان كلامه(عليه السلام): ((أي لا يصيب منه تعالى التفكّر فيه إلاّ أن يؤمن بأنّه موجود وأنّ يجد صفة الإيمان ويتصف به، لا أن ينال منه وجود صفة، أي كنه صفتة أو صفة موجودة زائدة))(بحار الأنوار 4: 301 باب جوامع التوحيد ح 29).
وهو معنى آخر لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (لم يطلع العقول على تحديد صفته ولم يحجبها عن واجب معرفته)، وقوله(عليه السلام): (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف)، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه ومن قرنه فقد ثناه)، فلا علاقة لقول الإمام الحسين(عليه السلام) بما يقوله العلامة في نهاية الحكمة.
ودمتم في رعاية الله


بو رضا / السعودية
تعليق على الجواب (1)
أفهم من هذا القول: كون النهي إرشاديا استفاده من ظاهر الروايات التي ذكرت علّة النهي وهي (الهلاك)، إذ أن الذي يفكر في ذات الله لا يرتكب معصية ولكن يخشى عليه من الضلال والهلاك، كالمقتحم في البحر وهو ليس بسبّاح ماهر، فإنه لا إشكال من اقتحامه البحر، ولكن يخشى عليه من الغرق.
إن الله تعالى يمكن الغور في ذاته، أنّ عقيدتنا لا تفكك في ذاته وصفاته عين ذاته، فمن أين فككتم بين وجوده وبين ذاته؟
أفهل يوجد "سباح ماهر" أو الله بحر محدود يمكن اقتحامه؟
أليس الصحيح لو أردنا الحمل الإرشادي أن نقف عند ما علمنا أهل البيت عليهم السلام من تنزيه الله سبحانه وتعالى، وليس التفكر ثم الخوض في كيفية وجوده ولا كيف له وهو الغيب المطلق؟!
وفوق هذا نجد أنهم ذهبوا للصوفية وأرسطوا وغيرهم، وكأن لا إمام لنا ولا قرآن عندنا ولم يعلمنا النبي وأهل بيته أول شيء وهو التوحيد!
ثم إن مقتضى التقابل في الرواية بين التفكر في الله والتفكر في المخلوقات يفيد أن ننظر ما المراد بالتفكر في المخلوق بالتالي هو التفكر الممنوع في الخالق، وإلا أصبحت بلا فائدة، ونحن قد جاوزنا الحد في الله وفككنا بين الذات والوجود!!
بل هل بقي شيء ممنوع؟ إلا اللهم ما منعه الفقهاء من إلغاء الاثنينية، ثم قل ما تشاء!
بل حتى الذي ألغوا الإثنينية قلتم : ((وكفر القائل بوحدة الوجود والموجود في عين الوحدة محل اتفاق بين جمع من علماء مذهب أهل البيت عليهم السلام))
كلمة ((جمع من علماء)) أي ليس الكل؟!
الجواب:
الأخ بو رضا المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يرى العلاّمة أن النهي عن التفكّر في الله ارشادي، ولا يترتب على التزامه هذا إمكان التفكر في ذاته جلّ وعلا تفكراً تترتب عليه الفائدة والثمرة، فان هذا التفكير وإن أمكن لوجود آلة الفكر عند المفكر إلا أنّه غير مثمر ولا مفيد، لأنّ كنه الذات لا يعلمها أحد، بل قد تترتب عليه خطورة الهلاك، ومن الحكمة أن لا يعرّض الإنسان نفسه الى الهلاك. هذا إذا حملنا التفكّر على التفكّر في الذات، وإمّا إن قلنا أنّه يريد التفكّر في وجوده جلّ وعلا لا ذاته فهو واضح.
وأمّا الرجوع الى اهل البيت (عليهم السلام) والعمل بمضمون الأخبار التي تحث على عدم التفكر بالله أو في ذات الله، فهو حسن ومطلوب، وهو الأولى أو الأحوط دفعاً لاحتمال ورود الهلاك مع مخالفة مضمون الخبر.
ويرى أصحاب مدرسة ملاّ صدرا أنّ الناس من جهة القدرة العقلية على التفكر والتأمّل ليسوا سواء، وهنالك من الناس من له القدرة على الخوض والتعمق والتدقيق والتحقيق، ويستشهد هؤلاء بأنّ بعض المتكلّمين والفلاسفة قد خاضوا في هذا النوع من التفكر ومع ذلك لم يترتب على تفكرهم حصول الهلاك بالمعنى الظاهري، فالتزموا بجواز هذا التفكّر في الجملة لأصحاب القدرة العقلية كالفلاسفة مثلاً، وتحصّل لديهم أنّ النهي إرشادي .
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال