الاسئلة و الأجوبة » الفلسفة » هل المعرفة نسبية أم مطلقة؟


نور التميمي / العراق
السؤال: هل المعرفة نسبية أم مطلقة؟
انا باحثة في مجال النقد الادبي ودراستي لاستحصال شهادة الماجستير, وهناك العديد من القضايا الفلسفية تخللت الكتب النقدية التي هي مصادر دراستي, وانا بحاجة الى توجيه من قبلكم لمعرفة زيف هذه الفلسفات من صحيحها, ومن ذلك مايراه احد النقاد من ان الحقيقة نسبية وليست مطلقة, ولكي يثبت هذا القول يرجع الى بعض الاراء الفلسفية التي تعود الى اصول متعددة ومنها ماذكره عن احد علماء الشيعة وهو الشيخ بهاء الدين العاملي صاحب كتاب الكشكول, وقد وصفه بأنه كان يؤمن بتعددية الحق الواحد, ونسبية المعرفة, ويرى ان من اجتهد في استحصال الدليل ليس عليه شيء لذلك كان يظهر مرة بصورة صوفي ومرة سني ومرة شيعي ومرة رياضي... الخ من التعدديات المفتوحة. وبدوري اسأل هل كلام هذا الناقد عن الشيخ بهاء الدين العاملي صحيح؟ وهل هو حقا ممن يقولون بنسبية المعرفة؟
اجابتكم ستغني الدراسة وتعيد الحق الى نصابه, ولا سيما اذا شُفعت بالمصادر لكي اعود اليها واتوسع اكثر...
الجواب:

الأخت نور المحترمة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحقيقة لها عدة اطلاقات، فتأتي بمعنى (الماهية) كالانسان مثلاً فإن حقيقته أنه حيوان ناطق، وتطلق أيضاً ويراد بها ما يقابل المجاز، على سبيل المثال قولنا: رأيت أسداً يخطب، والمعنى هو: رأيت رجلاً شجاعاً يخطب، فقولنا (أسد) مجاز وأما (الرجل الشجاع) فحقيقة، وتطلق الحقيقة كذلك على المعنى الباطن في قبال المعنى الظاهر، كما ورد في الحديث ما معناه: (للقرآن ظهر وبطن ولبطنه سبعة ابطن)، وتطلق الحقيقة على الأثر الخارجي أو الواقعي كما نقول: لقد عثرنا على حقيقة هذا الفعل أو العمل، وتطلق على الأصل كأن نقول مثلاً: إن حقيقة الانسان أنه نطفة... وغير ذلك من الاطلاقات التي إما أن تفهم من نفس لفظ (الحقيقة) أو من القرائن الحافة بها سواء أكانت قرائن مقامية أو لفظية.
بعد هذه المقدمة نقول: إن الحقيقة بحسب كل تلك المعاني لا يمكن الحكم عليها بكونها نسبية أو مطلقة، فالماهية مثلاً ليست نسبية، والاصل ليس نسبياً، نعم المعنى الباطن ربما كان نسبياً؛ لعروض الاحتمالات والوجوه في المراد من ظاهر النص أو العبارة وما يقابله من المعنى الباطن، وتفاوت الانظار والإدراكات بحسب القوة والضعف ودرجة الاستعداد في تفسير أو تأويل ذلك الظاهر للوصول إلى المعاني الباطنة.

والمعرفة يمكن أن تترتب على بعض تلك المعاني فتكون تارة مطلقة وتارة نسبية، ولا شك أن الانسان إذا سار في طلبه للمعرفة على منهج خاص فإنه يتقيد به، ولهذا السبب اختلفت المعارف والعلوم بحسب المناهج، ولا يمكن أن نقول أن المعرفة المستحصلة من الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء أو علم النفس هي المعرفة الحقيقية المطلقة وسواها ليست كذلك، ولا يمكن أن نقنع الفيلسوف الذي سار طبقاً لمنهجه الخاص في التأمل بأن معرفته زائفة لكونها تبحث عن المجردات والماورائيات التي لا يمكن التحقق من وجودها بالدليل العلمي، كذلك لا نستطيع أن نقنع الصوفي بأن مكاشفاته ليست صحيحة وأنها مجرد تخيلات أو أوهام مسببة عن اختلال نفسي مسبب عن طول الرياضة، مثلما لا نستطيع أيضا أن نقنع صاحب نظرية التطور بعكس ما أدى إليه نظره ومنهجه ومبانيه الخاصة فنحتج عليه بأنه لا يمكن أن يكون القرد جداً أعلى للانسان لسبب وحيد هو أن القرآن الكريم يؤكد أن الانسان يرجع إلى شخص نبي اسمه آدم...

وهكذا فالمناهج والمباني المعتمدة في تحصيل المعرفة لها دور فاعل في اختلاف العلوم والاختصاصات وتنوعها، فإذا قصدوا من (نسبية المعرفة) هذا التنوع والاختلاف الناجم عن المناهج والطرق والاصول الخاصة فلا شك أنها نسبية، وإذا أرادوا من (نسبية المعرفة) عدم وجود حقيقة (بأي معنى من المعاني المشار إليها) لا في الواقع ولا في نفس الأمر فقد أخطأوا، فالواقع لا يمكن إنكاره قطعاً، ومن ينكر الوقائع فإنه على مذهب الشكّاك واللاأدرية. أو أنه مصاب بمرض ذهاني يجعله غير قادر على التمييز بين الواقع والوهم. ولذلك نقول عن المعرفة بحسب المعنى الاخير أنها مطلقة وليست نسبية، أي أن لها آثار مترتبة عليها في الواقع.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال