الاسئلة و الأجوبة » القرآن وتفسيره » هل ثمة تناقض بين الآيتين 78 و 79 من سورة النساء؟


مصطفى رياض محمد / العراق
السؤال: هل ثمة تناقض بين الآيتين 78 و 79 من سورة النساء؟
بعد مناقشتي مع احد الملحدين كوني مسلم احتج عليّ بالايات 78&79 من سورة النساء كون ان الاولى متناقضه مع الثانيه ... ارجو من سماحتكم تفسير مبسط لتلك الايات نافيا للتناقض لكي اتمكن من القاء الحجه عليه.. علما اني مؤمن بعدم وجود التناقض اطلاقا .
الجواب:

الأخ مصطفى المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ننقل لكم فيما يأتي ما ذكره الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - ج 3 - ص 342 - 348 فإن فيه تقريراً للسؤال والجواب بصورة واضحة وبعبارة خالية من اللبس:

السؤال المهم الذي يتبادر إلى الذهن حين قراءة هاتين الآيتين الأخيرتين هو: لماذا نسب الخير والشر في الآية الأولى كله لله؟ ولماذا حصرت الآية التالية الخير - وحده - لله، ونسبت الشر إلى الإنسان؟

الجواب: حين نمعن النظر في الآيتين تواجهنا عدة أمور، يمكن لكل منها أن يكون هو الجواب على هذا السؤال:
أولاً: لو أجرينا تحليلاً على عناصر تكوين الشر لرأينا أن لها اتجاهين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، والاتجاه الأخير هو الذي يجسد شكل الشر أو السيئة ويبرزه على صورة " خسارة نسبية " فالإنسان الذي يقدم على قتل نظيره بسلاح ناري أو سلاح بارد يكون قد ارتكب بالطبع عملاً شريراً وسيئا، فما هي إذن عوامل حدوث هذا العمل الشرير؟ إنها تتكون من أولا: قدرة الإنسان وعقله وقدرة السلاح والقدرة على الرمي والتهديف الصحيحين واختيار المكان والزمان المناسبين، وهذه تشكل عناصر الاتجاه الإيجابي للقضية، لأن كل عنصر منها يستطيع في حد ذاته أن يستخدم كعامل لفعل حسن إذا استغل الاستغلال الحكيم، أما الاتجاه السلبي فهو في استغلال كل من هذه العناصر في غير محله، فبدلاً من أن يستخدم السلاح لدرء خطر حيوان مفترس أو للتصدي لقاتل ومجرم خطير، يستخدم في قتل إنسان برئ، فيجسد بذلك فعل الشر، وإلا فإن قدرة الإنسان وعقله وقدرته على الرمي والتهديف، وأصل السلاح وكل هذه العناصر، يمكن أن يستفاد منها في مجال الخير. وحين تنسب الآية الأولى الخير والشر كله لله، فإن ذلك معناه أن مصادر القوة جميعها بيد الله العليم القدير حتى تلك القوة التي يساء استخدامها، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشر لله، لأنه هو واهب القوى.
والآية الثانية تنسب " السيئات " إلى الناس انطلاقا من مفهوم " الجوانب السلبية " للقضية ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهية. تماماً مثل والد وهب ابنه مالاً ليبني به داراً جديدة، لكن هذا الولد بدلاً من أن يستخدم هذا المال في بناء البيت المطلوب، اشترى مخدرات ضارة أو صرفه في مجالات الفساد والفحشاء، لا شك أن الوالد هو مصدر هذا المال، لكن أحداً لا ينسب تصرف الابن لوالده، لأنه أعطاه للولد لغرض خيري حسن، لكن الولد أساء استغلال المال، فهو فاعل الشر، وليس لوالده دخل في فعلته هذه.

ثانياً: ويمكن القول - أيضا - بأن الآية الكريمة إنما تشير إلى موضوع " الأمر بين الأمرين ". وهذه قضية بحثت في مسألة الجبر والتفويض، وخلاصة القول فيها: أن جميع وقائع العالم خيراً كانت أم شراً - هي من جانب واحد تتصل بالله سبحانه القدير؛ لأنه هو الذي وهب الإنسان القدرة والقوة وحرية الانتخاب والاختيار، وعلى هذا الأساس فإن كل ما يختاره الإنسان ويفعله بإرادته وحريته لا يخرج عن إرادة الله، لكن هذا الفعل ينسب للإنسان لأنه صادر عن وجوده، وإرادته هي التي تحدد اتجاه الفعل. ومن هنا فإننا مسؤولون عن أعمالنا، واستناد أعمالنا إلى الله - بالشكل الذي أوضحناه - لا يسلب عنا المسؤولية ولا يؤدي إلى الاعتقاد بالجبر. وعلى هذا الأساس حين تنسب الحسنات والسيئات إلى الله سبحانه وتعالى، فلفاعلية الله في كل شئ، وحين تنسب السيئة إلى الإنسان فلإرادته وحريته في الاختيار. وحصيلة هذا البحث إن الآيتين معا تثبتان قضية الأمر "الأمر بين الأمرين" (تأمل بدقة)!

ثالثاً: هناك تفسير ثالث للآيتين ورد فيما أثر عن أهل البيت (عليهم السلام)، وهو أن المقصود من عبارة السيئات جزاء الأعمال السيئة وعقوبة المعاصي التي ينزلها الله بالعاصين، ولما كانت العقوبة هي نتيجة لأفعال العاصين من العباد، لذلك تنسب أحيانا إلى العباد أنفسهم وأحيانا أخرى إلى الله، وكلا النسبتين صحيحتان، إذ يمكن القول في قضية إن القاضي هو الذي قطع يد السارق، كما يجوز أن يقال إن السارق هو السبب في قطع يده لارتكابه السرقة.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال