الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(وجوده سبحانه وتعالى) » الفهم الحقيقي لدليل النظم مقابل الصدفة


علي حسين / امريكا
السؤال: الفهم الحقيقي لدليل النظم مقابل الصدفة

كيف نرد على هذه الشبهة التي وجدتها في مقالة لأحد الكفرة:

*************************

كعادتي عندما لا أجد عنواناً مناسباً لمقالي، أعود إلى محاكاة كتب التراث الديني وعناوينها الهزلية.. فجاء عنوان هذا المقال بهذا الشكل.
هناك فرضية سائدة بين المتدنيين، عفواً، المتديّنين والمتحمّسين للإعجاز العلمي في الإسلام تقول: إنّ التعقيد الشديد الذي نراه في الكون والكائنات الحيّة لا يمكن أن يكون قد حدث بالصدفة، أو بالتطوّر الطبيعي، وهو الدليل على وجود خالق له.
كان أُستاذ التربية الإسلامية عبد المعطي يعطينا دائماً المثال التالي، كإثبات لعملية خلق الكون، فيقول: يا بني، لو وضعت حروف الأبجدية في صندوق وخلطتها ثمّ رميتها على الأرض فهل يمكن أن تسقط مرتبة كجملة مفيدة.. هممم صحيح! ولكن قد تشكّل هذه الحروف آية قرآنية مبهمة، مثل: الم...أو: كهعيص!!
ما علينا.. فلنعود للموضوع:
إنّ كثيراً من المتحمّسين المؤمنين يجدون الراحة والمواساة في هذه الجدلية؛ لأنّها تقدّم إجابة سهلة ومبسطة مقابل التعقيد الكوني الذي يرونه حولهم. ويغفل الكثير منهم عن إدراك أنّ هذا الرأي... يثير جدلية أصعب: إنّ بساطة الخلق هي دليل وجود خالق.. وليس تعقيده!
دعونا نأخذ مثالاً على ذلك:
تخيّل أنّك في رحلة في منطقة جبلية، فوجدت كومة من الحصى كلّ واحدة لديها شكل غير اعتيادي وغير منتظم، تشكل بسبب عوامل وظروف مختلفة.. وبينما أنت تتأمّل تلك الحصى، فجأة وجدت بينها حصاة مربعة الشكل.. وكانت هذه الحصاة المربعة متساوية الأرقام.. في الارتفاع والطول والعرض... بينما كلّ واحدة من بقية الحصى الأُخرى، غير متساوية، ومعقدة الشكل، ولا تستطيع أن تجد في الكومة اثنتان متشابهتان.
وهنا قرّرت أن تقوم بتدوين وتسجيل هذه الحصى في الكومة في جهاز كومبيوتر، ستجد إنّه من السهولة تسجيل الحصاة الوحيدة المتساوية، الثلاثية الأرقام.. بينما سيكون من الصعب عليك تسجيل بقية الحصى الغير متساوية الغير إعتيادية الشكل.. وبالتأكيد ستحتاج إلى برنامج كومبيوتر شديد التعقيد لتتمكّن من تسجيل كلّ هذه الأشكال المختلفة..
إنّ تكوّن حصاة متساوية الشكل مثل تلك مستحيل الحدوث تحت عوامل النحت الطبيعية، لذا فالاحتمال الغالب أنّك ستفترض أنّ لها صانعاً أو خالقاً، والعكس صحيح بالنسبة لبقية الحصى الغير اعتيادية الشكل.
إنّ التعقيد الشديد في تشكيل هذه الحصى، أو التعقيد الشديد في الكون والكائنات الحية يشير إلى عشوائية معقّدة غير منتظمة، وكلّما زادت العشوائية كلّما زاد التعقيد، وهذا هو النظام الطبيعي والبيولوجي، لذا فإنّ النظم البسيطة الغير عشوائية هي التي فقط يكون وراءها صانع أو خالق... وليست تلك المعقّدة العشوائية.
فالصانع والخالق يكون لديه هدف معيّن عند خلقه، فالصانع يصنع الكرسي للجلوس عليه، لذا فللكرسي شكل يهدف إلى الإجلاس، وهي غايه الصانع. ومثل الله تعالى، الذي خلقنا لنعبده فقط، وخلق الأنعام لتكون لنا زاداً وركباً ومنافع أُخرى، لذا كان يجب على تصميمه وخلقه أن يكون مبسّطاً حسب الغاية التي كان يهدف من ورائها..
أمّا هذا التصميم المعقد العشوائي في الكون والكائنات.. وفي أنفسكم، فخلفه تطوّر طبيعي استغرق ملايين السنين من العشوائية المعقّدة.. لعلّكم تعقلون.
أرجو أن يكون بعضنا قد أدرك الآن أنّ التعقيد الذي في الكون وفي كائناته الحيّة، هو الإثبات والدليل الحقيقي... بأنّ ليس وراءه خالق

*************************

الجواب:

الاخ علي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّ صاحب هذا المقال لم يفهم الدليل! فإنّ ما يستدلّ به المؤمنون على وجود الله سبحانه الذي يقصده هذا المتحذلق هو جزء من دليل يسمّى (دليل النظم)، فهم يقولون: أنّ هذا النظام - لاحظ.. النظام! - المعقّد الواسع المتناسق المتجانس بدون تخالف وتضاد وتضارب، دليل على أنّ خالقه عالم قدير حيّ مدرك.
لا كما فهمه هذا المتحذلق من أنّ التعقيد الشديد من دون نظام (أي العشوائية) هو أحد مقدّمات استدلالهم، بل إنّ المقدّمة التي يستدلّون بها هي: النظام شديد التعقيد.
ولا نعتقد أنّ أحداً يستطيع أن ينكر النظام والتساوق في هذا الكون، خاصّة في هذا الوقت مع تطوّر العلوم واتّساع النظريات، إلاّ مكابر.
ثمّ إنّ من الواضح أنّ هذا النظام الشديد التعقيد مناقض ولا يتّفق مع الصدفة؛ فإنّ حدوث مثل هذا النظام من خلال الصدفة حسب قانون الاحتمال مستحيل.

ولنوضّح ما نقول بمثال:
افرض أنّ هناك ثلاث مستودعات كبيرة فيها مواد البناء وأدواته، فجاء إلى أحدها مهندس بارع في عمله واستخدم ما يحويه في بناء صرح عمراني مبتكر، وجاء إلى الثاني عامل بناء بسيط واستخدم ما يحويه في بناء بيت بسيط، وجاء سيل إلى الثالث فجرفه وجعله كومة أنقاض, فما يقول العقل هنا؟
من الواضح أنّه يستخدم القاعدة العقلية: (الأثر يدلّ على المؤثّر) ليستنتج: أنّ الصرح العمراني المذهل الكبير شديد التعقيد هو من صنع شخص عالم ذو ذكاء فذّ, وأنّ البيت البسيط هو من صنع شخص محدود الذكاء, وأنّ كومة الأنقاض هي من صنع علّة جاهلة يحتمل أنّها صنعته بالصدفة.
ولا يقول أحد من المؤمنين (المتديّنين كما يسمّيهم) بأنّهم يأخذون من كومة الأنقاض العشوائية غير المنتظمة على أنّها دليل على الخالق، كما أراد أن يوهم سامعيه؛ فإنّ هذا كذب صراح.

وأمّا ما جاء به من مثل كومة الحصى، فمن قال أنّ كلّ حصاة حصاة ليس فيها نظام؟! ولك أن تسأل علماء الجيلوجيا.
ثمّ من قال: أنّ وجود كومة الحصى الحاصلة من أُمور طبيعية لا تدخل في نظام يكوّن سطح الأرض وتضاريسها؟!

نعم، الكومة في نفسها وبحد ذاتها قد تكون ظاهراً غير مرتبّة, ولكن ذلك لا يعني أنّها لم تخضع لقانون الجاذبية؛ فلاحظ!

ثمّ من الواضح أنّ تفاوت العقول (هذا مثال للتقريب ولا ننسب ذلك إلى الله) بين الشدّة والضعف، واضح في أنّه كلّما ضعف العقل اتّجه إلى الخطوط البسيطة المستقيمة، وكلّما اشتدّ اتّخذ اتّجاهاً أشدّ تعقيداً، ولك أن تقارن بين رسوم الطفل الصغير بخطوطه المستقيمة، وبين ضربات فرشاة أمهر الرسّامين!
فكيف يقيس الحصاة المربّعة بأنّها تدلّ على الصانع، والحصاة التي لا شكل محدّد لها أنّها تدلّ على الصدفة؟! نعم إنّ العقل نتيجة للخبرة مع الطبيعة يعرف أنّ المربعة هي من صنع إنسان، وأنّ غيرها لا يمكن للإنسان أن يصنعها، وإنّما من صنع صانع أعلى وأشرف.
فاستنتاج العقل في مثاله ونتيجة للعادة هو أنّ الحصاة المربّعة من صنع إنسان، وغير المربّعة ليست من صنع إنسان، لا أنّ المربّعة من صنع صانع، وغير المربّعة ليست من صنع صانع، فهذه مغالطة منه؛ فلاحظ!

وأمّا ما أشار إليه من بعض آيات القرآن المكوّنة من حروف مقطعة، فإنّ أحداً لم يقل أنّها ليست من صنع أحد، فإنّ أشدّ المنكرين كانوا ينسبونها إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا إلى الصدفة، ولكن حتماً هؤلاء عندما جوبهوا بنظم الآيات القرآنية الأُخرى مع أنّ المصدر للكلّ واحد، أذعنوا أنّ في هذه الآيات معان لا ندركها.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال