الاسئلة و الأجوبة » الرؤيا والأحلام » قولهم(عليهم السلام): (من رآنا فقد رآنا...)


علي فالح / الكويت
السؤال: قولهم(عليهم السلام): (من رآنا فقد رآنا...)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
سؤالي حول صحّة الحديث الذي نسمعه وما معناه وهو: (من رآنا فقد رآنا)، أو (من رآني فقد رآني).
ويوجد البعض يقول: أنّه يرى أمير المؤمنين(عليه السلام) في المنام ويأتيه الإمام ويخبره عن حلول بعض المشاكل أو بعض الأمور الغيبة، وأحياناً يعطيه الجواب على شكل شعر.. فهل يمكن ذلك، وكيف نتعامل مع هذه الأمور؟
جزاكم الله خير الجزاء.
الجواب:
الأخ فالح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
إن النص الأوّل المذكور وهو (من رآنا فقد رآنا) لم ترد به رواية ولا يوجد له أصل. نعم، لعلّه دائر على بعض الألسن..
وأمّا النص الثاني وهو (من رآني فقد رآني)، فقد ورد ما هو قريب منه عندنا وعند أهل السُنّة.
فمن طرقنا ما رواه الصدوق(ره)  في كتبه عن الإمام الرضا(عليه السلام).
فقد روى في كتابه (من لا يحضره الفقيه) عن الـحسن بن علي بن فضال, عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنّه قال له رجـل مـن أهل خراسان: يا بن رسول اللّه! رأيت رسول اللّه(صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) في المنام كأنّه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي, واستحفظتم وديعتي, وغيب في ثراكم نجمي؟ فقال لـه الـرضـا(عليه السلام): أنا المدفون في أرضكم, وأنا بضعة من نبيّكم, وأنا الوديعة والنجم, ألا فـمـن زارنـي وهـو يـعرف ما أوجب اللّه عزّ وجلّ  من حقّي وطاعتي, فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة, ومن كنّا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجنّ والإنس. ولقد حدّثني أبي,عن جدّي, عن أبيه(عليهم السلام ): إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: (من رآني في منامه فقد رآني، لأنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي، ولا في صورة أحد من أوصيائي، ولا في صورة واحدة من شيعتهم، وإنّ الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءاً من النبوّة)(من لا يحضره الفقيه، للصدوق 2: 584 الحديث (3191))، وطريقه إلى الحسن بن علي بن فضّال هو: ((عن أبي(رضي الله عنه) ــ أي والد الصدوق ــ عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال))( من لا يحضره الفقيه (المشيخة) 4: 95)، وهو صحيح(خلاصة الأقوال، للحلّي: 441 الفائدة الثامنة، خاتمة مستدرك الوسائل 4: 244 (77) الفائدة الخامسة، لوامع صاحب قراني، للمجلسي الأوّل 8: 577، باب ثواب زيارة النبيّ والأئمّة(عليهم السلام)، روضة المتّقين في شرح من لا يحضره الفقيه، للمجلسي الأوّل 5: 397 فضل زيارة الرضا(عليه السلام)).
ورواه بسند آخر في (الأمالي) و(عيون أخبار الرضا(عليه السلام)): ((حدّثنا محمّد بن إبراهيم(رحمه الله)، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال ، عن أبيه ، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنّه قال له رجل من أهل خراسان... ))(أمالي الصدوق: 120 الحديث (111)، عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 2: 287 ح11 باب (66) في ذكر ثواب زيارة الإمام الرضا(عليه السلام).
ورواه سليم بن قيس في كتابه: ((فقلت لمحمّد [ابن أبي بكر]: من تراه حدّث أمير المؤمنين(عليه السلام) عن هؤلاء الخمسة بما قالوا؟ فقال: رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنّه يراه في منامه كلّ ليلة، وحديثه إيّاه في المنام مثل حديثه إيّاه في الحياة واليقظة، فإنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: (من رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثل بي في نوم ولا يقظة، ولا بأحد من أوصيائي إلى يوم القيامة)))(كتاب سليم بن قيس: 350 ما قاله أصحاب الصحيفة الملعونة عند موتهم).
وقريب من معناه ما رواه الكشي: ((أحمد بن علي بن كلثوم، قال: حدّثني إسحاق بن محمّد البصري، قال: حدّثني الفضل بن الحارث، قال: كنت بسر من رأى وقت خروج سيّدي أبي الحسن(عليه السلام)، فرأينا أبا محمّد ماشياً قد شقّ ثيابه، فجعلت أتعجب من جلالته وما هو له أهل ومن شدّة اللون والأدمة، وأشفق عليه من التعب. فلمّا كان الليل رأيته (عليه السلام) في منامي، فقال: (اللون الذي تعجبت منه اختيار من الله لخلقه يجريه كيف يشاء، وأنّها هي لعبرة لأولي الأبصار، لا يقع فيه على المختبر ذمّ، ولسنا كالناس فنتعب كما يتعبون، نسأل الله الثبات ونتفكّر في خلق الله فإنّ فيه متّسعاً، واعلم! أنّ كلامنا في النوم مثل كلامنا في اليقظة)))( اختيار معرفة الرجال/رجال الكشي 2: 843 (1087)، مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب 3: 534، باب إمامة الحسن بن عليّ(عليه السلام)). والرواية ضعيفة بإسحاق بن محمّد البصري(معجم رجال الحديث، للخوئي 3: 228 (1177)).
ورواه أهل السُنّة بعبارات متقاربة بطرق مستفيضة، بل قال بعضهم بتواترها(نظم المتناثر في الحديث المتواتر، للكتاني: 218 الحديث (275)، فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي 6: 171 الحديث (8688))..
فقد رواه البخاري عن أبي هريرة، وأنس، وأبي قتادة، وأبي سعيد(صحيح البخاري 8: 71، باب من رأى النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام).
ورواه مسلم عن أبي هريرة، وأبي قتادة، وجابر(صحيح مسلم 7: 54 كتاب الرؤيا، باب قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من رآني في المنام).
ورواه أحمد بن حنبل عن ابن عبّاس(مسند أحمد بن حنبل 1: 279، 361 مسند عبد الله بن عبّاس)، وابن مسعود(مسند أحمد بن حنبل 1: 375، 440، 450 مسند عبد الله بن مسعود)، وأبي هريرة(مسند أحمد بن حنبل 1: 400 مسند عبد الله بن مسعود، 2: 232، 261، 342، 410، 411، 425، 463، 469، 472، مسند أبي هريرة)، وأبي سعيد(مسند أحمد بن حنبل 3: 55 مسند أبي سعيد)، وأنس(مسند أحمد بن حنبل 3: 269 مسند أنس بن مالك)، وجابر(مسند أحمد بن حنبل 3: 350 مسند جابر بن عبد الله الأنصاري)، وطارق بن أشيم الأشجعي(مسند أحمد بن حنبل 3: 472 حديث طارق بن أشيم الأشجعي)، وأبي قتادة(مسند أحمد بن حنبل 5: 306 حديث أبي قتادة الأنصاري).
ورواه ابن ماجة عن بعض من ذكرناه، وعن أبي جحيفة(سنن ابن ماجة 2: 1284 الحديث (3904)).
وأضاف الترمذي إليهم أبا بكرة، وقال هذا الحديث حسن صحيح(سنن الترمذي 3: 365 الحديث (2378)، باب ما جاء في قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من رآني في المنام)، وأضاف في باب آخر أُمّ العلاء، وابن عمر، وعائشة، وأبي موسى، وعبد الله بن عمرو(سنن الترمذي 3: 366 الحديث (2383)، باب ما جاء في قول النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من رآني في المنام).
وأورده المتّقي الهندي في (كنز العمّال) عن البراء نقلاً عن ابن النجّار، وسعيد بن منصور(كنز العمّال 15: 382 الحديث (41479، 41480).
ورواه ابن عدي، والدارقطني عن الإمام عليّ(عليه السلام)( الكامل 7: 221 (2116) ترجمة يحيى بن الحجّاج المكّي، علل الدارقطني 3: 170 س(336)).
هذا ما يتعلّق بسنده.
أمّا الكلام في مفاده ودلالته، فإنّه لا يمكن التمسّك به في إثبات الرؤية لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الأئمّة(عليهم السلام) في المنام لكلّ من ادّعاها، إذ لا يستفاد منه أكثر من نفي تمثّل الشيطان بنفس صورة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمّة(عليهم السلام)، ولا دلالة فيه على أنّ كلّ مرئي في المنام هو صورة واقعية للنبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الإمام(عليه السلام)، فقد رتب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) جزاء الشرط في قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (فقد رآني) ــ أي رآني حقيقة ــ على قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من رآني في المنام)، وضمير المتكلّم وهو (الياء) في رآني يعود على شخص النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا بدّ من ثبوت الرؤية لشخص النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام ليتحقّق الشرط، فيترتب عليه الجزاء، ولا يتحقّق الشرط بتوهّم أن المرئي في المنام هو النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يكن هو في الواقع، فاحتمال أو ظنّ الرائي لا يثبت به واقع الرؤية لشخص رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الأئمّة(عليهم السلام)، إذ لم يقل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): من اعتقد أنّه في المنام فقد رآني، وإنّما قال: (من رآني في المنام)، فالشرط هو رؤية صورة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) حقيقة لا اعتقاد رؤيته من الرائي، وبالتالي لا اعتبار بدعوى الرائي الرؤية، لأنّها مترتبة على اعتقاده، والاعتقاد منشأه أعمّ من المطابقة للواقع وحصول الرؤية الحقيقية أو ظنّ وتوهم رؤية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ يمكن أن يتمثّل له أحد الشياطين بصورة ما في منامه فيدّعي أنّه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أحد الأئمّة(عليهم السلام)، أو يعتقد الرائي أنّه أحدهم صلوات الله عليهم، ويمكن أن تتصوّر له صورة من عالم الخيال في منامه فيظنّ أنّه أحدهم صلوات الله عليهم، ومثل هذا لا يحقق الشرط في الحديث، وقول رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في نهاية الحديث: (فإنّ الشيطان لا يتمثل بي) لا يثبت إلاّ عدم قدرة الشيطان على التصوّر بصورة وشمائل شخص النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا ينفي عدم ادّعاء الشيطان كذباً أنّه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المنام، أو تخييله للنائم أنّ من رآه هو رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم). والمؤيّد لذلك اختلاف الراءون اختلافاً بيّناً في رؤاهم حتى يصل إلى حدّ التناقض، كيف وكلّ راءٍ يدّعي رؤية مطابقة لاعتقاده مع أنّ عقائدهم مختلفة متناقضة!(انظر: المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء 8: 318 كتاب ذكر الموت وما بعده، الباب الثامن).
وقد كان ابن عبّاس يسأل الرائي عن نعت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليثبته:
فقد روى أحمد: ((ثنا محمّد بن جعفر، ثنا عوف بن أبي جميلة، عن يزيد الفارسي، قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في النوم زمن ابن عبّاس، قال: وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إنّي رأيت رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم) في النوم؟ قال ابن عبّاس: فإنّ رسول الله كان يقول: (إنّ الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بي فمن رآني في النوم فقد رآني)، فهل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الذي رأيت؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلاً بين الرجلين جسمه ولحمه، أسمر إلى البياض، حسن المضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه حتّى كادت تملأ نحره، قال عوف: لا أدرى ما كان مع هذا من النعت! قال: فقال ابن عبّاس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا))(مسند أحمد بن حنبل 1: 361 مسند عبد الله بن عبّاس)، ورواه الترمذي في (الشمائل) بالسند (الشمائل المحمّدية: 213 الحديث (393))، وابن سعد في طبقاته(الطبقات الكبرى 1: 417 ذكر صفة خلق رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، وابن شبة في (تاريخ المدينة)(تاريخ المدينة 2: 610 صفة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، وقال الهيثمي: ((رواه أحمد ورجاله رجال ثقات))(مجمع الزوائد 8: 272، باب صفته(صلّى الله عليه وسلّم). وفقه ابن عبّاس للحديث وهو المعاصر لزمن النصّ؛ بطلبه من الرجل وصف من رأى كافٍ في الدلالة على المراد منه. 
وروى أحمد أيضاً: ((ثنا عفّان، ثنا عبد الواحد، ثنا عاصم بن كليب، حدّثني أبي أنّه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم): (من رآني في المنام فقد رآني، فإنّ الشيطان لا يتمثل بي)، قال عاصم: قال أبى: فحدثنيه ابن عبّاس، فأخبرته أنّي قد رأيته، قال: رأيته؟! قلت: أي والله، لقد رأيته، قال: فذكرت الحسن بن عليّ، قال: إنّي والله قد ذكرته ونعته في مشيته، قال: فقال ابن عبّاس: إنّه كان يشبهه))(مسند أحمد بن حنبل 2: 342 مسند أبي هريرة)، ورواه الحاكم، وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة))(المستدرك على الصحيحين 4: 393 كتاب تعبير الرؤيا)، ورواه ابن راهوية في مسنده(مسند ابن راهوية: 287 الحديث (261))، والترمذي في (الشمائل)(الشمائل المحمّدية: 213 الحديث (392))، وابن شبة في (تاريخ المدينة)(تاريخ المدينة 2: 616 صفة النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم))، وابن سعد في طبقاته(ترجمة الإمام الحسن من طبقات ابن سعد: 38 الحديث (35)).
ومن هنا  أورد البخاري شرط ابن سيرين بعد أن روى الحديث عن أبي هريرة، قال: ((قال ابن سيرين: إذا رآه في صورته))(صحيح البخاري 8: 71، باب من رأى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في المنام)، وكان يسأل مدّعي الرؤية عن صفة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليثبته، فقد روى ابن حجر من طريق إسماعيل ابن إسحاق القاضي، عن سليمان بن حرب، وهو من شيوخ البخاري، عن حمّاد بن زيد، عن أيوب، قال: كان محمّد ــ يعني ابن سيرين ــ إذا قصّ عليه الرجل أنّه رأى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، قال: صف لي الذي رأيته؟ فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره)). وقال ابن حجر: ((وسنده صحيح، ووجدت له ما يؤيّده)) ثمّ أورد ما أوردناه عن الحاكم آنفاً.(فتح الباري شرح صحيح البخاري 12: 338، باب من رأى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) في المنام).
وقال الشاطبي في (الاعتصام): ((لكن يبقى النظر في معنى قوله(صلّى الله عليه وسلّم): (من رآني في النوم فقد رآني)، وفيه تأويلان:
أحدهما: ما ذكره ابن رشد، إذ سئل عن حاكم شهد عنده عدلان مشهوران بالعدالة في قضية، فلمّا نام الحاكم ذكر أنّه رأى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، فقال له: ما تحكم بهذه الشهادة فإنّها باطلة؟!
فأجاب: بأنّه لا يحلّ له أن يترك العمل بتلك الشهادة، لأنّ ذلك إبطال لأحكام الشريعة بالرؤيا، وذلك باطل لا يصحّ أن يعتقد، إذ لا يعلم الغيب من ناحيتها إلاّ الأنبياء الذين رؤياهم وحى، ومن سواهم إنّما رؤياهم جزء من ستّة وأربعين جزء من النبوّة.
ثمّ قال: وليس معنى قوله: (من رآني فقد رآني حقّاً)، أنّ كلّ من رأى في منامه أنّه رآه فقد رآه حقيقة، بدليل أنّ الرائي قد يراه مرّات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أُخرى، ولا يجوز أن تختلف صور النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، ولا صفاته؛ وإنّما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها فقد رآني، إذ لا يتمثّل الشيطان بي، إذ لم يقل: من رأى أنّه رآني فقد رآني، وإنّما قال: (من رآني فقد رآني)، وأنّى لهذا الرائي الذي رأى أنّه رآه على صورة أنّه رآه عليها وإن ظنّ أنّه رآه، ما لم يعلم أنّ تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته.
فهذا ما نقل عن ابن رشد.
وحاصله يرجع إلى: أنّ المرئي قد يكون غير النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) وإن اعتقد الرائي أنّه هو.
والتأويل الثاني: يقوله علماء التعبير: إنّ الشيطان قد يأتي النائم في صورة ما من معارف الرائي، وغيرهم، فيشير له إلى رجل آخر هذا فلان النبيّ، وهذا الملك الفلاني، أو من أشبه هؤلاء ممّن لا يتمثّل الشيطان به، فيوقع اللبس على الرائي بذلك، وله علامة عندهم، وإذا كان كذلك أمكن أن يكلّمه المشار إليه بالأمر والنهى غير الموافقين للشرع، فيظنّ الرائي أنّه من قبل النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم)، ولا يكون كذلك فلا يوثق بما يقول له أو يأمر أو ينهى))(الاعتصام 1: 191، الباب الرابع في مأخذ أهل البدع).
ومن هنا يعسر الحال في معرفة أنّ من رآه في منامه هو النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو أحد الأئمّة(عليهم السلام)، أو هو غيرهم ادّعى في المنام أنّه أحدهم، خاصّة في مثل زماننا، بحيث صعب علينا ضبط صفة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والإمام عليّ، والحسنين(عليهم السلام)، فضلاً عن باقي الأئمّة(عليهم السلام)، واستحالته في مثل الزهراء(عليها السلام)، أو زينب(عليها السلام).
وقد ذكر جمع من العلماء من الشيعة وأهل السُنّة ميزاناً آخر غير دعوى الرائي يُرجع إليه لينضبط الحال ويحصل الاطمئنان بالرؤية، وهو لا بدية مطابقة الرؤية لما ثبت بالدليل من ظواهر الشريعة، وإذا كان كذلك فالحجّة تكون لتلك الظواهر الثابتة لا للرؤية.(انظر: كنز الفوائد، للكراجكي: 213، فصل في الرؤيا في المنام).
ثمّ إنّ العلماء شيعة وسُنّة أجمعوا على عدم حجّية الرؤيا:
قال العلاّمة الحلّي في جواب مسائل المهنا بن سنان المعروفة بـ(المسائل المهنائية): ((ما يقول سيّدنا في من رأى في منامه رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو بعض الأئمّة(عليهم السلام)، وهو يأمره بشيء أو ينهاه عن شيء، هل يجب عليه امتثال ما أمر به أو اجتناب ما ينهاه عنه، أم لا يجب ذلك، مع ما صحّ عن سيّدنا رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: (من رآني في منامه فقد رآني فإنّ الشيطان لم يتمثل بي)، وغير ذلك من الأحاديث المروية عنه(صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ وما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى عنه على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة؟ هل بين الحالين فرق أم لا؟ أفتنا في ذلك مبيّنا جعل الله كل صعب عليك هيناً؟
الجواب: ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه، وأمّا ما يوافق الظاهر فالأولى المتابعة من غير وجوب، ورؤيته(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يعطي وجوب اتّباع المنام))( أجوبة المسائل المهنائية: 98 مسألة (159).
وقال النووي من العامّة في معنى قوله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من رآني في المنام فقد رآني): ((ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعي به، لأنّ حالة النوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرائي، وقد اتّفقوا على أنّ من شرط من تقبل روايته وشهادته أن يكون متيقظاً لا مغفلاً ولا سيء الحفظ ولا كثير الخطأ ولا مختل الضبط، والنائم ليس بهذه الصفة فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه، هذا كلّه في منام يتعلّق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أمّا إذا رأى النبيّ(صلّى الله عليه وسلّم) يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهي عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه، لأنّ ذلك ليس حكماً بمجرّد المنام، بل تقرّر من أصل ذلك الشيء، والله أعلم))( شرح صحيح مسلم 1: 115، باب: بيان أنّ الاسناد من الدين ).
فعلى هذا المعنى يجب تنزيل دعوى من يدّعي رؤية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أحد الأئمّة(عليهم السلام)، أو غيرهم ممّن لهم مقامات عالية كالزهراء(عليها السلام) أو زينب(عليها السلام)، أو العبّاس بن عليّ(عليهما السلام)، وبهذا يرد على من يجعل ما يراه الرائي في منامه حجّة على دعوته وأحقيته، كما يحصل في زماننا من بعض مدّعي المهدوية.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال