الاسئلة و الأجوبة » المسح علی الرجلين » في أصح النسخ للبخاري وردت (الأرجل) بالكسر في آية الوضوء


شيعي مغترب
السؤال: في أصح النسخ للبخاري وردت (الأرجل) بالكسر في آية الوضوء
توجد نسخة قديمة للبخاري تسمّى اليونينية والتي اعتمدها القسطلاني في شرحه للبخاري في (إرشاد الساري) تنص على أنّ آية الوضوء بكسر الأرجل وتعتبر أصح نسخة للبخاري!
فما رأيكم بتحريف القوم للبخاري وللقرآن الكريم؟!
الجواب:
الأخ المحترم 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم، بالنسبة للنسخة اليونينية هي للعلاّمة الحافظ أبي الحسين شرف الدين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله اليونيني المتولد سنة (621هـ) والمتوفى سنة (726هـ)، فهو من أعلام القرن السابع الهجري.
وتعتبر نسخة اليونيني من أهم نسخ (صحيح البخاري) وأصحها، بل هي المرجع في الطبعات كلّها للبخاري كالاميرية والسلطانية وغيرها، وقد اعتمدها العلاّمة القسطلاني في شرحه للبخاري (إرشاد الساري).
والمهم في هذه النسخة أنّ اليونيني ضبطها على ابن مالك إمام العربية شيخه، وقال عن ذلك الحافظ ابن حجر في (الدرر الكامنة): ((عني بالحديث وضبطه وقرأ البخاري على ابن مالك تصحيحاً، وسمع منه ابن مالك رواية وأملى عليه فوائد مشهورة)).
وقال الذهبي: ((حصل الكتب النفيسة وما كان في وقته أحد مثله، وكان حسن اللقاء خيّراً ديّناً متواضعاً منور الوجه كثير الهيبة جم الفضائل، انتفعت بصحبته وقد حدث بالصحيح مرّات ويقصد صحيح البخاري )).
وقال أحمد محمد شاكر: ((منذ بضع عشرة سنة فكّرت في طبع (صحيح البخاري) ثمّ لم يقدّر أن يتحقّق ما أردنا، وكانت الفكرة مبنية على إخراج الكتاب إخراجاً صحيحاً متقناً موثقاً عن أصح نسخة وأجلها، وهي الطبعة السلطانية التي أمر بطبعها السلطان عبد الحميد وطبعت بمصر في المطبعة الأميرية في سني 1311- 1313هـ، ثمّ الطبعة التالية لها التي طبعت على مثالها في المطبعة الأميرية سنة 1314هـ. والطبعة السلطانية مطبوعة عن النسخة (اليونينية) وهي أعظم أصل يوثق به في نسخ (صحيح البخاري)، والنسخة اليونينية هي التي جعلها العلاّمة القسطلاني (المتوفى سنة 923هـ) عمدته في تحقيق متن الكتاب وضبطه حرفاً حرفاً وكلمة كلمة. وهذه هي أكبر ميزة لشرح القسطلاني المسمّى (إرشاد الساري) وهو شرح معروف مشهور عند أهل العلم. فكتبت حينذاك مقدّمة أعددتها لتقديمها بين يدي الكتاب عند طبعه تعريفاً بالنسخة (اليونينية) وبما فيها من مزايا يحرص عليها طالب العلم المتوثق المتثبت)). أ هـ
وبذلك يتبيّن أهمية وأصالة هذه النسخة وكونها أصحّ النسخ بإجماع علمائهم.

أمّا الطبعات التالية لها فهي مأخوذة عنها، ولذلك كلامكم يكون صحيحاً، وأنّهم ينظمون حملة مستمرة على مدى التاريخ في تحريف الكتب والتلاعب بها! هذا إذا لم يعملوا على إخفائها، كما هو الحال في إخفاء كتاب تفسير القرآن لابن مردويه كونه كتاباً عظيماً صاحب أسانيد أعلائية، ويعتبر من أقدم المصادر والتفاسير، ولم يفعلوا ذلك إلاّ لأنّه ممتلئ بفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، ويروي بالأسانيد العالية أسباب نزول عشرات الآيات إن لم تكن مئات فيهم (عليهم السلام)، ولذلك أعدموه من الوجود ولم يحاولوا إيجاده وإظهاره!!
ورواية الكسر هي الأصل في (صحيح البخاري)، ولكن القوم لا يتحمّلون إبقاء أي دليل يفيد أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في البخاري ممّا يبطل مذهبهم، ولذلك تصرّفوا كثيراً في بعض ألفاظه، كما في نكاح الدبر حيث وضعوا بياضاً بدلاً من قوله في تفسير قوله تعالى: (( نِسَاؤُكُم حَرثٌ لَكُم فَأتُوا حَرثَكُم أَنَّى شِئتُم )) (البقرة:223)، فقال: في الدبر، ولكن نسخة البخاري المطبوعة تجد أنّهم وضعوا بياضاً بدل هذه الكلمة ليخفوا الحقيقة ويحرّفونها.
وقوله تعالى: (( وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم )) (المائدة:6) هي المروية عند البخاري قبل التحريف ولذلك أكد ذلك العلامة القسطلاني بقوله (( وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم وَأَرجُلَكُم )) بالجر، وللاصيلي بالنصب.(راجع إرشاد الساري شرح صحيح البخاري للعلامة القسطلاني 1/225).
وقال محي الدين الدرويش في (إعراب القرآن الكريم وبيانه 2/185): (( (( وَأَرجُلَكُم إِلَى الكَعبَينِ )) قرأ نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي، ويعقوب: وأرجلكم بالفتح... وقرأها الباقون: ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو بالجر، والظاهر أنّه عطف على الرأس، أي: وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين. ومن هنا اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما، فجماهير أهل السُنّة على أنّ الواجب هو الغسل وحده، وقالت الشيعة الإمامية: إنّه المسح، وقال داود بن علي (مؤسس المذهب الظاهري) والناصر للحقّ من الزيدية: يجب الجمع بينهما. وقد رأى ابن جرير الجمع بين القولين للاحتياط.
إلى أن قال الدرويش: وقد اطالوا في التخريج والتأويل إطالة لا يتسع لها صدر هذا الكتاب، وهي ناشئة عن الولع بالتحقيق والوصول إلى ما هو أجدى وأسلم، ولهذا جنح ابن جرير إلى الجمع، وفيه من حسن النية وسلامة الطوية الشيء الكثير)). أ هـ 
ومن الواضح أنّ السلف هم من تصرّفوا بالأرجل، فحركوها بالفتح لتتماشى مع ما روي عندهم، وذهب جمهورهم إليه، حيث أشار الطبري في تفسيره بقوله 6/177: ((اختلفت قراءة القرّاء في قوله: (وأرجلكم)، فنصبها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أنّ الفرض فيهما الغسل وإنكاراً منه المسح عليهما مع تظاهر الأخبار عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بعموم مسحهما بالماء، وخفضها بعضهم توجيها منه ذلك إلى أنّ الفرض فيهما المسح...
إلى أن قال الطبري: وكانت القراءتان كلتاهما حسناً صواباً، فأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً لما وصفت من جمع المسح المعنيين اللذين وصفت، ولأنّه بعد قوله: (( وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم )) فالعطف به على الرؤوس مع قربه منه أولى من العطف به على الأيدي، وقد حيل بينه وبينها بقوله: (( وَامسَحُوا بِرُءُوسِكُم )) )).

ويرد كلام الدرويش حول نقله لمذهب الطبري بأنّه قال بالجمع للاحتياط، أنّنا لم نجده يصرّح بذلك كما نقلنا قوله، بل هو يصرّح بترجيحه لرواية الجرّ، وكذلك نقل غير الدرويش عن الطبري أنّه يذهب للتخيير وليس للجمع، كما قال القرطبي في تفسيره 6/91: وتعلق الطبري برواية الخفض... وذهب ابن جرير الطبري إلى أنّ فرضها التخيير بين الغسل والمسح وجعل القرائتين كالروايتين.
وقال الجصاص في (أحكام القرآن 2/433): ((قرأ ابن عبّاس والحسن وعكرمة وحمزة وابن كثير: (وأرجلكم) بالخفض، وتأوّلوها على المسح.
ثمّ قال: وهاتان القراءتان (النصب، والخفض) قد نزل بهما القرآن جميعاً، ونقلتهما الأُمّة تلقياً من رسول الله(صلّى الله عليه وسلّم)، ولا يختلف أهل اللغة أنّ كلّ واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس، ويحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول من الأعضاء، وذلك لأنّ قوله: (وأرجلكم) بالنصب يجوز أن يكون مراده: فاغسلوا أرجلكم، ويحتمل أن يكون معطوفاً على الرأس فيراد بها المسح، وإن كانت منصوبة فيكون معطوفاً على المعنى لا على اللفظ، لأنّ الممسوح به مفعول به، كقول الشاعر:

معاوي إننا بشر فاسجح ***** فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فنصب الحديد وهو معطوف على الجبال بالمعنى. ويحتمل قراءة الخفض أن تكون معطوفة على الرأس فيراد به المسح، ويحتمل عطفه على الغسل ويكون مخفوضاً بالمجاورة...)) أ هـ. 
نقول: (( يُرِيدُونَ أَن يُطفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفوَاهِهِم وَيَأبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ )) (التوبة:32).
حيث أنّنا لو دقّقنا النظر في منشأ الغسل مع ورود المسح عن السلف المحترمين كابن عبّاس، وأنس، ومجاهد، والحسن البصري، والإمام الباقر (عليه السلام)، والشعبي، وقتادة، وعلقمة، والأعمش، والضحّاك، والطبري، إضافة إلى القرّاء حمزة، وابن كثير، وغيرهم الكثير، حتّى قال ابن عباس: ((الوضوء غسلتان ومسحتان))، لوجدنا أنّ المؤسّس للغسل إنّما هو الحجّاج بن يوسف الثقفي، حيث روى أنس بن مالك: أنّ الحجاج خطب بالأهواز فذكر الحديث، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم فإنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فسمع أنس بن مالك، فقال: صدق الله وكذب الحجّاج.
فتبيّن أنّه على القراءتين يمكن أن يكون المسح هو المراد بالآية الكريمة، بل هو الراجح إن لم نقل بأنّه المتحتم.
والله العالم والهادي إلى سواء السبيل. 
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال