الاسئلة و الأجوبة » الإلهيات(الأسماء والصفات) » الاحدية والواحدية


صلاح الحريري / مصر
السؤال: الاحدية والواحدية
هل الذات الإلهية في الأحدية لها [أنا]، بينما في الواحدية لها [أنا] مختلفة عن أنا الأحدية؟!
الجواب:
الاخ صلاح المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اختلف علماء التفسير في ذلك، فذهب جمع منهم إلى عدم الفرق بينهما في المعنى، كما عن ابن عباس وأبي عبيدة، وذهب الأكثر إلى افتراقهما من وجوه:
منها: أنّ (الواحد) اسم لمفتتح العدد، فيقال: واحد اثنان ثلاثة. أمّا (أحد) فينقطع معه العدد فلا يقال: أحد اثنان ثلاثة.
ومنها: أنّ (أحداً) في النفي أعم من الواحد. يقال: ما في الدار واحد، ويجوز أن يكون هناك اثنان أو ثلاثة أو أكثر. أمّا لو قال: ما في الدار أحد، فهو نفي وجود الجنس بالمرة، فليس فيها أحد ولا اثنان ولا ثلاثة ولا أكثر ولا أقل.
ومنها: أنّ (الواحد) يمكن جعله وصفاً لأيّ شيء أريد، فيصح القول: رجل واحد، وثوب واحد، ولا يصح وصف شيء في جانب الإثبات ب(أحد) إلا الله الأحد: (( قُل هُوَ اللهُ أحَدٌ )) (التوحيد:1)، فلا يقال: رجل أحد، ولا ثوب أحد، فكأنّ الله عز وجل استأثر بهذا الوصف. نعم في جانب النفي قد يذكر هذا في غير الله تعالى، فيقال: ما رأيت أحداً.

أمّا الذين ذهبوا إلى وحدة المعنى، فقد استندوا إلى وجوه:
أحدها: قراءة الأعمش: (( قل هُوَ اللهُ وَاحِدٌ ))، والأصل في القراءات المختلفة لفظاً أن تتحد معنى.

ثانيها: التمسّك بما رواه الصدوق عن الإمام الباقر (عليه السلام): الأحد الفرد المتفرد، والأحد والواحد بمعنى واحد، وهو المتفرد الذي لا نظير له، والتوحيد الإقرار بالوحدة وهو الانفراد، والواحدالمتبائن الذي لا ينبعث من شئ ولا يتحد بشيء، ومن ثم قالوا: إن بناء العدد من الواحد وليس الواحد من العدد لأن العدد لا يقع على الواحد بل يقع على الاثنين، فمعنى قوله: الله أحد: المعبود الذي يأله الخلق عن إدراكه والإحاطة بكيفيته، فردٌ بإلهيته، متعال عن صفات خلقه.

ثالثها: إطلاقهما على الله تعالى وعلى غيره، أمّا (واحد) فواضح. وأما (أحد)، فكثير في القرآن؛ قال تعالى: (( إِذَا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوتُ )) (المائدة:106)، (( فَخُذ أحَدَنا مكَانَهُ )) (يوسف:78)، (( يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لستُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ )) (الأحزاب:32)، وتستعملان في النفي والإثبات كما تبيّن.

أقول: لا شك في وجود فوارق بين الكلمتين في الاستعمالات القرآنية وغيرها. ف(الواحد) تستعمل في الإثبات والنفي، في الإفراد والإضافة، في الباري تبارك وتعالى وفي غيره، في التذكير والتأنيث. قال تعالى: (( وإلَٰهُكُم إلَٰهٌ وَاحِدٌ )) (البقرة:163)، (( كان النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ))، (( لن نَصبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ )) (البقرة:213)، ويقال: (فلانٌ واحدُ قومه). و (الأحد) لم ينقل استعماله في الإثبات من دون إضافة في غيره تبارك وتعالى: (( قُل هو اللهُ وَاحِدٌ )). والتمسك بقراءة الأعمش مع شذوذها لا يثبت الاتحاد، ورواية الصدوق لم تصحّ، وعلى تقدير صحّتها لا يثبت اتّحادهما من غير جهة الفرد والتفرّد المبيّن في الرواية.

قال العلامة الطباطبائيّ رحمه الله: (أحد وصف مأخوذ من الوحدة كالواحد غير أن الأحد إنما يطلق على ما لا يقبل الكثرة لا خارجا ولا ذهنا ولذلك لا يقبل العد ولا يدخل في العدد بخلاف الواحد فإنّ كل واحد له ثانيا وثالثا إما خارجا وإما ذهنا بتوهم أو بفرض العقل فيصير بانضمامه كثيرا، وأما الأحد فكل ما فرض له ثانيا كان هو هو لم يزد عليه شيء). ويمكن أن يؤيّد ذلك بما رواه الصدوق في كتاب التوحيد: “إنّ أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إن الله واحد؟ قال: فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعوه فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، ثم قال: يا أعرابي إن القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام فوجهان منها لا يجوزان على الله عز وجل، ووجهان يثبتان فيه، فأما اللذان لا يجوزان عليه فقول القائل: واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد أما ترى أنّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس فهذا ما لا يجوز لأنّه تشبيه وجل ربنا وتعالى عن ذلك. وأما الوجهان اللذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه كذلك ربنا، وقول القائل: عز وجل أحدي المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذلك ربنا عزوجل”، فالواحد عندما يوصف به الباري تعالى من الأول الذي يثبت، وتوصيفه بالأحد من الثاني منهما. والله أعلم.
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال