الاسئلة و الأجوبة » النبي عيسى (عليه السلام) » هل للمسيح (عليه السلام) طبيعتان: لاهوتية وناسوتية؟


محمد / لبنان
السؤال: هل للمسيح (عليه السلام) طبيعتان: لاهوتية وناسوتية؟

قلت لأحد المسيحييين:
توجد آيات في الإنجيل تدحض زعمكم أنّه ربّ وإله، مثل: (أمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد.. ولا الابن)، و(لست أفعل شيئاً من نفسي)، و(أتكلم بهذا كما علمني أبي)، و(أُعطِيت كلّ سلطان)، و(لا أطلب مشيئتي بل مشيئة الأب الذي أرسلني)..
فإذا كان المسيح هو الله، فكيف لا يعرف المسيح الساعة؟ وكيف يقول: أُعطيت؟ وكيف لا يفعل شيئاً من نفسه؟ ولا يطلب مشيئته بل مشيئة الأب؟!
فأجاب من إحدى منتدياته:
((نعم، إن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين، ولكنه هنا يتحدث بصفة الناسوت. أي الابن الخاضع لمشيئة الأب الذي أرسله، فلقد أخلى ذاته آخِذاً صورة عبد وأطاع حتى الموت، موت الصليب. فهنا يُظهِر الخضوع التام في إتمام إرساليته ويتكلم أيضاً هنا بصفته نائب عن البشرية في تقديم الخلاص.
ولنا أحداث كثيرة كان المسيح يتكلم بصفته الناسوتية Humanity ولم يفترق عنه اللاهوت Divinity، ونرى ذلك عندما تعب من السفر - جلس على بئر يعقوب - جاع - بكى على لعازر.. وأيضاً كان بصفته اللاهوتية ولم يفترق عن الناسوت عندما صنع معجزاته كلها.
كما أن الأب مساو للابن مساوٍ للروح القدس، ولقد قال الابن عن نفسه: (أنا والأب واحد) (واحد في الجوهر، الطبيعة اللاهوتية). وقال كذلك: (مَن رآني فقد رأى الأب). ونحن نقر في (قانون الإيمان) أنه مساوي للآب في الجوهر. ونستطيع أن نُشَيِّه علاقة الأب والابن كعلاقة العقل والفكر؛ فالعقل هو مصدر الفكر، والفكر هو جوهر العقل. وبما أن المسيح قال عن نفسه (لستُ أفعل شيئاً من نفسي)، والفكر يُصدَر من العقل، إذن فيمكن تفسيرها كما سبق. ولكننا لا ننسى في نفس الوقت أن الفكر هو جوهر العقل، وإن كان المسيح هنا يتكلم بلغة الخضوع التام للآب الذي أرسله، والطاعة الكاملة لمشيئته.

أمّا عن آية (أمّا ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذي في السماء ولا الابن إلا الأب)(إنجيل مرقس 32:13)، فتفسيرها كالآتي:
أولاً: يقول القديس أمبروسيوس أن السيد المسيح هو الديان وهو الذي قدم علامات يوم مجيئه لذا فهو لا يجهل اليوم. هذا وإن كان يوم مجيئه هو (السبت) الحقيقي الذي فيه يستريح الله وقديسوه فكيف يجهل هذا اليوم وهو (رب السبت)(أنجيل متى 12: 18)؟

ثانياً: يرى القديس أغسطينوس أن السيد المسيح لا يجهل اليوم، إنما يعلن أنه لا يعرفه، إذ لا يعرفه معرفة مَن يبيح بالأمر. لعله يقصد بذلك ما يعلنه أحياناً مدرس حين يُسأل عن أسئلة الامتحانات التي وضعها فيجيب أنه لا يعرف بمعنى عدم إمكانيته أن يُعلن ما قد وضعه، وأيضاً إن سُئل أب اعتراف عن اعترافات إنسان يحسب نفسه كمن لا يعرفها. يقول القديس أغسطينوس: [حقاً إن الأب لا يعرف شيئاً لا يعرفه الابن، لأن الابن هو معرفة الأب نفسه وحكمته، فهو ابنه وكلمته وحكمته. لكن ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه... إنه كمعلم يعلمنا بعض الأمور ويترك الأخرى لا يُعَرِّفنا بها. إنه يعرف أن يخبرنا بما هو لصالحنا ولا يخبرنا بالأمور التي تضرنا معرفتها]...

ثالثاً: يرى القديس إيريناؤس أنه وإن كان السيد المسيح العارف بكلّ شيء لم يخجل من أن ينسب معرفة يوم الرب للآب وحده كمن لا يعرفه، أفلا يليق بنا بروح التواضع أن نقتدي به حين نُسأل في أمور فائقة مثل كيفية ولادة الابن من الأب أن نُعلن أنها فائقة للعقل لا نعرفها.

وبخصوص أنه أخفى عنهم معرفة الساعة على الرغم من قوله لهم سابقاً: (أُعطيَ لكم أن تعرفوا سر ملكوت الله، وأما الذين هم من خارج فبالأمثال يكون لهم كلّ شيء)(مرقس 11:4). ألم يكن يشتاق السيد أن يدرك الكلّ أسرار ملكوته إذ قال: (أحمدك أيها الأب ربّ السماء والأرض، لأنك أخفيت هذه عن الحكماء والفهماء، وأعلنتها للأطفال. نعم أيها الأب، لأن هكذا صارت المسرة أمامك)(آنجيل متى 11: 25- 26)!
أ. يقول أحد الدارسين إنه يليق بنا فهم كلمات السيد المسيح بالفكر اللاهوتي الذي كان للكنيسة الأولى، فإن كلمات السيد تميز بين مجموعتين: الذين له مع الاثني عشر، والذين هم في الخارج [10-11]. فإن سرّ الملكوت لم يعلن للاثني عشر وحدهم بل للذين التفوا حول السيد في كنيسته، أمّا الذين في الخارج فهم اليهود رافضو الإيمان به... أمّا الذي يبقى في الخارج فلا يقدر أن يدرك السرّ في أعماقه...
ب. قدم السيد تعاليمه علانية للجميع، لكن الأمر يحتاج إلى التمتع بإعلان السرّ...
بنفس الفكر نجد السيد المسيح يقدم حياته مبذولة على الصليب علانية، لكنه لا يستطيع أحد أن يتفهم سرّ الصليب إلا الراغب في الالتقاء معه ليتعرف على قوة قيامته. فالصليب تمت أحداثه أمام العالم، أمّا القيامة فيختبرها الراغبون في التمتع بعملها فيهم، هؤلاء الذين يصعدون مع التلاميذ في علية صهيون يترقبون ظهوره!

وبخصوص عبارة (لست أفعل شيئاً من نفسي.. بل أتكلم كما علمني أبي)(إنجيل يوحنا 28:8)، فبهذا يعلن أن جوهره هو مثله تماماً، وأنه لا ينطق بشيءٍ إلا بما في ذهن الأب. إنه يقول أنا لست من نفسي. لأن الابن هو الله من الأب، ولكن الأب هو الله ليس من الابن. الابن إله من إله، الأب هو الله وليس من إله. الابن هو نور من نور، والأب هو نور لكن ليس من نور. الابن كائن، لكن يوجد من هو كائن منه، والأب كائن ولكن لا يوجد من هو كائن منه...
إن موضوع اللاهوت والناسوت يختلط عليك كثيراً.. إنه إتحاد بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير ولا استحالة.. إنه مثل إتحاد الحديد والنار؛ ففي حالة الحديد المُحمى بالنار، لا نقول هناك طبيعتان: حديد ونار، وإنما نقول حديد محمى بالنار، كما نقول عن طبيعة السيد المسيح أنه إله متأنس، أو إله متجسد، ولا نقول أنه اثنان إله وإنسان. وفي حالة الحديد المحمى بالنار لا توجد استحالة؛ فلا الحديد يستحيل إلى نار، ولا النار تتحول إلى حديد.

لا تنسى آيات عديدة:
ـ (أنا والأب واحد)(يو30:10)، وذكرت بنفس المعنى كذلك في (يو11:17، 22).
- (أنا في الأب والأب فيَّ)(يو10:14، 11).
- (كلّ ما هو لي فهو لك، وكلّ ما هو لك فهو لي)(يو10:17).
- (لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الأب)(يو22:5)
- (أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي)(يو1:14).
- (مَن رآني فقد رأى الأب)(يو9:14))).

راجين المساعدة في الردّ عليه؟

الجواب:

الأخ محمد المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لا شك أن هذا النصراني قد استند في جوابه هذا على منظومة من الذرائع التي استقاها من مصادر متنوعة كالتاريخ والفلسفة والأمثال وعلم النفس وعلم الاجتماع... ومهما حاول توظيفها لدعم اطروحته في ألوهية المسيح(عليه السلام) ضد من يقول ببشريته وعبوديته لله عزوجل (بالاستناد إلى ما ورد في الأناجيل) فإنه يؤكد من حيث لا يشعر دحض اطروحته بطريق غير مباشر.
فالإلاهية من حيث حقيقتها لا يمكن أن تختلط بالبشرية حتى يصح أن يكون المسيح(عليه السلام) ذا طبيعتين ناسوتية ولاهوتية (بمعنى إلهية، وليست لاهوتية من حيث نسبتها إلى عالم اللاهوت)، ومن الخطأ الفاحش الظن أن الإلاهية تقابل البشرية تقابل الضدين حتى يقال بأن المسيح ذو طبيعتين قد إئتلفتا بحسب ظاهره وباطنه فظاهره بشر وباطنه إله. ذلك أن حقيقة الله سبحانه وتعالى ليست ضدا لشيء، لأن الأضداد من صفات المخلوق لا من صفات الخالق، وليست حقيقته عز وجل كفؤا لشيء، لأن المتكافئين في رتبة واحدة، والله تعالى منزه عن ذلك جملة وتفصيلا.. وعليه فإن التذرع بثنائية الطبيعة ليس سوى وهم ناجم عن عدم التدبر في معنى الإلاهية وفي جواز أو عدم جواز اختلاط الإله بغيره و وصف الخالق بصفات المخلوق .
فما تحدث عنه هذا النصراني لا صلة له بالالاهية لا من قريب ولا من بعيد، وإنما هو يتكلم عن أمر يسمى عند بعض المتكلمين والفلاسفة بـ(وساطة الفيض)...

ويتحدث النصراني كذلك عما نسميه بـ(الولاية التكوينة)، الموهوبة من الله تعالى لاوليائه ومنهم المسيح(عليه السلام)، وهذه الولاية التكونية ليست علامة أو دلالة على الاهية المسيح(عليه السلام) كما يتصور هذا النصراني، بل هي من شواهد صدق دعوته وعلو مقامه.

ومن جهة ثانية: فإن ثنائية (الأب - الابن) المعبر عنها في الفلسفة بـ(التضايف)، لا يمكن أن تحصل بين إله وبشر لعدم السنخية، وإذا كان الأمر كذلك فما ينسبه النصارى إلى المسيح(عليه السلام) من النبوة بالقياس إلى الله تعالى لا أصل له ولا واقع، وإنما هو من شطحات الخيال.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال