الاسئلة و الأجوبة » أبو بكر » ردّ مزاعم الخراشي في كتابه (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت) بخصوص رأي أهل البيت في أبي بكر


جعفر / البحرين
السؤال: ردّ مزاعم الخراشي في كتابه (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت) بخصوص رأي أهل البيت في أبي بكر

خلال تصفّحي مواقع ومنتديات الوهابية أرى روايات كثرة تروّج في منتدياتهم، وتنقل منها إلى منتديات الشيعة، وهذه الروايات أكثرها مبتورة، تنقل عن أحد شيوخهم المعروفين واسمه الشيخ سليمان الخراشي مؤلّف كتاب (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت), وخلال تتبّعي لبعض الروايات، اتّضح أنّ شيخهم هذا مدلّس، يبتر الروايات لقلب المعنى، ليخادع قرّاءه، وخلال تصفّحي في موقعكم رأيت توضيحاً لبعض تلك الروايات السُنّية منها والأُخرى المبتورة، وأمّا البعض الآخر فغير مردود على موقعكم.
فلهذا سأنقلها من أحد المواقع التي يدرجها الشيخ سليمان الخراشي فيه:

*************************

الشيخ/ سليمان الخراشي 24/10/1425..

دعوة لقراءة المقال.. (العلاقة الحميمة بين الصحابة وآل البيت)(الجزء الثاني).

رأي أهل البيت في أبي بكر الصدّيق:
قال ابن عبّاس وهو يذكر الصدّيق: (رحم الله أبا بكر، كان والله للفقراء رحيماً، وللقرآن تالياً، وعن المنكر ناهياً، وبدينه عارفاً، ومن الله خائفاً، وعن المنهيات زاجراً، وبالمعروف آمراً، وبالليل قائماً، وبالنهار صائماً، فاق أصحابه ورعاً وكفافاً، وسادهم زهداً وعفافاً).(ناسخ التواريخ ج5 كتاب2 ص143، 144 ط طهران).

ويقول الحسن بن عليّ - الإمام المعصوم الثاني عند الشيعة، والذي أوجب الله اتّباعه عليهم حسب زعمهم - يقول - وينسبه إلى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) أنّه قال ــ: (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع).(عيون الأخبار ج1 ص313، أيضاً كتاب معاني الأخبار ص110 ط إيران).

وكان الحسن يوقّر أبا بكر وعمر كثيراً, إلى حدّ أنّه جعل من أحد الشروط على معاوية بن أبي سفيان(رضي الله عنهما) لما تنازل له: (أنّه يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله وسُنّة رسول الله، وسيرة الخلفاء الراشدين, - وفي النسخة الأُخرى - الخلفاء الصالحين).(منتهى الآمال ص212 ج2 ط إيران).

وأمّا الإمام الرابع للشيعة: عليّ بن الحسين بن عليّ، فقد روي عنه أنّه جاء إليه نفر من العراق، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان(رضي الله عنهم)، فلمّا فرغوا من كلامهم قال لهم: (ألا تخبروني أنتم: (( المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخرِجُوا مِن دِيَارِهِم وَأَموَالِهِم يَبتَغُونَ فَضلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ )) (الحشر:8)؟
قالوا: لا، قال: فأنتم: (( وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالأِيمَانَ مِن قَبلِهِم يُحِبُّونَ مَن هَاجَرَ إِلَيهِم وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم وَلَو كَانَ بِهِم خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفلِحُونَ )) (الحشر:9)؟
قالوا: لا، قال: أمّا أنتم قد تبرّأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنّكم لستم من الذين قال الله فيهم: (( يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ وَلا تَجعَل فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا )) (الحشر:10)، أخرجوا عنّي فعل الله بكم).(كشف الغمّة للإربلي ج2 ص78 ط تبريز إيران).

وأمّا ابن زين العابدين محمّد بن عليّ بن الحسين الملقّب بالباقر - الإمام الخامس المعصوم عند الشيعة - فسُئل عن حلية السيف، كما رواه علي بن عيسى الإربلي في كتابه (كشف الغمّة): ((عن أبي عبد الله الجعفي، عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليّ(عليهما السلام) عن حلية السيف؟ فقال: لا بأس به، قد حلّى أبو بكر الصدّيق سيفه، قال: قلت: وتقول الصدّيق؟ فوثب وثبة، واستقبل القبلة، فقال: نعم، الصدّيق، فمن لم يقل له الصدّيق فلا صدّق الله له قولاً في الدنيا والآخرة)).(كشف الغمّة ج2 ص147).
ولم يقل هذا إلاّ لأنّ جدّه رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) الناطق بالوحي سمّاه الصدّيق، كما رواه البحراني الشيعي في (تفسيره البرهان): ((عن علي بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: لمّا كان رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في الغار، قال لأبي بكر: (كأنّي أنظر إلى سفينة جعفر وأصحابه تعوم في البحر، وانظر إلى الأنصار محبتين (مخبتين خ) في أفنيتهم)، فقال أبو بكر: وتراهم يا رسول الله؟! قال: نعم! قال: فأرنيهم، فمسح على عينيه فرآهم، فقال له رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (أنت الصدّيق))).(البرهان ج2 ص125).

ويروي الطبرسي عن الباقر أنّه قال: (ولست بمنكر فضل أبي بكر، ولست بمنكر فضل عمر، ولكن أبا بكر أفضل من عمر).(الاحتجاج للطبرسي ص230، تحت عنوان احتجاج أبي جعفر بن عليّ الثاني في الأنواع الشتّى من العلوم الدينية ط مشهد كربلاء).

وسُئل جعفر الصادق عن أبي بكر وعمر: ((يا بن رسول الله! ما تقول في حقّ أبي بكر وعمر؟ فقال(عليه السلام): (إمامان عادلان قاسطان، كانا على حقّ، وماتا عليه، فعليهما رحمة الله يوم القيامة))).(إحقاق الحقّ للشوشتري ج1 ص16 ط مصر).

وروى عنه الكليني في الفروع حديثاً طويلاً ذكر فيه: ((وقال أبو بكر عند موته حيث قيل له: أوصِ، فقال: أوصي بالخمس والخمس كثير، فإنّ الله تعالى قد رضي بالخمس، فأوصي بالخمس، وقد جعل الله عزّ وجلّ له الثلث عند موته، ولو علم أنّ الثلث خير له أوصى به.

ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان، وأبو ذرّ(رضي الله عنهما)، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضر عطاؤه من قابل. فقيل له: يا أبا عبد الله! أنت في زهدك تصنع هذا، وأنت لا تدري لعلّك تموت اليوم أو غداً؟

فكان جوابه أن قال: ما لكم لا ترجون لي بقاء كما خفتم على الفناء، أما علمتم يا جهلة أنّ النفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت.

وأمّا أبو ذرّ فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم، وأنزل به ضيف، أو رأى بأهل الماء الذين هم معه خصاصة، نحر لهم الجزور أو من الشياه على قدر ما يذهب عنهم بقرم اللحم، فيقسمه بينهم، ويأخذ هو كنصيب واحد منهم لا يتفضّل عليهم.

ومن أزهد من هؤلاء، وقد قال فيهم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ما قال؟)).(كتاب المعيشة الفروع من الكافي ج5 ص68).
فأثبت أنّ منزلة الصدّيق في الزهد من بين الأُمّة المنزلة الأُولى، وبعده يأتي أبو ذرّ، وسلمان.

وروى عنه الإربلي أنّه كان يقول: (لقد ولدني أبو بكر مرّتين).(كشف الغمّة ج2 ص161)، لأنّ أُمّه: أُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأُمّها (أي: أُمّ أُمّ فروة) أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر.(فرق الشيعة للنوبختي ص78).

ويروي السيّد مرتضى في كتابه (الشافي) عن جعفر بن محمّد أنّه كان يتولاّهما، ويأتي القبر فيسلّم عليهما مع تسليمه على رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم).(كتاب الشافي ص238، أيضاً شرح نهج البلاغة ج4 ص140 ط بيروت).

ويقول إمام الشيعة المعروف بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر المعصوم عندهم - وهو يسرد واقعة الهجرة: (إنّ رسول الله بعد أن سأل عليّاً(رضي الله عنه) عن النوم على فراشه، قال لأبي بكر(رضي الله عنه): (أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما أطلب، وتعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب)؟ قال أبو بكر: يا رسول الله! أمّا أنا لو عشت عمر الدنيا أُعذّب في جميعها أشدّ عذاب، لا ينزل علَيَّ موت صريح، ولا فرح منج، وكان ذلك في محبّتك، لكان ذلك أحبّ إلَيَّ من أن أتنعّم فيها وأنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، وهل أنا ومالي وولدي إلاّ فداءك، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (لا جرم أن اطّلع الله على قلبك، ووجد موافقاً لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن))).(تفسير الحسن العسكري ص164، 165 ط إيران).

وها هو زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، شقيق محمّد الباقر، وعمّ جعفر الصادق، الذي قيل فيه: ((كان حليف القرآن)).(الإرشاد للمفيد ص268 تحت عنوان ذكر إخوته - أي الباقر ــ)، واعتقد كثير من الشيعة فيه بالإمامة، وكان سبب اعتقادهم ذلك فيه خروجه بالسيف.(الإرشاد للمفيد ص268).
فها هو زيد يُسأل عن أبي بكر وعمر ما تقول فيهما؟ قال: (ما أقول فيهما إلاّ خيراً كما لم أسمع فيهما من أهل بيتي (بيت النبوّة) إلاّ خيراً، ما ظلمانا ولا أحد غيرنا، وعملاً بكتاب الله وسُنّة رسوله).(ناسخ التواريخ ج2 ص590 تحت عنوان أحوال الإمام زين العابدين).
فلمّا سمع الشيعة منه هذه المقالة رفضوه، فقال زيد: ((رفضونا اليوم))، ولذلك سمّوا بالرافضة.(ناسخ التواريخ ج2 ص590).

ويقول سلمان الفارسي(رضي الله عنه) - وهو ممّن تعظّمهم الشيعة ــ: ((إنّ رسول الله كان يقول في صحابته: (ما سبقكم أبو بكر بصوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه))).(مجالس المؤمنين للشوشتري ص89).

خلافة أبي بكر:
وبعد ما ذكرنا أهل بيت النبيّ وموقفهم وآرائهم تجاه سيّد الخلق بعد أنبياء الله ورسله أبي بكر الصدّيق(رضي الله عنه)، نريد أن نذكر أنّه لم يكن خلاف بينه وبين أهل البيت في مسألة خلافة النبيّ وإمارة المؤمنين وإمامة المسلمين، وأنّ أهل البيت بايعوه كما بايعه غيرهم، وساروا في مركبه، ومشوا في موكبه، وقاسموه هموم المسلمين وآلامهم، وشاركوه في صلاح الأُمّة وفلاحها، وكان عليّ(رضي الله عنه) أحد المستشارين المقرّبين إليه، يشترك في قضايا الدولة وأُمور الناس، ويشير عليه بالأنفع والأصلح حسب فهمه ورأيه، ويتبادل به الأفكار والآراء، لا يمنعه مانع ولا يعوقه عائق، يصلّي خلفه، ويعمل بأوامره، ويقضي بقضاياه، ويستدلّ بأحكامه ويستند، ثمّ ويسمّي أبناءه بأسمائه حبّاً له وتيمّناً باسمه وتودّداً إليه.

وفوق ذلك كلّه يصاهر أهل البيت به وبأولاده، ويتزوّجون منهم ويزوّجون بهم، ويتبادلون ما بينهم التحف والصلات، ويجري بينهم من المعاملات ما يجري بين الأقرباء المتحابّين والأحبّاء المتقاربين, وكلّ ذلك ممّا روته كتب الشيعة - ولله الحمد ــ.

فقد استدلّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) على صحّة خلافته وانعقادها، كما يذكر وهو يردّ على معاوية بن أبي سفيان(رضي الله عنهما) أمير الشام بقوله: (إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضا، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولّى).(نهج البلاغة ص366، 367 ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).
وقال: (إنّكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار).(ناسخ التواريخ ج3 الجزء2).

وهذا النص واضح في معناه، لا غموض فيه ولا إشكال بأنّ الإمامة والخلافة تنعقد باتّفاق المسلمين واجتماعهم على شخص، وخاصّة في العصر الأوّل باجتماع الأنصار والمهاجرين، فإنّهم اجتمعوا على أبي بكر وعمر، فلم يبق للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، كما ذكرنا قريباً روايتين عن عليّ بن أبي طالب في (الغارات) للثقفي، بأنّ الناس انثالوا على أبي بكر، وأجفلوا إليه، فلم يكن إلاّ أن يقرّ ويعترف بخلافته وإمامته.

وهناك رواية أُخرى في غير (الغارات) تقرّ بهذا عن عليّ أنّه قال وهو يذكر أمر الخلافة والإمامة: (رضينا عن الله قضائه، وسلّمنا لله أمره …. فنظرت في أمري فإذا طاعتي سبقت بيعتي، إذ الميثاق في عنقي لغيري).(نهج البلاغة ص81 خطبة 37 ط بيروت بتحقيق صبحي صالح).

ولمّا رأى ذلك تقدّم إلى الصدّيق، وبايعه كما بايعه المهاجرون والأنصار، والكلام من فيه، وهو يومئذٍ أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، ولا يتّقي الناس، ولا يظهر إلاّ ما يبطنه، لعدم دواعي التقية حسب أوهام القوم، وهو يذكر الأحداث الماضية فيقول: (فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر، فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث... فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، وسدّد ويسر، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله جاهداً).(منار الهدى لعلي البحراني الشيعي ص373، أيضاً ناسخ التواريخ ج3 ص532).
ولأجل ذلك ردّ على أبي سفيان والعبّاس حينما عرضا عليه الخلافة، لأنّه لا حقّ له بعد ما انعقدت للصدّيق.

وكتب إلى أمير الشام معاوية بن أبي سفيان: (وذكرت أنّ الله اجتبى له من المسلمين أعواناً أيّدهم به، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام كما زعمت, وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصدّيق وخليفة الخليفة الفاروق، ولعمري إنّ مكانهما في الإسلام لعظيم، وإنّ المصائب بهما لجرح في الإسلام شديد يرحمهما الله، وجزاهم الله بأحسن ما عملا).(ابن ميثم شرح نهج البلاغة ط إيران ص488).

وروى الطوسي عن عليّ: أنّه لمّا اجتمع بالمهزومين في الجمل، قال لهم: (فبايعتم أبا بكر، وعدلتم عنّي، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه... فبايعت عمر كما بايعتموه فوفيت له بيعته... فبايعتم عثمان، فبايعته وأنا جالس في بيتي، ثمّ أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم، فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحقّ أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي).(الأمالي لشيخ الطائفة الطوسي ج2 ص121 ط نجف).

وينقل الطبرسي أيضاً عن محمّد الباقر ما يقطع أنّ عليّاً كان مقرّاً بخلافة أبي بكر، ومعترفاً بإمامته، ومبايعاً له بإمارته، كما يذكر أنّ أُسامة بن زيد حبّ رسول الله لمّا أراد الخروج، انتقل رسول الله إلى الملأ الأعلى، (فلمّا ورد الكتاب على أُسامة انصرف بمن معه حتّى دخل المدينة، فلمّا رأى اجتماع الخلق على أبي بكر، انطلق إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فقال: ما هذا؟ قال له عليّ(عليه السلام): هذا ما ترى، قال أُسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم).(الاحتجاج للطبرسي ص50 ط مشهد عراق).

ولقد أقرّ بذلك شيعي متأخّر وإمام من أئمّة القوم هو محمّد حسين آل كاشف الغطاء بقوله: ((وحين رأى - أي عليّ - أنّ الخليفة الأوّل والثاني بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد، وتجهيز الجيوش، وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا بايع وسالم)).(أصل الشيعة وأُصولها ط دار البحار بيروت 1960 ص91).

ويروي ابن أبي الحديد: أنّ عليّاً والزبير قالا بعد مبايعتهما أبي بكر: ((وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها، إنّه لصاحب الغار، وإنّا لنعرف له سنّه، ولقد أمره رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بالصلاة بالناس وهو حيّ)).(شرح نهج البلاغة لأبي أبي الحديد ج1 ص132).
وأورد ابن أبي الحديد رواية أُخرى مشابهة في (شرحه ج1 ص134، 135).

إقتداء عليّ بالصدّيق في الصلوات وقبوله الهدايا منه:
ولقد كان عليّ(رضي الله عنه) راضياً بخلافة الصدّيق، ومشاركاً له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا، رافعاً إليه الشكاوى، مصلّياً خلفه، عاملاً معه, محبّاً له، مبغضاً من يبغضه.
فقد ذكرنا قبل أنّ عليّاً قال للقوم حينما أرادوه خليفة وأميراً: (وأنا لكم وزيراً خير لكم منّي أميرا).(نهج البلاغة ص136 تحقيق صبحي صالح).

يذكّرهم أيّام الصدّيق والفاروق حينما كان مستشاراً مسموعاً، ومشيراً منفذاً كلمته. كما يروي اليعقوبي الشيعي في تاريخه، وهو يذكر أيّام خلافة الصدّيق: ((وأراد أبو بكر أن يغزو الروم، فشاور جماعة من أصحاب رسول الله، فقدّموا وأخّروا، فاستشار عليّ بن أبي طالب، فأشار أن يفعل، فقال: إن فعلت ظفرت؟ فقال: بشّرت بخير، فقام أبو بكر في الناس خطيباً، وأمرهم أن يتجهزوا إلى الروم)).(تاريخ اليعقوبي ج2 ص132، 133 ط بيروت 1960م).

وفي رواية: ((سأل الصدّيق عليّاً كيف ومن أين تبشّر؟ قال: من النبيّ حيث سمعته يبشّر بتلك البشارة، فقال أبو بكر: سررتني بما أسمعتني من رسول الله يا أبا الحسن! يسرّك الله)).(تاريخ التواريخ ج2 كتاب 2 ص158 تحت عنوان عزام أبي بكر).

ويؤيّد ذلك عالم الشيعة محمّد بن النعمان العكبري الملقّب بالشيخ المفيد، حيث بوّب باباً خاصّاً في كتابه (الإرشاد) لقضايا أمير المؤمنين عليه السلام في إمارة أبي بكر. ثمّ ذكر عدّة روايات عن قضايا عليّ في خلافة أبي بكر، ومنها: ((أنّ رجلاً رفع إلى أبي بكر وقد شرب الخمر، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فقال له: إنّي شربتها ولا علم لي بتحريمها لأنّي نشأت بين قوم يستحلّونها ولم أعلم بتحريمها حتّى الآن, فارتجّ على أبي بكر الأمر بالحكم عليه ولم يعلم وجه القضاء فيه، فأشار عليه بعض من حضر أن يستخبر أمير المؤمنين(عليه السلام) عن الحكم في ذلك، فأرسل إليه من سأله عنه، فقال أمير المؤمنين: (مرّ رجلين ثقتين من المسلمين يطوفان به على مجالس المهاجرين والأنصار ويناشدانهم: هل فيهم أحد تلا عليه آية التحريم أو أخبره بذلك عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)؟ فإن شهد بذلك رجلان منهم، فأقم الحدّ عليه، وإن لم يشهد أحد بذلك فاستتبّه وخلّ سبيله)، ففعل ذلك أبو بكر، فلم يشهد أحد من المهاجرين والأنصار أنّه تلا عليه آية التحريم، ولا أخبره عن رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بذلك، فاستتابه أبو بكر وخلّى سبيله، وسلّم لعليّ(عليه السلام) في القضاء به).(الإرشاد للمفيد ص107 ط إيران).

وكان عليّ يمتثل أوامره، كما حدث أنّ وفداً من الكفّار جاءوا إلى المدينة المنوّرة، ورأوا بالمسلمين ضعفاً وقلّة لذهابهم إلى الجهات المختلفة للجهاد واستئصال شأفة المرتدّين والبغاة الطغاة، فأحسّ منهم الصدّيق خطراً على عاصمة الإسلام والمسلمين، فأمر الصدّيق بحراسة المدينة وجعل الحرس على أنقابها يبيتون بالجيوش، وأمر عليّاً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود أن يرأسوا هؤلاء الحرّاس، وبقوا كذلك حتّى أمنوا منهم.(شرح نهج البلاغة ج4 ص228 تبريز).

وللتعاطف والتوادد والوئام الكامل بينهما: كان عليّ وهو سيّد أهل البيت يتقبّل من أبي بكر الهدايا، دأب الإخوة المتحابّين؛ كما قبل الصهباء الجارية التي سبيت في معركة عين التمر، وولدت له عمر ورقية, حيث قالت كتب الشيعة: ((وأمّا عمر ورقية فإنّهما من سبيئة من تغلب، يقال لها: الصهباء، سبيت في خلافة أبي بكر وإمارة خالد بن الوليد بعين التمر)).(شرح نهج البلاغة ج2 ص718، أيضاً عمدة الطالب ط نجف ص361). ((وكانت اسمها أُمّ حبيب بنت ربيعة)).(الإرشاد ص186).

وأيضاً منحه الصدّيق خولة بنت جعفر بن قيس، التي أسرت مع من أسر في حرب اليمامة، وولدت له أفضل أولاده بعد الحسنين: محمّد بن الحنفية. ((وهى من سبي أهل الردّة، وبها يعرف ابنها، ونسب إليها محمّد بن الحنفية)).(عمدة الطالب الفصل الثالث ص352، أيضاً حقّ اليقين ص213).

كما وردت روايات عديدة في قبوله هو وأولاده الهدايا المالية والخمس وأموال الفيء من الصدّيق(رضي الله عنهم أجمعين)، وكان عليّ هو القاسم والمتولّي في عهده على الخمس والفيء, وكانت هذه الأموال بيد عليّ، ثمّ كانت بيد الحسن، ثمّ بيد الحسين، ثمّ الحسن بن الحسن، ثمّ زيد بن الحسن.(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج4 ص118).

وكان يؤدّي الصلوات الخمس في المسجد خلف الصدّيق، راضياً بإمامته، ومظهراً للناس اتّفاقه ووئامه معه.(الاحتجاج للطبرسي 53، أيضاً كتاب سليم بن قيس ص253، أيضاً مرآة العقول للمجلسي ص388 ط إيران).

مساعدة الصدّيق في تزويج عليّ من فاطمة: وكان للصدّيق مَنّ على عليّ(رضي الله عنهما) حيث توسّط له في زواجه من فاطمة(رضي الله عنها) وساعده فيه، كما كان هو أحد الشهود على نكاحه بطلب من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم), وهذا يرويه أحد أعاظم الشيعة، ويسمّى بشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي: ((عن الضحّاك بن مزاحم، أنّه قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: أتاني أبو بكر وعمر، فقالا: لو أتيت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) فذكرت له فاطمة. قال: فأتيته، فلمّا رآني رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ضحك، ثمّ قال: ما جاء بك يا عليّ! وما حاجتك؟ قال: فذكرت له قرابتي وقدمي في الإسلام ونصرتي له وجهادي، فقال: يا عليّ! صدقت، فأنت أفضل ممّا تذكر، فقلت: يا رسول الله! فاطمة تزوجنيها)).(الأمالي للطوسي ج1 ص38).

وأمّا المجلسي فيذكر هذه الواقعة ويزيدها بياناً ووضوحاً، حيث يقول: ((في يوم من الأيّام كان أبو بكر وعمر وسعد بن معاذ جلوساً في مسجد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وتذاكروا ما بينهم بزواج فاطمة(عليها السلام). فقال أبو بكر: أشراف قريش طلبوا زواجها عن النبيّ، ولكن الرسول قال لهم بأنّ الأمر في ذلك إلى الله - ونظنّ أنّها لعليّ بن أبي طالب - وأمّا عليّ بن أبي طالب فلم يتقدّم بطلبها إلى رسول الله لأجل فقره وعدم ماله، ثمّ قال أبو بكر لعمر وسعد: هيا بنا إلى عليّ بن أبي طالب لنشجّعه ونكلّفه بأن يطلب ذلك من النبيّ، وإن مانعه الفقر نساعده في ذلك. فأجاب سعد: ما أحسن ما فكرت به، فذهبوا إلى بيت أمير المؤمنين(عليه السلام)... فلمّا وصلوا إليه، سألهم ما الذي أتى بكم في هذا الوقت؟ قال أبو بكر: يا أبا الحسن! ليس هناك خصلة خير إلاّ وأنت سابق بها... فما الذي يمنعك أن تطلب من الرسول ابنته فاطمة؟ فلمّا سمع عليّ هذا الكلام من أبي بكر نزلت الدموع من عينيه وسكبت، وقال: قشرت جروحي ونبشت، وهيجت الأماني والأحلام التي كتمتها منذ أمد، فمن الذي لا يريد الزواج منها؟ ولكن يمنعني من ذلك فقري واستحي منه بأن أقول له وأنا في هذا الحال... الخ)).(جلاء العيون للملاّ مجلسي ج1 ص169 ط كتابفروشي إسلامية طهران، ترجمة من الفارسية).

ثمّ وأكثر من ذلك أنّ الصدّيق أبا بكر هو الذي حرّض عليّاً على زواج فاطمة(رضي الله عنهم)، وهو الذي ساعده المساعدة الفعلية لذلك، وهو الذي هيّأ له أسباب الزواج وأعدّها بأمر من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، كما يروي الطوسي: ((أنّ عليّاً باع درعه وأتى بثمنه إلى الرسول، ثمّ قبضه رسول الله من الدراهم بكلتا يديه، فأعطاها أبا بكر، وقال: ابتع لفاطمة ما يصلحها من ثياب وأثاث البيت، أردفه بعمّار بن ياسر وبعدّة من أصحابه، فحضروا السوق، فكانوا يعرضون الشيء ممّا يصلح فلا يشترونه حتّى يعرضوه على أبي بكر، فإن استصلحه اشتروه... حتّى إذا استكمل الشراء حمل أبو بكر بعض المتاع، وحمل أصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) الذين كانوا معه الباقي)).(الأمالي ج1 ص39، أيضاً مناقب لابن شهر آشوب المازندراني ج2 ص20 ط الهند، أيضاً جلاء العيون فارسي ج1 ص176).

بل إنّ الصدّيق ورفاقه كانوا شهوداً على زواجه بنصّ الرسول(صلّى الله عليه وسلّم)، وطلب منه كما يذكر الخوارزمي الشيعي والمجلسي والإربلي: ((أنّ الصدّيق والفاروق وسعد بن معاذ لمّا أرسلوا عليّاً إلى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) انتظروه في المسجد ليسمعوا منه ما يثلج صدورهم من إجابة الرسول وقبوله ذلك الأمر، فكان كما كانوا يتوقّعون، فيقول عليّ: فخرجت من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر، وقالا لي: ما وراءك؟ فقلت: زوّجني رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) ابنته فاطمة... ففرحا بذلك فرحاً شديداً، ورجعا معي إلى المسجد، فلمّا توسّطناه حتّى لحق بنا رسول الله، وإنّ وجهه يتهلّل سروراً وفرحاً، فقال: يا بلال! فأجابه فقال: لبيك يا رسول الله! قال: اجمع إلَيَّ المهاجرين والأنصار، فجمعهم ثمّ رقي درجة من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر الناس إنّ جبرائيل أتاني آنفاً وأخبرني عن ربّي عزّ وجلّ أنّه جمع ملائكته عند البيت المعمور، وكان أشهدهم جميعاً أنّه زوّج أَمته فاطمة ابنة رسول الله من عبده عليّ بن أبي طالب، وأمرني أن أُزوّجه في الأرض وأشهدكم على ذلك)).(المناقب للخوارزمي ص251، 252، أيضاً كشف الغمّة ج1 ص358، أيضاً بحار الأنوار للمجلسي ج10 ص38، 39، أيضاً جلاء العيون ج1 ص184).

الجـزء الثالث:
ويكشف النقاب عن الشهود الإربلي في كتابه (كشف الغمّة)، حيث يروي: ((عن أنس، أنّه قال: كنت عند النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) فغشيه الوحي، فلمّا أفاق قال لي: (يا أنس! أتدري ما جاءني به جبرائيل من عند صاحب العرش)؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (أمرني أن أزوّج فاطمة من عليّ، فانطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان وعليّاً وطلحة والزبير، وبعددهم من الأنصار)، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلمّا أن أخذوا مجالسهم، قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) بعد أن حمد الله وأثنى عليه: (ثمّ إنّي أشهدكم أنّي زوّجت فاطمة من عليّ على أربعمائة مثقال فضّة))).(كشف الغمّة ج1 ص348، 349 ط تبريز، بحار الأنوار ج1 ص47، 48).
ولمّا ولد لهما الحسن كان أبو بكر الصدّيق يحمله على عاتقه، ويداعبه ويلاعبه، ويقول: بأبي شبيه بالنبيّ... غير شبيه بعليّ).(تاريخ اليعقوبي ج2 ص117).

وكانت العلاقات وطيدة إلى حدّ أنّ زوجة أبي بكر أسماء بنت عميس هي التي كانت تمرّض فاطمة بنت النبيّ(عليه السلام) ورضي الله عنها في مرض موتها، وكانت معها حتّى الأنفاس الأخيرة, فروت كتب الشيعة: ((وكان (علي) يمرضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس(رحمها الله) على استمرار بذلك)).(الأمالي للطوسي ج1 ص107).
و((وصتها بوصايا في كفنها ودفنها وتشييع جنازتها، فعملت أسماء بها)).(جلاء العيون ص235، 242).
و((هي التي كانت عندها حتّى النفس الأخير، وهي التي نعت عليّاً بوفاتها)).(جلاء العيون ص237).
و((كانت شريكة في غسلها)).(كشف الغمّة ج1 ص504).
وكان أبو بكر الصدّيق دائم الاتصال بعليّ ليسأله عن أحوال فاطمة: ((فمرضت (أي: فاطمة رضي الله عنها) وكان عليّ(عليه السلام) يصلّي في المسجد الصلوات الخمس، فلمّا صلّى، قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟)).(كتاب سليم بن قيس ص353).
و(لمّا قبضت فاطمة من يومها، فارتجّت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء، ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله، فأقبل أبو بكر وعمر يعزّيان عليّاً ويقولان: يا أبا الحسن! لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله)).(كتاب سليم بن قيس ص255).

وروايات أُخرى لأحد شيوخهم المتسمّى ساجد لله، فهي روايات ليست مدرجة في ردود موقعكم، لا بدّ من الردّ عليها وتوضيحها بإجابات مطوّلة، مع ذكر المصادر...؟

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
يقول الرافضة خلال النقاشات معهم: أنّ عليّ بن أبي طالب(رضي الله عنه) قد بايع الشيخان للحفاظ على بيضة المسلمين!!
وحين تذهب إلى كتبهم تجد أقوال المعصومين - حسب دينهم - التي تؤكّد هذا القول:

أخبرنا محمّد بن محمّد، قال: أخبرني المظفر بن محمّد، قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن أبي الثلج، قال: حدّثنا أحمد بن موسى الهاشمي، قال: حدّثنا محمّد بن حماد الشاشي، قال: حدّثنا الحسن بن الراشد البصري، قال: حدّثنا علي بن الحسن الميثمي، عن ربعي، عن زرارة، قال: قلت: لأبي عبد الله(عليه السلام): ما منع أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يدعو الناس إلى نفسه، ويجرّد في عدوه سيفه؟ فقال: (تخوّف أن يرتدّوا ولا يشهدوا أنّ محمّداً رسول الله(صلّى الله عليه وآله))).(راجع الأمالي للطوسي ص229، دعائم الإسلام ج1 ص15).

حدّثني أبو الحسين محمّد بن هارون التلعكبري، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثني أبو علي محمّدبن همام ابن سهيل(رضي الله عنه)، قال: روى أحمد بن محمّد بن البرقي، عن أحمد بن محمّد الأشعري القمّي، عن عبد الرحمن بن بحر، عن عبد الله بن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد(عليه السلام)... (في رواية طويلة جاء فيها): (...أمّا حقّي فقد تركته مخافة ارتداد الناس عن دينهم...).(راجع دلائل الإمامة ص 46، بحار الأنوار 43/171).

أحمد بن حاتم، عن أحمد بن محمّد بن موسى، عن محمّد بن حماد الشاشي، عن الحسين بن راشد، عن علي بن إسماعيل الميثمي، عن ربعي، عن زرارة، قال: قلت:... ما منع أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يدعو الناس إلى نفسه؟ قال: (خوّفاً أن يرتدّوا...).(راجع بحار الأنوار 29/440).

عن الباقر، قال: (إنّ الناس لمّا صنعوا ما صنعوا إذ بايعوا أبا بكر، لم يمنع أمير المؤمنين من أن يدعوا إلى نفسه إلاّ نظره للناس, وتخوفاً عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام, فيعبدوا الأوثان, ولا يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله, وكان أحبّ إليه أن يقرّهم على ما صنعوا من أن يرتدّوا عن الإسلام).(الكافي 8/295، البحار 28/255).

عن الصادق، وقد سُئل: ما منع أمير المؤمنين أن يدعو الناس إلى نفسه، ويجرد في عدوه سيفه؟ فقال: (تخوّف أن يرتدّوا ولا يشهدوا أنّ محمّداً رسول الله). (أمالي الطوسي 234، انظر أيضاً: البحار 49/192، عيون الأخبار 2/188).

ويدعم هذه الاستنتاجات قول علي بن أبي طالب(رضي الله عنه): (إِنَّهُ بَايَعَنِي القَومُ الَّذِينَ بَايَعُوا أَبَا بَكر وَعُمَرَ وَعُثمانَ عَلَى مَا بَايَعُوهُم عَلَيهِ، فَلَم يَكُن لِلشَّاهِدِ أَن يَختَارَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَن يَرُدَّ، وَإنَّمَا الشُّورَى لِلمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ، فَإِنِ اجتَمَعُوا عَلَى رَجُل وَسَمَّوهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ لله رِضاً، فَإِن خَرَجَ عَن أَمرِهِم خَارِجٌ بِطَعن أَو بِدعَة رَدُّوهُ إلى مَا خَرَجَ منه، فَإِن أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيرَ سَبِيل المُؤمِنِينَ، وَوَلاَّهُ اللهُ مَا تَوَلَّى). (نهج البلاغة/ وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه. تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام). تحقيق: الشيخ فارس الحسّون. إعداد مركز الأبحاث العقائدية. باب المختار من كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) ورسائله إلى أعدائه وأمراء بلاده، ويدخل في ذلك ما اختير من عهوده إلى عمّاله ووصاياه لأهله وأصحابه، كتاب رقم (6)، ومن كتاب له(عليه السلام) إلى معاوية الصفحة 587 - الصفحة 588).

فكيف يتنازل الإمام عن النص الرباني بحقّه للحفاظ على بيضة المسلمين، وهو نفسه القائل أنّ بيعتهم شرعية ومرضية لله عزّ وجلّ؟
ولم يكتفي بذلك... بل أمر بقتال من يخرج عليهم، لأنّه رأى باتّباع من سبقوه للخلافة اتّباع لسبيل المؤمنين وإرضاءً لله عزّ وجلّ؟

وكيف لا يأمر بذلك وقد نسب إليه الرافضة في (نهج البلاغة):
(أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهذَا الأمر أَقوَاهُم عَلَيهِ، وَأَعلَمُهُم بِأَمرِ اللهِ فِيهِ، فَإِن شَغَبَ شَاغِبٌ استُعتِبَ، فَإِن أَبَى قُوتِلَ. وَلَعَمرِي، لَئِن كَانَتِ الإمامةُ لاَ تَنعَقِدُ حَتَّى يَحضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ، فـمَا إلى ذلك سَبِيلٌ، وَلكِن أَهلُهَا يَحكُمُونَ عَلَى مَن غَابَ عَنهَا، ثُمَّ لَيسَ لِلشَّاهِدِ أَن يَرجِعَ، وَلاَ لِلغَائِبِ أَن يَختَارَ.لاَ وَإِنَّي أُقَاتِلُ رَجُلَينِ: رَجُلاً ادَّعَى مَا لَيسَ لَهُ، وَآخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيهِ). (نهج البلاغة/ وهو مجموعة خطب مولانا أمير المؤمنين(عليه السلام) وأوامره وكتبه ورسائله وحكمه ومواعظه. تأليف: الشريف الرضي أبي الحسن محمّد بن الحسين بن موسى بن محمّد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام). تحقيق: الشيخ فارس الحسون. خطبة رقم ــ(173) من خطبة له(عليه السلام) في رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ومن هو جدير بأنّ يكون للخلافة وفي هوان الدنيا، الجدير بالخلافة الصفحة 383 - الصفحة 384).

*************************

الجواب:

الأخ جعفر المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تنبيه: هذه الأسئلة قد وصلتنا سابقاً وأجبنا عليها كلّها تقريباً، وهي مبثوثة في هذه الموسوعة تحت عناوين مختلفة، والأصل فيها مأخوذ من كتاب إحسان إلهي ظهير (الشيعة وآل البيت)؛ وقد أجاب علمائنا الأعلام على أغلب ما كتبه، وسوف نجيب نحن هنا أيضاً إضافة إلى أجوبتنا السابقة المشار إليها، وربما اكتفينا بالإحالة فقط:

أوّلاً: بالنسبة إلى خبر ابن عبّاس، فهي رواية سُنّية انفرد بإخراجها وروايتها مسندة - من القدماء والمصادر المعتمدة والمعتبرة - الطبراني(1)، وعنه الهيثمي في (مجمع الزوائد)(2).
وهي على إحسان إلهي ظهير والخراشي والوهابية، وليست لهم! إضافة إلى أنّها لا تصحّ سنداً حتّى عندهم! ولو تدبّروا في الرواية جيّداً، وعلموا أنّ هناك أُناساً عقلاء لن تنطلي عليهم أراجيف المرجفين، وكذب المفترين، وخداع الشياطين، لما تورّطوا في إيراد ما أوردوه البتة، وخصوصاً هذه الرواية التي فيها الحجّة البالغة على ظهير والخراشي وأتباعهما.
حيث أنّ في الرواية مقاطع تفضح عقيدة هؤلاء، وتثبت التشيّع والعقيدة الحقّة، وما كان عليه ابن عبّاس وأهل البيت(عليهم السلام) من خلاف عميق مع الصحابة، وليس العكس!
فنجد أنّ بداية الرواية تنصّ على أنّ معاوية يريد إحراج ابن عبّاس، حيث قال: ((يا سعيد! والله لألقينّ على ابن عبّاس مسائل يعيى بجوابها، فقال له سعيد: ليس مثل ابن عبّاس يعيى بمسائلك)).
فانظر أيّها المنصف! أنّ معاوية ومجالسيه كيف يعرفون أنّ ابن عبّاس على عقيدة تخالف ما عليه هؤلاء القوم وأتباعهم، وكيف أنّ معاوية يريد إحراج ابن عبّاس بحضور بطون قريش لتحريض الناس على أهل البيت(عليهم السلام) وشيعتهم.. حيث تقول الرواية: ((استأذن عبد الله بن عبّاس على معاوية وقد تحلقت عنده بطون قريش، وسعيد بن العاص جالس عن يمينه، فلمّا نظر إليه معاوية، قال: يا سعيد! والله لألقينّ على ابن عبّاس مسائل يعيى بجوابها...)).

ثمّ إنّه يتّضح من مقدّمة الرواية وكلام ابن عبّاس، أنّ معاوية يريد الإيقاع بابن عبّاس وإحراجه، وكشف أوراقه وفضحه أمام قريش من كونه معادياً لأئمّة قريش وقادتها، وأسلاف معاوية الذين أوصلوه إلى سدّة الحكم والملك، رأينا قول سعيد بن العاص من أنّ معاوية وغير معاوية لا يقوون على الإيقاع بمثل ابن عبّاس تلميذ أمير المؤمنين، واللسان الناطق لأهل البيت(عليهم السلام)، حيث تحدّى معاوية أن يستطيع إيقاعه وكشف أوراقه.
ولذلك تجد أنّ ابن عبّاس قد استعمل أُسلوباً عظيماً ورائعاً وراقياً، ألا وهو أُسلوب التقية، وكيفية بيان الحقّ ونقض صدر الكلام بعجزه، حيث ماشى معاوية في بداية أسئلته، وامتصّ قوّة هجومه، ثمّ قلب الطاولة عليه، حيث ابتدأ معاوية بسؤاله عن رأيه في أبي بكر مباشرة بنصّ الرواية على ذلك.
حيث قال الراوي ربعي بن حراش: فلمّا جلس (ابن عبّاس) قال له معاوية: ما تقول في أبي بكر؟
ثمّ قال له: فما تقول في عمر؟
ثمّ قال له: فما تقول في عثمان بن عفّان؟
وبعد أن امتدحهم ابن عبّاس ظاهراً، قال له معاوية: فما تقول في عليّ بن أبي طالب؟

قال ابن عبّاس: (... خير من آمن واتَّقى، وسيّد من تَقمَّصَ وارتدى، وأفضل من حجَّ وسعى، وأسمح من عدل وسوّى، وأخطب أهل الدنيا إلاّ الأنبياء والنبيّ المصطفى[صلّى الله عليه وآله وسلّم]، وصاحب القبلتين، فهل يوازيه موحّد؟! وزوج خير النساء، وأبو السبطين، لم تر عيني مثله ولا ترى حتّى القيامة واللقاء؛ فمن لعنه فعليه لعنة الله والعباد إلى يوم القيامة).

وهذا تصريح ونصّ من ابن عبّاس على عقيدته وتفضيله لعليّ(عليه السلام) على كلّ من سواه من الصحابة وأهل البيت، بل إنّ ابن عبّاس لعن معاوية وأخبر أنّ الله تعالى والناس يكيلون لمعاوية والنواصب من أتباعه اللعن، حيث لعن ابن عبّاس من يثلب أبا بكر ويبغض عمر ويسبّ عثمان، ولكنّه لعن من يلعن عليّاً(عليه السلام)، ومعلوم في أزمان معاوية وبني أُميّة من كان يلعن عليّاً(عليه السلام).
فثبت أنّ ظهير ومعه الخراشي اقتطعا جزءاً يسيراً من الرواية! فآمنا ببعض الكتاب وكفرا ببعض، وهذا من تدليسهما وتحريفهما للروايات، وخيانة للأمانة العلمية.
هذا كلّه إن أغضضنا النظر عن سندها، ولكن مع كلّ ما قدّمناه، تجد الجواب الوافي عليها وعلى غيرها في عنوان (ردّ روايات نقلت من مصادر شيعية يتصوّر فيها مدح لأبي بكر)، وعنوان (الصحابة/أقوال مزعومة في مدح بعض الصحابة).

ثانياً: وأمّا بالنسبة إلى الرواية الثانية، وهي تدليسهما بقولهما: ويقول الحسن بن عليّ، وينسبه إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (إنّ أبا بكر منّي بمنزلة السمع)، فقد أجبنا عنها أيضاً بما فيه الكفاية؛ بما أوعزنا إليه آنفاً، وكذا في عنوان (الخلفاء/ بمنزلة السمع والبصر والفؤاد).

ثالثاً: وكذلك الحال بالنسبة إلى رواية الإمام الحسن(عليه السلام) وشروطه على معاوية في الصلح، إذ أنّه اشترط عليه أن يعمل ويحكم في الناس بكتاب الله وسُنّة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وسيرة الخلفاء الراشدين - الصالحين ــ. فقد أجبنا عليه في عنوان (الصحابة/ أقوال مزعومة في مدح بعض الصحابة).

ونضيف عليه: إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد طعن عمر وجعله الأمر في ستّة، منهم أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأمكن له (عليه السلام) أن يحصل على الخلافة بعد أن اشترط عبد الرحمن بن عوف عليه العمل بكتاب الله وسُنّة نبيّه وسيرة الشيخين، رفض قبول ما اشترط من سيرتهما، وترك الخلافة وولاية شؤون المسلمين بذلك الشرط وقبله عثمان فبايعوه.
فلو كانت سيرة الشيخين مقبولة عند أهل البيت(عليهم السلام) لكان قبولها في تولّيهم أفضل وأدعى من قبولها عند تنازلهم؛ فافهم!!
ولو كانوا راشدين وصالحين عند أهل البيت(عليهم السلام)، لوجب عليهم قبول سيرتهم!! فكيف يرفض أمير المؤمنين(عليه السلام) الخلافة وولاية أُمور المسلمين بسبب هذا الشرط؟!

رابعاً: وكذا الحال في الرواية عن الإمام زين العابدين(عليهم السلام)، تجد جوابها في عنوان (الصحابة/ أقوال مزعومة...).
وهي رواية سُنّية أصلاً، وصاحب (كشف الغمّة) ينقل عنهم، كما هو معروف وواضح حتّى في مقدّمة الكتاب.

خامساً: أمّا الرواية عن الإمام الباقر(عليه السلام) في حلية السيف، فتجد الجواب عنها فيما أجبنا هنا تحت عنوان (لا يثبت لقب الصدّيق برواية غير صحيحة)؛ فراجع.

سادساً: أمّا فرية تسمية أبي بكر بالصدّيق في الغار، والبتر والتدليس الذي ارتكباه - ظهير والخراشي - في الرواية، فتجد الردّ عليه أيضاً في عنوان (الصحابة/ أقوال مزعومة في فضل بعض الصحابة).

سابعاً: أمّا خبر الاحتجاج، فهو مرسل دون إسناد، ولم يروه غيره، ولو فرضنا صحّته، فإنّه مبتور مقطوع من مناظرة بين الإمام الجواد(عليه السلام) ويحيى بن أكثم في محضر المأمون، والإمام كان بصدد الردّ وتكذيب كلّ ما جاء به ابن أكتم من روايات لفضائل مكذوبة لأبي بكر وعمر، فلا يمكنه والحال هذه أن يظهر لهم أن لا فضل لأبي بكر وعمر بالمرّة، كما هو حال ابن عبّاس أمام معاوية الذي ذكرناه آنفاً، ولذلك كان يبدأ بردّ كلّ ما جاؤوا به بقوله(عليه السلام): (ولست بمنكر فضل أبي بكر)، ولكن كان يجب على صاحب هذا الخبر أن يأخذ بأمثال الخبر الذي قاله رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: (قد كثرت علَيَّ الكذّابة، وستكثر بعدي، فمن كذب علَيَّ متعمّداً، فليتبوّأ مقعده من النار)..

وكذلك حينما قال الإمام الجواد(عليه السلام): (لست بمنكر فضل عمر)، أعقبه بقوله بما يعتقدون هم: (ولكن أبا بكر أفضل من عمر)، ونقض على ابن أكثم بعد أن احتجّ عليه بقوله: (وقد روي: إنّ السكينة تنطق على لسان عمر)، فعارضه الإمام(عليه السلام) بأنّهم يعتقدون بأنّ أبا بكر أفضل من عمر، ومع ذلك ثبت أنّ أبا بكر قال على رأس المنبر: ((إنّ لي شيطاناً يعتريني فإذا ملتُ فقوّموني)).
فيريد الإمام(عليه السلام) أن يقول: إن لم تثبت السكينة للأفضل عندكم، فكيف تثبت لمن هو أدون منه؟!

ثامناً: وأمّا قول الإمام الصادق(عليه السلام) على ما نقلا من الرواية (إمامان عادلان قاسطان...)، فتجد الجواب عنه في نفس الرواية، وقد أوضحنا جوابه في عنوان (الصحابة/ أقوال مزعومة في حقّ بعض الصحابة).

تاسعاً: أمّا رواية الكليني(قدّس سرّه) التي في (فروع الكافي)، فمن ناحية الإسناد فإنّ سفيان الثوري كان عامّي المذهب لم يوثّق ولم يمدح، بل ورد ذمّه في روايتين عن الإمام الصادق(عليه السلام)(3)، وهو الناقل المباشر لتلك الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام), وكذلك مسعدة بن صدقة نصّوا على كونه عامّياً، كما في رجال الطوسي، وأنّه بتري (زيدي) كما عند الكشّي(4), وهذه الأوصاف في رواة الحديث توجب فيما لو صدقوا، حمل كلام الإمام(عليه السلام) على التقية بلا أدنى شكّ.
بالإضافة إلى كونه(عليه السلام) في مناظرة هنا، ويجب أن يكون الاستدلال في المناظرات على قاعدة الإلزام وإقناع الخصم بكلام ندِّه ومحاوره، مع أنّ الإمام(عليه السلام) في مقام الدعوة أيضاً ومحاولته إقناعهم وهدايتهم, فينبغي أن يكون رفيقاً بهم مماشياً لهم ببعض الأُمور التي لا مدخلية لها بموضوع المناظرة والخلاف، وقد أوصانا سبحانه وتعالى بمحاورة أهل الكتاب بالرفق واللين ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ناهيك عن كون الخصم مسلماً: (( ادعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ )) (النحل:125)، وقال عزّ من قائل: (( وَلا تُجَادِلُوا أَهلَ الكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ )) (العنكبوت:46).

ثمّ مع كلّ هذا فليس في الرواية تصريح ونصّ واضح بمدح أبي بكر، فقد يكون الضمير في (بعده) عائداً على الأبعد - وهو نظير ما يفعله أهل السُنّة بتخريج وتأويل آية الوضوء بالعطف على الأبعد - إذ أنّ الخراشي وقبله ظهير قد اقتطعا من الحديث ما يعجبهما فقط وأتيا به، ولكن الرواية تذكر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بكثرة قبل اعتراض جملة - وقال أبو بكر عند موته...- فتدبّر!

ثمّ إنّه لا يصحّ على كلّ المقاييس أن يأتي سلمان وأبو ذرّ (رضوان الله عليهما) بعد أبي بكر مباشرة! فالسُنّة يفضّلون العشرات عليهما، بينهما وبين أبي بكر كعمر وعثمان وعليّ وبقية العشرة وغيرهم, أمّا الشيعة فهم يعتقدون بأنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) كعليّ، والحسن، والحسين، بالإضافة إلى الزهراء(عليهم السلام) هم أكمل خلق الله وأعظم أهل البيت والصحابة في كلّ شيء وأفضلهم وأزهدهم، وأنّهم معصومون من كلّ صغيرة وكبيرة, فكيف يقول الإمام الصادق(عليه السلام) إنّ سلمان، وأبا ذرّ، وقبلهم أبو بكر، أزهد من أمير المؤمنين؟!!

خصوصاً لو اطّلعنا على قول الإمام الحسن(عليه السلام) الذي يرويه السُنّة قبل الشيعة، وخطبته(عليه السلام) بعد وفاة واستشهاد أمير المؤمنين(عليه السلام)، حين قال: (لقد قُبض في هذه الليلة رجل لا يسبقه الأوّلون بعمل، ولا يدركه الآخرون، وقد كان رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يعطيه رايته فيقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فما يرجع حتّى يفتح الله عليه، وما ترك على أهل الأرض صفراء ولا بيضاء إلاّ سبع مائة درهم فضلت من عطاياه أراد أن يبتاع بها خادم لأهله...)، وقد رواه أحمد في مسنده(5)، والحاكم في مستدركه على الصحيحين(6)، واللفظ له، وابن أبي شيبة في مصنّفه(7)، والدولابي في (الذرّية الطاهرة)(8)، والطبراني في (معجمه الكبير)(9)، وغيرها(10)...

وبالتالي فلا يمكن أن يكون الإمام الصادق(عليه السلام) يقصد أو يشهد لأبي بكر هنا بأنّه أزهد الناس، أو أنّه زاهد أصلاً، هذا من جهة؛ بل إنّ الرواية تدلّ على عكس الزهد كما هو واضح! فإنّها تنصّ على أنّ أبا بكر أوصى بخمس ما ترك، ولم يوص بجميع الثلث بأن ينفق له, والخمس أقلّ من الثلث؛ فهو إذاً لم يبق لنفسه في وصيته ما يُنفق له بعد موته كلّ ما يجوز له, بل أورث ذرّيته أكثر ما يمكنه توريثهم من أمواله وانتفاعه بأقل ممّا تركه لورثته لدنياهم، فأين الزهد من هذا بالله عليكم؟!

ومن قرأ استدلال الإمام(عليه السلام) على الصوفية هنا، علم أنّهم أنكروا عليه(عليه السلام) لباسه الثمين، وانتقدوا من يهتمّ باللباس والمؤونة والدنيا، فاستدلّ الإمام(عليه السلام) بمن كان معظّماً عند هؤلاء الصوفية، ويقتدون به كرسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأبي بكر، وسلمان، وأبي ذرٍّ، فهؤلاء عند أُولئك يعتبرون أئمّة الزهد والتصوّف بلا منازع، ويستدلّ الإمام(عليه السلام) بأفعالهم على عكس مراد هؤلاء الصوفية، وممّا يخالف الزهد، فأين شهادة الإمام(عليه السلام) بأنّ أبا بكر أزهد الأُمّة، ومن أصحاب المرتبة والمنزلة الأُولى في الزهد إلاّ في أوهام من استدلّ بذلك بلا فهم ولا علم ولا تعقّل؟! نسأل الله السلامة في ديننا ودنيانا وعقولنا.

عاشراً: وأمّا قول الصادق(عليه السلام): (لقد ولدني أبو بكر مرّتين), فأوضح من سابقه من عدم دلالته على المدح بالمرّة. وتجد الإجابة عليه مفصّلاً هنا في عنوان: (حديث ولدني أبو بكر مرّتين)، و(الصحابة/ أقوال مزعومة في مدح بعض الصحابة).

الحادي عشر: أمّا ما نقلوه عن (الشافي) في تسليم الإمام الصادق(عليه السلام) على قبري أبي بكر وعمر، فهو كأخواته من الأحاديث التي ينقلونها عن هذا الكتاب, فجميعها محض تدليس، أو جهل، أو كذب، لأنّ هذا الكتاب عبارة عن ردّ على القاضي عبد الجبّار في ردّه على الشيعة في كتابه (المغني)، فيورد هؤلاء المدلّسون أو الجهلة الأحاديث التي يستدلّ بها القاضي عبد الجبّار، ويذكرها السيّد المرتضى(قدّس سرّه) ليردّ عليها فقرة فقرة, على إنّها من كلامه(قدّس سرّه)، وبالتالي فقد وجدنا هنا السيّد المرتضى(قدّس سرّه) يقول: ((قال صاحب الكتاب: ومن جملة ما ذكروه من الطعن إدعاؤهم أنّ فاطمة(عليها السلام)... وادّعوا برواية رووها عن جعفر بن محمّد(عليه السلام) وغيره أنّ عمر ضرب فاطمة(عليها السلام) بالسوط...

ثمّ حكى - أي صاحب (المغني) - عن أبي علي تكذيب ما روي عن الضرب بالسوط، فقال: ((وهذا المروي عن جعفر بن محمّد من ضرب عمر لا أصل له، بل المروي من جعفر بن محمّد(عليه السلام) أنّه كان يتولّى أبا بكر وعمر ويأتي القبر فيسلِّم عليهما مع تسليمه على رسول الله(صلّى الله عليه وآله), روى ذلك عبّاد بن صهيب، وشعبة بن الحجّاج، ومهدي بن هلال، والدراوردي، وغيرهم، وقد روى عن أبيه، وعن عليّ بن الحسين مثل ذلك، فكيف يصحّ ما ادّعوه؟! وهل هذه الرواية إلاّ كروايتهم عن جعفر في أخبار لهم: أنّ عليّ بن أبي طالب هو إسرافيل، والحسن ميكائيل، والحسين جبرائيل، وفاطمة ملك الموت، وآمنة أُمّ النبيّ ليلة القدر، فإن صدّقوا ذلك صدّقوا هذا أيضاً))(11).
فمن الواضح جدّاً أنّ القاضي عبد الجبّار ينقل كلام الشيعة ثمّ يردّ عليهم بأقوال أساتذته، كأبي علي، وأبي هاشم الجبائيان، أو كلامه هو، والسيّد المرتضى ينقل ذلك عنه ليرد عليه بشكل واضح ومفهوم لكلّ آدمي له ذرّة عقل، إلاّ الكذّابين الأفّاكين، فهم يحرّفون الكلم عن بعض مواضعه، ليصدّوا عن سبيل الله، فأنّى يؤفكون؟
فالسيّد يقول في بداية نقله وردّه على القاضي عبد الجبّار: ((قال صاحب الكتاب)), ويعني به: القاضي في (المغني)، ثمّ ينقل من قوله أيضاً: ((ومن جملة ما ذكروه من الطعن))، ويعني بهم: الشيعة، وهو في صدد ذكر ما يقولونه في أبي بكر وعمر.

ثمّ قال (القاضي عبد الجبّار): ((إدّعاؤهم أنّ فاطمة(عليها السلام) لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت أن لا يصلّيا عليها، وأن تدفن سرّاً منهما، فدفنت ليلاً، وادّعوا برواية رووها عن جعفر بن محمّد(عليه السلام)، وغيره أنّ عمر ضرب فاطمة(عليها السلام) بالسوط، وضرب الزبير بالسيف، وذكروا أنّ عمر قصد منزلها وعليّ والزبير والمقداد وجماعة ممّن تخلّف عن بيعة أبي بكر مجتمعون هناك، فقال لها: ما أحد بعد أبيك أحبّ إلينا منكِ، وأيم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقنّ عليهم، فمنعت القوم من الاجتماع)).

قال السيّد المرتضى: ((ثمّ قال (أي: صاحب كتاب المغني القاضي عبد الجبّار): الجواب عن ذلك: إنّا لا نصدّق ذلك ولا نجوّزه))(12).
ونقله صاحب (شرح النهج) في كتابه ونسبه إليهما بشكل واضح، فقال: ((قال المرتضى حاكياً عن قاضي القضاة... قال: وممّا يذكرونه أنّ فاطمة(عليها السلام) لغضبها على أبي بكر وعمر أوصت ألاّ يصلّيا عليها، وأن تدفن سرّاً منهما، فدُفنت ليلاً، وهذا كما ادّعوا رواية رووها عن جعفر بن محمّد(عليهما السلام)، وغيره أنّ عمر ضرب فاطمة(عليها السلام) بالسوط، وضرب الزبير بالسيف...))(13).
ثمّ ذكر ردّ القاضي عبد الجبّار وبعده ما نقله عبد الجبّار من قول شيخه أبي علي الجبائي، وهو بعينه موجود في (الشافي).

ثمّ نقول لك أيّها الأخ العزيز، بعد كلّ ما نقلناه من وضوح كذب ودجل وافتراء ما نقل في هذه الشبهة ونسبته إلى السيّد المرتضى:
إنّ السيّد المرتضى ردّ هذا القول من القاضي عبد الجبّار وشيخه أبي علي بعد صفحات من نفس الجزء، حيث قال المرتضى: ((فأمّا حكايته عن أبي علي إنكاره ما روي من ضربها وإدّعاؤه أنّ جعفر بن محمّد(عليه السلام) كان يتولاّهما، وكان أبوه وجدّه كذلك، فأوّل ما فيه أنّ إنكار أبي علي لمّا وردت به الرواية من غير حجّة؛ لا يعتدُّ به، وكيف لا ينكر أبو علي هذه الرواية وعنده أنّ القوم لم يجلسوا من الإمامة إلاّ مجلسهم... ولو أخرج من قلبه هذه الاعتقادات المبتدأة لعرف أمثال هذه الرواية، أو الشكّ على أقلّ أحواله في صحّتها وفسادها، وقد كنّا نظنّ أنّ مخالفينا في الإمامة يقنعون فيما يدّعونه على أبي عبد الله جعفر بن محمّد وأبيه وجدّه(عليهم السلام)، بأن لا يقولوا في القوم السوء، ويكفوا عن الملامة فيهم، وإضافة المعايب إليهم، ففي هذا لو سلّم لهم مقنع وبلاغ، وما كنّا نظنّ أنّهم يحملون أنفسهم على مثل ما ادّعاه أبو علي، ومذاهب الناس إنّما تؤخذ من خواصّهم وأوليائهم، ومن ليس بمتّهم عليهم، ولا يتلقّى من أعدائهم والمنحرفين عنهم، وقد علمنا وعلم كلّ أحد أنّ المختصّين بهؤلاء السادة قد رووا عنهم ضدّ ما ادّعاه أبو علي، وأضافه إلى شعبة بن الحجّاج وفلان وفلان.

وقولهم فيهما: أنّهما أوّل من ظلمنا حقّنا، وحمل الناس على رقابنا، وقولهم: إنّهما أصفيا [أصغيا] بإنائنا، واضطجعا بسبيلنا، وجلسا مجلساً نحن أحقّ به منهما، مشهور معروف.. إلى غير ذلك من فنون التظّلم، وضروب الشكاية فيما لو أوردناه واستقصيناه لاحتاج إلى مثل حجم كتابنا، ومن أراد أن يعتبر ما روي عن أهل البيت في هذا المعنى فلينظر في كتاب (المعرفة) لأبي إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي، فإنّه قد ذكر عن رجل رجل من أهل البيت(عليهم السلام) بالأسانيد البيّنة ما لا زيادة عليه.
وبعد، فأيّ حجّة في رواية شعبة وأمثاله ما حكاه، وهو ممّا يجوز أن يخرج مخرج التقية التي قدّمنا جوازها على سادتنا(عليهم السلام)، فكيف يعارض ذلك أخبارنا التي لا يجوز أن تصدر إلاّ عن الاعتقادات الصحيحة والمذاهب التي يدان الله تعالى بها))(14).

ثمّ نقول: ولو نظر المنصف حتّى المقل في العلم؛ لوجد أنّ من نقل الرواية وهو أبو علي نقلها بسند عن عبّاد بن صهيب، وشعبة بن الحجّاج، ومهدي بن هلال، والدراوردي ؛ والكلّ يعلم أنّ هؤلاء هم علماء ورواة أحاديث أهل السُنّة! فكيف ينسب رجل يحترم نفسه هذه الرواية للشيعة ويجعلها حجّة عليهم بالكذب، والتزوير، والتدليس، والتلاعب في الدين؟!
قال تعالى: (( وَاتَّقُوا يَوماً تُرجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ )) (البقرة:281)، وقال عزّ وجلّ: (( يَومَ تَشهَدُ عَلَيهِم أَلسِنَتُهُم وَأَيدِيهِم وَأَرجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعمَلُونَ )) (النور:24)؟!

الثاني عشر: وأمّا رواية التفسير المنسوب للإمام العسكري(عليه السلام)، فهي لو كانت صحيحة - وليست كذلك لضعف راويا التفسير - فإنّها لا تدلّ على المدح، بل هي شرطية! ولو أكمل هذان المدلّسان ما نقلاه، وكانا أمينين غير متلاعبين، لعرف كلّ من سمع الحديث، عدم ثبوت، بل عدم وجود أيّ فضيلة لأبي بكر, بل الثابت هو فضل أمير المؤمنين(عليه السلام) بلا منازع, حيث أنّ الرواية حرفها هذان المدلّسان، وجعلا (إن) الشرطية (أنّ) التوكيدية، في قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله): (لا جرم أن اطّلع الله على قلبك)، فقلبا المعنى من الجملة الشرطية إلى الإخبارية الثابتة!!

فالنبيّ الأعظم(صلّى الله عليه وآله) في هذه الرواية كان يسأل أبا بكر ويختبره ويقيم عليه الحجّة البالغة بأنّه هل يوافق على تحمّل العذاب والمشقة, فأجابه أبو بكر بما يبيّن فيه تحمّله وتضحيته، وقال فيما قال: وهل أنا ومالي وولدي إلاّ فداءك؟ فأجابه (رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم): أنّه لو كان صادقاً فيما قاله بلسانه وكان معتقداً حقّاً بما قال، سيجعله الله تعالى من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن، وقطع هذا المدلّس بقية الحديث وهو: (كعليّ الذي هو منّي كذلك، وعليّ فوق ذلك لزيادة فضائله وشريف خصاله).

فرسول الله(صلّى الله عليه وآله) يثبت هذه المنزلة وأكثر لعليّ(عليه السلام)، ويعرضها على أبي بكر، لئلاّ يقول قائل: إنّه قد استأثر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالخير كلّه لابن عمّه وحبيبه أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث عرض عليه ما لم يعرضه على أحد غيره، ولو عرض نفس ما عرضه على غيره لقبله وأدّى ما أدّاه عليّ(عليه السلام).

وهذا أمر عام ومطّرد في أغلب فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام)، كالإنذار يوم الدار، وفتح خيبر، وقتل ذي الخويصرة, والعموم في آية التصدّق، وآية النجوى، ويوم الخندق.. وغيرها من الفضائل الكثيرة التي عُرضت بصيغة الجمع والعرض المفتوح أمام الجميع، ولكن لا يتصدّى له إلاّ أمير المؤمنين(عليه السلام).

وهذه الفضيلة أيضاً منها، حيث ختم النبيّ(صلّى الله عليه وآله) هذا العرض المغري، وهذا العهد المأخوذ، وهذا الاختبار الواضح، بقوله: (يا أبا بكر! إنّ من عاهد الله، ثمّ لم ينكث، ولم يغيّر، ولم يبدّل، ولم يحسد من قد أبانه الله بالتفضيل، فهو معنا في الرفيق الأعلى، وإذا أنت مضيت على طريقة يحبّها منك ربّك ولم تتبعها بما يسخطه ووافيته بها إذا بعثك بين يديه، كنت لولاية الله مستحقّاً، ولمرافقتنا في تلك الجنان مستوجباً... ثمّ سمع السماء والأرض والجبال والبحار، كلّ يقول: يا محمّد ما أمرك ربّك بدخول الغار لعجزك عن الكفّار... يا محمّد! من وفى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان، ومن نكث فعلى نفسه ينكث، وهو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران).

ثمّ قال(صلّى الله عليه وآله) بعد ذلك مباشرة لعليّ: (يا عليّ! أنت منّي بمنزلة السمع والبصر، والرأس من الجسد، والروح من البدن، صبّت إليَّ كالماء البارد إلى ذي الغلة الصادي...)(15).
فإنّك ترى أيّها المنصف أنّ إخبار أمير المؤمنين(عليه السلام) بذلك كان مؤكداً، أمّا الكلام مع أبي بكر فإنّه كان مشروطاً بالوفاء بالعهد، معلّقاً على حسن الخاتمة! فتنبّه تنجو وتوفّق.
وراجع أيضاً إجابتنا عليه في عنوان: (الصحابة/أقوال مزعومة...).

الثالث عشر: أمّا ما نقلاه من (ناسخ التواريخ), وهو كتاب تأريخي طويل جدّاً، وهو بالفارسية، وصاحبه ينقل عن كتب معتبرة وغير معتبرة، وليس هو من المصادر المعتمدة، وهو متأخّر جدّاً, فكيف يصحّ الاحتجاج برواياته وما ينفرد بنقله؟! وكيف نصدّق نقل الكاذبين المدلّسين عنه، خصوصاً إن كان بلغة أُخرى؟!
والشيعة الإمامية لا يعتقدون في زيد الشهيد الإمامة وإن اعتقدوا صلاحه، ومن يعتقد بإمامته هم طائفة أُخرى من الشيعة اسمهم الزيدية أكثر عددهم وعدّتهم الآن في اليمن، فعدم تمييز الخراشي لمن اعتقدوا إمامته بالاسم تدليس آخر منه.
وقد فتّشنا عن هذه الرواية في الكتب، فلم نجدها إلاّ عند ابن عنبة في (عمدة الطالب)(16)، وهو كتاب في الأنساب، ولا علاقة له بالتحقيق والروايات المسندة والصحيحة, وقد نقله عن أبي مخنف لوط بن يحيى الأزدي, وهذا الرجل إخباري معتمد عند السُنّة أكثر من الشيعة، مع إرساله لهذه الرواية بلا سند أصلاً, فكيف يصحّ الاحتجاج بمثل هذه الأخبار في إثبات مثل هذه العقائد؟!

ولو سلّمنا بصحّة ذلك عن زيد، فإنّما يحمل قوله على التقية وجلب المصلحة العامّة لاستنفار الناس معه، لأنّ دعوته كانت عامّة لجميع المسلمين.
وكيف يحتجّ علينا بمثل هذه الرواية مع وجود روايات كثيرة عندنا وعن أئمّتنا تثبت أنّ أصل التسمية بالرافضة للشيعة ولأتباع أهل البيت(عليهم السلام) غير هذا السبب، وبعيدة عنه كلّ البعد الحدود..
منها ما في (الكافي) أنّ أبا بصير قال للإمام الصادق(عليه السلام): ((جعلت فداك، فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول؟ فقال: يكرم الله الشباب أن يعذّبهم، ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم. قال: قلت: جعلت فداك، هذا لنا خاصّة أم لأهل التوحيد؟ قال: فقال: لا والله إلاّ لكم خاصّة دون العالم. قال: قلت: جعلت فداك، فإنّا قد نبزنا نبزاً، انكسرت له ظهورنا، وماتت له أفئدتنا، واستحلّت له الولاة دماءنا، في حديث رواه لهم فقهاؤهم. قال: فقال أبو عبد الله(عليه السلام): الرافضة؟ قال: قلت: نعم، قال: لا والله ما هم سمّوكم ولكن الله سمّاكم به، أما علمت يا أبا محمّد! أنّ سبعين رجلاً من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه لمّا استبان لهم ضلالهم، فلحقوا بموسى(عليه السلام) لمّا استبان لهم هداه، فسمّوا في عسكر موسى الرافضة لأنّهم رفضوا فرعون، وكانوا أشدّ أهل ذلك العسكر عبادة وأشدّهم حبّاً لموسى وهارون وذرّيتهما(عليهما السلام)، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى(عليه السلام) أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة، فإنّي قد سمّيتهم به ونحلتهم إيّاه، فأثبت موسى(عليه السلام) الاسم لهم، ثمّ ذخر الله عزّ وجلّ لكم هذا الاسم حتّى نحلكموه، يا أبا محمّد! رفضوا الخير ورفضتم الشرّ...))(17)، وغيرها الكثير(18).

الرابع عشر: أمّا رواية سلمان(رضوان الله عليه)، فهي رواية عاميّة لم تثبت عندهم(19)، فضلاً عن ثبوتها لدى الشيعة, وكتاب (مجالس المؤمنين) كتاب تراجم لشيعة أهل البيت، والمؤلّف محقّق وعنده ردود على السُنّة كـ(الصوارم المهرقة)، فلا يمكن أن ينقل هذه الرواية إلاّ لردّها وتسخيفها، خصوصاً أنّها موضوعة عند السُنّة غير مروية عند الشيعة، فمالكم كيف تحكمون؟!

وأمّا الجواب على كلام ظهير - الذي نقله الخراشي بنصّه! - في إمامة أبي بكر وعدم مخالفة أهل البيت(عليهم السلام) فيها، فقد ذكر ابتداءً كلاماً عاماً ليس له دليل، ولا فيه محصّل، وإنّما مجرّد دعوى قد أجاب عليها علماء الشيعة مفصّلاً، وأجبنا نحن عليها كلّ تحت عنوانه الخاص؛ فليراجع. ولكنّه أورد بعض الشواهد، وإليك جوابها:
أولاً: ما ذكره من كتاب ردّ فيه عليّ(عليه السلام) على معاوية، فقد أجبنا عنه في عنوان (نهج البلاغة/ قوله(عليه السلام): (إنّما الشورى للمهاجرين)، وكذلك: (ردّ وتعليق على بعض الاستفادات من مقاطع النهج في مدح الخلفاء)، وكذا في عنوان: (الشورى).

ثانياً: ما نقله من قول أمير المؤمنين(عليه السلام): (أنّ الناس بالخيار ما لم يبايعوا)، فقد نقله عن (ناسخ التواريخ)، والكلام هو الكلام في النقطة (الثالثة عشر) السابقة. وهي رواية سُنّية أيضاً، لم يروها الشيعة بطرقهم وأسانيدهم، حيث رواها الإسكافي (ت220هـ) في (المعيار والموازنة)(20)، والدينوري (ت276هـ) في (الأخبار الطوال)(21)، وابن حبّان (354هـ) في (الثقات)(22) مرسلة، مع بعض الاختلافات في المتن بينها.

نعم، رواها الشيخ المفيد في إرشاده عن الشعبي(23), والشعبي أحد أبرز المطعونين عند الشيعة والمجمع على كذبه عندهم(24), أمّا السُنّة فيعتقدون بأنّه أحد أئمّتهم المرموقين وثقات المحدّثين(25).
ومع ذلك فالرواية مقطوعة لأنّ الشعبي لم يحضر خطبة الإمام عليّ(عليه السلام)، وبالتالي فإنّ الرواية ضعيفة عندنا سنداً، ومرسلةً عندهم!

أمّا المتن فليس فيه شيء منكر، ولا يحكي جديداً أو شيئاً مخالفاً لأُصول واعتقاد الشيعة؛ فمن الواضح في الرواية أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يلقي الحجّة على من تخلّف عن بيعته ومن يريد الخروج عليه بعدما بايعه, فالإمام(عليه السلام) يستدلّ عليهم ويلزمهم ببيعتهم له، والتي يعتقدون هم أنفسهم بأنّها ملزمة كما التزموا ببيعة من كان قبل أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولم يكونوا يجوّزون الخروج عليهم, ثمّ إنّه(عليه السلام) يقول لهم ويعرِّض بمن قبله بقوله: (ولم تكن بيعتكم إيّاي فلتة).
ثمّ إنّ ذيل هذه الرواية موجود في (النهج)(26) دون ما قبله, فهذا يدلّ على عدم ثبوت كلّ ما نقلت من هذه المقاطع في (النهج) وغير النهج من كتبنا.

أمّا قوله(عليه السلام): (إنّما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار)، فظاهره لا يخالف الدلالة على أنّ البيعة مؤثّرة في تنفيذ وتفعيل مهام الإمامة والخلافة بالالتزام بالطاعة من قبل الناس، وعلى ثبوت الخيار للناس بأن يبايعوا عن رضا وقناعة على السمع والطاعة لإمام شرعي عالم عادل يقوم بالحقّ. وهذا الخيار في مقابل الجبر والغصب، وليس ناظراً إلى كونهم مختارين في تعيين الإمام، وأنّ بيعتهم مؤثّرة في ثبوت أصل الإمامة، حتّى ولو كانت لمثل معاوية ويزيد والوليد.

وهذا الأمر لا يتعارض مع النصّ، إذ أنَّ بيعة الناس لإمام من الأئمّة على السمع والطاعة متفرّعة على النصّ عليه، وليست هي متفرّعة على اختيار من يشاء هذا المبايع أو ذاك.
وعليه، فإنّ الشيعة لا ينكرون أهمّية البيعة، وأهمّية قبول الناس ورضاهم بالسمع والطاعة للإمام في أمر معيّن أو مطلقاً عن طريق البيعة, ولكنّهم لا يحصرون أصل القبول بالبيعة، ولا يجعلونها مؤسِّسَة بحيث يمكن أن تعارض وتصادم الإمامة المنصوصة أبداً.
ودليلنا على ذلك، ورود البيعة في القرآن والسُنّة، ومبايعة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) من قبل المسلمين على السمع والطاعة، لا سيّما بَيعتَيّ العقبة من قِبَل الأنصار (كبارهم وممثّلوهم ونقباؤهم) للنبيّ(صلّى الله عليه وآله)، حيث احتاج رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لبيعة كبار الأنصار للدفاع عن أهل بيته، وعلى السمع والطاعة لإقامة حكم الله فيهم, فهاجر إليهم، واكتفى(صلّى الله عليه وآله) بمبايعة اثني عشر نقيباً من الأنصار، فأقام فيهم دولة الإسلام وحكومة النبوّة, وهذه البيعة لم يكن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) محتاجاً إليها لإثبات نبوّته وولايته، أو الاعتراف به كرسول وحاكم أبداً! فالنبيّ والإمام لا يحتاجان إلى البيعة لإثبات النبوّة والإمامة لهما، وإنّما يحتاجان إليها لإثبات حكمهما وإنفاذ مهام النبوّة والإمامة والقيادة على الأرض.
ولا يمكن أن يدّعي مدّع أنّ البيعة تُنشئ وتؤسّس نبوّة النبيّ وإمامة الإمام؛ فافهم!

ثالثاً: أمّا قول ظهير: ((أنّ الإمام(عليه السلام) قال: (إنّ الناس انثالوا على أبي بكر وأجفلوا إليه)))، نقلاً عن (الغارات) للثقفي، وتعليق الخراشي بقوله: ((فلم يكن إلاّ أن يقرّ ويعترف بخلافته وإمامته)).
فهذا تدليس منه وتحميل! وإقحام لنظريته ورأيه على قول أمير المؤمنين(عليه السلام)! ولو كان شجاعاً واستطاع نقل النصّ لمّا دلّس وقال ما قال؟!

والرواية في (الغارات) هكذا: ((...فلمّا مضى لسبيله(صلّى الله عليه وآله) تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله، ما كان يلقي في روعي، ولا يخطر على بالي أنّ العرب تعدل هذا الأمر بعد محمّد(صلّى الله عليه وآله) عن أهل بيته، ولا أنّهم منحوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على أبي بكر وإجفالهم إليه ليبايعوه، فأمسكت يدي ورأيت أنّي أَحقّ بمقام رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في الناس ممّن تولّى الأمر من بعده، فلبثت بذاك ما شاء الله، حتّى رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام، يَدعون إلى محق دين الله وملّة محمّد(صلّى الله عليه وآله سلّم) وإبراهيم(عليه السلام)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً وهدماً، يكون مصيبته أعظم عليَّ من فوات ولاية أُموركم، التي إنّما هي متاع أيام قلائل ثم يزول ما كان منها كما يزول السراب وكما يتقشّع السحاب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت في تلك الأحداث حتّى زاغ الباطل وزهق، وكانت كلمة الله هي العليا ولو كره الكافرون، فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، فيسّر وشدّد وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيها أطاع الله فيه جاهداً...))(27)، إلى آخر كتابه(عليه السلام).
وعموماً فإنّه لا يوجد أيّ نص أو تصريح بإقرار أمير المؤمنين(عليه السلام) واعترافه بخلافة أحد قبله, بل الأدلّة قائمة على خلاف ذلك، كما يروي ذلك البخاري ويعترف به على لسان عائشة(28)! فما لكم كيف تدلّسون!!

رابعاً: أمّا ما نقله من قول أمير المؤمنين(عليه السلام): (فإذا طاعتي سبقت بيعتي...)(29).
فهو يحكي واقع حال قد وُضع فيه أمير المؤمنين(عليه السلام) دون رضا ولا اختيار منه، ويقول: وجدتني مجبور على الطاعة قبل أن أُبايع، سواء رضيت أو لم أرض، لأنّ البيعة وقعت لغيري، وميثاق الحكومة في عنقي لغيري.
بل هو يؤنّب فيه هؤلاء ويعتذر بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) قد أخذ منه عهداً بالتسليم لذلك الواقع المرير، وتلك الغدرة، وذلك التجاوز، والغصب لحقّه، وأن لا يشهر عليهم سيفه، حين قال له(صلّى الله عليه وآله) كما يحكيه العامّة قبل الخاصّة: (يا عليّ! إنّ الأُمّة ستغدر بك بعدي)، رواه الحاكم في المستدرك وصحّحه(30)، ووافقه الذهبي(31).

وفي لفظ عند الحاكم أيضاً: (إنّ ممّا عهد إلَيَّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أنّ الأُمّة ستغدر بي بعده)(32)، وقال(صلّى الله عليه وآله) لعليّ: (ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي، قال: قلت [أي: عليّ(عليه السلام)]: يا رسول الله! في سلامة من ديني؟ قال[صلّى الله عليه وآله وسلّم]: في سلامة من دينك). رواه أبو يعلى(33)، والبزّار(34).

وفي رواية عند الطبراني: قال(صلّى الله عليه وآله): (ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني)(35)، وقال(صلّى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام): (أما إنّك ستلقى بعدي جهداً، قال: في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك). وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين(36)، ووافقه الذهبي(37).

وغيرها من الأحاديث الشريفة التي تدلّ بوضوح على أنّ الأُمّة ملزمة بأمرٍ لأمير المؤمنين(عليه السلام)، وستغدر به وتظلمه في سلامة من دينه(عليه السلام)، والذي يقتضي الصبر وعدم قتالهم وأخذ حقّه بالقتال, ولذلك نرى أنّ حديث عائشة في البخاري ينصّ على أنّ الصحابة فرحوا واستبشروا بأنّ الإمام(عليه السلام) رجع وصالح أبا بكر بشكل سلمي، حينما قالت عائشة: ((ولكنّا كنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً، فاستبدّ علينا فوجدنا في أنفسنا، فَسُرَّ بذلك المسلمون، وقالوا: أصبت, وكان المسلمون إلى عليّ قريباً حين راجع الأمر بالمعروف))(38)، (أي: صالحهم وعاد إليهم بشكل سلمي).

أمّا بيعته(عليه السلام) لأبي بكر - إن بايع فعلاً لا صالح فقط - ومصالحته له، فكانت بعد وفاة الزهراء(عليها السلام)، وتنصّ الرواية على أنّ وفاة الزهراء(عليها السلام) كانت بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بستّة أشهر، فلماذا تأخّر أمير المؤمنين(عليه السلام) ستّة أشهر إن كانت بيعة أبي بكر واجبة وبالإجماع؟!! إن كنتم منصفين فعلاً!

ثمّ إنّ الرواية تنصّ أيضاً على سبب مبايعة ومصالحة أمير المؤمنين(عليه السلام) لابن أبي قحافة، حيث قالت عائشة في نفس رواية البخاري: ((فأبي أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتّى توفّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) ستّة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكان لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر، فأرسل إلى أبي بكر أن ائتنا ولا يأتنا أحدٌ معك، كراهية لمحضر عمر، فقال عمر: لا والله، لا تدخل عليهم وحدك، فقال أبو بكر: وما عسيتهم أن يفعلوا بي؟! والله لآتينهم...))(39).
فليقرأ كلّ عاقل ومنصف هذا الحديث، ثمّ ليدّعي بعده أنّ علاقة أهل البيت(عليهم السلام) بالصحابة وطيدة وجيدة وعاطفية، ولا يوجد خلاف ولا اختلاف بينهم, إن استطاع أحد يحترم نفسه وعقله وعقول الناس العقلاء أن يقول ذلك!!
وليقل أيضاً إن استطاع! بأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد بايع عن رضا وقناعة، ودون تقية وجلب المصلحة الممكنة بذلك؟!

خامساً: أمّا قوله(عليه السلام) في خلافة أبي بكر: (فتولّى أبو بكر تلك الأُمور، وسدّد ويَسَّر، وقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً...)(40), فهو من بقيّة كلامه السابق في رسالته إلى أصحابه الذين أوردناه عن (الغارات) (النقطة الثالثة)، وواضح جدّاً من أوّل كلامه أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) رأى أنّ الإسلام في محنة، بعد أن ارتدّ العرب عن الدين، وأرادوا القضاء على دين محمّد(صلّى الله عليه وآله) ومحو الإسلام، فوضع يده(عليه السلام) في يد السلطة الحاكمة، ونصحهم وأرشدهم، حتّى بطل الباطل، كما نصّ (عليه السلام) في نفس خطبته هذه على ما قلناه.

وإليك رواية أُخرى لنصّ ما قاله (عليه السلام) من كتاب (كشف المحجّة) للسيّد ابن طاووس: ((فمضى نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله) وقد بلّغ ما أرسل به، فيا لها من مصيبة خصّت الأقربين وعمّت المؤمنين لم تصابوا بمثلها، ولن تعاينوا بعدها مثلها، فمضى لسبيله (صلّى الله عليه وآله) وترك كتاب الله وأهل بيته إمامين لا يختلفان، وأخوين لا يتخاذلان، ومجتمعين لا يتفرّقان، ولقد قبض الله محمّداً نبيّه(صلّى الله عليه وآله) ولأنا أولى الناس به منّي بقميصي هذا، وما أُلقي في روعي، ولا عرض في رأيي أنّ وجه الناس إلى غيري، فلمّا أبطأ عنّي بالولاية لهممهم وتثبيط الأنصار، وهم أنصار الله وكتيبة الإسلام، قالوا: ما إذا لم تسلّموها لعليّ فصاحبنا أحقّ لها من غيره. فوالله ما أدري إلى من أشكو! إمّا أن يكون الأنصار ظلمت حقّها، وإمّا أن يكونوا ظلموني حقّي، بل حقّي المأخوذ وأنا المظلوم.

فقال قائل قريش: إنّ نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله) قال: (الأئمّة من قريش)، فدفعوا الأنصار عن دعوتها، ومنعوني حقّي منها، فأتاني رهط يعرضون علَيَّ النصر منهم: أبناء سعيد، والمقداد بن الأسود، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، وسلمان الفارسي، والزبير بن العوّام، والبراء بن عازب. فقلت لهم: إنّ عندي من نبيّ الله(صلّى الله عليه وآله) إليَّ وصية لست أُخالفه عمّا أمرني به، فوالله لو خرموني بأنفي لأقررت لله تعالى سمعاً وطاعة، فلمّا رأيت الناس قد انثالوا على أبي بكر للبيعة، أمسكت يدي، وظننت أنّي أولى وأحقّ بمقام رسول الله(صلّى الله عليه وآله) منه ومن غيره, وقد كان نبيّ الله أمَّر أُسامة بن زيد على جيش، وجعلهما في جيشه، وما زال النبيّ(صلّى الله عليه وآله) إلى أن فاضت نفسه يقول: (أنفذوا جيش أُسامة)، فمضى جيشه إلى الشام، حتّى انتهوا إلى أذرعات، فلقي جيشاً من الروم فهزموهم وغنمهم الله أموالهم، فلمّا رأيت راجعة من الناس قد رجعت عن الإسلام تدعوا إلى محو دين محمّد وملّة إبراهيم(عليهما السلام)، خشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله أرى فيه ثلماً وهدماً تكون المصيبة علَيَّ فيه أعظم من فوت ولاية أُموركم التي إنّما هي متاعُ أيّام قلائل، ثمّ تزول وتنقشع كما يزول وينقشع السحاب؛ فنهضت مع القوم في تلك الأحداث، حتّى زهق الباطل وكانت كلمة الله هي العليا، وإن زعم الكافرون، ولقد كان سعد لمّا رأى الناس يبايعون أبا بكر نادى: أيّها الناس! إنّي والله ما أردتها حتّى رأيتكم تصرفونها عن عليّ(عليه السلام)، ولا أُبايعكم حتّى يبايع عليّ، ولعلّي لا أفعل وإن بايع، ثم ركب دابّته وأتى حوران وأقام في خان، حتّى هلك ولم يبايع، وقام فروة بن عمر الأنصاري وكان يقود مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فرسين، ويصرع ألفاً، ويشتري ثمراً فيتصدّق به على المساكين، فنادى: يا معشر قريش! أخبروني هل فيكم رجل تحلّ له الخلافة وفيه ما في عليّ(عليه السلام)؟ فقال قيس بن مخزمة الزهري: ليس فينا من فيه ما في عليّ. فقال له: صدقت، فهل في عليّ(عليه السلام) ما ليس في أحد منكم؟ قال: نعم. قال: فما يصدّكم عنه؟ قال: اجتماع الناس على أبي بكر. قال: أما والله لئن أصبتم سُنّتكم لقد أخطأتم سُنّة نبيّكم، ولو جعلتموها في أهل بيت نبيّكم، لأكلتم من فوقكم ومن تحت أرجلكم.
فولى أبي بكر، فقارب واقتصد، فصحبته مناصحاً، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهداً))(41).
وهناك كلام لعليّ(عليه السلام) أورده شارح (النهج) يصلح لبيان ما قاله هنا، قال(عليه السلام): (فاختار المسلمون بعده بآرائهم رجلاً منهم، فقارب وسدّد حسب استطاعته على ضعف وحدّ كانا فيه، ووليهم بعده وال...)(42).

سادساً: أمّا قوله: ((ولأجل ذلك ردّ على أبي سفيان والعبّاس حينما عرضا عليه الخلافة، لأنّه لا حقّ له بعد ما انعقدت للصدّيق))، فهذا كلام باطل لم يتفوّه به أمير المؤمنين(عليه السلام)! وقد نقلنا قول عائشة في البخاري، بأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) أوضح مظلمته أيّما إيضاح، وامتنع عن مبايعة أبي بكر لستّة أشهر، حتّى ماتت فاطمة(عليها السلام)، فاستنكر عليّ وجوه الناس، فذهب يلتمس مصالحة ومبايعة أبي بكر، والتقية واضحة هنا جدّاً!
ولا يوجد دليل أو تصريح في أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قد بايع لأجل انعقاد البيعة لأبي بكر، بل الدليل على خلاف ذلك، حيث امتنع(عليه السلام) من المبايعة ستّة أشهر، وفرح المسلمون بعد أن بايع وصالح أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولم يحارب، ولم يشهر سيفه على ظالميه، وإنّما راجع الأمر بالمعروف.

وقد شرح هذه العبارة ابن حجر في (فتح الباري)، فقال: ((وقوله: وكان المسلمون إلى عليّ قريباً، أي: كان ودّهم له قريباً حين راجع الأمر بالمعروف، أي: من الدخول فيما دخل فيه الناس))(43).
فمن الواضح أنّ هناك كراهية وعزل لأمير المؤمنين(عليه السلام) بامتناعه واعتزاله, ولكن الإمام(عليه السلام) يعلم أنّ دوره في خدمة الدين وقيادة الأُمّة وإرشادها إلى برّ الأمان وإن لم يتولَّ السلطة التنفيذية عليهم.
وبالتالي فإنّه(عليه السلام) لم يرد على عمّه العبّاس(رضي الله عنه)(44)، وإنّما أخبره بأنّهم لم يولّوه الأمر، وكان طلب العبّاس من أمير المؤمنين(عليه السلام) قبل بيعة السقيفة أصلاً!

أمّا أبو سفيان, فكان الإمام(عليه السلام) يعلم مراد أبي سفيان، وأنّه يبتغي الفتنة(45)، وقتل الإسلام في مهده، فلم يجبه لمطلبه، لأنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لا يؤمن بأنّ الغاية تبرّر الوسيلة.

سابعاً: وأمّا النقل عن ابن ميثم البحراني في شرحه للنهج, فقد وجدناه أيضاً بشيء من الاختلاف عند ابن أبي الحديد، وعند المجلسي في بحاره، وغيرهم، نقلاً عن نصر بن مزاحم في كتابه (وقعة صفّين)، بسند عامّي، قال: ((عن عمر بن سعد، عن أبي ورق: أنّ ابن عمر بن مسلمة الأرحبي أعطاه كتاباً في إمارة الحجّاج بكتاب من معاوية إلى عليّ، قال: إنّ أبا مسلم الخولاني قدم إلى معاوية في أُناس من قرّاء أهل الشام...))(46).
علماً أنّه لا يوجد في كلّ المصادر التي رأيناها، وأوّلها وأقدمها كتاب (صفّين) لابن مزاحم لفظة: ((الفاروق))، و((الصدّيق)) في نصّ رسالة عليّ(عليه السلام) أبداً! بل حتّى في نصّ رسالة معاوية لعليّ(عليه السلام)مع أنّه لو كان فالإمام يكذّبه، كما هو واضح بقوله: (زعمت)!

نعم، انفرد بذكر هذين اللّفظين ابن ميثم في شرحه للنهج، ولكن مع إضافة كلمات تبيّن معناهما بما يخالف اعتقاد أهل السُنّة فيهما، ويوافق ما عليه الشيعة، قال بعد قوله: (وجزاهما بأحسن ما عملا): (غير أنّك ذكرت أمراً إن تمّ اعتزلك كلّه وإن نقص لم يلحقك ثلمة. وما أنت والصدّيق فالصدّيق من صدّق بحقّنا وأبطل باطل عدوّنا، وما أنت والفاروق فالفاروق من فرّق بيننا وبين أعدائنا. وذكرت أنّ عثمان...)(47).

ثمّ إنّ إحسان إلهي ظهير حذف بعض الكلمات من نصّ رواية ابن ميثم وتبعه الخراشي، حتّى يموّها على المعنى الذي أراده عليّ(عليه السلام) من تكذيب ما زعمه معاوية من فضل الأوّلين! فإنّ أصل ما أورده ابن ميثم هكذا: (وذكرت أنّ اللَّه اجتبى له من المسلمين أعواناً أيّدهم به، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام، وكان أفضلهم في الإسلام، كما زعمت، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة الصدّيق، وخليفة الخليفة الفاروق...)(48)، فحذفا قوله (عليه السلام): (وكان أفضلهم في الإسلام) قبل قوله (عليه السلام): (كما زعمت)، ليكون مقصود عليّ(عليه السلام) من الزعم ما ادّعاه معاوية من أنّ تفاضل منازل من أيّد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من المسلمين عنده على قدر فضائلهم في الإسلام..
فيكون ظاهر الكلام، وكأنّ عليّاً(عليه السلام) يردّ هذه الكلّية في التفاضل! مع أنّ أصل كلام الإمام عليّ(عليه السلام) ظاهر في ردّ زعم معاوية من أنّ الأوّل والثاني كانا أفضل المسلمين في الإسلام؛ وأصبحت العبارة وكأنّ عليّاً(عليه السلام) يقرّ بأنّ الأوّل والثاني كانا أنصحهم لله ورسوله؛ فلاحظ.. ودقّق.. وتعجّب؟!!
فهل رأيت أدهى من هذا التحريف، وأخفى من هذا التدليس؟!

ولكن ممّا يهوّن الخطب على المتعجّب أنّهما ليسا أوّل من سلك هذا الطريق، فهؤلاء محقّقو كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربّه الأندلسي: أحمد أمين، وأحمد الزين، وإبراهيم الأبياري، قد حذفوا لفظة (زعمت) من متن طبعة (لجنة التأليف والترجمة والنشر/طبعة القاهرة سنة 1263هـ - 1944م)، وحرّفوها بقولهم في الهامش رقم (3) إلى: ((في بعض الأُصول: أفضلهم ابن عمّك في الإسلام))(49)! علماً أنّنا لم نوفّق في الحصول على المخطوط لننظر في ذلك؛ إذ يحتمل أنّ الحذف كان من قِبَل الناسخ، أو من ابن عبد ربّه نفسه، فهذا هو دأبهم، وسيحصيها الله عليهم يوم القيامة.

وأمّا قوله كما في كتاب (وقعة صفّين): (ولعمري إنّ مكانهما من الإسلام لعظيم)، فقد جرى كلامه(عليه السلام) هنا مجرى التورية، وعدّى مكانهما بـ(من) لا بـ(في)، فإنّ مكانهما ممّا فعلاه بالإسلام لعظيم.
وقوله: (وإنّ المصاب بهما لجرح نازف في الإسلام شديد)، فإنّ ما أصابنا وأصاب الإسلام بهما وبفعلهما لجرح نازف في الإسلام إلى يوم القيامة، فورّى (عليه السلام) كلامه بلطيف بلاغته.
وقوله: (فرحمهما الله وجزاهما أحسن الجزاء)، يسأل لهما الرحمة والجزاء على ما عملاه، ولا يقرّ لهما بالفضل على ما زعمه لهما معاوية، تَذرية للقول في عيون ابن أبي سفيان وأهل الشام، حيث كان معاوية يتحرّى على عليّ(عليه السلام) كلامه ليسقطه في أعين أهل الشام.

كما قال النقيب أبو جعفر يحيى بن أبي زيد لابن أبي الحديد: ((كان معاوية يتسقّط عليّاً وينعى عليه ما عساه يذكره من حال أبي بكر وعمر، وأنّهما غصباه حقّه، ولا يزال يكيده بالكتاب يكتبه، والرسالة يبعثها يطلب غرته، لينفث بما في صدره من حال أبي بكر وعمر، إمّا مكاتبة أو مراسلة، فيجعل ذلك حجّة عليه عند أهل الشام، ويضيفه إلى ما قرّره في أنفسهم من ذنوبه كما زعم، فقد كان غمصه عندهم بأنّه قتل عثمان، ومالأ على قتله، وأنّه قتل طلحة والزبير، وأسر عائشة، وأراق دماء أهل البصرة. وبقيت خصلة واحدة، وهو أن يثبت عندهم أنّه يتبرّأ من أبي بكر وعمر، وينسبهما إلى الظلم ومخالفة الرسول في أمر الخلافة، وأنّهما وثبا عليها غلبة، وغصباه إيّاها، فكانت هذه الطامّة الكبرى ليست مقتصرة على فساد أهل الشام عليه، بل وأهل العراق الذين هم جنده وبطانته وأنصاره، لأنّهم كانوا يعتقدون إمامة الشيخين، إلاّ القليل الشاذّ من خواصّ الشيعة، فلمّا كتب ذلك الكتاب مع أبي مسلم الخولاني قصد أن يغضب عليّاً ويحرجه ويحوجه إذا قرأ ذكر أبي بكر...
فكان الجواب مجمجماً غير بيّن، ليس فيه تصريح بالتظليم لهما، ولا التصريح ببراءتهما، وتارة يترحّم عليهما، وتارة يقول: أخذا حقّي وقد تركته لهما))(50).

ثامناً: أمّا بالنسبة إلى رواية الطوسي في أماليه, فهي واضحة في إثبات حقّ أمير المؤمنين(عليه السلام) إذا قرأناها من دون حذف إلهي ظهير والخراشي!
حيث أنّها تبدأ بقوله(عليه السلام): (أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قُبض وأنا أولى الناس به وبالناس؟
قالوا: اللّهمّ نعم.
قال: فبايعتم أبا بكر وعدلتم عنّي، فبايعت أبا بكر كما بايعتموه، وكرهتُ أن أشقّ عصا المسلمين، وأن أُفرّق بين جماعتهم، ثمّ إنّ أبا بكر جعلها لعمر من بعده، وأنتم تعلمون أنّي أولى الناس برسول الله(صلّى الله عليه وآله) وبالناس من بعده، فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له ببيعته، حتّى لمّا قُتل جعلني سادس ستّة، فدخلت حيث أدخلني، وكرهت أن أُفرِّق جماعة المسلمين وأشقّ عصاهم, فبايعتم عثمان، فبايعته، ثمّ طعنتم على عثمان فقتلتموهُ، وأنا جالس في بيتي، ثمّ أتيتموني غير داع لكم ولا مستكره لأحد منكم، فبايعتموني كما بايعتم أبا بكر وعمر وعثمان، فما جعلكم أحقّ أن تفوا لأبي بكر وعمر وعثمان ببيعتهم منكم ببيعتي؟)(51).

وهذا النصّ واضح في بيان حقّه(عليه السلام)، وأنّه هو الخليفة الشرعي، وأنّه(عليه السلام) يريد أن يلزمهم بما التزموه من الوفاء بالبيعة للأوّل والثاني والثالث دونه، مع أنّ الملاك واحد والمبرّر فارد، ومع أنّ أمير المؤمنين حقّه سابق وواضح بنصّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عليه، ومعترف به قبل هؤلاء الثلاثة: أنّ الحقّ له أصلاً دونهم.
فكيف يدّعي أحدٌ أنّ هذا الكلام في مقام رضا الإمام عمّن سبقهُ؟!
بل هو واضح في الاستنكار على من رضي بالثلاثة دونه! وواضح أيضاً أنّه(عليه السلام) ينصّ على إمامته وولايته دونهم، فكيف يُدّعى أنّه راضٍ ببيعتهم بعد كلّ هذا التصريح؟!!
نعم، بعد تقطيعه وحذف المهم من عباراته يوهمان قرّاءهما بدلالته على مرادهما. جزاهما الله بما يستحقّان.

تاسعاً: أمّا ما قاله ظهير ونقله الخراشي عن الطبرسي في احتجاجه عن أُسامة بن زيد, فقد نقل جزءً مقتطعاً من الرواية يظنّ ويتوهّم أنّه ينفعه كما فعل بسابقتها ممّا نقل ودلّس واقتطع ما يروق له من الروايات! وكلّ ما حاول اقتطاعه هو عليه وليس له، ويثبت حقّنا ويبطل باطله ولله الحمد.

وفي هذا الكتاب وموقف أُسامة وكلامه ما يدين أبا بكر وغيره بكلّ صراحة ووضوح، من حيث أنّ:
أ - في الرواية قول أبي بكر في كتابه لأُسامة وتهديده: ((فلا تتخلّفن فتعصي، ويأتيك منّي ما تكره، والسلام))، فهذا هو الإكراه الذي يدّعى أنّه إجماع!!
ب - وفي كتاب أُسامة ما يثبت إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام)، وإثبات حقّه بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله): ((من أُسامة بن زيد، عامل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) على غزوة الشام. أمّا بعد، فقد أتاني منك كتاب ينقض أوّله آخره، ذكرت في أوّله أنّك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أنّ المسلمين قد اجتمعوا عليك فولّوك أمرهم ورضوك, فاعلم! أنّي ومن معي من جماعة المسلمين والمهاجرين، فلا والله ما رضيناك ولا ولّيناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحقّ إلى أهله وتخلّيهم وإيّاه، فإنّهم أحقّ به منك، فقد علمتَ ما كان من قول رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في عليّ يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى! انظر مركزك ولا تخالف فتعصي الله ورسوله، وتعصي من استخلفه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) عليك، وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتّى قبض رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وأنّك وصاحبك رجعتما وعصيتما، فأقمتما في المدينة بغير إذن!

فأراد أبو بكر أن يخلعها من عنقه، قال: فقال له عمر: لا تفعل، قميص قمّصك الله لا تخلعه فتندم، ولكن ألحَّ عليه بالكتب والرسائل...
فلمّا وردت الكتب على أُسامة، انصرف بمن معه حتّى دخل المدينة، فلمّا رأى اجتماع الخلق على أبي بكر، انطلق إلى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فقال له: ما هذا؟ قال له عليّ: هذا ما ترى؟ قال له أُسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم يا أُسامة. فقال: طائعاً أو كارهاً؟ فقال: لا بل كارهاً. قال: فانطلق أُسامة فدخل على أبي بكر وقال له: السلام عليك يا خليفة المسلمين، قال: فردّ عليه أبو بكر، وقال: السلام عليك أيّها الأمير))(52).
فهذا هو النصّ الذي اقتطعا منه جزءاً دون التزام الأمانة العلمية في النقل، ليكذّبا، ويدلّسا، تغييراً للحقائق، بدلاً من طلب الفهم والحقّ, فهل في ما فعلاه إنصاف وصدق وأمانة ودين؟!
فما قبل هذه الفقرة من كلام أُسامة يدينكم ويدين أبا بكر! وما بعد هذه الفقرة أيضاً من كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)، وأنّه بايع فبايع أُسامة يدين أبا بكر ويدينكم كذلك، إذ بيّن الإمام(عليه السلام) أنّه بايع أبا بكر كارهاً لا طائعاً راضياً!
فكيف يحمل كلامه على الإقرار بخلافة أبي بكر؟!!

عاشراً: وأمّا ما نقلاه عن كاشف الغطاء في (أصل الشيعة وأُصولها)، فهو كلام مبتور أيضاً!
اكتفيا بنقل جزء من كلامه، وقرضا ما يتمّ به مراده، وفعلا فيه كما يفعل الخصم الجدِل بغريمه، حينما يريد التشهّد فيقول: (لا إله)، فيقول: كفر! ولو تمهّل لسمع خصمه يكمل: (إلاّ الله)، ولكنّه لا يريد لخصمه إتمام كلامه، لأنّه سيثبت من خلاله إسلامه.
وقد فعل إحسان إلهي ظهير والخراشي هذا الأمر باطّراد، ودون خجل، أو وجل! (( يُرِيدُونَ لِيُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ )) (الصفّ:8).

ونصّ كلام الشيخ كاشف الغطاء، هذا: ((ثمّ لمّا ارتحل الرسول(صلّى الله عليه وآله) من هذه الدار إلى دار القرار، ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعليّ(عليه السلام): إمّا لصغر سنّه! أو لأنّ قريشاً كرهت أن تجتمع النبوّة والخلافة لبني هاشم، زعماً منهم أنّ النبوّة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤوا! أو لأُمور أُخرى لسنا بصدد البحث عنها، ولكنّه باتّفاق الفريقين امتنع أوّلاً عن البيعة، بل في صحيح البخاري في باب غزوة خيبر: أنّه لم يبايع إلاّ بعد ستّة أشهر، وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة، كالزبير، وعمّار، والمقداد، وآخرين.

ثمّ لمّا رأى تخلّفه يوجب فتقاً في الإسلام لا يرتق، وكسراً لا يجبر، وكلّ أحد يعلم أنّ عليّاً ما كان يطلب الخلافة رغبة في الإمرة، ولا حرصاً على الملك والغلبة والأثرة، وحديثه مع ابن عبّاس بذي قار مشهور، وإنّما يريد تقوية الإسلام، وتوسيع نطاقه، ومدّ رواقه، وإقامة الحقّ، وإماتة الباطل - وقد حذف إحسان إلهي ظهير كلام كاشف الغطاء من قوله: ((زعماً منهم)) إلى هنا، وقال مكانه: ((إلى أن قال))، فانظر فعله، الله حسيبه! ــ

وحين رأى أنّ المتخلّفين - أعني الخليفة الأوّل والثاني - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد، وتجهيز الجنود، وتوسيع الفتوح، ولم يستأثروا ولم يستبدوا؛ بايع وسالم، وأغضى عمّا يراه حقّاً له، محافظة على الإسلام أن تتصدّع وحدته وتتفرّق كلمته، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأُولى))(53).
فمن الواضح في هذا النص وما بعده بأنّ الشيخ يثبت أنّ لأمير المؤمنين(عليه السلام) حقّاً قد اغتصب، ومقاماً قد صودر.
فنراه مرّة يذكر أسباب تنحيتهم لعليّ(عليه السلام) عن الخلافة وأسباب سكوته ومرّة يومئ بقوله عن الخليفتين بـ(المتخلّفين)، وقد تحسّس منها ظهير فحذفها ولم ينقلها، مع أنّها تقع بين الكلمات التي نقلها!! وهي كلمة فيها ما فيها من دلالات! ومن قرأ تعابير الشيخ في كتابه، وجد البلاغة والأناقة والعربية الصحيحة الفصيحة في كلّ كلماته وعباراته!

ومرّة أُخرى، نرى عباراته التي ظاهرها المدح، ليس فيها مدح صريح، ولا قبول ولا تأييد، ولا تصحيح عام, وإنّما يذكر الشيخ كاشف الغطاء الفرق بين الخلفاء الذين سبقوا أمير المؤمنين(عليه السلام) وبين معاوية، ومن بعده من الجبابرة والملوك, فيؤكّد الشيخ الفرق الشاسع والبون الواسع بين هؤلاء وهؤلاء، من جهة التجبّر، والتكبّر، والاستبداد، والعناد، والاستئثار، فبيّن أنّ هؤلاء لم تكن طريقتهم في الحكم طريقة الطواغيت والجبابرة، فكانوا يستشيرون أمير المؤمنين(عليه السلام) في كلّ صغيرة وكبيرة، حتّى قال قائلهم: ((لولا عليّ لهلك عمر))(54)، وقال: ((لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن))(55).

فذكر على نحو التحديد - لو دققتم النظر - مسألة الفتوحات, وهذه المسألة أمرها واضح ومُسلّم، حيث أنّهم شرعوا بذلك بعد أن خالفوا أمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في بعث أُسامة، وتأخّرهم عن الخروج، ورجوعهم إلى المدينة دون إنفاذه، فأصبحوا بعد أن تقلّدوا ما ليس لهم في موقف محرج، والناس تنتظر ما يحدث، فبعثوا أُسامة بحجّة طاعة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) مع أنّ من عصى وأخّر خروجه أوّلاً هم، وليس غيرهم، فتظاهروا بطاعة النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الحرفية، ذرّاً للرماد في العيون، وأنفذوا الجيش دونهم، وأبعدوا شطراً من المسلمين عنهم، ليأمنوا من خطر القيل والقال، أو الوقوف مع أمير المؤمنين(عليه السلام) والتحزّب عليهم.. ثمّ بدأت ما سمّوه حروب الردّة، وبعدها الفتوح.. وما إلى ذلك.
فأين ما تقولان من قول الشيخ كاشف الغطاء وتصريحاته في كتابه؟! بل في عنوان كتابه وهدفه من تأليفه؟! فلماذا تقلبون الحقائق وتصطادان في الماء العكر؟!!

الحادي عشر: أمّا ما أورده عن ابن أبي الحديد في شرحه للنهج، بأنّ عليّاً(عليه السلام) والزبير قالا بعد مبايعتهما أبي بكر: (وإنّا لنرى أبا بكر أحقّ الناس بها إنّه لصاحب الغار...)(56)، فهذا أيضاً من تدليساته الواضحة!
فابن أبي الحديد معتزلي يخالف الشيعة الإمامية ويتبرّأ من عقائدهم، وهو يتولّى الصحابة ويعتذر لهم(57)، مع حبّه لعليّ(عليه السلام) الذي يدّعيه ويظهره من خلال كتاباته وأشعاره، فهو ليس شيعي، وليس في كلامه حجّة على الشيعة أبداً.
وما نقله في كتابه، نقله عن أهل السُنّة أصلاً! فكيف يدلّس هذا الظهير دون خوف من الله عزّ وجلّ؟!
فقد نقله ابن أبي الحديد، عن أحمد بن عبد العزيز الجوهري، صاحب كتاب (السقيفة)، عن عمر بن شبّة، صاحب كتاب (تاريخ المدينة)، وغيره من التواريخ وكتب الحديث السُنّية, وروى هذه الرواية أيضاً الحاكم في مستدركه(58)، والبيهقي في سننه(59)، وغيرهم(60)، ولا يوجد مصدر شيعي واحد ينقل هذه الأكاذيب أبداً!
فكيف يستدلّ بها ظهير على الشيعة؟!!
وقد فصّلنا القول في هذه الرواية هنا تحت عنوان (ردّ روايات نقلت من مصادر شيعية يتصوّر فيها مدح لأبي بكر/النقطة (6))؛ فليراجع.

الثاني عشر: أمّا ما أشار إليه من الرواية بعدها عن (شرح النهج) أيضاً، فإنّه لم يورد نصّها - وإن أورده ظهير - لأنّ قارئها سيجدها عليه لا له! وأنّ مراده الاستدلال بكلمة وردت فيها إيهاماً للقارئ، وهي رواية عامّية السند، ونصّها هو:
((قال أبو بكر - أي: الجوهري صاحب كتاب السقيفة ــ: وأخبرنا أبو زيد، عن هارون بن عمر، عن محمّد بن سعيد بن الفضل، عن أبيه، عن الحارث بن كعب، عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي، قال: كان خالد بن سعيد بن العاص من عمّال رسول الله(ص) على اليمن، فلمّا قُبض رسول الله(صلّى الله عليه وآله) جاء المدينة، وقد بايع الناس أبا بكر، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أيّاماً، وقد بايع الناس، وأتى بني هاشم، فقال: أنتم الظهر والبطن، والشعار دون الدثار، والعصا دون اللحا، فإذا رضيتم رضينا، وإذا أسخطتم سخطنا. حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل! قالوا: نعم، قال: على برد ورضا من جماعتكم؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أرضى وأُبايع إذا بايعتم. أما والله يا بني هاشم! إنّكم الطوال الشجر، الطيب الثمر.
ثمّ إنّه بايع أبا بكر، وبلغت أبا بكر فلم يحفل بها، واضطغنها عليه عمر، فلمّا ولاّه أبو بكر الجند الذي استنفر إلى الشام، قال له عمر: أتولّى خالداً وقد حبس عليك بيعته، وقال لبني هاشم ما قال! وقد جاء بوَرق من اليمن وعبيد وحبشان ودروع ورماح! ما أرى أن تولّيه، وما آمن خلافه، فانصرف عنه أبو بكر، وولّى أبا عبيدة بن الجرّاح، ويزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنه))(61).
والسند مسلسل بالضعفاء والمجاهيل، فيه: هارون بن عمر المخزومي، دمشقي، قال فيه أبو حاتم: ((وعلى عمد لم نكتب عنه، محلّه الصدق))(62)، ولم يذكر فيه ابن عساكر مدحاً ولا جرحاً(63)؛ ومحمّد بن سعيد بن الفضل، دمشقي أيضاً، مجهول الحال، ذكره ابن أبي حاتم(64)؛ وسعيد بن الفضل، بصري حدّث في دمشق، قال فيه أبو حاتم: ((ليس بالقويّ، منكر الحديث))(65)؛ والحارث بن كعب، مجهول(66)؛ وعبد الله بن أبي أوفى الخزاعي، هو الذي روى عنه البخاري إنكاره لوصيّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، وقوله: أنّه أوصى بكتاب الله(67).

وأمّا المتن، فليس فيه تعرّض لرضا عليّ(عليه السلام) بالبيعة، وإنّما المخاطب هم بنو هاشم، وفيه دلالة على أنّ خالد بن سعيد كان يرى حقّ الولاية فيهم، وبالأولى في سيّدهم عليّ(عليه السلام)! وآخره يوضّح أُسلوب حكم المتغلّبين على الخلافة في إقصائهم السابقين الأولين من شيعة عليّ(عليه السلام) من المناصب الإدارية والعسكرية، وتقديمهم الطلقاء وأبناء الطلقاء.
بل إنّ هذا المتن لا يثبت بتفصيله! خاصّة ما كان مقصوداً لمن أورده لإثبات الرضا بالبيعة، لأنّه جاء بطريقٍ منفرد - وقد عرفت حاله - خالفه فيه ما جاء بالطرق الأُخر.
فقد جاء من عدّة طرق: أنّ خالد بن سعيد خاطب بني مناف لا بني هاشم، بقول: ((يا بني عبد مناف! طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم))، كيف وقد خاطب بذلك عليّاً(عليه السلام)، وعثمان بن عفّان، وعثمان ليس من بني هاشم؟!

أورده الحاكم (ت405هـ) في (المستدرك) بطريق ابن إسحاق وصحّحه على شرط مسلم: ((عن محمّد بن عبد الله بن أبي بكير، عن أبيه: أنّ خالد بن سعيد حين ولاّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) اليمن، قَدم بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وتَربّص ببيعته شهرين، يقول: قد أمرَني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ لم يعزلني حتّى قبضه الله عزّ وجلّ، وقد لقي عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عبد مناف [عفّان]، فقال: يا بني عبد مناف! طبتم نفساً عن أمركم يليه غيركم، فنقلها عمر إلى أبي بكر، فأمّا أبو بكر فلم يحملها عليه، وأمّا عمر فحملها عليه، ثمّ أبو بكر بعث الجنود إلى الشام فكان أوّل من استعمل على ربع منها خالد بن سعيد، فأخذ عمر يقول: أتؤمّره وقد صنع ما صنع، وقال ما قال؟! فلم يزل بأبي بكر حتّى عزله، وأمّرَ يزيد بن أبي سفيان))(68).
وهو عند الطبري (ت310هـ) بطريق آخر عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، وفيه: ((وقد لقى عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان...))(69)، وعنه ابن عبد البرّ (ت463هـ) في (الاستيعاب)(70).
وبطريق آخر عن ابن إسحاق عند ابن عساكر، وفيه: ((أتى عليّ بن أبي طالب، وعثمان بن عفّان، فقال: يا بني عبد مناف! لقد طبتم نفساً عن أمركم يليه عليكم غيركم...))(71).
وأورده ابن سعد (ت230هـ) بسنده: ((عن إبراهيم بن عقبة، قال: سمعت أُمّ خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص تقول: قدم أبي من اليمن إلى المدينة بعد أن بويع لأبي بكر، فقال لعليّ وعثمان: أرضيتم بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم، فنقلها عمر إلى أبي بكر، فلم يحملها أبو بكر على خالد، وحملها عمر عليه...))(72).
وأورده البلاذري (ت279هـ): ((عن المدائني، عن أبي زكريّا العجلاني، عن صالح بن كيسان، قال: قدم خالد بن سعيد بن العاص من ناحية اليمن بعد وفاة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، فأتى عليّاً، وعثمان، فقال: أنتما الشعار دون الدثار! أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي أمركم عليكم غيركم؟ فقال عليّ: أو غلبة تراها؟ إنّما هو أمر الله يضعه حيث شاء. قال: فلم يحتملها عليه أبو بكر، وأضطغنها عمر عليه))(73).

وقول عليّ(عليه السلام): ((أو غلبة تراها؟ إنّما هو أمر الله يضعه حيث شاء))، مزيدة لم ترد في غيره، أُدخلت في المتن! بدلالة ما أوردناه آنفاً.
وجاء في (تاريخ) اليعقوبي (ت284هـ): ((وكان خالد بن سعيد غائباً، فقدم، فأتى عليّاً، فقال: هلمّ أُبايعك، فو الله ما في الناس أحد أولى بمقام محمّد منك))(74).
فظهر أنّ ما أراده إحسان إلهي ظهير والخراشي من النصّ في الرواية الذي هو: ((حدّثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل! قالوا: نعم، قال: على برد ورضا من جماعتكم؟ قالوا: نعم. قال: فأنا أرضى وأُبايع إذا بايعتم))، لم يثبت، وإنّما هو مزيد، ومن دسّ الوضّاعين.

الثالث عشر: أمّا قوله: ((لقد كان عليّ(رضي الله عنه) راضياً بخلافة الصدّيق))، فقد أثبتنا بطلانه ممّا مضى.
وقوله بعد ذلك: ((ومشاركاً له في معاملاته وقضاياه، قابلاً منه الهدايا، رافعاً إليه الشكاوى، مصلّياً خلفه، عاملاً معه, محبّاً له، مبغضاً من يبغضه))، ففيه أُمور هي من الكذب وأُخرى فيها مجازفة، مع خلط في عبارته بين الضمائر - أي: بين ما ينسب إلى عليّ(عليه السلام) أنّه فعله، وبين ما ينسب إلى أبي بكر - فلم نعرف من هو المشارك له في معاملاته وقضاياه، فإذا كان المراد أنّ عليّاً(عليه السلام) شارك أبا بكر حسب ما يجب أن يكون السياق، فيكون من الكذب! وإن كان المراد العكس، فهو لحاجة أبي بكر عند عجزه!
ولم نعرف المراد من الهدايا، فهل المقصود أن أبا بكر خصّ علياً(عليه السلام) بهدايا معيّنة وعطايا خاصّة؟ فهذا يحتاج إلى دليل وشاهد وبيّنة، ولم نجده في كلامه! وإن كان المراد ما يصله (عليه السلام) من الخراج، فهو حقّه كأيّ أحد من المسلمين، فلا فضل لأبي بكر فيه؛ مع أنّا نعتقد أنّ للإمام(عليه السلام) أكثر من ذلك، لأنّه صاحب الولاية الحقّة، فله أن يأخذ وله أن يترك.

وكذا لم نعرف من كان يقصد في عبارته أنّه يرفع إليه الشكاوى، فهل المراد أنّ عليّ(عليه السلام) كان يرفع إلى أبي بكر الشكوى، فهو كذب محض إلاّ إذا أُريد منه أنّه(عليه السلام) طالبه بحقّه وحقّ عمّه العبّاس في الخمس والأنفال وطالبه بحقّ زوجته فاطمة(عليها السلام) بفدك وسهمها من خيبر، وهذا فيه من الإزراء والفضيحة لأبي بكر ما لا يخفى لأنّه كان ظالماً وألزمه عليّ(عليه السلام) الحجّة.
وإن كان المراد أنّ أبا بكر كان يرفع الشكاوي إلى عليّ(عليه السلام) ففيه مثل ما في قبله من الإزراء بهم، وأنّهم ليسوا أهلاً للخلافة، وكانوا يلجئون إلى عليّ(عليه السلام) كلّما ألمّت بهم المعضلات، حتّى في أبسطها كالفصل في القضايا والأحكام.

وقوله: ((مصلّياً خلفه))، فهو من باب المعايشة، بعد المصالحة لهم ودخوله في المجتمع واندماجه مع الناس، بعد أن ضيّقوا عليه(عليه السلام) وحاربوه وتنكّروا له وعزلوه عنهم، وأرادوا له الاعتزال وعدم مخالطة المسلمين لئلاّ يقع منه ما يفسد عليهم سلطتهم ويخلّ نظم أُمورهم، فما كان إلاّ ما لا بدّ منه من الصلاة في جماعتهم لنقض غرضهم وحلّ عقدتهم والدخول مع المسلمين ومخالطتهم، وهل كان له أن يعتزل الصلاة ليعطيهم ما كانوا يتحيّنونه من ذريعة لتأليب الناس عليه مع ما ورد من روايات كثيرة عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في ذمّ تارك صلاة الجماعةـ وقد نصّ علماء الشيعة في مسألة صلاته(عليه السلام) معهم على أنّها كانت على التقيّة، وأنّه(عليه السلام) كان يفعل ذلك ليظهر للناس أنّه متّفق ومتوائم معهم لينفعهم ويستطيع أن يباشرهم برأيه وعلمه لتتحصّل المصلحة الممكنة للإسلام بذلك.

وقوله: ((محبّاً له، مبغضاً من يبغضه))، فهو لا يخرج عن دعوى ادّعاها، وكذبة كذبها، من دون شاهد ودليل، سواء أرادها من طرف عليّ(عليه السلام)، أو من طرف أبي بكر.
ولا يسعنا هنا إيراد الشواهد على نقيضها لكثرتها في تراث الشيعة لا يحتاج الإطلاع عليها كثير جهد، ولكن يكفينا في ردّه عدم دليله، فالدليل على من ادّعى، وهو لم يأت بدليل لنردّه وننقضه.
وحتّى لو وقع ما ذكره في الجملة من الصلاة معهم، أو قبول عطاياهم، أو تقديم النصح لهم، وحلّ معضلاتهم في القضاء وغيره، أو المخالطة معهم، فإنّه كان لتحصيل مصالح عليا للإسلام وأهله، فأمير المؤمنين(عليه السلام) حينما صالح وبايع تقيّة، وحينما فعل ما يترتّب على ذلك من لوازم، إنّما فعله لهذا الغرض والسبب لا غير، فما يُسوّغ لأمير المؤمنين(عليه السلام) أصل المصالحة والمبايعة يُسوّغ له الصلاة في جماعتهم وقبول عطاياهم والتآلف الظاهري معهم ومعاشرتهم والتعايش معهم.
وسيأتي بعض الكلام على ما أورده من شواهد لاحقة.

الرابع عشر: وأمّا ما نقله واستدلّ به من قول أمير المؤمنين(عليه السلام) حينما أرادوا مبايعته بعد مقتل عثمان: (أنا لكم وزيراً خيراً لكم منّي أميراً)، بعد أن أُغلقت كلّ الأبواب أمامهم، وسقطوا على وجوههم، وحدثت فتنة عظيمة في صفوفهم، وخافوا وارتعدوا من انتقام بني أُميّة منهم؛ فلجاءوا إلى قلعة الإسلام، وحصن المسلمين، والكرّار غير الفرّار، وغيث الشدائد والمعضلات والملمّات، أبي الحسن، أرواح العالمين له الفداء.

فإنّا قد أوضحناه وبيّنا ما فيه في أكثر من موضع في هذه الموسوعة، فراجع عنوان: (نهج البلاغة/ معنى قوله(عليه السلام): والله ما كانت لي في الخلافة رغبة)، و(الإمام عليّ(عليه السلام)/ لماذا دفع(عليه السلام) الخلافة عنه حينما قُتِل عثمان)، وبشكل خاص: (نهج البلاغة/ ردّ شبهات حول بعض كلماته(عليه السلام) في النصّ على الإمامة)، وغيرها.

الخامس عشر: وأمّا مسألة نصح أمير المؤمنين(عليه السلام) للمتقدّمين عليه، فلحاجتهم له، ولجلب المصلحة للإسلام وأهله كما أوضحنا، والمستشار مؤتمن، وأهل البيت(عليهم السلام) لا يخونون أبداً، ولو مع ألدِّ أعدائهم.
فحينما صالحهم أمير المؤمنين(عليه السلام)، كان غرضه كما بيّنته عائشة في البخاري، وذكرناه آنفاً ونقله ظهير والخراشي لإثبات بيعة أمير المؤمنين لمن تقدّم عليه، بأنّ السلطة وأتباعها قاموا بحصار وعزل لأمير المؤمنين(عليه السلام) عن المجتمع، فرأى(عليه السلام) أنّ واجبه يقتضي الدخول في المجتمع ونصحهم، وإعانتهم على الاستقامة، وإنقاذهم من الهلاك، ولو بنفع الحاكم المغتصب لحقّه(عليه السلام)، فالمصلحة العليا هي التي تجعل أمير المؤمنين(عليه السلام) ينصح حتّى أعدائه، لأنّ حاكم المسلمين يمثّل واجهة الإسلام أمام أعداء الإسلام، فينبغي عدم خيانته وعدم خذلانه، وبالتالي تقويمه وإرشاده.
وهذا لا يخرج عمّا أوضحناه قبله آنفاً، ولا يدلّ بأيّ شكل من الأشكال على رضاه بخلافتهم، فليس في ما أورده اليعقوبي دلالة أكثر من هذا! وكذا رواية (ناسخ التواريخ)، مع أنّها ليست من روايات الشيعة، بل وردت بسند عامّي عند ابن عساكر في تاريخه(75).
وما نقله من رواية المفيد بخصوص حكم عليّ(عليه السلام) في من استحلّ الخمر وعدم علم أبي بكر، فهو بعض دليلنا بما قلناه من إرجاعهم القضايا إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) بعد العجز عنها، ومثلها كثير قام بها أمير المؤمنين في زمن حكومة أبي بكر وعمر.

وأمّا ما زعمه من امتثال عليّ(عليه السلام) لأمر أبي بكر وحراسته أنقاب المدينة عندما رأى المرتدّون قلّة من في المدينة، فهو في (تاريخ الطبري)(76) من رواية سيف بن عمر الكذّاب الزنديق، وأمره مشهور بالوضع والاختلاق، فلا هو من رواية الشيعة، ولا رواية من يعتمد عليه من أهل السُنّة.
فانظر، بما يستدلّ إحسان إلهي ظهير وبعده الخراشي على الإمامية؟!

السادس عشر: وأمّا ما استدلّ به على التوادد والوئام بين عليّ(عليه السلام) وأبا بكر، من قبول عليّ(عليه السلام) الصهباء كهدية من أبي بكر، فهذا هو الكذب والتدليس بعينه، فإنّهم أجمعوا على أنّ عليّ(عليه السلام) اشتراها من سبي خالد بن الوليد من عين التمر، ولم يذكر أحد أنّ أبا بكر وهبها له(77)، ولا يشترط في صحّة سبي الكافر وشرائه أن يكون سابيه مؤمناً أو مسلماً، بل يجوز ذلك حتّى إن كان السابي كافراً، وقد عدّها بعض من ترجم لأمير المؤمنين(عليه السلام) في زوجاته(78)، فيكون قد أعتقها وتزوّجها بعد شرائها.
وكذا ما ذكره في خولة بنت جعفر أُمّ محمّد بن الحنفية، فقد كذب فيه أوّلاً: من أنّها هبة من أبي بكر، ودلّس فيه، ثانياً ما نقله من قول ابن عنبة في عمدة الطالب فقد ذكر أوّله وبتر بقية كلامه.

قال ابن عنبة (ت828هـ) في ذكر عقب محمّد بن الحنفية: ((وأُمّه خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبد الله بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنفية بن لجيم، وهي من سبي أهل الردّة، وبها يُعرَف ابنها ونُسب إليها، كذا رواه شيخ الشرف أبو الحسن محمّد بن أبي جعفر العبيدلي، عن أبي نصر البخاري، وحكى ابن الكلبي عن خراش بن إسماعيل: أنّ خولة سباها قوم من العرب في خلافة أبي بكر، فاشتراها أُسامة بن زيد بن حارثة، وباعها من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فلمّا عرف أمير المؤمنين صورة حالها أعتقها، وتزوّجها ومهرها.
وقال ابن الكلبي: من قال إنّ خولة من سبي اليمامة فقد أبطل.
وروى الشيخ أبو نصر البخاري عن ابن اليقظان: أنّها خولة بنت قيس بن جعفر بن قيس بن مسلمة، وأُمّها بنت عمرو بن أرقم الحنفي.
وقال أبو نصر البخاري أيضاً: روي عن أسماء بنت عميس أنّها قالت: رأيت الحنفية سوداء حسنة الشعر، اشتراها أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) بذي المجاز - سوق من أسواق العرب - أوان مقدمه من اليمن، فوهبها فاطمة الزهراء(عليها السلام)، وباعتها فاطمة من مكمل الغفاري، فولدت له عونة بنت مكمل، وهي أُخت محمّد لأُمّه. هذا كلامه.
والأشهر هو الأوّل المروى عن شيخ الشرف))(79).

فظهر وجود الخلاف في سبيها وشرائها، وسيظهر ممّا يأتي أنّ الأشهر لا يساعده الدليل، ولم يقل إلاّ الشاذّ: أنّ أبا بكر وهبها لعليّ(عليه السلام)(80).
فحتّى من قال أنّها من سبي ردّة بني حنيفة، لم يقل: بأنّ أبا بكر أهداها لعليّ(عليه السلام)(81)، بل صرّح بعضهم بأنّها من سهمه من القسمة(82).
وهذا لا يستقيم! لأنّها إن كانت من قوم مالك بن النويرة، فسبيها غير صحيح، فهي مسلمة حقيقة، وقد ردّهم عمر، وهذه أُمّ محمّد لم تُرد، مع أنّ الإمام عليّ(عليه السلام) نكحها ومهرها. وهذا يردّ دعوى القوم!

قال السيّد المرتضى في كتابه (الشافي): ((فأمّا الحنفية فلم تكن سبيّة على الحقيقة، ولم يستبحها (عليه السلام) بالسبا، لأنّها بالإسلام قد صارت حرّة مالكة أمرها، فأخرجها من يد من استرقّها، ثمّ عقد عليها عقد النكاح، فمن أين أنّه استباحها بالسبا دون عقد النكاح))(83).
وهذا ما وردت به الرواية عندنا بطريقين، فيهما انقطاع وضعف.

فقد أخرج القطب الراوندي في (الخرائج): ((عن دعبل الخزاعي، قال: حدّثني الرضا، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)، قال: كنت عند أبي الباقر(عليه السلام) إذ دخل عليه جماعة من الشيعة وفيهم جابر بن يزيد، فقالوا: هل رضي أبوك عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بإمامة الأوّل والثاني؟

فقال: اللّهمّ لا.
قالوا: فلِمَ نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم؟!
فقال الباقر(عليه السلام): امض يا جابر بن يزيد إلى منزل جابر بن عبد الله الأنصاري، فقل له: إنّ محمّد بن عليّ يدعوك.
قال جابر بن يزيد: فأتيت منزله وطرقت عليه الباب، فناداني جابر بن عبد الله الأنصاري من داخل الدار: اصبر يا جابر بن يزيد.
قال جابر بن يزيد: فقلت في نفسي: من أين علم جابر الأنصاري أنّي جابر بن يزيد ولم يعرف الدلائل إلاّ الأئمّة من آل محمّد(عليهم السلام)! والله لأسألنه إذا خرج إليَّ، فلمّا خرج قلت له: من أين علمت أنّي جابر، وأنا على الباب وأنت داخل الدار؟
قال: قد خبّرني مولاي الباقر(عليه السلام) البارحة أنّك تسأله عن الحنفية في هذا اليوم، وأنا أبعثه إليك يا جابر بكرة غد أدعوك.
فقلت: صدقت.
قال: سر بنا. فسرنا جميعاً حتّى أتينا المسجد.
فلمّا بصر مولاي الباقر(عليه السلام) بنا ونظر إلينا، قال للجماعة: قوموا إلى الشيخ فاسألوه حتّى ينبئكم بما سمع ورأى وحدث.
فقالوا: يا جابر! هل رضي إمامك عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بإمامة من تقدّم؟
قال: اللّهمّ لا.
قالوا: فلِم نكح من سبيهم خولة الحنفية إذا لم يرض بإمامتهم؟!
قال جابر: آه آه آه، لقد ظننت أنّي أموت ولا أُسأل عن هذا، والآن إذ سألتموني فاسمعوا، وعوا: حضرت السبي وقد أُدخلت الحنفية فيمن أُدخل، فلمّا نظرت إلى جميع الناس عدلت إلى تربة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فرّنت رنّة، وزفرت زفرة، وأعلنت بالبكاء والنحيب، ثم نادت:
السلام عليك يا رسول الله صلّى الله عليك، وعلى أهل بيتك من بعدك، هؤلاء أُمّتك سبتنا سبي النوب والديلم، والله ما كان لنا إليهم من ذنب إلاّ الميل إلى أهل بيتك، فجعلت الحسنة سيئة، والسيئة حسنة فسبتنا.
ثمّ انعطفت إلى الناس، وقالت: لِمَ سبيتمونا وقد أقررنا بشهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟!
قالوا: منعتمونا الزكاة.
قالت: هبوا الرجال منعوكم، فما بال النسوان؟
فسكت المتكلّم كأنّما ألقم حجراً.
ثمّ ذهب إليها طلحة وخالد بن عنان في التزوّج بها وطرحا إليها ثوبين.
فقالت: لست بعريانة فتكسوني.
قيل لها: إنّهما يريدان أن يتزايدا عليك، فأيّهما زاد على صاحبه أخذك من السبي.
قالت: هيهات والله لا يكون ذلك أبداً، ولا يملكني ولا يكون لي بعل إلاّ من يخبرني بالكلام الذي قلته ساعة خرجت من بطن أُمّي.
فسكت الناس ينظر بعضهم إلى بعض، وورد عليهم من ذلك الكلام ما أبهر عقولهم وأخرس ألسنتهم، وبقي القوم في دهشة من أمرها.
فقال أبو بكر: ما لكم ينظر بعضكم إلى بعض؟!
قال الزبير: لقولها الذي سمعت.
فقال أبو بكر: ما هذا الأمر الذي أحصر أفهامكم، إنّها جارية من سادات قومها ولم يكن لها عادة بما لقيت ورأت، فلا شكّ أنّها داخلها الفزع، وتقول ما لا تحصيل له.
فقالت: لقد رميت بكلامك غير مرمي - والله - ما داخلني فزع ولا جزع، و - والله - ما قلت إلاّ حقّاً، ولا نطقت إلاّ فصلاً، ولا بدّ أن يكون كذلك، وحقّ صاحب هذه البنية ما كذبت ولا كذبت.
ثمّ سكتت وأخذ طلحة وخالد ثوبيهما، وهي قد جلست ناحية من القوم.
فدخل عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، فذكروا له حالها.
فقال(عليه السلام): هي صادقة فيما قالت، وكان من حالها وقصّتها كيت وكيت في حال ولادتها، وقال: إنّ كلّ ما تكلّمت به في حال خروجها من بطن أُمّها هو كذا وكذا، وكلّ ذلك مكتوب على لوح نحاس معها، فرمت باللوح إليهم لمّا سمعت كلامه(عليه السلام)، فقرؤوه فكان على ما حكى عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، لا يزيد حرفاً ولا ينقص.
فقال أبو بكر: خذها يا أبا الحسن بارك الله لك فيها.
فوثب سلمان، فقال: - والله - ما لأحد هاهنا منّة على أمير المؤمنين، بل لله المنّة ولرسوله ولأمير المؤمنين، - والله - ما أخذها إلاّ لمعجزه الباهر، وعلمه القاهر، وفضله الذي يعجز عنه كلّ ذي فضل.
ثم قام المقداد، فقال: ما بال أقوام قد أوضح الله لهم طريق الهداية فتركوه، وأخذوا طريق العمى! وما من يوم إلاّ وتبيّن لهم فيه دلائل أمير المؤمنين.
وقال أبو ذر: واعجبا لمن يعاند الحقّ، وما من وقت إلاّ وينظر إلى بيانه، أيّها الناس! إنّ الله قد بيّن لكم فضل أهل الفضل. ثمّ قال: يا فلان أتمنّ على أهل الحقّ بحقّهم وهم بما في يديك أحقّ وأولى؟!
وقال عمّار: أناشدكم الله، أما سلّمنا على أمير المؤمنين هذا عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في حياة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بإمرة المؤمنين؟
فوثب عمر وزجره عن الكلام. وقام أبو بكر.
فبعث عليّ(عليه السلام) خولة إلى دار أسماء بنت عميس، وقال لها: خذي هذه المرأة، أكرمي مثواها.
فلم تزل خولة عند أسماء إلى أن قدم أخوها، وزوّجها من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
فكان الدليل على علم أمير المؤمنين(عليه السلام)، وفساد ما يورده القوم من سبيهم، وأنّه(عليه السلام) تزوّج بها نكاحاً.
فقالت الجماعة: يا جابر بن عبد الله، أنقذك الله من حرّ النار كما أنقذتنا من حرارة الشكّ))(84).

ومثله في كتابي (الروضة)، و(الفضائل) لشاذان بن جبرئيل القمّي عن أبي عبد الله الحسين بن أحمد المدني، قال: ((حدّثني الحسين بن عبد الله البعرمي بالبصرة، قال: حدّثني عبد الله بن هشام، عن الكلبي، قال: حدّثني مهران بن مصعب المكّي، قال: كنّا عند أبي العبّاس بن سابور المكّي، فأجرينا حديث أهل الردّة، فذكرنا خولة الحنفية، ونكاح أمير المؤمنين(عليه السلام) لها.
فقال: أخبرني عبد الله بن الخير الحسيني، قال: بلغني أنّ الباقر(عليه السلام) قد كان جالساً ذات يوم، إذ جاءه رجلان، فقالا: يا أبا جعفر ألست القائل أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) لم يرض بإمامة من تقدّمه؟
قال: بلى.
فقالا له: هذه خولة الحنفية نكحها من سبيهم، ولم يخالفهم على أمرهم مدّة حياتهم...))(85) الخ.
وفي (مدينة المعاجز) للسيّد هاشم البحراني طريق آخر له أورده عن صاحب كتاب سير الصحابة(86).

وأمّا إن كانت من سبي اليمامة من بني حنيفة ممّن ارتدّوا مع مسيلمة، فإنّ خالد لم يسبهم، وإنّما صالحهم على الرقّيق بخدعة مجاعة بن مروة(87).
ولذلك قال بعض: إنّ الحنفية لم تكن من أنفسهم، وإنّما من سبيهم(88).
وهذا لا يصحّ، لأنّ نسبها معروف في بني حنيفة، فهي: خولة بنت جعفر بن قيس بن مسلمة بن عبد الله [عبيد] بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدئل بن حنيفة بن لجيم(89).
فتبيّن أنّ القول الأشهر وهو أنّها من سبي بني حنيفة غير صحيح، وليس لمن ادّعاه من دليل إلاّ كونها من بني حنيفة، بل حتّى لو صحّ فلا يفيد إحسان إلهي ظهير، لأنّهم ذكروا أنّها صارت إلى عليّ(عليه السلام) من سهمه، ومن شذّ بقول الهبة فخبره مرسل منقطع، ولا ينفعه لو أراد به تصحيح خلافة أبي بكر، لأنّ صحّة سبي الكافر لا يشترط فيها إسلام أو إيمان أو صحّة ولاية وحكومة السابي، كما ذكرنا سابقاً في قصّة الصهباء، مع أنّ عليّاً(عليه السلام) أعتقها وتزوّجها ومهرها(90).
ومثله في عدم الصحّة القول بأنّها كانت أمة سوداء حسنة الشعر، كما نقل عن أسماء بنت أبي بكر، لأنّ الطريق الذي جاء به نُقل بمتنين متضاربين متعارضين.

فقد أورد ابن سعد عن محمّد بن عمر: ((قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء ابنة أبي بكر، قالت: رأيت أُمّ محمّد بن الحنفية سندية سوداء وكانت أمة لبني حنيفة ولم تكن منهم، وإنّما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم))(91). وقد عرفت أنّ هذا غير صحيح، لأنّ خولة (أُمّ محمّد) من بني حنيفة أنفسهم، نسبها إليهم ابن سعد وغيره(92).

وخالفه ما أورده الذهبي بنفس السند في (سير أعلام النبلاء)، قال: ((فروى الواقدي، حدّثني ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، قالت: رأيت الحنفية وهي سوداء، مشرطة حسنة الشعر، اشتراها عليّ بذي المجاز، مقدمه من اليمن، فوهبها لفاطمة فباعتها، فاشتراها مكمل الغفاري فولدت له عونة))(93)، والرواية في (سرّ السلسلة العلوية) لأبي نصر البخاري عن أسماء بنت عميس، وهو خطأ! لأنّها أسماء بنت أبي بكر أنّها قالت: ... الخ مع بعض الاختلاف، إلى أن قال: ولا يصحّ أنّها كانت من سبي خالد بن الوليد(94).
والسند كما رأيت زبيريّ بامتياز، وعدائهم لابن الحنفية معروف مشهور.
ولو كانت سوداء لبان ذلك من محمّد، ولعيّره أعداؤه بأُمّه واشتهر.

وروي عندنا أنّ عليّ(عليه السلام) أخبر في كتابه الذي كتبه إلى أصحابه بعد منصرفه من النهروان أنّه سباها من اليمن، قال في كتابه لأصحابه مبيّناً لحقّه وشارحاً لأمره: (وقد سمع قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لبريدة الأسلمي حين بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن، وقال: إذا افترقتما فكلّ واحد منكما على حياله، وإذا اجتمعتما فعليّ عليكم جميعاً، فغزونا وأصبنا سبياً فيهم خولة بنت جعفر جار الصفا، وإنّما سمّي جار الصفا من حسنه، فأخذت الحنفية خولة واغتنمها خالد منّي وبعث بريدة إلى رسول الله محرشاً علَيَّ فأخبره بما كان من أخذي خولة، فقال: يا بريدة! حظه في الخمس أكثر ممّا أخذ، وإنّه وليّكم بعدي، سمعها أبو بكر وعمر).
نقلها السيّد ابن طاووس عن كتاب (الرسائل) لمحمّد بن يعقوب الكليني: ((عن علي بن إبراهيم بإسناده، قال: كتب أمير المؤمنين(عليه السلام) كتاباً بعد منصرفه من النهروان وأمر أن يُقرأ على الناس...))(95).

ورويت بسندٍ آخر عند الطبري الإمامي في (المسترشد) عن الشعبي: ((عن شريح بن هاني، قال: خطب علي بن أبي طالب(عليه السلام) بعدما افتتحت مصر، ثمّ قال: وإنّي مخرج إليكم كتاباً، وكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم

من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من قرأ كتابي من المؤمنين والمسلمين: أما بعد...)).
وهو كتاب طويل يشكو فيه من تقدّمه من أخذهم حقّه، وجاء فيه:

((وقد سمع قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لبريدة الأسلمي، وذلك أنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بعثني وخالد بن الوليد إلى اليمن، فقال: إذا تفرّقتما فكلّ واحد منكما أمير على حياله، وإذا اجتمعتما فأنت يا عليّ أمير على خالد، فأغرنا على أبيات، وسبينا فيهم خولة بنت جعفر جان الصفا، وإنّما سُمّيت جان لحسنها، فأخذت خولة واغتنمها خالد منّي!...))(96) الخ.

وقد ذكر لقبها (جار الصفا) ابن قتيبة في (المعارف)(97)، و(جان الصفا) البري في (الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله)(98).
ويؤيّده ما في (الإصابة) لابن حجر، قال: ((خولة بنت إياس بن جعفر الحنفية، والدة محمّد بن عليّ بن أبي طالب، رآها النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في منزله، فضحك ثمّ قال: (يا عليّ! أما إنّك تتزوّجها من بعدي، وستلد لك غلاماً فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، وأنحله). رويناه في فوائد أبي الحسن أحمد بن عثمان الآدمي من طريق إبراهيم بن عمر بن كيسان، عن أبي جبير، عن أبيه قنبر حاجب عليّ، قال: رآني عليّ فذكره، وسنده ضعيف وثبوت صحبتها مع ذلك يتوقّف على أنّها كانت حينئذٍ مسلمة))(99).

وما في (أنساب الأشراف) للبلاذري، عن علي بن محمّد المدائني أنّه قال: ((بعث رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) عليّاً إلى اليمن، فأصاب خولة في بني زبيد، وقد ارتدّوا مع عمرو بن معدي كرب، وصارت في سهمه، وذلك في عهد رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال له رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): إن ولدت منك غلاماً فسمّه باسمي، وكنّه بكنيتي، فولدت له بعد موت فاطمة(عليها السلام) غلاماً فسمّاه محمّداً وكنّاه أبا القاسم)).

ولكن البلاذري روى بعدها: ((وحدّثني علي بن المغيرة الأثرم وعبّاس بن هشام الكلبي، عن هشام، عن خراش بن إسماعيل العجلي، قال: أغارت بنو أسد بن خزيمة على بني حنيفة فسبوا خولة بنت جعفر، ثمّ قدموا بها المدينة في أوّل خلافة أبي بكر فباعوها من عليّ، وبلغ الخبر قومها فقدموا المدينة على عليّ فعرفوها، وأخبروه بموضعها منهم، فأعتقها (عليّ) ومهّرها وتزوّجها، فولدت له محمّداً ابنه، وقد كان قال لرسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): أتأذن لي إن ولد لي بأن أُسمّيه باسمك، وأُكنّيه بكنيتك؟ فقال: نعم. فسمّى ابن الحنفية محمّداً، وكنّاه أبا القاسم.
(قال البلاذري): وهذا أثبت من خبر المدائني))(100).

وقد عرفت ممّا ذكره ابن عنبة عن الكلبي آنفاً أنّ أُسامة بن زيد اشتراها وباعها من عليّ(عليه السلام)، ونقله أيضاً علي بن محمّد العلوي العمري (ت709هـ) في (المجدي في أنساب الطالبين) عن شيخ الشرف: أنّ شيخه أبو نصر البخاري حكى: أنّ ابن الكلبي ذكر عن خراش بن إسماعيل: أنّ خولة سباها قوم من العرب في سلطان أبي بكر فاشتراها أُسامة بن زيد... إلى أن قال: فقال: ابن الكلبي فيما زعم البخاري: من قال أنّ خولة من سبي اليمامة فقد أبطل(101).
ونسبه ابن أبي الحديد للمحقّقين وأنّه أظهر الأقوال(102).

وممّا مضى يتّضح بطلان القول بسبيها في ردّة بني حنيفة، إذ الدليل يردّه، وبالتالي يلحقه في البطلان القول بهبتها لشذوذه وضعفه وبطلان أصله، ثمّ تعدّد النقل بشرائها من قبل عليّ(عليه السلام)، واتّفاق الأقوال على عتقها وتزويجها ومهرها في عدّة روايات على مختلف الأقوال.. فأيّ حجّة تبقى لمن يعشى عن ضوء الشمس، ويتمسّك مدلّساً بدعوى هبتها من أبي بكر لعليّ(عليه السلام).

السابع عشر: وأمّا ما ادّعاه من قبول عليّ(عليه السلام) وأولاده الهدايا المالية من أبي بكر، فهذا كذب محض لم يورد عليه دليل! بل لم يكن لمثل هذه الهدايا واقع في زمن أبي بكر لهم أو لغيرهم، فإنّه كان يقسّم ما يجيئه من الغنيمة على المسلمين في المدينة بالسويّة، ولم تكن مبالغ كبيرة في زمنه، نعم لمّا تولّى عمر قسّم العطاء بالتفاضل بين المسلمين، وفي زمن عثمان لمّا كثرت الأموال كانت عطاياه لبني أُميّة خاصّة، حتّى ثار عليه المسلمون.

وأمّا أموال الخمس والفيء، فهو حقّهم بالأصل للقرابة والإمامة خصّهم الله به وأعطاه لهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله) - حتّى أنّ فاطمة(عليها السلام) طالبت به أبا بكر - فغصبه منهم من تولّى بعده(صلّى الله عليه وآله) ظالماً. وكذب المدّعي هنا أيضاً من أنّ أبا بكر كان يعطيهم ما لم يعطي غيرهم من الخمس والفيء، مع أنّه حقّهم خاصّة.

والخراشي هنا حذف الشاهد الذي أورده إحسان إلهي ظهير في كتابه (الشيعة وآل البيت) تحت عنوان: (اقتداء عليّ بالصدّيق في الصلوات وقبوله الهدايا منه)، من رواية أبي داود في سننه، لأنّه أبعد من أن يدلّ على مطلوبه؛ فهو أوّلاً: ليس من مرويات الشيعة، بل من روايات أهل السُنّة؛ وثانياً: فيه تصريح بأنّ عليّ(عليه السلام) يطلب من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أن يجعل له قسمة حقّهم من الخمس، فإذا كان الخمس حقّهم والمولّي هو رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فأيّ تفضّل لأبي بكر في ذلك.

قال أبو داود: ((حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن نمير، ثنا هاشم بن البريد، ثنا حسين بن ميمون، عن عبد الله بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: سمعت عليّاً(عليه السلام) يقول: (اجتمعت أنا والعبّاس وفاطمة وزيد بن حارثة عند النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، فقلت: يا رسول الله! إن رأيت أن تولّيني حقّنا من هذا الخمس في كتاب الله فأقسمه [في] حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك فافعل، قال: ففعل ذلك، قال: فقسمته حياة رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، ثمّ ولاّنيه أبو بكر، حتّى إذا كانت آخر سنة من سنيّ عمر، فإنّه أتاه مال كثير، فعزل حقّنا، ثمّ أرسل إليَّ فقلت: بنا عنه العام غنى، وبالمسلمين إليه حاجة فاردده عليهم، فردّه عليهم، ثمّ لم يدعني إليه أحد بعد عمر، فلقيت العبّاس بعد ما خرجت من عند عمر، فقال: يا عليّ! حرمتنا الغداة شيئاً لا يردّ علينا أبداً، وكان رجلاً داهياً))(103).

ولم يرد فيه ذكر للفيء، وفيه أنّ عليّاً(عليه السلام) كان قاسماً لحقّهم من الخمس من قِبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، ومن يرد ّ ذلك وينازعه يكون مخالفاً لأمر رسول الله رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وفي آخره أنّ هذا الحقّ أخذ منهم أيضاً! فأين استدلّ به إحسان إلهي ظهير من هذا الحديث.
وهل لسائل يسأل ظهير: لِمَ أوردت هذا الحديث من أبي داود فقط ولم تورد ما ذكره قبله عن ابن عبّاس؟!

حيث قال أبو داود: ((حدّثنا أحمد بن صالح، ثنا عنبسة، ثنا يونس، عن ابن شهاب: أخبرني يزيد بن هرمز: أنّ نجدة الحروري حين حجّ في فتنة ابن الزبير أرسل إلى ابن عبّاس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول: لمن تراه؟ قال ابن عبّاس: لقربي رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، قسمه لهم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقّنا فرددناه عليه وأبينا أن نقبله))(104).

أو الذي قبله عند أبي داود، قال: ((حدّثنا عبيد الله بن عمر، ثنا عثمان بن عمر، أخبرني يونس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، ثنا جبير بن مطعم: أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) لم يقسم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل من الخمس شيئاً، كما قسم لبني هاشم وبني المطّلب.
قال: وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، غير أنّه لم يكن يعطي قربى رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) كما كان يعطيهم رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وكان عمر يعطيهم ومن كان بعده منهم))(105).

وهل لسائل يسأل: لماذا لم يكن أبو بكر يعطيهم مثل ما كان يعطيهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟! وإذا كان الخمس حقّهم، فهل يكون التصرّف فيه بخلاف عمل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إلاّ أخذاً له من دون وجه حقّ؟!!

ثمّ لم يكتف ظهير بذلك حتّى أخذ في الكذب، وقال: ((وكانت هذه الأموال بيد عليّ، ثمّ كانت بيد الحسن، ثمّ بيد الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ الحسن بن الحسن، ثمّ زيد بن الحسن))، ونسبها إلى ابن أبي الحديد!
وفي الحقيقة أخذ ذيل ما رواه ابن أبي الحديد عن الجوهري - وهما من أهل السُنّة - من رواية مالك بن أوس بن الحدثان في تنازع عليّ(عليه السلام) والعبّاس عند عمر في ميراث النبيّ(صلّى الله عليه وآله)(106)، وهي عند البخاري ومسلم(107)، ولا تعلّق لها بما ذكره أوّلاً من أموال الخمس وقسمة علي(عليه السلام) لها، حتّى يقول: ((وكانت هذه الأموال بيد عليّ...)) الخ، وإنّما تخصّ وقف رسول الله(صلّى الله عليه وآله) وهي الحوائط السبعة التي أوصى بها مخيريق اليهودي إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وما أفاء الله به عليه(صلّى الله عليه وآله) من أموال بني النضير، والتي منعها أبو بكر فاطمة(عليها السلام) مع ما منعه من ملكها في فدك وخيبر(108)، ثمّ ولاّها عمر عليّ(عليه السلام)، ثمّ تولاها الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ زيد بن الحسن، إلى أن تولّى بنو العبّاس فقبضوها(109).

الثامن عشر: وأمّا مسألة زواج أمير المؤمنين(عليه السلام) من الزهراء(عليها السلام), فلا نرى أيّة رواية تحكي فضلاً لأبي بكر في ذلك الزواج، أو أيّة خصوصية له فيه، أو لغيره.
نعم, حضورهم وإشهادهم على ذلك الزواج كان مقصوداً من النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، لكونهم تجاوزوا حجمهم الحقيقي، وأرادوا الزواج من سيّدة نساء العالمين(عليها السلام)! فبعد أن رفضهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله) واعتذر لهم بصغر فاطمة(عليها السلام)، تَقدّم عليّ(عليه السلام)، بعد أنّ اقترحوا عليه كما ورد في بعض الروايات, وانتظروا الردّ من النبيّ متوقّعين ردّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لعليّ(عليه السلام) - أيضاً لفقره أو لصغر فاطمة(عليها السلام) - ورفضه كما رفضهم ليرتاحوا ويطمئنوا، ويرضوا غرورهم على الأقلّ، بعد افتضاحهم بردّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لهم.
فلمّا وافق رسول الله(صلّى الله عليه وآله) على عليّ(عليه السلام) بعد يوم، أو يومين - وفاطمة(عليها السلام) لم تكبر في ذلك اليوم أو اليومين - انكشف بذلك لهم وللناس، أنّ عدم تزويج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لهم وعدم رضاهم لسيّدة نساء العالمين(عليها السلام) لم يكن إلاّ لعدم كفاءتهم لها، وظهر للناس فضل عليّ(عليه السلام) وشرفه.
وقد روى النسائي في سننه بسنده، قال: ((خطب أبو بكر وعمر فاطمة، فقال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): إنّها صغيرة، فخطبها عليّ، فزوّجها منه))(110)، وأخرجه الحاكم في مستدركه وصحّحه(111)، ووافقه الذهبي(112).

وما أورداه من روايات ليس فيها أيّ دلالة على مساعدة أبي بكر لعليّ(عليه السلام)، أو توسّطه في أمر زواجه كما ادّعاه ظهير والخراشي، كيف وعليّ(عليه السلام) ذهب لخطبتها من النبيّ(صلّى الله عليه وآله) وحده ولا يوجد أيّ نصّ يذكر أنّ أبا بكر أو عمر أو غيرهما كلّم رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بشأنه، والروايات متّفقة على أنّ عليّ(عليه السلام) كان فقيراً لا يملك إلاّ درعه ودفع مهر فاطمة(عليها السلام)، وليس فيها أنّهم ساعدوه في المهر على علمهم بفقره. نعم هم طلبوا من عليّ(عليه السلام) التعرّض لخطبة فاطمة(عليها السلام) بعد أن يأسوا من الزواج منها، وأخبرهم النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أنّ أمرها إلى الله.

ولا نعرف لِمَ قطع إحسان إلهي ظهير الرواية الأُولى، ولم يأت بها على وجهها كاملة كما هي في أمالي الشيخ الصدوق(113) الذي نقلها منه؟ أليس لأنّها نصّ في أفضلية عليّ(عليه السلام) على غيره حتّى رضى الله زواجه من فاطمة(عليها السلام)، وإنّ عليّ(عليه السلام) وزوجه أحبّ خلق الله إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؛ فراجع، وأعجب من تدليسه على الناس!!

والأعجب من ذلك أنّه يعدّ شراء بعض لوازم العرس من قبل أبي بكر بمال عليّ، وأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) مساعدة فعلية من أبي بكر في زواج عليّ(عليه السلام)!! حتّى أنّ القارئ يظنّ أنّ أبا بكر اشترى ما اشترى لعليّ وفاطمة(عليهما السلام) من ماله، سبحان الله!!! إذ ما كان أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله) له بالمساعدة في الشراء إلاّ كما أمر غيره من أصحابه والقريبين منه كما هي العادة في كلّ عرس، ولكون أبا بكر كان يدور في السوق يبيع الثياب على منكبه، فهو أعرف بالسوق من غيره.

وأمّا ما نقله عن كتاب المجلسي (جلاء العيون) بالفارسية، فأصله ما ورد في مناقب الخوارزمي (ت568هـ)، وهو ليس بشيعيّ كما زعمه ظهير، وإنّما سُنّي حنفي أشعري(114)، رواه بسند عامّي، قال: ((أنبأني مهذّب الأئمّة أبو المظفّر عبد الملك بن علي بن محمّد الهمداني - نزيل بغداد - أخبرنا محمّد بن عبد الباقي بن محمّد الأنصاري وأبو القاسم هبة الله بن عبد الواحد بن الحصين، قالا: أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي إذناً، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن عبد الصمد بن الحسن بن محمّد بن شاذان البزّاز، حدّثنا أبو بكر محمّد بن الحسن بن الحسين بن الخطّاب بن فرات بن حيّان العجلي - قراءةً علينا من لفظه ومن كتابه - حدّثنا الحسن بن محمّد الصفّار الضرير، حدّثنا عبد الوهاب بن جابر، حدّثنا محمّد بن عمير، عن أيّوب، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أُمّ سلمة وسلمان الفارسي وعلي بن أبي طالب(عليه السلام)، قال: لمّا أدركت فاطمة بنت رسول الله مدرك النساء، خطبها أكابر قريش من أهل السابقة والفضل في الإسلام والشرف والمال، وكان كلّما ذكرها رجل من قريش لرسول الله أعرض رسول الله عنه بوجهه، حتّى كان الرجل منهم يظنّ في نفسه أنّ رسول الله ساخط عليه، أو قد نزل على رسول الله(صلّى الله عليه وآله) فيه وحي من السماء، ولقد خطبها من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أبو بكر الصدّيق، فقال له رسول الله: يا أبا بكر أمرها إلى ربّها، وخطبها بعد أبي بكر عمر بن الخطّاب، فقال له كمقالته لأبي بكر، وإنّ أبا بكر وعمر كانا ذات يوم جالسين في مسجد رسول الله ومعهما سعد بن معاذ الأنصاري، ثم الأوسي فتذاكروا أمر فاطمة بنت رسول الله، فقال أبو بكر: لقد خطبها من رسول الله الأشراف فردّهم رسول الله، وقال: أمرها إلى ربّها إن شاء أن يزوّجها، زوّجها، وإنّ عليّ بن أبي طالب لم يخطبها من رسول الله ولم يذكرها له ولا أراه يمنعه من ذلك إلاّ قلّة ذات اليد، وأنه ليقع في نفسي أنّ الله ورسوله إنّما يحبسانها عليه.
قال: ثم أقبل أبو بكر على عمر بن الخطّاب وعلى سعد بن معاذ، فقال: هل لكما في القيام إلى عليّ بن أبي طالب حتّى تذكرا له هذا، فإن منعه منه قلّة ذات اليد، واسيناه وأسعفناه.
فقال له سعد بن معاذ: وفّقك الله يا أبا بكر، فما زلت موفّقاً، قوموا بنا على بركة الله ويُمنه.
قال سلمان الفارسي: فخرجوا من المسجد فالتمسوا عليّاً في منزله فلم يجدوه، وكان ينضح ببعير كان له الماء على نخل رجل من الأنصار بأُجرة، فانطلقوا نحوه.
فلمّا رآهم، نظر إليهم عليّ(عليه السلام)، قال: ما وراكم وما الذي جئتم له؟
فقال له أبو بكر: يا أبا الحسن! إنّه لم يبق خصلة من خصال الخير إلاّ ولك فيها سابقة وفضل، وأنت من رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بالمكان الذي قد عرفت من القرابة والصحبة والسابقة، وقد خطب الأشراف من قريش إلى رسول الله ابنته فاطمة فردّهم، وقال: أمرها إلى ربّها إن شاء أن يزوّجها، زوّجها، فما يمنعك أن تذكرها لرسول الله وتخطبها منه؟ فإنّي أرجو أن يكون الله سبحانه وتعالى ورسوله إنّما يحبسانها عليك.
قال: فتغرغرت عينا عليّ بالدموع، وقال: يا أبا بكر! لقد هيّجت منّي ما كان ساكناً، وأيقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، وبالله إنّ فاطمة لرغبتي وما مثلي يقعد عن مثلها، غير أنّي يمنعني من ذلك قلّة ذات اليد.
فقال له أبو بكر: لا تقل هذا يا أبا الحسن، فإنّ الدنيا وما فيها عند الله تعالى ورسوله كهباء منثور.
قال: ثمّ إنّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) حلّ عن ناضحه وأقبل يقوده إلى منزله، فشدّه فيه، وأخذ نعله وأقبل إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فكان رسول الله في منزل زوجته أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة المخزومي، فدقّ عليّ بن أبي طالب الباب.
فقالت أُمّ سلمة: من بالباب؟
فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وآله - قبل أن يقول عليّ، أنا عليّ - قومي يا أُمّ سلمة، فافتحي له الباب، ومريه بالدخول، فهذا رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّهما.
قالت أُمّ سلمة: فقلت: فداك أبي وأُمّي، ومن هذا الذي تذكر فيه هذا وأنت لم تره؟
فقال: مَه يا أُمّ سلمة! هذا رجل ليس بالخرق ولا بالنزق، هذا أخي، وابن عمّي، وأحبّ الخلق إليَّ.
قالت أُمّ سلمة: فقمت مبادرة، أكاد أن أعثر بمرطي، ففتحت الباب، فإذا أنا بعليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، والله ما دخل حين فتحت له حتّى علم أنّي قد رجعت إلى خدري.
قالت: ثمّ إنّه دخل على رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فقال: السلام عليك يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته.
فقال النبيّ: وعليك السلام يا أبا الحسن! اجلس.
قالت أُمّ سلمة: فجلس عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) بين يدي رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وجعل يطرق إلى الأرض كأنّه قصد لحاجة وهو يستحي أن يبديها لرسول الله، فهو مطرق إلى الأرض حياءً من رسول الله.
فقالت أُمّ سلمة: فكأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) علم ما في نفس عليّ، فقال له: يا أبا الحسن! إنّي أرى أنّك أتيت لحاجة، فقل حاجتك، وأبد ما في نفسك، فكلّ حاجة لك عندي مقضية؟
قال عليّ بن أبي طالب: فقلت: فداك أبي وأُمّي، إنّك تعلم أنّك أخذتني من عمّك أبي طالب، ومن فاطمة بنت أسد وأنا صبي، لا عقل لي، فغذّيتني بغذائك، وأدّبتني بأدبك، فكنت لي أفضل من أبي طالب، ومن فاطمة بنت أسد، في البرّ والشفقة، وأنّ الله عزّ وجلّ هداني بك وعلى يديك، واستنقذني ممّا كان عليه آبائي وأعمامي من الحيرة والشرك، وأنّك والله يا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ذخري وذخيرتي في الدنيا والآخرة.
يا رسول الله! فقد أحببت مع ما قد شدّ الله من عضدي بك أن يكون لي بيت، وأن تكون لي زوجة أسكن إليها، وقد أتيتك خاطباً راغباً، أخطب إليك ابنتك فاطمة، فهل أنت مزوّجني يا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)؟
قالت أُمّ سلمة: فرأيت وجه رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يتهلّل فرحاً وسروراً، ثمّ تبسّم في وجه عليّ(عليه السلام)، وقال له: يا أبا الحسن! فهل معك شيء أُزوّجك به؟
فقال له عليّ: فداك أبي وأُمّي، والله ما يخفى عليك من أمري شيء، أملك سيفي ودرعي وناضحي، ما أملك شيئاً غير هذا.
فقال له رسول الله: يا عليّ! أمّا سيفك فلا غناء بك عنه. تجاهد به في سبيل الله، وتقاتل به أعداء الله، وناضحك فتنضح به على نخلك وأهلك، وتحمل عليه رحلك في سفرك، ولكنّي قد زوّجتك بالدرع، ورضيت بها منك، يا أبا الحسن! أأبشرك؟
قال عليّ(عليه السلام): فقلت: نعم فداك أبي وأُمّي يا رسول الله! بشّرني فإنّك لم تزل ميمون النقيبة، مبارك الطائر، رشيد الأمر صلّى الله عليك.
فقال لي رسول الله: أبشر يا أبا الحسن! فإنّ الله عزّ وجلّ قد زوّجكها في السماء من قبل أن أُزوّجكها في الأرض، ولقد هبط علَيَّ في موضعي من قبل أن تأتيني ملك من السماء له وجوه شتّى، وأجنحة شتّى، لم أر قبله من الملائكة مثله، فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أبشر يا محمّد باجتماع الشمل وطهارة النسل.
فقلت: وما ذاك أيّها الملك؟
فقال: يا محمّد! أنا سيطائيل الملك الموكّل بإحدى قوائم العرش، سألت ربّي عزّ وجلّ أن يأذن لي في بشارتك، وهذا جبرئيل في أثري يبشّرك عن ربّك عزّ وجلّ بكرامة الله عزّ وجلّ.
قال النبيّ: فما استتمّ الملك كلامه حتّى هبط عليَّ جبرئيل، فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا نبيّ الله!
ثمّ إنّه وضع في يدي حريرة بيضاء من حرير الجنّة وفيها سطران مكتوبان بالنور.
فقلت: حبيبي جبرئيل ما هذه الحريرة؟ وما هذه الخطوط؟
فقال جبرئيل: يا محمّد! إنّ الله اطّلع إلى الأرض اطّلاعة، فاختارك من خلقه وابتعثك برسالاته، ثمّ اطّلع إلى الأرض ثانية، فاختار لك منها أخاً ووزيراً وصاحباً وختناً، فزوّجه ابنتك فاطمة.
فقلت: حبيبي جبرئيل ومن هذا الرجل؟
فقال لي: يا محمّد! أخوك في الدين، وابن عمّك في النسب، عليّ بن أبي طالب، وأنّ الله أوحى إلى الجنان أن تزخرفي، فتزخرفت، وإلى شجرة طوبى أن احملي الحُليّ والحُلل، فحملت شجرة طوبى الحُليّ والحُلل، وتزخرفت الجنان، وتزيّنت الحور العين، وأمر الله الملائكة أن تجتمع في السماء الرابعة عند البيت المعمور.
قال: فهبطت الملائكة: ملائكة الصفيح الأعلى، وملائكة السماء الخامسة إلى السماء الرابعة، ورقت ملائكة السماء الدنيا، وملائكة السماء الثانية، وملائكة السماء الثالثة إلى الرابعة، وأمر الله عزّ وجلّ رضوان، فنصب منبر الكرامة على باب البيت المعمور، وهو المنبر الذي خطب فوقه آدم يوم علّمه الله الأسماء وعرضهم على الملائكة، وهو منبر من نور، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى ملك من ملائكة حجبه - يقال له راحيل ــ: أن يعلو ذلك المنبر، وأن يحمده بمحامده، وأن يمجّده بتمجيده، وأن يثني عليه بما هو أهله، وليس في الملائكة كلّها أحسن منطقاً ولا أحلى لغةً من راحيل الملك، فعلا الملك راحيل المنبر وحمد ربّه ومجّده وقدّسه وأثنى عليه بما هو أهله، فارتجّت السماوات فرحاً وسروراً.
قال جبرئيل: ثمّ أوحى إليَّ: أن اعقد عقدة النكاح، فإنّي قد زوّجت أمتي فاطمة ابنة حبيبي محمّد من عبدي عليّ بن أبي طالب، فعقدت عقدة النكاح، وأشهدت على ذلك الملائكة أجمعين، وكتبت شهادة الملائكة في هذه الحريرة، وقد أمرني ربّي أن أعرضها عليك، وأن أختمها بخاتم مسك أبيض، وأن أدفعها إلى رضوان خازن الجنان، وأنّ الله عزّ وجلّ لمّا أن أشهد على تزويج فاطمة من عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ملائكته أمر شجرة طوبى أن تنثر حملها وما فيها من الحُليّ والحُلل، فنثرت الشجرة ما فيها، والتقطته الملائكة والحور العين، وأنّ الحور ليتهادينه ويفخرن به إلى يوم القيامة.
يا محمّد! وأنّ الله أمرني أن آمرك أن تزوّج عليّاً في الأرض فاطمة، وأن تبشّرهما بغلامين زكيين نجيبين طيبين طاهرين فاضلين، خيرين في الدنيا والآخرة.
يا أبا الحسن! فوالله ما خرج ملك من عندي حتّى دققت الباب، ألا وإنّي منفذ فيك أمر ربّي، امض يا أبا الحسن أمامي، فإنّي خارج إلى المسجد، ومزوّجك على رؤوس الناس، وذاكر من فضلك ما تقرّ به عينك، وأعين محبّيك في الدنيا والآخرة.
قال عليّ بن أبي طالب: فخرجت من عند رسول الله مسرعاً وأنا لا أعقل فرحاً وسروراً، فاستقبلني أبو بكر وعمر وقالا لي: ما وراك يا أبا الحسن؟ فقلت: زوّجني رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ابنته فاطمة، وأخبرني أنّ الله عزّ وجلّ زوّجنيها في السماء، وهذا رسول الله(صلّى الله عليه وآله) خارج في أثري ليظهر ذلك بحضرة الناس، ففرحا بذلك فرحاً شديداً، ورجعا معي إلى المسجد. فوالله ما توسّطناه حيناً، حتّى لحق بنا رسول الله وأنّ وجهه ليتهلّل سروراً وفرحاً.
وقال: أين بلال بن حمامة؟ فأجابه مسرعاً بلال، وهو يقول: لبّيك، لبّيك يا رسول الله!
فقال له رسول الله: أجمع لي المهاجرين والأنصار، فانطلق بلال لأمر رسول الله، وجلس رسول الله(صلّى الله عليه وآله) قريباً من منبره، حتّى اجتمع الناس، ثمّ رقى على درجة من المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: معاشر المسلمين، إنّ جبرئيل(عليه السلام) أتاني آنفاً فأخبرني عن ربّي عزّ وجلّ بأنّه جمع الملائكة عند البيت المعمور، وأنّه أشهدهم جميعا أنّه زوّج أمته فاطمة بنت رسوله محمّد، من عبده عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، وأمرني أن أُزوّجه في الأرض وأشهدكم على ذلك، ثمّ جلس.
وقال لعليّ(عليه السلام): قم يا أبا الحسن! فاخطب أنت لنفسك.
قال: فقام فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيّ، وقال: الحمد لله شكراً لأنعمه وأياديه ولا إله إلاّ الله، شهادة تبلغه وترضيه، وصلّى الله على محمّد، صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح ممّا أمر الله عزّ وجلّ به ورضيه، ومجلسنا هذا ممّا قضاه الله ورضيه وأذن فيه، وقد زوّجني رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ابنته فاطمة، وجعل صداقها درعي هذا، وقد رضيت بذلك، فسلوه واشهدوا.
فقال المسلمون لرسول الله: زوّجته يا رسول الله؟
فقال رسول الله: نعم.
فقال المسلمون: بارك الله لهما وعليهما وجمع شملهما.
وانصرف رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إلى أزواجه فأمرهنّ أن يدففن لفاطمة، فضربن أزواج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على رأس فاطمة(عليها السلام) بالدفوف.
قال عليّ بن أبي طالب: وأقبل رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فقال: يا أبا الحسن! انطلق الآن فبع درعك وأتني بثمنه حتّى أُهيّء لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما.
قال عليّ(عليه السلام): فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق، فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفّان، فلمّا أن قبضت الدراهم منه وقبض الدرع منّي، قال لي: يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع منك، وأنت أولى بالدراهم منّي؟
فقلت: نعم.
قال: فإنّ الدرع هدية منّي إليك.
قال: فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان. فدعا له النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بخير، وقبض رسول الله قبضة، ودعا بأبي بكر فدفعها إليه، وقال: يا أبا بكر اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها، وبعث معه سلمان الفارسي، وبلال بن حمامة ليعيناه على حمل ما يشتري به.
قال أبو بكر: وكانت الدراهم التي دفعها إلى رسول الله ثلاثة وستّين درهماً. قال: فانطلقت إلى السوق فاشتريت فراشاً من خيش مصر محشوّاً بالصوف، ونطعاً من أدم، ووسادة من أدم محشوّة ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء - وقلت: هي خادم البيت - وكيزاناً وجراراً ومطهرة للماء، وستر صوف رقيق، وحملت أنا بعضه وسلمان بعضه وبلال بعضه، وأقبلنا به فوضعناه بين يدي رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فلمّا نظر إليه بكى وجرت دموعه على لحيته، ثمّ رفع رأسه إلى السماء، وقال: اللّهمّ بارك لقوم جُلّ آنيتهم الخزف.
قال عليّ بن أبي طالب(عليه السلام): ودفع رسول الله(صلّى الله عليه وآله) باقي ثمن الدرع إلى أُمّ سلمة، وقال: ارفعي هذه الدراهم عندك، ومكثت بعد ذلك شهراً، لا أُعاود رسول الله(صلّى الله عليه وآله) في أمر فاطمة بشيء استحياءً من رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، غير أنّي إذا خلوت برسول الله(صلّى الله عليه وآله)، قال لي: يا أبا الحسن! ما أحسن زوجتك وأجملها. أبشر يا أبا الحسن! فقد زوّجتك سيّدة نساء العالمين.
قال عليّ: فلمّا كان بعد شهر، دخل عليَّ أخي عقيل، فقال: والله يا أخي، ما فرحت بشيء قطّ كفرحي بتزويجك فاطمة ابنة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، يا أخي! فما بالك لا تسأل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أن يدخلها عليك فتقرّ أعيننا باجتماع شملكما؟
فقلت: والله، يا أخي! إنّي لأحبّ ذلك وما يمنعني أن أسأل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ذلك إلاّ حياءً منه.
فقال: أقسمت عليك، إلاّ قمت معي تريد رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فلقيتنا في الطريق أُمّ أيمن - مولاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) - فذكرنا ذلك.
فقالت: لا تفعل يا أبا الحسن! ودعنا نحن نتكلّم في هذا، فإنّ كلام النساء في هذا الأمر أحسن وأوقع في قلوب الرجال.
قال: ثمّ انثنت راجعة، فدخلت على أُمّ سلمة بنت أبي أُميّة بن المغيرة زوج النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فأعلمتها بذلك، وأعلمت نساء رسول الله(صلّى الله عليه وآله) جميعاً، فاجتمعت أُمّهات المؤمنين إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، وكان في بيت عائشة بنت أبي بكر، فأحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله! قد اجتمعنا لأمر لو أنّ خديجة في الأحياء، لقرّت بذلك عينها.
قالت أُمّ سلمة: فلمّا ذكرنا خديجة، بكى رسول الله(صلّى الله عليه وآله) ثم قال: خديجة! وأين مثل خديجة؟ صدّقتني حين كذّبني الناس، وآزرتني على دين الله وأعانتني عليه بمالها، إنّ الله عزّ وجلّ أمرني أن أُبشّر خديجة ببيت في الجنّة من قصب الزمرّد، لا صخب فيه ولا نصب.
قالت أُمّ سلمة: فقلنا: فديناك بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! إنّك لم تذكر من خديجة أمراً إلاّ وقد كانت كذلك، غير أنّها قد مضت إلى ربّها، فهنّأها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في درجات جنّته ورحمته ورضوانه، يا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)! هذا أخوك في الدين، وابن عمّك في النسب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) يحبّ أن تدخل [عليه] زوجته فاطمة وتجمع بها شمله.
فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله): يا أُمّ سلمة! فما بال عليّ لا يسألني ذلك؟
قلت: يمنعه من ذلك الحياء منك يا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)!
قالت أُمّ أيمن: فقال لي رسول الله(صلّى الله عليه وآله): يا أُمّ أيمن! انطلقي إلى عليّ فأتيني به، فخرجت من عند رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فإذا أنا بعليّ ينتظرني ليسألني عن جواب رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فلمّا رآني، قال: ما وراك يا أُمّ أيمن؟
قلت: أجب رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
قال عليّ: فدخلت عليه وهو في حجرة عائشة، وقمن أزواجه فدخلن البيت، وأقبلت فجلست بين يدي رسول الله مطرقاً نحو الأرض، حياءً منه.
فقال لي رسول الله(صلّى الله عليه وآله): أتحبّ أن تدخل عليك زوجتك؟
فقلت - وأنا مطرق ــ: نعم فداك أبي وأُمّي.
فقال: نعم وكرامة يا أبا الحسن! أدخلها عليك في ليلتنا هذه، أو في ليلة غد إن شاء الله.
فقمت من عنده فرحاً مسروراً.
وأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أزواجه ليزينّ فاطمة وليطيّبنها ويفرشن لها بيتاً حتّى يدخلها على بعلها عليّ. ففعلن ذلك.
وأخذ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من الدراهم التي دفعها إلى أُمّ سلمة من ثمن الدرع عشرة دراهم فدفعها إلى عليّ، ثم قال: اشتر تمراً وسمناً وإقطاً.
قال عليّ: فاشتريت بأربعة دراهم تمراً، وبخمسة دراهم سمناً وبدرهم إقطاً، وأقبلت به إلى رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فحسر النبيّ عن ذراعيه، ودعا بسفرة من أدم، وجعل يشدخ التمر بالسمن، وجعل يخلطه بالأقط، حتّى اتّخذه حيساً، ثمّ قال لي: يا عليّ! ادع من أحببت.
فخرجت إلى المسجد وأصحاب رسول الله(صلّى الله عليه وآله) متوافرون، فقلت: أجيبوا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فقام القوم بأجمعهم وأقبلوا نحو النبيّ(صلّى الله عليه وآله)، فدخلت على رسول الله فأخبرته أنّ القوم كثير، فجلّل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) السفرة بمنديل، ثم قال: أدخل علَيَّ عشرة بعد عشرة، ففعلت ذلك، فجعلوا يأكلون ويخرجون والسفرة لا ينقص ما عليها، حتّى لقد أكل من الحيس تسعمائة رجل وامرأة، كلّ ذلك ببركة كفّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله).
قالت أُمّ سلمة: ثمّ دعا النبيّ بابنته فاطمة، ودعا بعليّ، فأخذ عليّاً بيمينه، وأخذ فاطمة بشماله، فجمعهما إلى صدره، فقبّل بين أعينهما، ودفع فاطمة إلى عليّ(عليه السلام)، وقال: يا عليّ! نعم الزوجة، زوجتك. ثم أقبل على فاطمة، فقال لها: يا فاطمة! نعم البعل بعلك، ثمّ قام معهما يمشي بينهما حتّى أدخلهما بيتهما الذي هيّأ لهما، ثمّ خرج من عندهما فأخذ بعضادتي الباب، وقال: طهّركما الله وطهّر نسلكما، أنا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما.
قال عليّ(عليه السلام): ومكث رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بعد ذلك ثلاثاً لا يدخل علينا، فلمّا كان في صبيحة اليوم الرابع جاءنا (صلّى الله عليه وآله) ليدخل علينا، فصادف في حجرتنا أسماء بنت عميس الخثعمية، فقال لها: ما يوقفك هاهنا وفي الحجرة رجل؟ فقالت له: فداك أبي وأُمّي! إنّ الفتاة إذا زفّت إلى زوجها تحتاج إلى امرأة تتعهدّها وتقوم بحوائجها فأقمت هاهنا لأقضي حوائج فاطمة وأقوم بأمرها، فتغرغرت عينا رسول الله بالدموع، وقال: يا أسماء! قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة.
قال عليّ(عليه السلام): وكانت غداة قرّة وكنت أنا وفاطمة تحت العباء، فلمّا سمعنا كلام رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لأسماء ذهبنا لنقوم، فنظر إلينا رسول الله، فقال: سألتكما بحقّي عليكما لا تفترقا حتّى أدخل عليكما، فرجع كلّ واحد منّا إلى صاحبه ودخل علينا رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، فقعد عند رؤوسنا وأدخل رجليه فيما بيننا، فأخذت رجله اليمنى وضممتها إلى صدري، وأخذت فاطمة رجله اليسرى فضمّتها إلى صدرها، وجعلنا ندفئ رجلي رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من القرّ، حتّى إذا دفئت رجله قال لي: يا عليّ! آتني بكوز من ماء فأتيته بكوز من ماء، فتفل فيه ثلاثاً، وقرأ عليه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ، وقال: يا عليّ! اشربه واترك منه قليلاً ففعلت ذلك، فرشّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) باقي الماء على رأسي وصدري، وقال: أذهب الله عنك الرجس يا أبا الحسن وطهّرك تطهيراً.
ثمّ قال: آتني بماء جديد فتفل فيه ثلاثاً، وقرأ عليه آيات من كتاب الله عزّ وجلّ ودفعه إلى ابنته فاطمة، وقال: (اشربي هذا الماء واتركي منه قليلاً)، ففعلت ذلك فاطمة ورشّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله) باقي الماء على رأسها وصدرها، وقال: أذهب الله عنكِ الرجس وطهّركِ تطهيراً، وأمرني بالخروج عن البيت، وخلا بابنته، وقال: (كيف أنت يا بنية! وكيف رأيت زوجك؟
قالت: يا أبة، خير زوج إلاّ أنّه دخل عليَّ نساء قريش، وقُلن لي: زوّجك رسول الله(صلّى الله عليه وآله) من رجل فقير، لا مال له.
فقال لها رسول الله(صلّى الله عليه وآله): ما أبوك بفقير ولا بعلك بفقير، ولقد عرضت علَيَّ خزائن الأرض من الذهب والفضّة، فاخترت ما عند ربّي عزّ وجلّ. لو تعلمين ما يعلم أبوك لسمجت الدنيا في عينك! والله يا بنية ما آلوتك نصحاً أن زوّجتك أقدمهم سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً، يا بنية! إنّ الله عزّ وجلّ اطّلع إلى الأرض اطّلاعة فاختار من أهلها رجلين، فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك، يا بنية! نعِمَ الزوج زوجك، لا تعصين له أمراً.
ثمّ صاح بي رسول الله(صلّى الله عليه وآله): يا عليّ! فقلت: لبيك يا رسول الله(صلى الله عليه وآله).
قال: ادخل بيتك وألطف بزوجتك وأرفق بها، فإنّ فاطمة بضعة منّي، يؤلمني ما يؤلمها ويسرّني ما يسرّها، أستودعكما الله وأستخلفه عليكما.
قال عليّ(عليه السلام): فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها من بعد ذلك على أمر، حتّى قبضها الله عزّ وجلّ إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً، ولقد كنت أنظر إليها فتكشف عنّي الغموم والأحزان بنظري إليها.
قال عليّ(عليه السلام): ثم قام رسول الله(صلّى الله عليه وآله) لينصرف، فقالت له فاطمة: يا أبة! لا طاقة لي بخدمة البيت، فأخدمني خادماً يخدمني ويعينني على أمر البيت.
فقال لها رسول الله(صلّى الله عليه وآله): يا فاطمة! أيّما أحبّ إليك، خادم أو خير من الخادم؟
فقال عليّ: فقلت: قولي خير من الخادم. فقالت: يا أبة خير من الخادم.
فقال لها رسول الله(صلّى الله عليه وآله): تكبّرين الله في كلّ يوم أربعاً وثلاثين تكبيرة، وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين مرّة، وتسبّحينه ثلاثاً وثلاثين مرّة، فذلك مائة باللسان، وألف حسنة في الميزان; يا فاطمة! إنّك إن قلتها في صبيحة كلّ يوم، كفاك الله ما أهمّك من أمر الدنيا والآخرة))(115).

فمن الواضح أنّها رواية ملفّقة من عدّة روايات أشبه بالسرد القصصي جمعت معاً في رواية واحدة، وفيها ما لا يمكن قبوله من أنّه خطبها أكابر قريش من أهل السابقة والفضل في الإسلام والشرف والمال، فإنّه لم يكن في المهاجرين يومئذٍ من يعد من أكابر قريش وأهل الشرف والمال، فإنّ أكابرهم وأشرافهم وذو المال لم يسلموا، ومن ذكر أنّهم خطبوا فاطمة كأبي بكر وعمر لم يكونوا منهم قطعاً.
ومن أنّ الدموع اغرورقت في عينا عليّ، وقال: (يا أبا بكر! لقد هيّجت منّي ما كان ساكناً، وأيقظتني لأمر كنت عنه غافلاً، وبالله إنّ فاطمة لرغبتي وما مثلي يقعد عن مثلها)، فإنّه لا يليق بفضل عليّ(عليه السلام) وحيائه.
ومن أنّه قال لرسول الله(صلّى الله عليه وآله): (واستنقذني ممّا كان عليه آبائي وأعمامي من الحيرة والشرك)، فإنّ آباءه آباء رسول الله(صلّى الله عليه وآله): وكلّهم موحّدون على ملّة أبيهم إبراهيم(عليه السلام).
ومن أنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أمر أزواجه أن يدففن لفاطمة، فضربن أزواج النبيّ(صلّى الله عليه وآله) على رأس فاطمة(عليها السلام) بالدفوف..
ومن أنّ عليّ(عليه السلام) باع درعه من عثمان بن عفّان، وأنّ عثمان أهدى الدرع إلى عليّ(عليه السلام)، فإنّه لم يرد شيء من ذلك في الروايات أصلاً، وإنّما حُشر عثمان هنا حشراً.
ومثله حشر عقيل بن أبي طالب هنا، وأنّه دخل على عليّ(عليه السلام)، فقال: والله، يا أخي ما فرحت بشيء قطّ كفرحي بتزويجك فاطمة ابنة رسول الله(صلّى الله عليه وآله)، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله(صلّى الله عليه وآله) أن يدخلها عليك، فتقرّ أعيننا باجتماع شملكما... الخ، فإنّ عقيل لم يحضر زواج عليّ(عليه السلام)، لأنّه كان يرسف في قيوده أسيراً، أو كان في مكّة بعد أن فدى نفسه.
ومن ظهور الرواية بأنّ عليّاً(عليه السلام) دخل بفاطمة بعد شهر من عقده عليها، والذي كان في رمضان من السنة الثانية، مع أنّ عليّاً(عليه السلام) دخل بفاطمة أوائل شهر ذي الحجّة من السنة المذكورة حسب المشهور.
وكذلك حشر أسماء بنت عميس هنا ودعاء النبيّ(صلّى الله عليه وآله) لهم، وهي ما زالت في الحبشة مع جعفر.

وفيها ما يخالف ما جاء في روايات أُخر، فإنّ الذي كلّم عليّ(عليه السلام) في أمر فاطمة(عليها السلام) سعد بن معاذ وحده(116)، وإن عليّاً(عليه السلام) لم يكن يملك إلاّ درعه الحطمية لا غير، كما في عدّة روايات، فلا شكّ في وقوع زيادات في الرواية من قِبَل الرواة، وإدخال الروايات بعضها في بعض، فلا يمكن قبول ما ورد فيها إلاّ إذا وافقه ما في الروايات الأُخرى، وليس هناك في الروايات الأُخر من شيء رامه إحسان إلهي ظهير؛ فتأمّل!

التاسع عشر: وأمّا ما رواه إحسان إلهي ظهير من قول أبي بكر في الحسين(عليه السلام)، فهو من التدليس والتلاعب بالكلمات لاستغفال القارئ.
وعبارة اليعقوبي هكذا: ((وكان المشبّهون برسول الله: جعفر بن أبي طالب، قال رسول الله: (أشبهت خلقي وخلقي)، والحسن بن عليّ، وكانت فاطمة تقول: (بأبي شبيه بأبي غير شبيه بعليّ!)، ويقال: إنّ أبا بكر قال له، وقد لقيه في بعض طرق المدينة: بأبي شبيه بالنبيّ غير شبيه بعليّ!...))(117). فأبو بكر هو الذي أخذ هذا القول من فاطمة(عليها السلام) فيما لو ثبت أنّه قاله، لا أنّ فاطمة(عليها السلام) تمسكت الحسن بقول أبي بكر كما يدّعيه هذا المدلّس.

فإنّ ظاهر رواية البخاري أنّ أبا بكر قاله في زمن خلافته(118)، ورواية أبي يعلى تنصّ على كونه بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله) بليال(119)، وإن كنّا نشكّ في صحّة ما نسب إلى أبي بكر من قوله، لأنّه روي بطريقٍ واحد عن عمر بن سعيد بن أبي حسين عن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث(120)، مع أنّ أبا مليكة هو الذي روى أنّ فاطمة كانت تنقز الحسن بن علي(عليه السلام)، وتقول: (بأبي شبه النبيّ ليس شبيهاً بعليّ)(121)، وقد ضعّف اليعقوبي والبلاذري نسبته إلى أبي بكر بالقيل، مع أنّهما نقلاه عن فاطمة(عليها السلام)(122).
ثمّ لعلّ الخراشي تنبّه لتلاعب إحسان إلهي ظهير، فاقتصر في النقل عنه على قول أبي بكر فقط، ولم يذكر قول فاطمة(عليها السلام)!

العشرون: أمّا موضوع أسماء بنت عميس(رضي الله عنها) وقربها من الزهراء(عليها السلام)، وخدمتها لها، فهو لا لكونها زوجة أبي بكر أبداً! فإنّ أسماء هي زوجة جعفر الطيار قبل أن يتزوّجها أبو بكر، فعلاقتها بأهل البيت(عليهم السلام) قديمة وعظيمة ومتجذّرة.
ثمّ إنّها أصبحت بعد ذلك زوجة لأمير المؤمنين(عليه السلام) بعد أبي بكر، وهي أُمّ محمّد بن أبي بكر المعروف بولائه لأهل البيت(عليه السلام) كأُمّه رضوان الله عليها، فلا علاقة ولا خصوصية لأبي بكر بولاء أسماء(رضوان الله عليها) لعليّ(عليه السلام) والزهراء(عليها السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) عموماً.

الحادي والعشرون: أمّا سؤال أبي بكر عن أحوال الزهراء(عليها السلام)، فكان لطلب العفو والصفح، كما في ذيل الرواية التي نقلها وبترها، والله حسيبه على ذلك، فعن أبان عن سليم بن قيس، عن عبد الله بن عبّاس، في رواية طويلة فيها: ((وكان عليّ(عليه السلام) يصلّي في المسجد الصلوات الخمس. فكلّما صلّى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ إلى أن ثقلت، فسألا عنها وقالا: قد كان بيننا وبينها ما قد علمت، فإن رأيت أن تأذن لنا فنعتذر إليها من ذنبنا؟
قال (عليه السلام): ذاك إليكما.
فقاما فجلسا بالباب، ودخل عليّ(عليه السلام) على فاطمة(عليها السلام)، فقال لها: (أيّتها الحرّة، فلان وفلان بالباب يريدان أن يسلّما عليك، فما ترين؟).
قالت (عليها السلام): (البيت بيتك والحرّة زوجتك، فافعل ما تشاء).
فقال: (شدّي قناعك)؛ فشدّت قناعها وحوّلت وجهها إلى الحائط.
فدخلا وسلّما، وقالا: ارضي عنّا رضي الله عنك.
فقالت: (ما دعاكما إلى هذا؟).
فقالا: اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنّا وتخرجي سخيمتك.
فقالت: (فإن كنتما صادقين فأخبراني عمّا أسألكما عنه، فإنّي لا أسألكما عن أمر إلاّ وأنا عارفة بأنّكما تعلمانه، فإن صدقتما علمت أنّكما صادقان في مجيئكما).
قالا: سلي عمّا بدا لك.
قالت: نشدتكما بالله، هل سمعتما رسول الله(صلّى الله عليه وآله) يقول: (فاطمة بضعة منّي، فمن آذاها فقد آذاني)؟
قالا: نعم.
فرفعت يدها إلى السماء، فقالت: (اللّهمّ إنّهما قد آذياني، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك. لا والله لا أرضى عنكما أبداً حتّى ألقى أبي رسول الله وأخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما).
قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعاً شديداً.
فقال عمر: تجزع يا خليفة رسول الله! من قول امرأة!))(123).

وأمّا طلب أبي بكر الصلاة على الزهراء(عليها السلام)، فلكونه تصدّر للولاية، وفي عدم صلاته على الزهراء(عليها السلام) دخول للنقص والشناعة عليه وعلى ولايته، ولكن أمير المؤمنين(عليه السلام) صلّى هو وأهل بيته وشيعته عليها ليلاً، ودفنوها(عليها السلام) ليلاً دون أن يشعر بها أحد, لوصيتها(عليها السلام) بعدم إشهاد العامّة لجنازتها والصلاة عليها ودفنها؛ فالأمر هنا على عكس ما ادّعي، بل يدلّ على نفور شديد وفرقة!
وإلى هنا تمّ الجواب على ما نقله السائل عن إحسان إلهي ظهير والخراشي.
وأمّا ما نقله عن المسمّى (ساجد لله)، فقد مضى ذكر موضع إجابتنا على ما نقله من قول عليّ(عليه السلام): (إنّه بايعني القوم الذين...) الخ، في الجواب على كلام ظهير والخراشي بخصوص خلافة أبي بكر في النقطة (أوّلاً)؛ فليراجع.

وأمّا النص الثاني، وهو قوله(عليه السلام): (إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه...)(124), فهو كالنصّ الأوّل بالضبط؛ فأمير المؤمنين(عليه السلام) يتحدّث عن خلافته وإمامته وبيعته بصورة الإطلاق والعموم، كما هو معروف في الاستعمال العربي والقرآني، وما يدلّ على ذلك هو عدم انطباق هذه الشروط إلاّ عليه(عليه السلام)، حيث أنّ المهاجرين والأنصار لم يجتمعوا بإرادتهم واختيارهم الحقيقي إلاّ على أمير المؤمنين(عليه السلام)، ولذلك وصف أمير المؤمنين(عليه السلام) اجتماعهم بأنّ فيه لله رضا، فإنّه لم يجتمع الناس على أحد بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله) إلاّ على أمير المؤمنين(عليه السلام)، فإنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) وبني هاشم والزبير وعمّار وسلمان وأبا ذرّ والمقداد لم يبايعوا أبا بكر، إلاّ بعد حين وبعد الإكراه، وكذا سعد بن عُبادة(125) الذي قُتل في عهد عمر، فهو لم يبايع أبا بكر أيضاً ولا عمر حتّى مات.
وكان كلامه(عليه السلام) عمّن يخالف، بأنّه يجب قتاله، فهل يقصد الإمام(عليه السلام) نفسه وشيعته من بني هاشم وكبار الصحابة، ويفتي باستحقاقه للقتل؟
فهذا أمر غير ممكن ومحال، فيكون قصده إذاً كلّ من خرج عليه، ولذلك قاتل في حروب ثلاثة الناكثين والقاسطين والمارقين.
ودمتم في رعاية الله

(1) المعجم الكبير 10: 238 الحديث (10589).
(2) مجمع الزوائد 9: 158.
(3) انظر: معجم رجال الحديث 9: 158 (5233).
(4) اختيار معرفة الرجال، للكشي 2: 617 (733)، رجال الطوسي: 146 (1609)، معجم رجال الحديث 19: 151 (12305).
(5) انظر: مسند أحمد بن حنبل 1: 199 حديث الحسن بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
(6) المستدرك على الصحيحين 3: 172 خطبة الحسن(عليه السلام) بعد شهادة عليّ(عليه السلام).
(7) المصنّف، لابن أبي شيبة 7: 502 الحديث (47) كتاب الفضائل، باب فضائل عليّ(عليه السلام).
(8) الذرّية الطاهرة: 109 مسند الحسن بن عليّ(عليه السلام).
(9) المعجم الكبير 3: 79 - 81 الحديث (2717 - 2725).
(10) خصائص أمير المؤمنين، للنسائي: 61، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 16: 30، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 42: 478، 580 ترجمة الإمام عليّ(عليه السلام)، البداية والنهاية، لابن كثير 7: 368.
(11) الشافي في الإمامة 4: 110 - 111، فصل في تتبّع ما أجاب به عن مطاعن أبي بكر، الصلاة على الزهراء ودفنها ليلاً.
(12) الشافي في الإمامة، للمرتضى 4: 110.
(13) شرح النهج، لابن أبي الحديد 16: 268، و271.
(14) الشافي في الإمامة 4: 115 - 117.
(15) تفسير الإمام العسكري(عليه السلام): 467 - 469 قصّة ليلة المبيت.
(16) عمدة الطالب: 256 المقصد الثالث.
(17) الكافي 8: 34 الحديث (6) كتاب الروضة.
(18) انظر: المحاسن، للبرقي 1: 157 كتاب الصفوة، باب الرافضة، بصائر الدرجات، للصفّار: 169 الحديث (14) الجزء الثالث، باب (13)، دلائل الإمامة، لابن جرير: 476 الحديث (466).
(19) انظر: الأسرار المرفوعة، لعلي القاري: 454 فصل في تحقيق بعض المسائل (29) ممّا وضعه جهلة المنتسبين إلى السُنّة في فضل أبي بكر، كشف الخفاء، للعجلوني 2: 19 الحديث (2228).
(20) المعيار والموازنة: 105 خطبته(عليه السلام) لما تخلّف عن بيعته سعد...
(21) الأخبار الطوال: 140 بيعة عليّ بن أبي طالب.
(22) الثقات 2: 268.
(23) الإرشاد 1: 243 من كلامه(عليه السلام) حين تخلّف بعض الصحابة عن بيعته.
(24) انظر: رجال الكشّي 1: 299 (142) ترجمة الحارث الأعور، الكنى والألقاب، للقمّي 2: 361، معجم رجال الحديث 10: 210 (6095).
(25) انظر: التاريخ الكبير، للبخاري 6: 450 (2961)، الطبقات الكبرى، لابن سعد 6: 246، معرفة الثقات، للعجلي 2: 12 (823)، تاريخ بغداد 12: 222 (6680)، سير أعلام النبلاء، للذهبي 4: 294 (113).
(26) نهج البلاغة 2: 19 من كلامه برقم (136).
(27) الغارات 1: 305 رسالة عليّ(عليه السلام) إلى أصحابه وفيها ما جرى له بعد وفاة النبيّ.
(28) صحيح البخاري 5: 82 باب غزوة خيبر.
(29) نهج البلاغة 1: 89 من كلامه برقم (37).
(30) المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري 3: 142.
(31) المستدرك على الصحيحين بهامشه تلخيص الذهبي 3: 353 الحديث (4744).
(32) المستدرك على الصحيحين، للنيسابوري 3: 140، المستدرك على الصحيحين بهامشه تلخيص الذهبي 3: 350 الحديث (4734)
(33) مسند أبي يعلى 1: 427 الحديث (565)، مجمع الزوائد 9: 118.
(34) مسند البزّار 2: 293 الحديث (716)، مجمع الزوائد 9: 118.
(35) المعجم الكبير 11: 61.
(36) المستدرك على الصحيحين 3: 140.
(37) المستدرك على الصحيحين بهامشه تلخيص الذهبي 3: 350 الحديث (4735).
(38) صحيح البخاري 5: 82 باب غزوة خيبر.
(39) صحيح البخاري 5: 82 باب غزوة خيبر، وانظر: المصنّف، للصنعاني 3: 521 الحديث (6554 - 6556) كتاب الجنائز، باب الدفن بالليل.
(40) الإمامة والسياسة 1: 134 ما كتب عليّ لأهل العراق.
(41) كشف المحجّة لثمرة المهجة: 175 - 177 الفصل الخامس والخمسون والمائة.
(42) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 20: 218 (476).
(43) فتح الباري 7: 379، وانظر: صحيح البخاري 5: 13.
(44) انظر: الإمامة والسياسة، لابن قتيبة 1: 12، أنساب الأشراف، للبلاذري 1: 583 الحديث (1180)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 26: 353، وغيرها.
(45) انظر: تاريخ اليعقوبي 2: 126، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 221.
(46) وقعة صفّين: 86 - 88 رسالة معاوية وجواب الإمام(عليه السلام).
(47) شرح نهج البلاغة، لابن ميثم 4: 362 باب المختار من كتبه (عليه السلام) إلى أعدائه وأُمراء بلاده، كتابه (عليه السلام) إلى معاوية.
(48) شرح نهج البلاغة، لابن ميثم 4: 361 - 362 باب المختار من كتبه (عليه السلام) إلى أعدائه وأمراء بلاده، كتابه (عليه السلام) إلى معاوية.
(49) العقد الفريد 4: 335 العسجدة الثانية، أخبار عليّ ومعاوية، طبعة بتحقيق أحمد أمين، أحمد الزين، إبراهيم الأبياري.
(50) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 15: 184 (28) من كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية جواباً.
(51) الأمالي، للطوسي: 507 المجلس (18) الحديث (16).
(52) الاحتجاج، للطبرسي 1: 114 - 115 ذكر طرف ممّا جرى بعد وفاة رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من اللجاج والحجّاج في أمر الخلافة.
(53) أصل الشيعة وأُصولها: 192 منشأ التشيّع.
(54) مسند زيد بن علي: 335، الأحكام، ليحيى بن الحسين 2: 220، شرح الأزهار 4: 346، تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة: 152، الاستيعاب، لابن عبد البرّ 3: 1103، وغيرها.
(55) الأحكام، ليحيى بن الحسين 2: 220، شرح الأزهار 4: 346، تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة: 152، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 18، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 25: 369، الإصابة، لابن حجر 4: 467، وغيرها.
(56) شرح نهج البلاغة 2: 50 (26) حديث السقيفة.
(57) انظر: شرح نهج البلاغة 1: 3، 156، 161، و3: 98.
(58) المستدرك على الصحيحين 3: 66.
(59) السنن الكبرى 8: 153 كتاب قتال أهل البغي، باب ما جاء في تنبيه الإمام عليّ من يراه أهلاً للخلافة بعده.
(60) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير 5: 270، والسيرة النبوية، لابن كثير 4: 496، السيرة الحلبية 3: 484، تاريخ الخلفاء، للسيوطي: 78، كنز العمّال، للمتّقي الهندي 5: 597 الحديث (14060).
(61) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 2: 58 (26) حديث السقيفة.
(62) الجرح والتعديل 9: 93 (385).
(63) تاريخ مدينة دمشق 64: 14 (8086).
(64) الجرح والتعديل 7: 266 (1452)، تاريخ الإسلام 15: 37.
(65) الجرح والتعديل 4: 55 (242)، ضعفاء العقيلي 3: 55 (1169).
(66) لسان الميزان 2: 156 (689)، رجال الطوسي: 112 (1102).
(67) صحيح البخاري 3: 186 كتاب الوصايا.
(68) المستدرك على الصحيحين 3: 249 ذكر مناقب خالد بن سعيد.
(69) تاريخ الطبري 2: 586 السنة الثالثة عشر.
(70) الاستيعاب 3: 975.
(71) تاريخ مدينة دمشق 16: 78 (1880) خالد بن سعيد بن العاص.
(72) الطبقات الكبرى 4: 97 خالد بن سعيد بن العاص.
(73) أنساب الأشراف 1: 558 أمر سقيفة وبيعة أبي بكر.
(74) تاريخ اليعقوبي 2: 126 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.
(75) تاريخ مدينة دمشق 2: 63 باب ذكر اهتمام أبي بكر بفتح الشام وحرصه عليه.
(76) تاريخ الطبري 2: 476 مجيء وفود العرب إلى أبي بكر يقرّون بالصلاة ويمنعون الزكاة.
(77) انظر: الطبقات الكبرى 3: 20 عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، و 5: 117 عمر الأكبر بن عليّ، أنساب الأشراف 2: 192(237)، فتوح البلدان 1: 131 (309)، تاريخ الطبري 2: 582 السنة الثانية عشرة، الثني والزميل، سرّ السلسلة العلوية: 96 نسب عمر الأطرف ابن الإمام عليّ، المنتظم في تاريخ الأُمم والملوك 4: 109 سنة اثني عشرة، الثني والزميل، الكامل في التاريخ 2: 399 ذكر واقعة الثني والزميل، البداية والنهاية 6: 388 وقعة الثني والزميل، ذخائر العقبى: 117 ذكر ولده(عليه السلام)، عمدة الطالب: 361 الفصل الخامس في عقب عمر الأطرف.
(78) تذكرة الخواص 1: 664 الباب السادس في ذكر أزواجه.
(79) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 352 الفصل الثالث في عقب ابن الحنفية.
(80) انظر: الجرح والتعديل 8: 26 (116) محمّد بن عليّ بن أبي طالب، ذخائر العقبى: 117 ذكر ولده، نقله عن ابن السمّان، الطبقات الكبرى 5: 91 محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب.
(81) انظر: الطبقات الكبرى 5: 91 محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، المنتخب من ذيل المذيل من تاريخ الصحابة والتابعين، للطبري: 117 ذكر من هلك منهم سنة (81)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 54: 323 - 326 (6797) محمّد بن عليّ بن أبي طالب.
(82) انظر: الأنساب، للسمعاني 2: 281 الحنفي، شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد 1: 244 (11) محمّد بن الحنفية ونسبه.
(83) الشافي في الإمامة 3: 271 في جواب الاعتراض على أنّه(عليه السلام) نكح من سبيهم، وانظر: الاستغاثة 1: 4 ذكر بدع الأوّل منهم.
(84) الخرائج والجرائح 2: 589 فصل في إعلام الإمام محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)، وانظر: 563 فصل في إعلام أمير المؤمنين.
(85) الروضة في فضائل أمير المؤمنين(عليه السلام): 35 حديث خولة الحنفية، الفضائل: 101 خبر خولة الحنفية.
(86) مدينة المعاجز 2: 224 الحديث (519) الحادي والستّون وثلاثمائة أخباره(عليه السلام) بحال خولة أُمّ محمّد بن الحنفية.
(87) انظر: تاريخ خليفة بن خيّاط: 72 خبر اليمامة، فتوح البلدان 1: 108 الحديث (270، تاريخ اليعقوبي 2: 130 أيام أبي بكر، تاريخ الطبري 2: 516 - 518 ذكر بقية خبر مسيلمة الكذّاب وقومه من اهل اليمامة، تجارب الأُمم 1: 286 قتل مسيلمة في حديقة الموت.
(88) انظر: شرح الأخبار، للقاضي النعمان 3: 295 الحديث (1200) الإمام الصادق(عليه السلام)، الطبقات الكبرى 5: 91 محمّد الأكبر بن عليّ بن أبي طالب، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 54: 323 (6797) محمّد بن عليّ بن أبي طالب، تهذيب الكمال 26: 148 (5484)، تهذيب التهذيب، لابن حجر 9: 315 (588)، المعارف، لابن قتيبة: 210 أخبار عليّ بن أبي طالب، الرياض النضرة، للمحبّ الطبري 3: 239 مناقب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الفصل الثاني عشر في ذكر أولاده، الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله: 58 أبو القاسم محمّد بن عليّ ابن الحنفية.
(89) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 352 الفصل الثالث في عقب ابن الحنفية.
(90) الأنساب 2: 281 الحنفي.
(91) الطبقات الكبرى 5: 91 محمّد بن الحنفية.
(92) المصدر نفسه.
(93) سير أعلام النبلاء 4: 110 (36) ابن الحنفية.
(94) سر السلسلة العلوية: 81 أولاد محمّد بن الحنفية.
(95) كشف المحجّة لثمرة المهجة: 173 كتابه لأصحابه لمّا انصرف من النهروان.
(96) المسترشد: 409 - 414 من كتاب له(عليه السلام) إلى من قرأ من المؤمنين والمسلمين.
(97) المعارف: 210 أخبار عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).
(98) الجوهرة في نسب الإمام عليّ وآله: 58 أبو القاسم محمّد ابن الحنفية.
(99) الإصابة 8: 113 (11114) خولة بنت إياس بن جعفر.
(100) أنساب الأشراف 2: 200 الحديث (246، 248).
(101) المجدي في أنساب الطالبين: 14 أخبار بني علي لصلبه.
(102) شرح نهج البلاغة 1: 244 (11) محمّد بن الحنفية ونسبه وبعض أخباره.
(103) سنن أبي داود 2: 27 الحديث (2984).
(104) سنن أبي داود 2: 26 الحديث (2982).
(105) سنن أبي داود 2: 26 الحديث (2979).
(106) شرح نهج البلاغة 16: 229 (45) ذكر ما ورد من السير والأخبار في أمر فدك.
(107) صحيح البخاري 5: 23 - 25 كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، صحيح مسلم 5: 15 كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء.
(108) صحيح مسلم 5: 153 - 155 باب قول النبيّ(ص) لا نوّرث ما تركناه فهو صدقة، صحيح البخاري 4: 41 باب فرض الخمس.
(109) انظر: فتح الباري 6: 139 - 145 كتاب فرض الخمس، وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى 3: 155 - 157 الباب السادس، الفصل الثاني: طلب فاطمة من أبي بكر صدقات أبيها.
(110) سنن النسائي 6: 62 الحديث (3221) كتاب النكاح، باب (7).
(111) المستدرك على الصحيحين 2: 167 كتاب النكاح.
(112) المستدرك على الصحيحين بهامش تلخيص الذهبي 2: 288 الحديث (2754) كتاب النكاح.
(113) أمالي الصدوق: 39 الحديث (44) المجلس الثاني.
(114) انظر: طبقات الحنفية لعبد القادر القرشي 2: 188 (584).
(115) المناقب، للخوارزمي: 342 الحديث (364) الفصل العشرون: في تزويج رسول الله إيّاه فاطمة.
(116) المناقب، للخوارزمي: 337 الحديث (359).
(117) تاريخ اليعقوبي 2: 117 المشبهون بالنبيّ.
(118) انظر: صحيح البخاري 4: 164 باب صفة النبيّ.
(119) انظر: مسند أبي يعلى 1: 41 الحديث (38).
(120) انظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم 3: 168 فضائل الحسن بن علي، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 13: 174 - 176 (1383) ترجمة الحسن بن عليّ، مسند أحمد بن حنبل 1: 8 مسند أبي بكر، تاريخ بغداد، للخطيب 1: 149 سيّد شباب أهل الجنّّة، دلائل النبوّة، للبيهقي 1: 307 جماع أبواب صفة النبيّ، ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد: 37 الحديث (32، 33)، وغيرها.
(121) مسند أحمد بن حنبل 6: 283 أحاديث فاطمة بنت رسول الله(ص)، تاريخ مدينة دمشق، لابن عساكر 13: 176 (1383)، المجبّر: 46 المشبّهون بالنبيّ(ص).
(122) أنساب الأشراف 1: 539 الحديث (1092)، تاريخ اليعقوبي 2: 117 المشبهون بالنبيّ.
(123) كتاب سليم بن قيس: 391 الحديث (48) الفقرة الثالثة.
(124) نهج البلاغة 2: 86 خطبة 173.
(125) انظر: أُسد الغابة 2: 284، سير أعلام النبلاء 1: 276 (55)، الطبقات الكبرى، لابن سعد 3: 616، مروج الذهب 2: 301، الإمامة والساسة 1: 17.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال