الاسئلة و الأجوبة » الرق والعبودية » الاستعباد في الحرب مع الكفار


غسان / لبنان
السؤال: الاستعباد في الحرب مع الكفار
أرجو أن تبيّنوا بشيء من التفصيل مسألة مُلك اليمين (التعريف، الشروط، الأحكام المتصلة بهذا الموضوع، الأسباب التاريخية... ) خصوصاً وأن البعض من غير المسلمين يعيّروننا نحن المسلمون بهذه المسألة لأنها برأيهم تناقض مبادئ إنسانية عديدة. طبعاً نحن لا نشكك في ما جاء به كتاب الله تعالى، ولكن لا بأس من شرح المسألة بكليّاتها من قبل ذوي الإختصاص.
الجواب:

الأخ غسان المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الجواب عن السيرة التاريخية و استعباد الانسان واسبابه ؟
جاء في كتاب تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج 6 - ص 338 الى 343:

(كلام في الرق والاستعباد)

1- اعتبار العبودية لله سبحانه : ... .

2- استعباد الانسان وأسبابه :
كان الاستعباد والاسترقاق دائرا في المجتمع الانساني شائعة معروفة إلى ما يقرب من سبعين سنة قبل هذا التاريخ، ولعلها توجد معمولة في بعض القبائل المتطرفة النائية في أفريقيا وآسيا حتى اليوم، وكان اتخاذ العبيد والإماء من السنن الدائرة بين الأقوام القديمة لا يكاد يضبط بدء تاريخي له، وكان ذا نظام مخصوص وأحكام وقوانين عامة بين الأمم، وأخرى مخصوصة بأمة أمة.
والأصل في معناه كون النفس الانسانية عند وجود شرائط خاصة سلعة مملوكة كسائر السلع المملوكة من حيوان ونبات وجماد، وإذا كانت النفس مملوكة كانت مسلوبة الاختيار مملوكة الأعمال والآثار يتصرف فيها كيف أريد. هذه سنتهم الدائرة بينهم في الاسترقاق غير أنه لم يكن متكئا على إرادة جزافية أو مطلقا غير مبنى على أي شرط فلم يكن يسع لأحدهم أن يتملك كل من أحب، ولا أن يملك كل من شاء وأراد ببيع أو هبة أو غير ذلك فلم يكن أصل المعنى متكئا على الجزاف، وإن كان ربما يوجد في تضاعيف القوانين المتبعة فيه بحسب اختلاف آراء الأقوام وسننهم أمور جزافية كثيرة.
كان الاستعباد مبنيا على نوع من الغلبة والسيطرة كغلبة الحرب التي تنتج للغالب الفاتح أن يفعل بخصمه المغلوب ما يشاء من قتل أو سبى أو غيره، وغلبة الرئاسة التي تصير الرئيس الجبار فعالا لما يشاء في حوزة رئاسته، واختصاص التوليد والانتاج الذي يضع ولاية أمر المولود الضعيف في كف والده القوى يصنع به ما بدا له حتى البيع والهبة والتبديل والإعارة ونحو ذلك.
وقد تكرر في أبحاثنا السابقة : أن أصل الملك في المجتمع الانساني مبنى على القدرة المغروزة في الانسان على الانتفاع من كل شيء يمكنه أن ينتفع به بوجه - والانسان مستخدم بالطبع - فالإنسان يستخدم في سبيل إبقاء حياته كل ما قدر عليه واستخدامه والانتفاع بمنافع وجوده آخذا من المادة الأصلية فالعناصر فالمركبات الجمادية المتنوعة فالحيوان حتى الانسان الذي هو مثله في الانسانية.
غير أن حاجته المبرمة إلى الاجتماع والتعاون اضطره إلى قبول الاشتراك مع سائر أفراد نوعه في الانتفاع بالمنافع المحصلة من الأشياء بأعمالهم المشتركة فهو وسائر الافراد من نوعه يكونون لذلك مجتمعا يختص كل جزء من أجزائه وكل طرف من أطرافه بعمل أو أعمال ثم ينتفع المجموع بالمجموع، وإن شئت فقل : ثم تقسم نتائج الأعمال بينهم فيتمتع كل واحد منهم بذلك على مقدار زنته الاجتماعية، ولذلك نرى أن الفرد من الانسان وهو اجتماعي كلما قوى واشتد أبطل المدنية الطبعية وأخذ يستخدم الناس بالغلبة، ويتملك رقابهم، ويحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم بما يقترحه.
ولأجل ذلك إذا تأملت تأملا حرا في سنتهم في استعباد الانسان وجدت أنهم لا يعتبرون تملك الانسان ما دام داخلا في المجتمع وجزء من أجزائه بل إما أن يكون الانسان المملوك محكوما بالخروج عن المجتمع كالعدو المحارب الذي لا هم له إلا أن يهلك الحرث والنسل ويمحى الانسان باسمه ورسمه فهو خارج عن مجتمع عدوه، وله أن يهلكه بالإفناء ويتملك منه ما يشاء لان الحرمة مرفوعة، ومثله الأب بالنسبة إلى صغار أولاده والتابعين لنفسه فإنه يرى أنهم من توابعه في المجتمع من غير أن يكافئوه أو يماثلوه أو يوازنوه فله أن يتصرف فيهم حتى بالقتل والبيع وغيرهما.
وإما أن يكون الانسان المالك ذا خصيصة تدعوه إلى أن يعتقد أنه فوق المجتمع من غير أن يعادلهم في وزن أو يشاركهم في نفع بل له نفوذ الحكم، والتمتع بصفوة ما يختار، والتصرف في نفوسهم حتى بالملك والاستعباد.
فقد تبين أن الأصل الأساسي الذي كان يبنى عليه الانسان سنة الاستعباد والاسترقاق هو حق الاختصاص والتملك المطلق الذي يعتقده الانسان لنفسه، وأن الانسان لا يستثنى عنه أحدا إلا مشاركيه في مجتمعه الانساني ممن يعادله في الزنة الاجتماعية ويتحصن منه في حصن التعاون والتعاضد، وأما الباقون فلا مانع عنده من تملكهم واستعبادهم.
وعمدتهم في ذلك طوائف ثلاث : العدو المحارب، والأولاد الضعفاء بالنسبة إلى آبائهم وكذا النساء بالنسبة إلى أوليائهن، والمغلوب المستبذل بالنسبة إلى الغالب المتعزز.

3- سير الاستعباد في التاريخ :
سنة الاستعباد وإن كانت مجهولة من حيث تاريخ شيوعها في المجتمع الانساني غير أن الأشبه أن يكون أرقاء مأخوذين في أول الامر بالقتال والتغلب ثم يلحق به الأولاد والنساء، ولذلك نعثر في تاريخ الأمم القوية الحربية من القصص والحكايات وكذا القوانين والاحكام المربوطة بالاسترقاق بالسبي على ما لا يوجد في غيرهم. وقد كان دائرا بين الأمم المتمدنة القديمة كالهند واليونان والرومان وإيران، وبين المليين كاليهود والنصارى على ما يستفاد من التوراة والإنجيل حتى ظهر الاسلام فأنفذ أصله مع تضييق في دائرته وإصلاح لأحكامه المقررة، ثم آل الامر إلى أن قرر مؤتمر بروسل إلغاء الاستعباد قبل سبعين سنة تقريبا. قال " فردينان توتل " في معجمه لأعلام الشرق والغرب : كان الرق شائعا عند الأقدمين، وكان الرقيق يؤخذ من أسرى وسبايا الحرب ومن الشعوب المغلوبة، كان للرق نظام معروف عند اليهود واليونان والرومان والعرب في الجاهلية والاسلام. وقد ألغى نظام الرق تدريجا : في الهند ( 1843 ) وفي المستعمرات الفرنسية ( 1848 ) وفي الولايات المتحدة بعد حرب الانفصال ( 1865 ) وفي البرازيل ( 1888 ) إلى أن اتخذ مؤتمر بروسل قرارا بإلغاء الاستعباد ( 1890 ) غير أنه لا يزال موجودا فعلا بين بعض القبائل في أفريقيا وآسيا. ومبدأ إلغاء الرق هو تساوى البشر بالحقوق والواجبات، انتهى.

4- ما الذي رآه الاسلام في ذلك ؟
 قسم الاسلام الاستعباد بحسب أسبابه، وقد تقدم أن عمدتها كانت ثلاثة : الحرب، والتغلب والولاية كالأبوة ونحوها فألغى سببين من الثلاثة من أصله وهما التغلب والولاية. وقد أبقى الاسلام السبب الثالث من الأسباب الثلاثة للاستعباد أعني الحرب، وهو أن يسبى الكافر المحارب لله ورسوله والمؤمنين، وأما اقتتال المؤمنين بعضهم مع بعض فلا سبى فيه ولا استعباد بل يقاتل الباغي من الطائفتين حتى ينقاد لأمر الله قال تعالى : ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤمِنِينَ اقتَتَلُوا فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا فَإِن بَغَت إِحدَاهُمَا عَلَى الأُخرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَت فَأَصلِحُوا بَينَهُمَا بِالعَدلِ وَأَقسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقسِطِينَ * إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوَةٌ فَأَصلِحُوا بَينَ أَخَوَيكُم ... ﴾ (الحجرات:9-10).
وذلك إن العدو المحارب الذي لا هم له إلا أن يفنى الانسانية ويهلك الحرث والنسل لا ترتاب الفطرة الانسانية أدنى ريب في أنه يجب أن لا يعد جزء من المجتمع الانساني الذي له التمتع بمزايا الحياة والتنعم بحقوق الاجتماع، وأنه يجب دفعه بالافناء فما دونه، وعلى ذلك جرت سنة بني آدم منذ عمروا في الأرض إلى يومنا هذا وعلى ذلك ستجري. والاسلام لما وضع بنية المجتمع - المجتمع الديني - على أساس التوحيد وحكومة الدين الاسلامي ألغى جزئية كل مستنكف عن التوحيد وحكومة الدين من المجتمع الانساني إلا مع ذمة أو عهد فكان الخارج عن الدين وحكومته وعهده خارجا عن المجتمع الانساني لا يعامل معه إلا معاملة غير الانسان الذي للإنسان أن يحرمه عن أي نعمة يتمتع بها الانسان في حياته، ويدفعه بتطهير الأرض من رجس استكباره وإفساده فهو مسلوب الحرمة عن نفسه وعملة ونتائج أي مسعى من مساعيه، فللجيش الاسلامي أن يتخذ أسرى ويستعبد عند الغلبة.

5- ما هو السبيل إلى الاستعباد في الاسلام ؟
يتأهب المسلمون على من يلونهم من الكفار فيتمون عليهم الحجة ويدعونهم إلى كلمة الحق بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن فإن أجابوا فإخوان في الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم وإن أبوا إلا الرد فإن كانوا أهل كتاب وقبلوا الجزية تركوا وهم على ذمتهم، وإن أخذواعهدا كانوا أهل كتاب أم لا وفى بعهدهم، وإن لم يكن شئ من ذلك أوذنوا على سواء وقوتلوا. يقتل منهم من شهر سيفا ودخل المعركة، ولا يقتل منهم من ألقى السلم، ولايقتل منهم المستضعفون من الرجال والنساء والولدان، ولا يبيتون ولا يغتالون، ولا يقطع عنهم الماء، ولا يعذبون ولا يمثل بهم فيقاتلون حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين. فإذا غلبوهم ووضعت الحرب أوزارها فما تسلط عليه المسلمون من نفوسهم وأموالهم فهو لهم، وقد اشتمل تاريخ حروب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومغازيه على صحائف غر متلمعة مملوءة من السيرة العادلة الجميلة فيها لطائف الفتوة والمروة، وطرائف البر والاحسان.

6- ما هي سيرة الاسلام في العبيد والإماء ؟
إذا استقرت العبودية على من استقرت عليه صار ملك يمين، منافع عمله لغيره ونفقته على مولاه. وقد وصى الاسلام أن يعامل المولى مع عبده معاملة الواحد من أهله وهو منهم فيساويهم في لوازم الحياة وحوائجها، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤاكل عبيده وخدمه ويجالسهم، ولا يؤثر نفسه عليهم في مأكل ولا ملبس ونحوهما.
وأن لا يشق عليهم ولا يعذبوا ولا يسبوا ولا يظلموا، وأجيز أن يتزوجوا فيما بينهم بإذن أهلهم، وإن يتزوج بهم الأحرار، وأن يشاركوهم في الشهادات، ويساهموهم في الأعمال حال الرق وبعد الانعتاق. وقد بلغ من إرفاق الاسلام في حقهم أن شاركوا الأحرار في عامة الأمور، وقد قلد جمع منهم الولاية والامارة وقيادة الجيش على ما يضبطه تاريخ صدر الاسلام،ويوجد بين الصحابة الكبار عدة من الموالى كسلمان وبلال وغيرهما. وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعتق جاريته صفية بنت حي بن أخطب وتزوج بها، وتزوج جويرية بنت الحارث بعد وقعة بنى المصطلق وقد كانت بين سباياهم، وكانوا مأتى بيت بالنساء والذراري، وصار ذلك سببا لانعتاق الجميع، وقد مر إجمال القصة في الجزء الرابع من الكتاب.
ومن الضروري من سيرة الاسلام أنه يقدم العبد المتقى على المولى الحر الفاسق،وأنه يبيح للعبد أن يتملك المال ويتمتع بعامة مزايا الحياة بإذن من أهله، هذا إجمال من صنيع الاسلام فيهم.
ثم أكد الوصية وندب أجمل الندب إلى تحرير رقبتهم، و إخراجهم من ظرف الاستعباد إلى جو الحرية ولا يزال يقل بذلك عددهم ويتبدل جمعهم موالى وأحرارا لوجه الله، ولم يقنع بذلك دون أن جعل تحرير الرقبة أحد خصال الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الافطار، وأجاز لهم الاشتراط والكتابة والتدبير، كل ذلك عناية بهم وقصدا إلى تخليصهم وإلحاقا لهم بالمجتمع الانساني الصالح إلحاقا تاما يقطع دابر الاستذلال.

7- محصل البحث في الفصول السابقة :
تحصل مما مر أمور ثلاث :
الأول : أن الاسلام لم يأل جهدا في إلغاء أسباب الاستعباد وتقليلها وتضعيفها حتى وقف على واحد منها لا محيص عن اعتباره بحكم الفطرة القاطع، وهو جواز استعباد كل إنسان محارب للدين مضاد للمجتمع الانساني غير خاضع للحق بوجه من وجوه الخضوع.
الثاني : أنه استعمل جميع الوسائل الممكنة في إكرامهم - العبيد والإماءوتقريب شؤونهم الحيوية من حياة أجزاء المجتمع الحرة حتى صاروا كأحدهم وإن لم يصيروا أحدهم، ولم يبق عليهم إلا حجاب واحد رقيق، وهو أن الزائد من أعمالهم على واجب حياتهم حياة متوسطة لمواليهم لا لهم، وإن شئت فقل : لا فاصل في الحقيقة بين الحر والعبد في الاسلام إلا إذن المولى في العبد.
الثالث : أنه احتال بكل حيلة مؤثرة إلى الحاق صنف المماليك إلى مجتمع الأحراربالترغيب والتحريص في موارد، وبالفرض والايجاب في أخرى كالكفارات، وبالتسويغ والانفاذ في مثل الاشتراط والتدبير والكتابة.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال