الاسئلة و الأجوبة » الايمان والكفر » الرد على من يزعم أن البحث عن الدين الحق تكليف بما لا يطاق


محمد علي
السؤال: الرد على من يزعم أن البحث عن الدين الحق تكليف بما لا يطاق
ما الردّ الصحيح على هذه الإشكالات:

*************************

الأدلة على عدم وجوب اتّباع الدّين الإسلامي ولا غيره من الأديان ولا العمل بأحكامها:
 
أولاً: لا يوجد دليل عقلي صحيح يوجب على الإنسان المعاصر اتباع شيء من هذه الأديان، فالناس اليوم لم يروا نبيًّا ولم يسمعوا كلامَه، وإنّما نقل عنه أتباعه برأيهم وهم ليسوا حجة ولا يمثلون إلا أنفسهم، والأسلوب المتّبع عند أغلب أتباع هذه الأديان هو التقليد الأعمى للآباء والأجداد والاستماتة في الدفاع عن آراء أسلافهم مهما كانت، وهو أسلوب مُتخلِّف واضح البطلان وله نتائج سلبية خطيرة.
 
ثانياً: لا يجب على أيّ أحدٍ البحث عن الدّين الحقّ ولا المذهب الحقّ؛ لأنَّ ذلك يستلزم التكليف بغير المقدور من وجوب البحث في جميع الأديان والمذاهب الموجودة على وجه الأرض البائدة منها والمعاصرة ودراستها دراسة مُتعمّقة والمقارنة بينها للوصول إلى الأحقّ منها بالاتباع وهذا ما لا يتيسر لأيِّ أحد، وهذا يعني أنّه لا يجب التديّن بشي ءٍ منها أصلا.
 
ثالثاً: لو كان الله سبحانه يريد من جميع البشر على وجهِ الأرض التّديّن بدينٍ معيّنٍ كالإسلام مثلا وتطبيق أحكامه التي جاء بها النبيّ محمّد لأرسل اللهُ إلى كلِّ شَعبٍ على وجه الأرض نبيًّا كـ (محمد) يأمرهم بما أمر به محمّد وينهاهم عمّا نهى عنه من الصلوات الخمس وصوم رمضان والحج إلى مكة وتحريم الرِّبا والغناء والتصوير، ولكنّ هذا لم يحدث فدلّ على أنّ الله لا يريده. أمّا علماء كل دين والدعاة إليه فليسوا حُجّة لأنَّ كل عالم يمثل رأيه، ولأنّ البشر اليوم يريدون نبيًّا يتفاهمون معه لا عالمًـا يجتهد فيخطئ ويصيب.
 
رابعاً: لا شكّ أنَّ الله سبحانه يعلم أنّ المجتمعات البشريّة في تطوّر مُستَمِر، وأنَّ الزمانَ في تغيّر دائم، يستوجب ذلك ظهور حالات جديدة لم تكن موجودة في زمن النبيِّ محمّد، وهذه الحالات الجديدة يحتاج الناس فيها إلى معرفة الحكم الإلهيّ الصحيح، فلو كان لله فيها حُكمًا مُعيّنًا يريده من عباده على سبيلِ التعيين لما ساغ له ختم النبوة وإخفاء الأحكام الإلهية الصحيحة عن الناس مع حاجتهم الماسّة إليها، وتكليفه إياهم بها، وما الداعي لإخفائها عنهم ومطالبتهم بالبحث عنها حتى إذا بحثوا عنها لم يجدوها يقينًا بل ظنًّا؟! ولماذا يتعبدهم بالظن؟! وكيف يكلف الله الناسَ بما لم يُبَيّنه لهم؟! وكيف تقوم الحجة لله على الناس وهم يطلبون حكم الله فلا يجدونه؟! كما أنَّ الاجتهاد في الدّين لاستخراج الأحكام الإلهية لا يُعطي نتائج صحيحة بل هو نوع من الكذب على الله. فلما وجدنا ربَّنا قد ختم النبوة وقطع مادّة الأنبياء عَلِمنا أنّه لا يريدُ منّا إلا استخدام عقولنا في صلاح أمورنا مُستفيدين مِن تجارب مَن قَبلنا، وأنَّ الأنبياء إنّما جاءوا لمعاضدة العقل وليقدموا تجرُبة عملّيَة للناس في حياتهم ليعملوا على الاستفادة منها وتطويرها لا ليجمدوا عليه في كل زمانٍ ومكان ومع تغير الظروف والأحوال. 
 
خامساً: إنَّ من الخطأ الجمودَ على الأحكام الخاصّة بالدّين وعدم تغييرها تعبُّدًا بالنّصّ - كما هو حاصِلٌ الآن - بل إنَّ تغييرها مع تغيّر الزمان ضرورةٌ لا مناصَ منها لصلاح الفرد والمجتمع؛ فالجمود هو سبب الشقاء؛ لأنَّ الجمود خلاف الفِطرة الإنسانيّة والعقول البشرية المتطلِّعة إلى الحرية والاختيار والتجديد والابتكار والتطوير والتغيير والبحث عمّا هو الأفضل لحياةٍ أفضل وإنسانٍ أكمَل، وإنَّ من غيرِ المعقول أن يأمرَ اللهُ الناسَ بشيءٍ وفطرتهم تأباه وعقولهم ترفضه ثمّ يجدون العنت والشقاء في تطبيقه.
 
سادساً: إذا كان الدّين الإسلاميّ جاء لسعادة الناس في الدّنيا والآخرة، وكانت طريقة الفقهاء فاشلة في تحقيق ذلك - كما هو واضح - فهناك طريق أفضل لتحقيق هذا الهدف المنشود، وهو الطريق الذي يسلكه العقل المتحرر من الثوابت والمقدسات، المتطلّع إلى إسعاد جميع المخلوقات، باستخدام ما انتهت إليه البشرية من معارف ومعلومات، وذلك في كُلِّ المجالات (العِبَادات والمعَامَلات).

*************************
الجواب:
الأخ محمد المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الإشكالات المطروحة في هذا المقال لا تخلو من مغالطة ولف ودوران، فدعوى عدم وجود دليل عقلي صحيح يوجب على الانسان المعاصر اتباع الاسلام أو سائر الاديان، وهو مصادرة على المطلوب، فنحن لا نسلم عدم وجود دليل وإنما هذا تكحم يصادر به كاتب المقال على مطلوبه منذ البداية، فالادلة العقلية على وجوب اتباع الدين الاسلامي في هذا الزمان متوفرة وخاصة لدى مذهب أهل البيت عليهم السلام، وكنا قد أشرنا إلى بعضها في مواضع متفرقة من صفحتنا العقائدية.

وأما كون البحث عن الدين الحق هو تكليف بما لا يطاق فهو تهويل وتحميل كلمة (البحث) في سياق العبارة أكثر مما يجب، فالبحث المشار إليه ليس المقصود منه استقصاء كافة الاديان والمذاهب والملل والنحل، ولا المقصود منه دراسة كافة أحكامها ومسائلها واصولها، وإنما المراد بالبحث مقارنة الاديان الموجودة التي تعلن عن كونها هي الدين الحق، ومعرفة أيها أصلح وأجدر بالاعتقاد بالنسبة إلى الزمن المعاصر... فالاسلام مثلا يدعو الى التأمل والتفكر والتعلم، ولا ينكر الاديان السابقة عليه ولا يكذب أنبيائها، وهو يدعو إلى كلمة سواء بينه وبينها، ويكفي في هذا الصدد لمن يريد الهداية أن يقارن القرآن الكريم بسائر الكتب المقدسة وخاصة التوارة والانجيل ليعلم مدى الهوة الشاسعة في المعرفة وفي الاسلوب وفي الدليل بينه وبينها... وأما هذه المجادلات والافتراضات والتحكمات التي يذكرها هذا الكاتب فمجرد تبريرات لاجل الهروب من هذا النوع الميسور من البحث.

وأما ما خلص اليه في النقطة الثالثة من أن الله تعالى لا يريد التدين من جميع الناس بدليل عدم ارساله أنبياء لكل شعب من شعوب الارض على حدة، فهو جهل بحقيقة الأديان وغاياتها، فقد جعل هذا الكاتب بدليله المتهافت الباري تعالى شعوبياً أو قومياً أو عنصرياً، مع أن الله تعالى يدعو في القرآن الكريم إلى توحد الشعوب تحت دين واحد، وأن الغاية من جعل الناس شعوباً هو لأجل التعارف، قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلنَاكُم شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )) (الحجرات:13). 

وأما زعمه بأن علماء الدين ليسوا حجة، فهو تمويه، فإننا نسلم أن العالم بشخصه ليس حجة، ولكن من حيث كونه حاملا للعلم فإنه حجة قطعية على كل جاهل. واختلاف العلماء فيما بينهم راجع إلى تفاوت قابلياتهم أو إلى ما توفر لديهم من الأصول العلمية او ما توصلوا إليه بأنفسهم من القواعد... الخ، وهذا الاختلاف ليس الا في بعض المسائل، وتفرغ ذمة العامي باتباع الاعلم منهم بحسب قواعد مقررة متفق عليها بين الجميع في معرفة الاعلم. ولا تأتي النوبة إلى مناقشة هذه الخلافات الجزئية إلا بعد قيام الدليل على صحة دين من الاديان. وأما قبل ذلك فلا ثمرة منها.

وأما تطور العلوم فأمر لا شك فيه، وهذه نقطة لصالح الاسلام، فهو الدين الوحيد الذي يشجع على طلب العلم. والمضمون العلمي في القرآن يتوافق تماماً مع العلم المعاصر، وهنالك علماء ومفكرين ومستشرقين منهم الفرنسي (موريس بوكاي) قد ألفوا كتباً عن هذا التوافق بين القرآن والعلوم الحديثة. بينما قد تسللت إلى الكتب السماوية الاخرى الخرافات والاساطير والخزعبلات. 

المذهب الشيعي لا يشجع الناس على الجمود على النص كما هو حال المذاهب الاخرى، فأئمة اهل البيت قد أكدوا أن لكل زمان خصوصياته ويجب مراعاتها، ولذلك كانت الاحكام الشرعية لدى مذهب اهل البيت عليهم السلام متماشية مع ما يقتضيه كل عصر من خلال مستحدثات المسائل والاحكام، وايضا من خلال علم التفسير وعلم الحديث وعرض الحديث على القرآن ونحو ذلك. فلا يرمى مذهب اهل البيت من هذه الناحية بالجمود أصلا، نعم مذهب السلفية مذهب جامد. 

وفي الختام هنالك طريقان للهداية وهما متعاضدان وليسا متنافيان: طريق الدين وطريق العقل، وكل محاولة للفصل بينهما وجعلهما خصمين هي محاولة محكوم عليها بالفشل الذريع، فالإسلام لا يدعو إلى الجهل أبدا بل يحث على التفكر وطلب العلم، والعلم يشهد للدين الاسلامي في مقولاته واطروحاته، وتقدم العلوم وتطورها يقترب كثيرا من فهم التصورات الدينية، وقد تطرق الله تعالى في القرآن الكريم أهمية التفكر في آيات الله الافاقية والانفسية، ولو حققت النظر لعلمت بأن الايات الافاقية والانفسية هي النواميس الكونية (الطبيعية والنفسية) التي تقوم على دراستها كافة العلوم.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال