الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(الأسماء والصفات) » الضابطة في التوحيد والشرك


احمد حسين / العراق
السؤال: الضابطة في التوحيد والشرك

السلام عليكم ورحمة الله
هناك من إستشكل او تسائل على بعض النقاط من كتاب ليالي بيشاور أرجو الرد على مايأتي:

*************************

يقول السيّد الشيرازي في كتابه: ((الشرك في الصفات، وهو: أن يعتقد بأنّ صفات الباري عزّ وجلّ، كعلمه وحكمته وقدرته وحياته، هي أشياء زائدة على ذاته سبحانه، وهي أيضاً قديمة كذاته جلّ وعلا، فحينئذ يلزم تعدّد القديم وهو شرك)).
الاستشكال: أنا أفهم أنّ الصفات لازمة للموصوف، ولا يمكن وجود شيء مجرّد عن الصفة، والصفة ليست مخلوق آخر - أو ليست شيء مستقل بحدّ ذاته، وإلاّ لاستلزمت هي أيضاً صفة وجودية!
وببساطة شديدة كلّنا يعرف ويفهم أنّ لله أسماء كثيرة، وهو سبحانه واحد أحد، فلم يستلزم تعدّد أسمائه أن تعدّدت ذاته، فهذه بديهية لا تخفى على أحد، وبالتالي فقوله: ((أنّ تعدّد الصفات يستلزم تعدّد الذات)) قول باطل؛ لبطلان استلزامه أصلاً.
ويقول السيّد أيضاً: ((لأنّهم جعلوا لذات الباري جلّ وعلا قرناء في القدم والأزلية، وجعلوا الذات مركّباً)).
الاستشكال: لم يقل أحد ممّن ذكرهم: أنّ لله قرناء، ولا قالوا: أنّ الله (مركّب)، بل إنّ أهل السُنّة لا يصفون الله إلاّ بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، ولا يتعدّون ذلك.
ولا يعدو قوله هذا إلاّ تقوّل على الآخرين، ناتج عن فهمه هو وعقله هو، وهذا لا يلزم من ادّعى عليهم ذلك بشيء.
ويقول السيّد: ((والحال أنّ ذات الباري سبحانه بسيط لا ذات أجزاء، وصفاته عين ذاته)).
الاستشكال: هل قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أحد من الأئمّة مثل هذه الجملة؟ أعني: هل قال أحد منهم: أنّ ذات الله (بسيط)؟ وهل قال أحد منهم: أنّ صفات الله هي عين ذاته؟
عامّة لا أُحبّ الخوض في كلام لم يخض فيه من سبقنا، فإن لم يكن ورد عن رسول الله والأئمّة مثل هذا الكلام فلا حاجة لي به؛ إذ لا يعدو مجرّد استدلالات عقلية تخضع للخطأ أكثر منها للصواب، كما أنّني لا أحبّ الخوض في ما لا سبيل لعلمه إلاّ بالخبر الصحيح، ليس بالاستنتاج العقلي في الغيبيات.
ويكمل السيّد قائلاً: ((الشرك في الأفعال، وهو: الاعتقاد بأنّ لبعض الأشخاص أثراً استقلالياً في الأفعال الربوبية والتدابير الإلهية، كالخلق والرزق، أو يعتقدون أنّ لبعض الأشياء أثراً استقلالياً في الكون)).
السؤال: معلوم أنّ الشرك اشتراك بين اثنين أو أكثر... فكيف يكون (الاستقلال) شركاً؟! أريد توضيحاً.
يكمل السيّد ما نصّه: ((وأمّا إذا نوى النذر لغير الله سبحانه، أو أشرك معه آخر، سواء كان نبيّاً أو إماماً أو غيره، فالنذر باطل.
وإذا نذر على الصورة الأخيرة عالماً بالمسألة، فإنّ عمله حرام وشرك بالله عزّ وجلّ؛ فقد قال تعالى: (( وَلاَ يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )) (الكهف:110) )).
السؤال: هل هذا الكلام مقصور على النذر فقط؟
يقول السيّد: ((فبعد ذلك التفصيل كلّه، تتفوّه بهذا الكلام السخيف، وتقول: بأنّ طلب الحاجة من الأئمّة شرك!!
فإذا كان طلب الحاجة من المخلوقين شرك، فكلّ الناس مشركون!
فإذا كانت الاستعانة بالآخرين في قضاء الحوائج شرك، فلماذا كان الأنبياء يستعينون بالناس في بعض حوائجهم؟)).
الاستشكال: لماذا عندما أراد أن يبرّر (طلب الحاجة من غير الله) جاء بمثال عن (الاستعانة بغير الله)؟!
فالاستعانة بالآخرين لا إشكال فيها إن كانت في ما هم قادرون عليه، فأنا استعين بأحدهم ليحمل عنّي حقيبتي، أو أن يصلح لي عطل سيارتي، أو أن يصف لي دواء يكون فيه سبب شفاء الله لي... وهكذا. أمّا الاستعانة بالمخلوق في ما هو من اختصاص الخالق فهذا شيء آخر تماماً.
يكمل السيّد بقوله: ((فالمريض يذهب عند الطبيب ويتوسل به ويستغيث به ويريد منه معالجة مرضه، فهل هذا شرك؟!)).
الاستشكال: الطبيب لا يفعل أكثر من وصف الدواء, فهذا هو مقدوره فقط، ولا يستطيع أن يضمن لك أو يؤكّد لك بشكل تام أنّك سوف تشفى؛ لأنّ الشفاء شيء ووصف الدواء شيء آخر، فحتى نفس الدواء أحياناً لا يأتي بنفس النتيجة مع كلّ الناس، الشفاء من الله سبحانه وهو القادر عليه: (( وَإِذَا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفِينِ )) (الشعراء:80)، وبالتالي فمن يظنّ أنّ أحدهم يشفي، أو يذهب لأحدهم لكي يشفيه فقد أشرك، أسأل الله أن يهدينا سواء السبيل.

*************************

هذا وأرجو الرد مع الإمتنان

الجواب:

الاخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

- الشرك في الصفات:
أيّها الأخ العزيز، يجب أن تعلم بأنّ علم الكلام متأخّر، وهو علم من العلوم الوضعية التي وضع مصطلحاتها علماء المسلمين، ولا يطالب صاحب العلم أن يستدلّ على مصطلحاته التي وضعها في مجال علمه، وهذا متّفق عليه.
ثمّ إنّ إعمال العقل والتفكّر والتدبّر مطلوب في كلّ شيء، وخصوصاً الغيبيات والعقائد، لكي يفهمها الإنسان ويصدّق بها بعد تصوّرها، فيطمئن بها ويعتقد بها عن علم لا بمجرّد الإخبار فتكون لقلقة لسان وترديد ألفاظ، كما هو الحال عند السلفيين والوهابيين، ومن قبلهم الحشوية.
ولذلك حصلت الاختلافات في هذه المسائل إلى مدارس كبيرة، وعريقة كالأشعرية والمعتزلة والجهمية والمعطّلة والمجسّمة والسلف والخلف والإمامية، وما إلى ذلك، وكلّ مدرسة لها أُصولها وأدلّتها ولكن الحقّ واحد قطعاً.
ومذهب الإمامية الاثني عشرية هو وسط بين هذه المذاهب، فهو يثبت الصفات لله تعالى، ويؤمن بأنّ كلّ صفة تغاير مفهوماً الصفة الأُخرى، فيفترق بذلك عن المعتزلة والمعطّلة والجهمية، وفي الوقت نفسه يعتقد بأنّ هذه الصفات هي عين ذات الباري عزّ وجلّ وليست زائدة على ذاته، فيفترق بذلك عن الأشاعرة وأهل الحديث والسلف والخلف.
وبذلك نثبت حقيقة الصفات لله تعالى وأنّه عالم وقادر وحكيم وحيّ حقيقة، ولكن هذه الصفات ليست زائدة على الذات المقدّسة، لوجود محاذير إن التزمنا بالزيادة، والتي منها:
أ- تكون هذه الصفات غير الله تعالى، وبما أنّها لا تنفكّ عن ذاته تعالى فيجب أن نقول بأنّها قديمة، وإذا أثبتنا قدم هذه الصفات فسوف نثبت مع الذات الإلهية المقدّسة أشياء غير الذات، قديمة أزلية مع الله تعالى، وهذا هو عين الشرك والشركاء.
ب - والمسألة المهمّة الأُخرى التي تثبت إن قلنا بالزيادة على الذات هي: أنّ الذات تكون فقيرة محتاجة لهذه الصفات، إذ بدون هذه الصفات تكون الذات ليست عالمة وليست قادرة وليست حيّة وو.. وهذا القول خلاف التعظيم، وخلاف الجلال والإكرام؛ فالله تعالى بذاته عالم قادر حيّ لا يمكن تصوّر ذاته دون علم أو قدرة أو حياة.
فلا يمكن التزام زيادة الصفات على الذات وغيريتها لها في عالم المصداق؛ لأنّ الله تعالى وصف نفسه بقوله: (( اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ )) (الإخلاص:1-2)، فهو غنيّ بنفسه، بسيط أحد، لا تعدّد فيه ولا تركّب، ولا فقر البتة.

وقد ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) في توحيد الصفات كما جاء في (نهج البلاغة): (وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف بأنّه غير الصفة، فمن وصف الله فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله)(1).
هذا النص وغيره هي مستندنا في هذه الأُمور الغيبية، فلم نتفلسف ولم نأتِ بجديد، وإنّما فقط نفهم الكتاب والسُنّة وأقوال أهل البيت(عليهم السلام) في هذا الأمر المعقّد الصعب الذي انزلق فيه الكثير.
ومن هذه النصوص أيضاً قول الصادق(عليه السلام): (لم يزل الله جلّ وعزّ ربّنا، والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور)(2).
وراجع كتب علمائنا في التوحيد تجد النصوص الكثيرة جدّاً في هذا المجال: كتوحيد الصدوق، والبحار، والاحتجاج، وغيرها.

أمّا قولك بأنّ الصفات لازمة للموصوف، فهذا أوّل الكلام وهذا هو قياس الخالق على المخلوق المادّي، وبالتالي فاللازم هو الأمر الخارج الزائد، وهذه المغايرة تثبت الاثنينية والقرن والغيرية، فيثبت الشريك.
ونقول أيضاً: إنّ كلام السيّد واضح جدّاً، وقد بيّنه بالأمثلة المقربة، على أنّ الصفة يمكن أن تكون عين ذات الموصوف حتّى في الممكنات والمادّيات، فكيف بالخالق العظيم المجرّد عن المادّة والغني عن كلّ شيء زائد؛ لأنّه تعالى بسيط غير مركّب ولا مجزّأ.
فقال السيّد: ((ومثاله تقريباً للأذهان - ولا مناقشة في الأمثال ــ: هل حلاوة السكّر شيء غير السكّر؟ وهل دهنية السمن شيء غير السمن؟ فالسكّر ذاته حلو، أي: كلّه، والسمن ذاته دهن، أي: كلّه.

وحيث لا يمكن التفريق بين السكّر وحلاوته وبين السمن ودهنه، كذلك صفات الله سبحانه فإنّها عين ذاته بحيث لا يمكن التفريق بينها وبين ذاته عزّ وجلّ، فكلمة (الله) التي تطلق على الذات الربوبية مستجمعة لجميع صفاته, فالله يعني: عالم، حيّ، قادر، حكيم... إلى آخر صفاته الجلالية والجمالية...))(3).

فلو كان الله تعالى مركّباً ذا أجزاء لاحتاج كلّ جزء إلى غيره وهذا هو عين الفقر، وكلّ جزء يكون مختصاً بشيء لا يوجد عند غيره من الأجزاء، فيمكن أن يوصف تعالى على هذا القول بأنّ جزءاً منه عالم وجزءاً آخر غير عالم، وجزءاً منه قادر وجزءاً آخر غير قادر، وهذا عين الاحتياج والفقر والتركيب، وبالتالي هذا القول يكون كفراً بإجماع المسلمين.

أمّا إن قلنا بالبساطة والعينية، فلا يبقى محذور عندنا بعد ذلك؛ لأنّ الله تعالى يكون عالماً من حيث هو قادر، وقادراً من حيث هو حيّ، وحيّاً من حيث هو موجود، وهكذا. فيكون غنيّاً كاملاً غير محتاج ولا فقير.
أمّا الفرق بين الأسماء والصفات، فهو: أنّ الأسماء عبارة عن عنوان اعتباري، لا يمثّل إلاّ حيثية اعتبارية، تطلق على الذات المقدّسة الواحدة، فلا يلزم من تعدّد الأسماء أي محذور؛ لأنّها اعتبارية، أمّا الصفات التي يثبتها أهل السُنّة، فيقولون عنها بأنّها: غير الذات، وزائدة عليها، وهي قديمة؛ فيلزم تعدّد القدماء واحتياج الذات، وهذا هو المحذور الذي نفرّ منه وننكره.

- الشرك في الأفعال:
إذا اعتقد شخص بأنّ هناك مؤثّراً آخر غير الله تعالى في الكون، ومتصرّف آخر غير الله تعالى مستقلّ عنه، يكون قد اعتقد بأنّ لله شريكاً في التدبير والتصرّف والملك ما دام يعتقد بأنّ ذلك المتصرّف والمؤثّر هو مستقلّ بالتصرّف والتأثير، يعني: من دون إذن الله تعالى له بذلك، وإقداره عليه، فهو يمتلك قدرة مستقلّة عن الله سبحانه، فيستطيع التصرّف والتأثير بذاته، وهذا هو الاعتقاد بالشريك لله تعالى في الخلق، أو الرزق، أو التصرّف، أو التأثير، أو النفع، أو الضرّ، فالشرك بالله تعالى هو أن تجعل مع الله شيئاً آخر يساعد الله تعالى في إنجاز شيء لاحتياج الله تعالى إليه حاشاه.

- الشرك في العبادات، والكلام عن النذر:
الكلام في النذر هو عام في كلّ العبادات، ولكن الفرق بيننا وبينكم هو: أنّ مفهوم العبادة عندكم غير واضح؛ فتدخلون ما ليس بعبادة في العبادة، وترموننا بعد ذلك بالشرك!
فكلّ عبادة تُصرف إلى غير الله تعالى، أو يشرك مع الله تعالى بها غيره جلّ وعلا وينوي التوجّه بها إليه، أو بالشراكة مع الله، فهي شرك بالله تعالى.

أمّا كون الشيء عبادة أم لا؟ فهذه هي المشكلة بين الوهابيين وسائر المسلمين!
فالعبادة هي: (الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بإلوهية المخضوع له).
أو هي: (الخضوع أمام من يعتقد بأنّه يملك شأناً من شؤون وجود العابد وحياته وآجله وعاجله).
أو هي: (الخضوع ممّن يرى نفسه غير مستقلّ في وجوده وفعله أمام من يكون مستقلاً فيهما).
فهذه الشروط يجب توفّرها ليكون ما يفعله الشخص وما يؤدّيه لأحد: عبادة.
ولذلك ذكر السيّد(قدّس سرّه) ذلك في النذر كمثال للشرك في العبادات عموماً، واستدلّ بقوله تعالى: (( وَلاَ يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً )) (الكهف:110)؛ فتأمّل!

أمّا قولك: ((لماذا عندما أراد أن يبرّر (طلب الحاجة من غير الله) جاء بمثال عن (الاستعانة بغير الله)؟!))..
فنقول: لا ندري ما الفرق عندكم بين الاستعانة وطلب الحاجة حتّى تقولوا هذا الكلام؟!! فالدعاء والاستعانة والاستغاثة كلّها طلب لقضاء حاجة.
نعم، الدعاء أعمّ من الاستعانة والاستغاثة؛ لأنّه يشمل طلب قضاء حوائج دنيوية أو أُخروية، ومع ذلك فالكلّ يصدق عليها بأنّها طلب حاجة!

والسيّد(قدّس سرّه) يضرب هذه الأمثال لنقض إشكال قولكم: بأنّ كلّ طلب حاجة، أو كلّ استعانة، أو كلّ استغاثة بغير الله فهي شرك، ولذلك بيّن بأنّ هذه الضابطة غير صحيحة، وبيّن استعانة نبيّ الله سليمان(عليه السلام) بالمخلوقات وطلب حاجة خارقة غير مقدورة عادة للبشر منهم ولم يكن بذلك الطلب مشركاً حاشاه!!!
ولذلك ذكر السيّد(قدّس سرّه) بعد ذلك الضابطة في كون طلب الحاجة شرك، فقال: ((حيث إنّ الشرك أمر قلبي، فإذا طلب الإنسان حاجته من آخر، أو استعان في تحقّق مراده والوصول إلى مقصوده بمن لا يعتقد بإلوهيته ولا يجعله شريكاً للباري وإنّما يعتقد أنّه مخلوق لله عزّ وجلّ، وهو إنسان مثله إلاّ أنّ الله عزّ وجلّ خلقه قوّياً وقادراً بحيث يتمكّن من إعانته في تحقّق مراده وقضاء حاجته، فلا يكون شركاً...))(4).
نقول: ولو كانت الضابطة في الشرك هو أن تطلب حاجتك ممّن لا يقدر عليها إلاّ الله تعالى، لكان طلب النصارى من عيسى إحياء موتاهم أو شفاء مرضاهم شركاً، وهذا لا يقول به عاقل!!
ثمّ إنّ حصرك عمل الطبيب بإعطائه الدواء للمريض باطل وغير صحيح؛ فالطبيب يقوم بتشخيص المرض ومن ثمّ وصف العلاج المناسب لذلك المرض، وكذلك يقوم بإجراء عمليات جراحية للعيون والقلب وسائر الأعضاء، وكذلك يضمد الجراح، ويجبر العظام المكسورة، ويخيط الشقوق، فكلّ ذلك علاج وشفاء من الأمراض يجريه الله تعالى على يد الطبيب أو الدواء، أو أي شيء آخر من الأسباب والعلل التي جعلها الله تعالى لغيره وأعطاهم إياها بعد أن كانت من مختصاته سبحانه، وبذلك سار الكون والخلق على ذلك.
وهذه الأسباب كلّها بيد الله تعالى، إن شاء أعملها، وإن شاء عطّلها؛ لأنّه تعالى هو القيّوم، وهو المعطي، وهو المانع، وهو الضار، وهو النافع، وهو الشافي، وهو المعافي، يشافي من يشاء، ويصيب أو يميت من شاء.
فيكون الضابط في عمل الدواء وشفائه لشخص دون شخص هو إرادة الله تعالى ومشيئته، مع أنّ الدواء هذا سبب للشفاء.
فتبيّن خطأ ما جعلتموه ضابطاً لعدم الشرك، وهو: إنّ الطلب من الآخرين إذا كان لشيءٍ مقدور فلا يكون شركاً مطلقاً، وهو باطل أيضاً؛ لأنّ الأُمور كلّها بيد الله تعالى، إن شاء أعمل ذلك السبب فقضى حاجتك، وإن شاء تعالى عطّله، فلم يقض حاجتك، كما هو الحال في النار التي جعلها برداً وسلاماً على إبراهيم(عليه السلام)، بعد أن جعلها تعالى سبباً للإحراق، فتخلّفها عن الإحراق هنا يجعلنا نعتقد بأنّ كلّ شيء مملوك لله تعالى وتحت تصرّفه وإرادته، حتّى حولنا وقوّتنا يمكن أن يسلبها الله منّا، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله.
ودمتم في رعاية الله

(1) نهج البلاغة شرح محمّد عبده 1: 15 الخطبة (1).
(2) الكافي 1: 107 حديث (1) كتاب التوحيد، باب (صفات الذات).
(3) ليالي بيشاور: 159 المجلس الثالث: أقسام الشرك.
(4) ليالي بيشاور: 167 المجلس الثالث: أقسام الشرك.

احمد حسين عليوي / العراق
تعليق على الجواب (1)

الرجاء الردّ على هذه التعليقات والاستشكالات:

*************************

1- (أمّا الفرق بين الأسماء والصفات، فهو: أنّ الأسماء عبارة عن عنوان اعتباري لا يمثل إلاّ حيثية اعتبارية تطلق على الذات المقدّسة الواحدة، فلا يلزم من تعدّد الأسماء أي محذور؛ لأنّها اعتبارية، أمّا الصفات التي يثبتها أهل السُنّة فيقولون عنها بأنّها: غير الذات وزائدة عليها، وهي قديمة، فيلزم تعدّد القدماء واحتياج الذات، وهذا هو المحذور الذي نفرّ منه وننكره). (أقول: هذا قولكم المبارك، ومن ثمّ يعلّق):
لا أظنّ أحداً من مشركي قريش كان يخوض في الكلام من عيّنة: هل الصفات زائدة على الذات أم هي الذات نفسها؟
فقد اتّفقنا على أنّ هذا من علوم المتأخّرين المستحدثة، ووجود آيات الشرك الكثيرة جدّاً التي تٌناقش مشركي قريش أو مشركي الأُمّم السابقة، يعني ببساطة أنّه لديهم نوع آخر خطير جدّاً من الشرك قاتلهم بسببه رسول الله وذمّه القرآن ووضع عليه عقوبة شديدة مغلّظة أيّما تغليظ، بل هي المنتهى في العقاب، فليس بعد الخلود في جهنم ومنع التشفع فيهم، بل وغلقها عليهم ونسيانهم فيها، ليس بعد هذا من عقاب.
فاعتباره أنّ الشرك في الصفات هو رقم (واحد) اعتبار بعيد جدّاً عن تقرير القرآن الكريم، وأرد في بساطة شديدة على قوله هذا - وأترك التفصيل فيما بعد أن نقرّر الشرك الخطير عند قريش - وأقول:
ببساطة أنا أؤمن بكتاب الله، وفي كتابه تحدّث سبحانه عن نفسه وعن صفاته، وذكرها وعدّدها، وبالتالي فأنا أؤمن بهذه الصفات التي هو سبحانه وصف بها نفسه... لماذا توجد مشكلة في هذا؟
هل الصحّ أن أُكذّب الله وأردّ كلامه؟

2- (الشرك في الأفعال:
إذا اعتقد شخص بأنّ هناك مؤثّراً آخر غير الله تعالى في الكون ومتصرّف آخر غير الله تعالى مستقلّ عنه، يكون قد اعتقد بأنّ لله شريكاً في التدبير والتصرّف والملك ما دام يعتقد بأنّ ذلك المتصرّف والمؤثّر هو مستقل بالتصرّف والتأثير، يعني من دون إذن الله).
أشكلت في ما سبق عن (مستقلّة)... وأُعيد عليه:
هل لو أعتقد وجود قدرة (مشتركة) مع الله في التدبير والملك - أي: اعتقد أنّ الأمر الإلهي يتم شركة بين الله وبين فلان، فهل باعتقاده هذا يكون موحّداً وليس مشركاً؟

3- (ما كون الشيء عبادة أم لا؟ فهذه هي المشكلة بين الوهابيين وسائر المسلمين؛ فالعبادة هي: (الخضوع اللفظي أو العملي الناشئ عن الاعتقاد بإلوهية المخضوع له).
الاستشكال:
أوّلاً: تعريفه للعبادة ليس آية قرآنية ولا حديثاً عن معصوم، بل هو اجتهاد منه، وبالتالي فهو قابل للخطأ بمثل ما هو قابل للصواب.
ثانياً: هذا التعريف محتاج لتعريف أصلي ولازم، فما معنى الإلوهية التي يتحدّث عنها التعريف؟
ثالثا: تعريفه هذا يعني: أنّ الاعتقاد بالإلوهية هو شرط أساسي لاعتبار كون الفعل عبادة أم لا، وهذا خرق شنيع في التعريف.

ولبيان ذلك أقول:
لو خضعت لفظياً وعملياً - حسب التعريف - لشيء ما.. هل أكون عبدته؟... لا؛ فحسب التعريف لا بدّ أن أعتقد أيضاً بإلوهيّته.
طيب: لو جاء أحدهم بتمثال - وهو لا يعتقد بإلوهيّته - ثمّ سجد له لأنّه يحترمه ويبجّله لكنّه لا يعتقد بإلوهيّته، ثمّ نذر له لمزيد من إثبات احترامه وتبجيله للتمثــال وهو لا يعتقد بإلوهيته - ثمّ أخذ يدعو التمثال ويرجوه أن يعينه في كذا وكذا، مع اعتقاده الجازم بأنّ التمثال لا يفعل ذلك بقدرته هو بل بقدرة الله... لن يكون من فعل ذلك مشركاً عندئذ؟
لن يكون مشركاً مع أنّه يسجد لله.. ويسجد للتمثال، ويدعو الله.. ويدعوا التمثال، وينذر لله.. وينذر للتمثال، ويذبح لله.. ويذبح للتمثال؛ لأنّه - حسب التعريف - لا يؤمن ولا يعتقد مطلقاً بإلوهية.. التمثال؟
فهل من لا يسجد إلاّ لله، ولا يدعو إلاّ الله، ولا ينذر إلاّ لله، ولا يذبح إلاّ لله، من يُقصر هذا لله وحده، أيستوى هو ومن يجعل لله نصيب في أفعاله هذه؟

*************************

الجواب:

الاخ احمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أولاً: ينبغي أن تعلم بأنّ السيّد الشيرازي(قدّس سرّه) صاحب كتاب (ليالي بيشاور) لم يتكلّم في توحيد الصفات أو الشرك في الصفات أوّلاً، وإنّما تكلّم بحسب التسلسل المنطقي والمألوف والمعروف عند كلّ من تكلّم في العقائد والكلام؛ فقد قسّم الشرك إلى:
أ - الشرك في الذات.
ب - الشرك في الصفات.
ج - الشرك في الأفعال.
د - الشرك في العبادات(1).
فلا كلام على ترتيب السيّد ولا اعتراض، لأنّه راعى فيه الأشرفية، كما هو متّبع ومصطلح عند الجميع، وتقديمهم الخالق على المخلوق، وليس باعتبار الأهمّية وعدمها، أو الكثرة والقلّة، أو الابتلاء وعدم الابتلاء، وهكذا فلا يُعترض عليه أبداً، بل حتّى ابن تيمية والسلفية والوهابية حينما يتكلّمون في التوحيد يقولون توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية وتوحيد الأسماء والصفات فهم يقدّمون توحيد الربوبية على الإلوهية.

أمّا بالنسبة إلى كلامنا السابق فقد كان الترتيب فيه بحسب السؤال. فالسؤال والإشكال وردنا وعرض علينا بهذا الترتيب ولسنا نحن من جعل توحيد الصفات أوّلاً، بل الإشكال كان على الشرك في الصفات، ثمّ على الشرك في الأفعال، ثمّ أشكل على الشرك في العبادات فكأنّ المستشكل لم يكن له إشكال أو اعتراض على القسم الأوّل منه وهو الشرك في الذات، وبما أنّ الشرك في الصفات هو الثاني في الترتيب فقد استشكل المستشكل عليه أوّلاً وجعله أوّل الأقسام.
فهو إذاً ليس الأوّل في الترتيب على كلّ حال، لا عند السيّد ولا عند المستشكل ولا نحن جعلناه أوّل الأقسام، وإنّما هو أوّل الأقسام المعترَض عليها، ونحن فقط رددنا على من اعترض عليه.
وبالتالي فهذا الادّعاء غريب جدّاً من المستشكل، وكأنّه لم يطّلع على السؤال ولا على كلام السيّد الشيرازي أبداً!

ثانياً: أمّا قوله: ((لا أظنّ أحداً من مشركي قريش كان يخوض في الكلام من عيّنة: هل الصفات زائدة على الذات، أم هي الذات نفسها؟..)).
فنقول وبالله التوفيق:
عدم خوض مشركي قريش في الصفات لا يعني عدمه، فمشركي قريش ليسوا حجّة علينا بل الإسلام حجّة عليهم، والإسلام دين عالمي خالد ومستمر وخاتم، ويحاكي جميع العلوم ويناقش جميع الأديان والأُمّم، وحتى قيام الساعة، (( وَمُهَيمِناً عَلَيهِ )) (المائدة:48).
فعدم معرفة الأعراب والجهلة بهذه العلوم وهذه المصطلحات لا يعني أبداً عدم أهمّيتها، مع أنّها ذكرت كثيراً في القرآن الكريم وفي موارد مهمّة، بل أساسية وفي صلب العقيدة والإيمان.

ثمّ إنّ العلوم تتطوّر وتتوسّع والانفتاح على العالم والعلوم أثار الكثير من المسائل الجديدة التي لم تكن مطروحة عند المسلمين في الجيل الأوّل ولا الثاني، وأصبحت من ضروريات الدين عند بعضهم، فكفّر وضلّل من خالفه فيها، ومنها: مسألة خلق القرآن، وعدالة الصحابة، والاستواء على العرش، وغيرها. فهل هذه المسائل لا قيمة لها أيضاً عندكم لأنّ المشركين لا يعرفونها ولم يمارسوها؟!

أمّا مسألة الشرك في العبادة فهي مسألة عظيمة ومهمّة، بل من أعظم المسائل، وقد أُرسل الرسل وبعثوا للناس لتصحيح عباداتهم وتوحيد الله بها وصرفها له تعالى، وعدم اتّخاذ الشركاء والأنداد، ولكن هناك أيضاً أُمور مهمّة أُخرى وعظيمة, بل أعظم من توحيد العبادة، مثل: توحيد الذات المقدّسة، وأعظم منها: الإيمان بالله تعالى وإثبات وجوده. فالكافر والملحد والزنديق والدهري أعظم جرماً بكلّ تأكيد من المشرك، فلا أدري كيف جعلت وصوّرت المشرك بأنّه أعظم الناس جرماً، وأشدهم عذاباً، مع أنّ القرآن الكريم مملوء بالردّ على الدهريين وذم الكافرين والمعاندين والجاحدين؟
ثمّ إنّ هناك صنفاً أعظم عذاباً من المشركين، وهم المنافقون؛ فقد قال تعالى عنهم: (( إِنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُم نَصِيراً )) (النساء:145)، مع أنّهم لم يمارسوا الشرك ظاهراً، بل إنّهم يتظاهرون بالإيمان والإسلام ويبطنون الكفر، فلماذا نسيتهم وغفلت عنهم؟!
لأنّك توهّمت هذا الأمر، وهو: أنّ توحيد العبادة أو الشرك في العبادة هو أعظم الذنوب وأعظم المخالفات، وهو ليس كذلك، ثمّ توهّمت أنت، ومن على قولك هذا بعد ذلك، بأنّ المسلمين واقعون فيه ويمارسونه، كما فعله عبّاد الأوثان والأصنام، فوسمّوهم بـ(القبوريين) كذباً وزوراً، وبهتاناً وجهلاً.

أمّا كون المشركين موعودين بأشدّ العذاب، بل المنتهى في العقاب، كما عبّرتم، فيردّ هذه الدعوى قوله تعالى:
1- حينما يتكلّم عن الكفّار عموماً: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُم كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِم لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُم يُنظَرُونَ )) (اللبقرة:161-162).
(( وَمَن يَبتَغِ غَيرَ الإِسلاَمِ دِيناً فَلَن يُقبَلَ مِنهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ * كَيفَ يَهدِي اللَّهُ قَوماً كَفَرُوا بَعدَ إِيمَانِهِم وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهدِي القَومَ الظَّالِمِينَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُم أَنَّ عَلَيهِم لَعنَةَ اللَّهِ وَالمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ وَلاَ هُم يُنظَرُونَ )) (آل عمران:85-88).
(( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَبِئسَ المِهَادُ )) (آل عمران:196-197).
(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوفَ نُصلِيهِم نَاراً كُلَّمَا نَضِجَت جُلُودُهُم بَدَّلنَاهُم جُلُوداً غَيرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ )) (النساء:56).
(( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَو أَنَّ لَهُم مَا فِي الأَرضِ جَمِيعاً وَمِثلَهُ مَعَهُ لِيَفتَدُوا بِهِ مِن عَذَابِ يَومِ القِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنهُم وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ )) (المائدة:36-37).
(( قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيكُم فَمَن يَكفُر بَعدُ مِنكُم فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لاَ أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ )) (المائدة:115).
(( إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاستَكبَرُوا عَنهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُم أَبوَابُ السَّمَاءِ وَلاَ يَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجزِي المُجرِمِينَ * لَهُم مِن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوقِهِم غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجزِي الظَّالِمِينَ )) (الأعراف:40-41).
(( وَعَرَضنَا جَهَنَّمَ يَومَئِذٍ لِلكَافِرِينَ عَرضاً * الَّذِينَ كَانَت أَعيُنُهُم فِي غِطَاءٍ عَن ذِكرِي وَكَانُوا لاَ يَستَطِيعُونَ سَمعاً * أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَولِيَاءَ إِنَّا أَعتَدنَا جَهَنَّمَ لِلكَافِرِينَ نُزُلاً * قُل هَل نُنَبِّئُكُم بِالأَخسَرِينَ أَعمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعيُهُم فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَهُم يَحسَبُونَ أَنَّهُم يُحسِنُونَ صُنعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم وَلِقَائِهِ فَحَبِطَت أَعمَالُهُم فَلاَ نُقِيمُ لَهُم يَومَ القِيَامَةِ وَزناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُم جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً )) (الكهف:100-106).
(( إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُم سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً * يَومَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُم فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيتَنَا أَطَعنَا اللَّهَ وَأَطَعنَا الرَّسُولاَ )) (الأحزاب:64-66).
(( وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَت أَبوَابُهَا وَقَالَ لَهُم خَزَنَتُهَا أَلَم يَأتِكُم رُسُلٌ مِنكُم يَتلُونَ عَلَيكُم آيَاتِ رَبِّكُم وَيُنذِرُونَكُم لِقَاءَ يَومِكُم هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِن حَقَّت كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ * قِيلَ ادخُلُوا أَبوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئسَ مَثوَى المُتَكَبِّرِينَ )) (الزمر:71-72).
(( وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئسَ المَصِيرُ )) (التغابن:10).
(( اِنَّ جَهَنَّمَ كَانَت مِرصَاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لاَبِثِينَ فِيهَا أَحقَاباً * لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرداً وَلاَ شَرَاباً * إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً * جَزَاءً وِفَاقاً * إِنَّهُم كَانُوا لاَ يَرجُونَ حِسَاباً * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً * وَكُلَّ شَيءٍ أَحصَينَاهُ كِتَاباً * فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكُم إِلاَّ عَذَاباً )) (النبأ:21-30).

2- وكذلك تكلّم الله تعالى في المنافقين، فقال عزّ من قائل: (( إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً... إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّركِ الأَسفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُم نَصِيراً )) (النساء:140-145).
(( وَعَدَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسبُهُم وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُم عَذَابٌ مُقِيمٌ )) (التوبة:68).
(( لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشرِكِينَ وَالمُشرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤمِنِينَ وَالمُؤمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً )) (الأحزاب:73).
(( وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ وَالمُنَافِقَاتِ وَالمُشرِكِينَ وَالمُشرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوءِ عَلَيهِم دَائِرَةُ السَّوءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِم وَلَعَنَهُم وَأَعَدَّ لَهُم جَهَنَّمَ وَسَاءَت مَصِيراً )) (الفتح:6) .. وأقرأ سورة المنافقين.

3- وكذلك الحال مع الدهريين وغير المؤمنين بالمعاد، والمكذّبين لآيات الله ورسله، وأهل الكتاب والمشركين في الذات وفي الصفات، فقد قال تعالى: (( لَقَد كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِن إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَم يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ )) (المائدة:73).
(( وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيرٌ ابنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَولُهُم بِأَفوَاهِهِم يُضَاهِئُونَ قَولَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحبَارَهُم وَرُهبَانَهُم أَربَاباً مِن دُونِ اللَّهِ وَالمَسِيحَ ابنَ مَريَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبحَانَهُ عَمَّا يُشرِكُونَ )) (التوبة:30-31).
(( قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَم يَلِد وَلَم يُولَد * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) (الإخلاص:1-4).
(( وَلِلَّهِ الأَسمَاءُ الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلحِدُونَ فِي أَسمَائِهِ سَيُجزَونَ مَا كَانُوا يَعمَلُونَ ))
(الأعراف:180).
(( قُلِ ادعُوا اللَّهَ أَوِ ادعُوا الرَّحمَنَ أَيّاً مَا تَدعُوا فَلَهُ الأَسمَاءُ الحُسنَى )) (الإسراء:110).

4- وقال تعالى في حقّ شرك الربوبية والملك والتدبير: (( أَأَربَابٌ متَفَرّقونَ خَيرٌ أَم اللَّه الوَاحد القَهَّار )) (يوسف:39).
(( فَقَالَ أَنَا رَبّكم الأَعلَى )) (النازعات:24).
(( اتَّخَذوا أَحبَارَهُم وَرهبَانَهم أَربَاباً من دون اللَّه )) (التوبة:31).
(( قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَم يَلِد وَلَم يُولَد * وَلَم يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) (الإخلاص:1-4).
(( وَلا يَتَّخذَ بَعضُنَا بَعضاً أَربَاباً من دون اللَّه )) (آل عمران:64).
(( وَقل الحَمد للَّه الَّذي لَم يَتَّخذ وَلَداً وَلَم يَكن لَه شَريكٌ في الملك وَلَم يَكن لَه وَليٌّ منَ الذّلّ وَكَبّره تَكبيراً )) (الإسراء:111).
(( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُم كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَو يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذ يَرَونَ العَذَابَ أَنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذَابِ * إِذ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا العَذَابَ وَتَقَطَّعَت بِهِمُ الأَسبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَو أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنهُم كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعمَالَهُم حَسَرَاتٍ عَلَيهِم وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ )) (البقرة:165-167).
(( لاَ يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنِينَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ فَلَيسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيءٍ... )) (آل عمران:28).
(( وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيطَانَ وَلِيّاً مِن دُونِ اللَّهِ فَقَد خَسِرَ خُسرَاناً مُبِيناً * يَعِدُهُم وَيُمَنِّيهِم وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إِلاَّ غُرُوراً * أُولَئِكَ مَأوَاهُم جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنهَا مَحِيصاً )) (النساء:119-121).
(( الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَلَم يَتَّخِذ وَلَداً وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخلُقُونَ شَيئاً وَهُم يُخلَقُونَ وَلاَ يَملِكُونَ لِأَنفُسِهِم ضَرّاً وَلاَ نَفعاً وَلاَ يَملِكُونَ مَوتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً )) (الفرقان:2-3).
وغيرها الكثير من الآيات الكريمة التي تتكلّم عن أنواع متعدّدة ومعروفة ومختلفة ومتنوعة في تعاملهم وعقيدتهم مع الله تعالى، ولم تقتصر على توحيد الإلوهية أو العبادة أبداً، ولم تنتقد الشرك في العبودية أو الإلوهية فقط أبداً، وإنّما تنوعت الآيات الكريمة بحسب التوحيد كلّه والشرك كلّه.
فإن أردتم الكثرة، فهذه الآيات إن لم تكن أكثر ممّا ذكرتموه من موضوع شرك العبودية فهي كثير أيضاً إن تنزلنا معكم في هذه القاعدة غير الصحيحة، وإلاّ فتكفي الآية والآيتين في إثبات مواضيع التوحيد والشرك وما إلى ذلك.
فهذه القاعدة لا نسلّم بها أبداً وننقضها بمثال واحد وبسيط وواضح وهو: أنّ نفي التجسيم والتمثيل والتشبيه، وفهم صفات الله تعالى على ما هو الحقّ موضوع مهم وحساس جدّاً ولا يستطيع أن ينكر ذلك أحد، وقد جرى الخلاف في هذه المسألة بشكل كبير وواسع في هذه الأُمّة، ولكن الفيصل والدليل فيها هو: قوله تعالى: (( لَيسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ )) (الشورى:11)، هذه الآية الكريمة هي الوحيدة في فهم الصفات ونفي التشبيه والتمثيل والتجسيم، فأين قاعدة الكثرة والقلّة المتوّهَمة؟!!
فمفاهيم الإسلام وأحكامه وعقائده لا تؤخذ أهميتها بحسب القلّة والكثرة، وإلاّ لكان موسى(عليه السلام) أفضل وأهمّ من نبيّنا محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيّدهم وأشرفهم وخاتمهم؛ لأنّ موسى(عليه السلام) ذكر في القرآن بالاسم (129) مرّة ونبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يذكر اسمه سوى أربع مرّات! وهكذا في مسائل أُخرى كثيرة.

فقد قال الله تعالى عن الشرك: (( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغفِرُ أَن يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ )) (النساء:48) ، وجعله النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الكبائر، بل أكبرها، كما في حديث عبد الله بن أنيس الجهني(2)، والمشرك لا تناله الشفاعة يوم القيامة التي ينالها أهل الكبائر لأنّها مشروطة بالتوحيد: (( يَومَئذ لا تَنفَع الشَّفَاعَة إلاَّ مَن أَذنَ لَه الرَّحمَن وَرَضيَ لَه قَولاً )) (طه:109)، وفي المقابل مع أنّ الكفر كفر، لم يجعله النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع الكبائر كالشرك، وهذا ينبئ عن أنّه أشدّ وأعظم وأسوء من الشرك.

فلا يمكن بعد هذا كلّه جعل توحيد العبودية هو التوحيد الوحيد المطلوب والمشهور والمهم، ونأتي فنقلّل من شأن توحيد الذات والصفات، مع أنّ جرم الكافر والملحد والزنديق أكبر من جرم من يؤمن بالله تعالى ولكنّه يشرك معه في العبادة ندّاً وشريكاً يصرف له العبادة التي يجب أن لا تصرف إلاّ لله تعالى، لأنّه لا يستحقّ أحد أن يعبده أحد إلاّ الخالق الغني المالك تعالى الله عمّا يشرك الظالمون الجاهلون علواً كبيراً.

وكذلك الحال في المنافق، فهو مظهر للإيمان والإسلام والتوحيد ولا يشرك بالله تعالى ولا يعبد غيره، ومع كلّ ذلك جعله الله تعالى أسوء حالاً من المشرك وربّما الكافر أيضاً، فجعله وتوعّده في الدرك الأسفل من النار، فجعله تعالى مستحقّاً لعذاب وعقاب أشدّ من غيره، فهذا الجرم يعتبر أخطر وأعظم من الشرك وأولى بأن نركّز عليه، وكان موجوداً بل كثيراً ومنتشراً منذ زمن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة!!

فلماذا هذا الاهمال لأُمور عظيمة والتركيز على شرك العبودية فقط مع أنّه عظيم، ولكن المسلمين عادة هم موحّدون ويعرفون حدود الله ولا يتعدونها في هذه المسألة، فلم نر ولم نسمع بأنَّ أحد المسلمين مهما كان بسيطاً أو عامّياً أو جاهلاً اتّخذ إلهاً مع الله أو من دونه سبحانه، وأله شخصاً، وصلّى أو صام أو ذبح له، أو حجّ لغير بيت الله الحرام، وهذا مصداق ما قاله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلامة من علامات نبوّته حينما أخبر عن حال أُمّته من بعده فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها)(3)، فحذّر بأبي هو وأُمّي من التنافس على الخلافة والإمامة أو الدنيا عموماً، وأكّد بأنّ أُمّته سوف لن يقع الشرك الأكبر فيها, ولذلك أكّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) على الخطر الذي يخاف على أُمّته أن تقع فيه بالإضافة إلى التنافس على خلافته الذي ذكره في حديثه المذكور والموجّه مباشرة لأصحابه؛ ففي حديث آخر يوجّه تحذيره لأًمّته عموماً وخوفه عليهم من الشرك، فيخاطبهم ويحذّرهم بقوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الشرك أخفى في أُمّتي من دبيب النمل على الصفا)(4)، وفي رواية: (الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل)(5).

ولذلك قال(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخبر عن علامات يوم القيامة وعجائب ما سيحصل في أُمّته وابتعادهم عن الدين واندراس العلم، بأنّ هناك فئة مسلمة من النساء ترجع إلى عبادة الأصنام؛ فقال(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تقوم الساعة حتّى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة)(6) وذو الخلصة: طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية، وغيرها.
وكلّ ما ذكرناه يعني بأنّ النبيّ الأكرم(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يخف على أُمّته من الوقوع في الشرك الأكبر وعبادة غير الله تعالى؛ لوضوح دعوة التوحيد، وتبليغه حقّ بلاغه، وتبيينه لأُمّته حقّ بيانه، فلا يمكن لأيّ عالم أو جاهل أن يعتقد بوجود إله آخر مستحقّ للعبادة غير الله سبحانه وتعالى بعد أن يقرّ ويعترف ويتلفّظ بالشهادتين ليل نهار، ويقرأ ويردّد: (( إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِينُ )) (الفاتحة:5) يومياً سبعة عشر مرّة على أقل تقدير.
فهذا الأمر من الوضوح والبداهة حتّى للطفل في أُمّة الإسلام والمسلمين، بحيث يجعل رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من عجائب وعلامات قيام القيامة طواف وعبادة بعض النساء المسلمات حول وثن في أقاصي البلاد، وقرية نائية من قراه..
فكيف يأتي الوهابية - ومن قبلهم مؤسّس ومروّج فكرهم وناشرهم ابن تيمية الحراني - فيكفّرون أُمّة الإسلام ويرمونها بالوقوع في الشرك في العبودية، وأنّ الأُمّة الإسلامية، سواهم، كلّها تعبد غير الله، تعالى الله عمّا يقول الجاهلون علوّاً كبيراً!!
ولكن لا غرابة من فعلهم فقد فعل سلفهم الخوارج أسوأ من فعلهم، وقالوا بأعظم من قولهم، فكفّروا إمام الموحّدين، وأوّل المسلمين، عليّ بن أبي طالب عليه سلام ربّ العالمين، فمن هم دون عليّ أهون وأسهل ليطعن بتوحيدهم الجاهلون، ويشكّك بإسلامهم التكفيريون!!

ومع ذلك كلّه فإيرادك على تقديم الشرك في الصفات في الأهمّية على العبودية غير وارد؛ لأنّنا لم نقدّمه إلاّ عند ورود السؤال عنه أوّلاً وقبل غيره، أو عند التصنيف والتقسيم وذكر أنواع التوحيد.. وهذا قد فعله أكثر المتكلّمين والعقائديين ومن مختلف الفرق الإسلامية، وقدّموه للأشرفية فقط، لتقديم الخالق على المخلوق، وهو تقديم وضعي اصطلاحي ليس من دأب المحصّلين والعلماء الاعتراض عليه عادةً ولا تخطئته؛ لأنّه مجرّد وضع واصطلاح وترتيب لا أكثر.

وأمّا قولك: ((وأقول: ببساطة أنا أؤمن بكتاب الله، وفي كتابه تحدّث سبحانه عن نفسه وعن صفاته وذكرها وعدّدها، وبالتالي فأنا أُؤمن بهذه الصفات التي هو سبحانه وصف بها نفسه.. لماذا توجد مشكلة في هذا؟ هل الصحّ أن أُكذّب الله وأردّ كلامه؟)).
فنقول وبالله التوفيق:
ونحن معك نثبت الصفات وننكر على من يردّها أو يعطلها، ولكن يا أخي المشكلة هي: كيف نثبت هذه الصفات، وكيف نفهمها حتّى لا نقع في محذور، وهذا كما نعتقد يوافقنا عليه الجميع ولكن المشكلة في التطبيق.
ولنضرب لك مثلاً ينقض كلامك هذا الذي تدّعيه، وهو: الإيمان بالصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، فنقول:
كيف تثبت قوله تعالى حين وصف نفسه بأنّه: قريب، وتفهم معنى: وأقرب إلينا من حبل الوريد؛ فقد قال عزّ من قائل: (( وَنَحنُ أَقرَبُ إِلَيهِ مِن حَبلِ الوَرِيدِ )) (ق:16)، و (( إنَّ اللَّهَ مَعَنَا )) (التوبة:40)، و(( فَإنّي قَريبٌ )) (البقرة:186)؟
وكذلك كيف تفهم وتثبت وتؤمن بقوله تعالى: (( كُلّ شَيء هَالكٌ إلاَّ وَجهَه )) (القصص:88)، و (( كُلُّ مَن عَلَيهَا فَانٍ * وَيَبقَى وَجهُ رَبِّكَ ذُو الجَلاَلِ وَالإِكرَامِ )) (الرحمن:26-27)؟
فالله تعالى يصف نفسه بالقرب، ولكنّك ستواجه مشكلة إن آمنت بها وأثبتّها على ظاهرها دون تأويلها، أو تأويل ما يعارضها ممّا ورد من الآيات، كقوله تعالى: (( ثُمَّ استَوَى عَلَى العَرشِ )) (الأعراف:54)، و(( الرَّحمَن عَلَى العَرش استَوَى )) (طه:5)، وكذلك هلاك كلّ شيء إلاّ وجه الله، فهو مشكل على عقيدتكم وفهمكم؛ لأنّك إن أثبتَّ هذه الآية وآمنت بها فستثبت الوجه فقط، مع إنّك يجب أن تؤمن ببقاء الله تعالى كلّه، وأنّ لله تعالى بالإضافة إلى الوجه هناك الرِجل والساق والقدم واليدين والأصابع، وما إلى ذلك من استواء ونزول وهرولة وضحك وتعجّب وو...
فكيف ستفهم هذه الآيات الكريمة التي تثبت فناء كلّ شيء سوى وجه الله تعالى؟ فأين يد الله ورجّله وو.. وبقية أجزائه وأعضاءه تعالى؟
ولذلك يا أخي نحن لا نقول لك: كذّب أو عَطـّل أو رُدّ قولَ الله تعالى، وإنّما نقول: افهم وكوّن فكرة كاملة ونظرية متكاملة تثبت بها لله تعالى الكمال، وتنزّهه تعالى عن كلّ نقص؛ فتأمّل!

وأمـّا قولك: ((2- الشرك في الأفعال: أشكلت في ما سبق عن (مستقلّة)... وأُعيد عليه: هل لو اعتقد وجود قدرة (مشتركة) مع الله في التدبير والملك - أي: اعتقد أنّ الأمر الإلهي يتم شركةً بين الله وبين فلان فهل باعتقاده هذا يكون موحّداً وليس مشركاً؟)).
نقول: أنت لم تفهم كلام السيّد، ولذلك أشكلت بمثل هذا الإشكال، فنحن والسيّد نقول: بأنّ الاعتقاد بأيّ مؤثّر أو متصرّف أو مالك أو ضارّ أو نافع أو... أو... مع الله تعالى فهو شرك، بغضّ النظر عن الاشتراك أو الاستقلال، فكلا الأمرين سيان؛ لأنّنا نقصد من الاستقلال بأنّ الاعتقاد بتصرّف أو تدبير أو ملك أو أو.. أي شيء سوى الله تعالى من دون إذن الله تعالى له وإقداره على ذلك وإعطاؤه هذه القدرة والقابلية فإنّ هذا الاعتقاد شرك، فيكون الاشتراك فرداً من أفراد الاستقلال لا مقابلاً له.

والخلاصة: فإنّنا نقول إنّ ما نعنيه بالاستقلال هو: إثبات شيء، ولو بمقدار ذرّة أو خردلة، خارج عن قدرة الله تعالى وإذنه وحوله وقوّته، سواء جعلناه ندّاً لله تعالى أو جعلناه مع الله تعالى، أي بمعنى: احتياجه تعالى له، سبحانه وتعالى عمّا يصفه الجاهلون علوّاً كبيراً..
فقد نفى تعالى الاستقلال والشراكة على حدّ سواء؛ فالشراكة توجب النقص والاحتياج والفقر لله تعالى الغني الحميد، مالك كلّ شيء، وربّ كلّ شيء، إذ قال عزّ من قائل: (( وَقُلِ الحَمدُ لِلَّهِ الَّذِي لَم يَتَّخِذ وَلَداً وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَلَم يَكُن لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرهُ تَكبِيراً )) (الإسراء:111).
وقال تعالى أيضاً: (( الَّذِي لَهُ مُلكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَلَم يَتَّخِذ وَلَداً وَلَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقدِيراً )) (الفرقان:2).
وقال تعالى: (( فَإنَّ اللَّهَ غَنيٌّ عَن العَالَمينَ )) (آل عمران:97).
وقال تعالى: (( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِن إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعضُهُم عَلَى بَعضٍ سُبحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ )) (المؤمنون:91).
وقد ذكر تعالى الشريك الذي بمعنى الاستقلال لا الشراكة والمساعدة والاحتياج إليه، أي بمعنى: (الند)، فقال عزّ من قائل: (( أَم لَهُم شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِنَ الدِّينِ مَا لَم يَأذَن بِهِ اللَّهُ )) (الشورى:21).
وقال تعالى: (( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاءَ مَا نَعبُدُهُم إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلفَى إِنَّ اللَّهَ يَحكُمُ بَينَهُم فِي مَا هُم فِيهِ يَختَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهدِي مَن هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَو أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَصطَفَى مِمَّا يَخلُقُ مَا يَشَاءُ سُبحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ بِالحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيلِ وَسَخَّرَ الشَّمسَ وَالقَمَرَ كُلٌّ يَجرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلاَ هُوَ العَزِيزُ الغَفَّارُ * خَلَقَكُم مِن نَفسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنهَا زَوجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ الأَنعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزوَاجٍ يَخلُقُكُم فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُم خَلقاً مِن بَعدِ خَلقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُم لَهُ المُلكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصرَفُونَ * إِن تَكفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُم وَلاَ يَرضَى لِعِبَادِهِ الكُفرَ وَإِن تَشكُرُوا يَرضَهُ لَكُم وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَرجِعُكُم فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعمَةً مِنهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدعُو إِلَيهِ مِن قَبلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُل تَمَتَّع بِكُفرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِن أَصحَابِ النَّارِ )) (الزمر:3-8).
وقوله تعالى: (( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُم هُوداً قَالَ يَا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ إِن أَنتُم إِلاَّ مُفتَرُونَ )) (هود:50).
وقال تعالى: (( وَمَا نَحنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَولِكَ وَمَا نَحنُ لَكَ بِمُؤمِنِينَ * إِن نَقُولُ إِلاَّ اعتَرَاكَ بَعضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشهِدُ اللَّهَ وَاشهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشرِكُونَ * مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُستَقِيمٍ )) (هود:53-56).
وقال تعالى: (( وَلَم يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ )) (الإخلاص:4).
وغيرها كثير، يذكر فيها تعالى أنّهم يتّخذون غير الله ربّاً وإلهاً أو أنداداً أو أولياء أو شفعاء أو مشرّعين، وما إلى ذلك، وهذا المعنى واضح وظاهر بأنّه لا يراد منه الشريك بمعنى المعين والمحتاج إليه من قبل الله تعالى، فالنوعان منفيان وكلاهما شرك قطعاً، بل الذي على نحو الاستقلال أظهر وأوضح بكونه شريكاً.
فلا ندري وجه سؤالكم وإصراركم للمرّة الثانية على هذا الأمر الواضح مع كلّ ما قدمناه هنا وهناك من كون كلا النوعين (الاستقلال، والشراكة) يكونان بمعنى الاستقلال حينما يعتقد أحد بالشريك لله، تعالى الله عن الشريك بكلّ معانيه علوّاً كبيراً.

وأمّا قوله: ((الاستشكال: أوّلاً: تعريفه للعبادة ليس آية قرآنية ولا حديث عن معصوم...)).
فنقول: سبحان الله وهل أصبحت التعاريف في الإسلام منحصرة في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؟!!
وهل تعريف ابن تيمية ومن تبعه للعبادة آية قرآنية أو حديث نبوي؟! فلماذا باؤهم تجر وباؤنا لا تجر يا رجل؟!
ثمّ قال: ((ثانياً: هذا التعريف محتاج لتعريف أصلي ولازم، فما معنى الإلوهية التي يتحدّث عنها التعريف؟)).
نقول: إن لم تعرف الإلوهية فماذا بقي لتعرفه؟! وهذا المصطلح قرآني ومذكور بكثرة وتكرّر في القرآن الكريم، فلماذا يحتاج إلى تعريف يا أخي؟! ألأنّه مخالف لتعريف الوهابية ومن لفّ حولهم؟!
فالإلوهية أو التأليه: أن تعتقد بأنّ المخضوع له إلهاً وربّاً وغنياً ومستحقّاً للعبادة، وهذا هو المحذور، وعندئذ تتحقّق العبادة لغير الله تعالى والشرك فيها إن صرفت بهذه الشروط لغير الله تعالى؛ فافهم!
ثمّ قال: ((ثالثاً: تعريفه هذا يعني أنّ الاعتقاد بالإلوهية هو شرط أساسي لاعتبار كون الفعل عبادة أم لا، وهذا خرق شنيع في التعريف)).
نقول: بالتأكيد هذا هو الشرط والفيصل في كون الفعل أو الخضوع أو التعظيم عبادة أم ليس بعبادة؛ فافهم!
ثمّ قال: ((ولبيان ذلك أقول: لو خضعت لفظياً وعملياً لشيء ما.. هل أكون عبدته؟ لا، فحسب التعريف لا بدّ أن أعتقد أيضاً بإلوهيته!)).
نقول: نعم. فلماذا هذا الاستغراب؟!!
ونمثّل لذلك كي تفهم، فنقول: سجود الملائكة لآدم(عليه السلام)، وسجود إخوة يوسف وأبويه ليوسف(عليه السلام) هل كان خضوعاً أم لا؟
قطعاً السجود هو أعظم مصاديق الخضوع، ولكن الله تعالى أمر به، وكذلك فعله الأنبياء والملائكة وقبله الله تعالى وأنبيائه وملائكته، فهذا السجود تسمّونه أنتم الآن وعلى تعريفكم: عبادة، مع أنّه ليس بعبادة؛ لأنّ الله تعالى لا يأمر بعبادة غيره في كلّ زمان ومكان، فإنّ الله تعالى لا يرضى لعباده الكفر. ولا تقل لي: هذا شرع من قبلنا؛ فهذا العذر والتبرير مضحك للثكلى!

ثمّ إنّ الله تعالى أمرنا بالخضوع المجرّد عن الإلوهية كثيراً في القرآن الكريم، فهل أمرنا الله تعالى بعبادة غيره؟ فقد قال عزّ من قائل: (( وَاخفِض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤمِنِينَ )) (الشعراء:215).
وقال تعالى: (( وَاخفِض لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحمَةِ )) (الإسراء:24).
وقال تعالى: (( أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ )) (المائدة:54).
وقال تعالى: (( اسجُدُوا لِآدَمَ )) (المائدة:34).
ونهى تعالى النساء أن يخضعن بالقول للأجانب بأن يرقّقن أصواتهنّ؛ فقال عزّ وجلّ: (( فَلاَ تَخضَعنَ بِالقَولِ فَيَطمَعَ الَّذِي فِي قَلبِهِ مَرَضٌ )) (الأحزاب:32), فلو كان مطلق الخضوع منهياً عنه لما نهى تعالى عن خضوعها بالقول للأجانب، وهذا يعني بأنّه يجوز لها أن تخضع بالقول لزوجها، بل قد يستحبّ، فلو كان كلّ خضوع عبادة لنهى عن مطلق الخضوع والذل، وهذا كما رأينا ليس موجوداً في ديننا وقرآننا!!
وقد ذكر تعالى الخضوع دون إرادة العبادة، فقال عزّ من قائل: (( إِن نَّشَأ نُنَزِّل عَلَيهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّت أَعنَاقُهُم لَهَا خَاضِعِينَ )) (الشعراء:4)، وقال عزّ وجلّ: (( خَاشِعَةً أَبصَارُهم تَرهَقهم ذلَّةٌ )) (القلم:43)، والكلّ فسّر (خاشعة) بـ(الخاضعة), فهل كلّ خضوع وخشوع وذلّ عبادة؟!! أبداً؛ فالسجود خضوع كما فسّروه، والاحترام والتعظيم والذلّ كلّها خضوع, فكيف يكون كلّ خضوع عبادة؟!!
وقد قال الطبري: ((وأصل الخشوع: التواضع والتذلّل والاستكانة))(7)، ثمّ قال في مكان آخر: ((وقد بيّنا فيما مضى قبل من كتابنا أنّ الخشوع: التذلّل والخضوع، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع... (حتى قال): والذين هم في صلاتهم متذلّلون لله))(8)!!
فافهم رحمك الله تعرف أنّ الذلّ والخضوع والخشوع بمعنى واحد أو متقارب، فلا يمكن أن يأمر الله تعالى عباده بالذلّ والخضوع والسجود لأحد وهو عبارة عن عبادة أبداً!! وبالتالي فإنّ شرط اعتقاد الإلوهية هو شرط في محلّه لكي تتم العبادة لا مجرّد الخضوع لشخص أو شيء حتّى يعدّ عبادة كما تظنّون وتتوهّمون.

وأمّا التمثيل بمثال التمثال، فنقول:
1- لا يوجد مسلم فعل ذلك أبداً، فهذا من الأوهام وغير موجود إلاّ في خيالات التكفيريين لأُمّة محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقط، كما بيّنا سابقاً، فراجع أقوال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أُمّته وقارن!
2- ثمّ إنّ الشارع نهى عن النذر والذبح لغير الله، وهو شرك، سواء كان النذر والذبح مع اعتقاد الإلوهية أم ادّعاء عدمه!! لأنّ النذر والذبح من مختصّات الله تعالى، ومن لوازم التأليه؛ فإنّ من ينذر لغير الله، أو يذبح بذكر غير اسم الله، فهو مشرك، سواء فعل ذلك لصنم أو وثن أو تمثال أو قبر أو حيّ أو ميت أو نبيّ أو شيطان، فكلّ ذلك لا يمكن تصوّر صدوره من مسلم، ولا يمكن تصوّر صدوره دون تأليه أو عبادة لمن يُذبح له، أو يُنذر له.
وهذا الأمر لا يفعله أحد وقد نصّ عليه السيّد وفصّله؛ فراجع!

أمَّا السجود والطلب والاستعانة، فإن كان دون تأليه فلا يعدّ عبادة، ولكنّه إن فُعل لشيء غير محترم، وخصوصاً إن كان لتمثال أو صنم أو وثن، فلا يمكن تصوّر فعله للاحترام والتعظيم دون العبادة؛ لأنّه لماذا يحترم وثناً أو صنماً أو تمثالاً، ويعظمه ويقدّسه، إلاّ لعبادته وتأليهه، مع كونه غير محترم عندنا؟!!
ولذلك قال تعالى: (( يَا صَاحِبَيِ السِّجنِ أَأَربَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ مَا تَعبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسمَاء سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ إِنِ الحُكمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لاَ يَعلَمُونَ )) (يوسف:40).
وقال تعالى: (( أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسمَاء سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ )) (الأعراف:71).
وقال عزّ من قائل: (( أَفَرَأَيتُمُ اللاَّتَ وَالعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلكَ إِذاً قِسمَةٌ ضِيزَى * إِن هِيَ إِلاَّ أَسمَاء سَمَّيتُمُوهَا أَنتُم وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهوَى الأَنفُسُ وَلَقَد جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهُدَى )) (النجم:19-23).
وهكذا يثبت سبحانه تعالى بأنّ تعظيم واحترام تلك الإلهة كان دون وجه حقّ ودون دليل، وهي لا تستحقّ ذلك التعظيم، فمن باب أولى لا تستحقّ العبادة فكيف تعبدونها وهي بتلك الحالة؟!!

أمّا قياس التماثيل والأصنام على دعاء واستعانة وتوسّل المسلمين بأنبياء الله وأوليائه، فهذا خطأ فادح؛ ولذلك لم يخاطب تعالى النصارى بنفس خطابه لمن يعبد الأصنام وإنّما أثبت لهم تعالى بأنّ عيسى(عليه السلام) وأمّه عبدان لله تعالى، يأكلان، فقيران، محتاجان، ليسا غنيين بأنفسهما وذاتيهما، فلا يستحقّان العبادة، ولم يقل لهم: (ما أنزل الله بهما من سلطان) كما خاطب من يعبد الأصنام.
ودمتم في رعاية الله

(1) ليالي بيشاور: 158 - 161 المجلس الثالث، أقسام الشرك.
(2) انظر: مسند احمد 3: 495 حديث عبد الله بن أنيس، سنن الترمذي 4: 303 حديث (5009) أبواب تفسير القرآن سورة النساء، مجمع الزوائد 1: 105 كتاب الإيمان باب (في الكبائر).
(3) صحيح مسلم 7: 67 كتاب الفضائل، باب (إثبات حوض نبيّنا(صلّى الله عليه وآله وسلّم))، صحيح البخاري 2: 94 كتاب الكسوف باب الجنائز.
(4) مجمع الزوائد 10: 223.
(5) مجمع الزوائد 10: 223، 224، مسند أبي يعلى 1: 60 مسند أبي بكر حديث (58).
(6) رواه البخاري في صحيحه 8: 100 كتاب الفتن، ومسلم 8: 182 كتاب الفتن، باب (لا تقوم الساعة حتّى تعبد دوس ذي الخلصة).
(7) جامع البيان لابن جرير الطبري 1: 373 تفسير سورة البقرة، قوله تعالى:(( وَاستَعِينُوا بِالصَّبرِ وَالصَّلاَةِ... )).
(8) جامع البيان لابن جرير الطبري 18: 6 تفسير سورة المؤمنون، قوله تعالى: (( قَد أَفلَحَ المُؤمِنُونَ... )).

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال