الاسئلة و الأجوبة » خطبة علي (عليه السلام) لبنت أبي جهل المفتراة » بحث حول خطبة الامام علي (عليه السلام) ابنة أبي جهل


يونس مطر سلمان / البحرين
السؤال: بحث حول خطبة الامام علي (عليه السلام) ابنة أبي جهل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اللهم صل على محمد و على آل محمد الطيبين الطاهرين وعلى أصحابهم الموالين لهم..
قرأت في الكثير من المواقع السنية عن زواج الإمام علي بن أبي طالب سلام الله عليه من ابنة أبي جهل.. ( جويرية بنت أبي جهل)..
ولكن رسول الله غضب من ذلك وأخبره (أي الإمام علي) بأن ابنة رسول الله لا تجتمع من ابنة عدو الله..فهل هذه الرواية صحيحة.. أي أن الامام علي عليه السلام قد خطب ابنة ابي جهل عدو الله ورسوله.. وأنه تركها بعدما غضب النبي (ص).. أليس رسول الله (ص) قال.. فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني.
ومن يغضب رسول الله فقد أغضب الله سبحانه وتعالى، والإمام علي إمام معصوم...فهل هذه الرواية صحيحة...وإن كان الإمام علي عليه السلام قد خطبها فعلا ثم تركها...هل يعد ذلك من موارد إغضاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أرجو افادتي بالجواب سريعا.ولكم جزيل الشكر والتقدير
الجواب:

الأخ يونس المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أشاعوا أن عليّا خطب ابنة أبي جهل ـ عدو الله ورسوله ـ وبلغ ذلك السيدة فاطمة (عليها السلام) فغاضها ذلك, حتى خرجت مغاضبة من بيتها ومعها حسن وحسين وأم كلثوم, فدخلت حجرة النبي (صلى الله عليه وآله), فلما جاء النبي ورآها قالت له : يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك, وهذا علي ناكح بنت أبي جهل, فخرج وصعد المنبر وخطب فقال : (إن فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها, ويؤذيني ما آذاها, وأنا أتخوف أن تفتن في دينها) . ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته إياه, وقال : حدثني فصدقني, ووعدني فوفى لي, وإني لست أحرّم حلالا ولا أحل حراما, ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنت عدو الله أبداً, وإن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب, فلا آذن ثم لا آذن, إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح أبنتهم ...

هذا هو ما افتراه قاله السوء, وحيث إن هذه الفرية لا تثبت سندا ولا متنا, ولو أردنا كشف حال جميع ما ورد في ذلك من أحاديث في مختلف المصادر لاحتجنا إلى تأليف خاص به ولسنا بصدده, ويكفي أن أشير إلى مصدر واحد يعدّ من أقدم المصادر الحديثية, وذلك هو كتاب المصنّف لعبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة 211هـ, فقد أورد الحديث أربع مرات لم يخل واحد منها عن إعضال وإرسال مع وجود المجروحين في رجال الأسانيد .

أما بقية المصادر التي ذكرت الحديث مسندا إلى الصحابة أو مرسلا عن التابعين فهي:
1- صحيح البخاري وسيأتي ذكر موارده .
2- صحيح مسلم, باب فضائل فاطمة في أربعة أحاديث ستأتي الإشارة إليها .
3- سنن الترمذي في كتاب المناقب, فضل فاطمة في حديثين .
4- سنن ابن ماجة في كتاب النكاح, باب الغيرة في حديثين .
5- سنن أبي داود في كتاب النكاح, في ثلاثة أحاديث .
6- مستدرك الحاكم 3 / 108 في ثلاثة أحاديث .
7- المصنف لابن ابي شيبة 12/128 حديث واحد رواه بسنده عن عامر الشعبي.
8- مسند أحمد 4/326 ـ 328 في أحاديث المسور بأربعة أسانيد, وفي 4/5 في حديث عبد الله بن الزبير حديث واحد .
9- فضائل الصحابة لأحمد 2 / 754 في ثمانية أحاديث .
10- مجمع الزوائد 9/203 نقلا عن الطبراني في الثلاثة وعن البزار باختصار عن ابن عباس, وقال : وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف .
11- كنز العمال 13/677 نقلا عن عبد الرزاق في حديثين, وفي 14/158 حديث موضوع على لسان علي يعترف فيه بخطبته لابنة أبي جهل, وسيأتي ذكره .
12- المطالب العالية لابن حجر 4/67 .
13- ابن شاهين في فضائل فاطمة .
وربما يوجد غير ذلك من المصادر الثانوية, فلا حاجة بنا إلى التقصي عنها, لكن المهم معرفة حال الرواة الذين تنتهي إليهم أسانيد الحديث في جميع تلكم المصادر .
لذا كان لزاماً تسليط الضوء على رجال الإسناد من الصحابة والتابعين فقط, ثم بيان المؤاخذات على ما جاء في المتن .

أما رجال الإسناد من الصحابة فتنتهي الى ثلاثة, كلهم من المنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام), وهم :

أبو هريرة الدوسي, وعبد الله بن الزبير, والمسور بن مخرمة كما يروي عن ابن عباس وسيأتي بيانه .

أقول : أمر عظيم كهذا يغضب النبي (صلى الله عليه وآله) حتى يصعد المنبر ويخطب الناس تتوفر الدواعي على نقله, ثم لا ينقله إلا هؤلاء الثلاثة من الصحابة لدليل على وضع الحديث, ويكفي كشف حال هؤلاء الثلاثة عن البحث في بقية من هم دونهم من التابعين ممن روى عنهم أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن, وفيهم من لا تلتقي بذمه الشفتان, ولا يؤبه به في الميزان, لما فيه من حسيكة, امثال الزهري, وابن ابي مليكة لما سنذكره عنهما, وعروة بن الزبير, وعامر الشعبي, وحالهم كمن سبق, ويأتي ذكر محمد بن الحنفية, وعلي بن الحسين, وسويد بن غفلة مضافا الى التابعين .

أما حال الصحابة الثلاثة فهم :

أولا :
ابو هريرة الدوسي : ذكر الاسكافي كما في شرح النهج المعتزلي الحنفي ان معاوية وضع قوما من الصحابة وقوما من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام), تقتضي الطعن فيه والبراءة منه, وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله, فاختلقوا ما أرضاه, منهم ابو هريرة, وعمرو بن العاص, والمغيرة بن شعبة, ومن التابعين عروة بن الزبير ...
ثم قال بعد كلام طويل : وأما أبو هريرة فروى عنه الحديث, معناه أن عليا (عليه السلام) خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأسخطوه فخطب على المنبر وقال : لاها الله لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله ابي جهل, إن فاطمة بضعة مني, يؤذيني ما يؤذيها, فإن كان علي يريد ابنة ابي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد . أو كلاما هذا معناه, والحديث مشهور من رواية الكرابيسي .
قال ابن ابي الحديد : قلت : هذا الحديث أيضا مخرج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري, وقد ذكره المرتضى في كتابه المسمى (تنزيه الانبياء والأئمة), وذكر أنه رواية حسين الكرابيسي وأنه مشهور بالانحراف عن أهل البيت عليهم السلام .

أقول : ولنعد الى أبي هريرة, ولنقرأ عنه ما يثبت انحرافه عن الامام (صلى الله عليه وآله) مضافا الى كذبه الشائع الذائع على النبي (صلى الله عليه وآله), حتى لقد ذكر ابن عساكر في تاريخه, والسيوطي في جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال, وابن ابي الحديد في شرح النهج وغيرهم ضرب عمر له بالدرة, وقال : قد أكثرت من الرواية, وأحربك ان تكون كاذبا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) .
وأكذبه غير واحد من الصحابة, فقال فيه الامام (عليه السلام) : ألا إن أكذب الناس أو قال أكذب الاحياء على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو هريرة الدوسي (كما عن الإسكافي في شرح النهج) .
فأبو هريرة وحديثه إن صح عنه فهو كبقية أحاديثه التي رواها ولم يكن حاضرا فيها زمان صدورها, وقد مرت الاشارة الى نماذج من ذلك كحديث تبليغ براءة, وحديث الثقلين , وحديث الغدير وغيرها مما زعم سماعها وهو لم يكن وقتها حاضرا, بل كان بالبحرين .

ثم إن الرجل لو لم يكن إلا اعتزاله للإمام (عليه السلام) أيام خلافته, وضلوعه في ركاب معاوية لإشباع نهمته, لكفى ذلك في ردّ روايته, كيف لا وهو الذي ضرب على صلعته في مسجد الكوفة حين جاء مع معاوية في حاشيته, فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه, ثم ضرب صلعته مرارا وقال : يا أهل العراق اتزعمون اني اكذب على رسول الله وأحرق نفسي بالنار ؟ والله لقد سمعت رسول الله يقول : لكل نبي حرم, وإن حرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور(وهذا من بينات كذبه, فعير وثور اسم جبلين, أحدهما بالمدينة وهو عير, وثانيهما بمكة وهو ثور, فكيف يحدد ما بينهما ويجعله حرما للمدينة ؟! وإنما الصحيح : ما بين عير إلى وعير, وهما لابتا المدينة جبلان من جانبيها . ), فمن أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, وأشهد بالله ان عليا أحدث فيها ...
فلما بلغ معاوية قوله, أجازه وأكرمه وولاه إمارة المدينة (شرح النهج لابن ابي الحديد المعتزلي 1 / 359 طـ الأولى ) .

قال الثقفي في كتابه الغارات : لما دخل معاوية الكوفة دخل ابو هريرة المسجد, فكان يحدّث ويقول : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله), وقال ابو القاسم, وقال خليلي ! فجاءه شاب من الأنصار يتخطى الناس حتى دنا منه, فقال : يا أبا هريرة حديث أسالك عنه, فإن كنت سمعته من النبي (صلى الله عليه وآله) فحدثنيه, أنشدك بالله سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي :
من كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه وعاد من عاداه ...
قال أبو هريرة : نعم والذي لا إله إلا هو لسمعته (أقول : لقد كذب حتى في حلفه هذا, لأن الحديث هو حديث الغدير, وكان في حجة الوداع, ولم يكن أبو هريرة حاضرا, إذ كان بالبحرين منذ شهر ذي القعدة سنة 8 من الهجرة, وحتى سنة عشرين حين استقدمه عمر في خلافته للشهادة على قدامة بن مظعون لشربة الخمر, فكل ما يرويه من أحاديث نبوية وأحداث حجازية مما زعم فيه عنصر المشاهدة والسماع في تلك المدة فهو كاذب وإن أقسم ألف يمين) . من النبي (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي : من كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه, وعاد من عاداه ...
فقال له الفتى : لقد والله واليت عدوّه, وعاديت وليّه, فتناول بعض الناس الشاب بالحصى, وخرج ابو هريرة فلم يعد إلى المسجد حتى خرج من الكوفة (الغارات, ص 568) .

أقول : روى ذلك ايضا ابن ابي شيبة في المصنف (المصنف 12/68) . والسمعاني في فضائل الصحابة, وابن عساكر في تاريخه (تاريخ دمشق (ترجمة الإمام) 2 / 72) .
إلا أنه لم يذكر الزمان والمكان, مما أسدل غشاء الإيهام على حديثه, وكذلك رواه ابن كثير في السيرة النبوية (السيرة النبوية 4 /426 ), وصنع كما صنع ابن عساكر من إهمال ذكر المكان والزمان, نقلا عن الحافظ ابي يعلى الموصلي وعن ابن جرير في الكتاب الذي جمع فيه طرق حديث الغدير وألفاظه, ولا غرابة في صنع ابن كثير, فهو أيضاً شامي .
وأظن أنما فعلا ذلك رعاية لصحبة أبي هريرة, ولا غضاضة فابن عساكر شامي شافعي, وكذلك ابن كثير, ولو كانا كوفيين حنفيين لاستثنياه من جماعة الصحابة المعدلين كما صنع أبو حنيفة, فقد استثناه واستثنى أنسا وآخرين من عدالة الصحابة (راجع سؤال أبي يوسف له في ذلك في شرح النهج للمعتزلي الحنفي 1 / 360 طـ الأولى, شرح صحيح مسلم للنووي ج4) . فهذا أبو هريرة ـ الرواية ـ كيف يصدق في حديثه عن خطبة الامام لابنة ابي جهل وهو يوالي عدوه ويعادي وليّه على حد قول الشاب الأنصاري .

ثانيا :
عبد الله بن الزبير : وعداوته للإمام أظهر من أن تحتاج إلى بيان, بل بلغ في نصبه الغاية حتى إنه ترك الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله) أيام قيامه بمكة, فعيب عليه ذلك, وأنكر فعله المسلمون فقال : إن له أهيل سوء, إذا ذكرته اشرأبت أعناقهم (قال ابن ابي الحديد في شرح النهج 1 / 358 طـ الاولى : روى عمر بن شبة وابن الكلبي والواقدي وغيرهم من رواة السير : أنه مكث أيام ادعائه الخلافة اربعين جمعة لا يصلي فيها على النبي (صلى الله عليه وآله) وقال :لا يمنعني من ذكره الا تشمخ رجال بآنافها) .
وفي رواية : إن له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره (نفس المصدر) .
 
ولئن قيل عن المسور : (إنه كان مع خاله عبد الرحمن بن عوف مقبلا ومدبرا في أمر الشورى) كما سيأتي, فإنا نقول عن ابن الزبير : لقد كان مقبلا ومدبرا في حرب الجمل مع خالته عائشة, وكان هو الذي زيّن لها مسيرها الى البصرة (شرح النهج 1/ 363 ) .
وهو الذي أتى إليها بأربعين شاهد زور شهدوا حين نبحتها كلاب الحوأب وأرادت الرجوع لتحذير النبي (صلى الله عليه وآله) لها من ذلك, لكن ابن الزبير جاءها بالشهود, فشهدوا أن ذلك المكان ليس هو الحوأب, فكانت أول شهادة زور في الإسلام.
وهو الذي عيّر أباه بالجبن حين عزم على الرجوع عن محاربة الإمام بعد تذكير الإمام له بقول النبي (صلى الله عليه وآله) : بأنك ستقاتله وأنت له ظالم .
فرجع فتلقاه ابنه عبد الله فعيّره مستثيرا له على حرب الإمام, ويكفينا قول الإمام فيه : ما زال الزبير منا حتى شب أبنه عبد الله .
أليس هو الذي كان يحقد على الامام لقتله عم أبيه نوفل بن خويلد الذي كان يقال له أسد قريش وأسد المطيّبين ؟ وقتل الإمام له هو قول عامة الرواة كما يقول ابن حزم في الجمهرة (الجمهرة, ص 120) .
أليس هو الذي حبس ابن عباس وابن الحنفية ومن معهما من أهلهما في سجن عارم, وأملهم إلى الجمعة, إن لم يبايعوا أحرقهم وسط الشعب, وجعل الحطب على بابه, ففاجأه أبو عبد الله الجدلي الذي أرسله المختار في جماعة, فدخلوا المسجد الحرام مكبّرين وعليهم السلاح, فخرج ابن الزبير طالبا لنفسه النجاة, وذهب الجدلي و من معه فأخرجوا بني هاشم من سجن عارم .
وهو القائل لابن عباس وكان يبلغه تأنيبه وذمه : إني لأكتم بغضكم أهل اذا البيت منذ أربعين سنة (شرح نهج البلاغة 1/358 ) .

قال ابن ابي الحديد المعتزلي في شرح النهج : وكان سبّابا فاحشا, يبغض بني هاشم, ويلعن ويسب علي بن ابي طالب (عليه السلام) (نفس المصدر 1 / 363) .
فمن كان هذا حاله ومقاله وفعاله كيف يصدق في حديثه لخطبة علي لابنة ابي جهل, فيما أخرجه عنه الترمذي في سننه, قال : حدثنا أحمد بن منيع, اخبرنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن ابن ابي مليكة عن عبد الله بن الزبير أن عليا ذكر بنت أبي جهل, فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقال : إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها .

ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح, هكذا قال أيوب عن ابن ابي مليكة عن ابن الزبير, وقال غير واحد : عن ابن أبي مليكة عن المسور بن مخرمة, ويحتمل أن يكون ابن ابي مليكة روى عنهما جميعا (سنن الترمذي 5/699 نشر المكتبة الإسلامية, تحفة الأحوذي 10/371) . وأخرج هذا الحديث الحاكم في المستدرك, فقال : حدثنا بكر بن محمد الصيرفي, ثنا موسى بن سهل بن كثير, ثنا إسماعيل بن علية ... ثم ساق السند والحديث كما مر عن الترمذي, وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه (المستدرك 3 / 159 ) .
والذي يلفت النظر في المقام ان الذهبي أهمل هذا الحديث في تلخيصه المطبوع بذيل المستدرك, وظني أن إهماله كان عن عمد لا عن سهو .

ومهما يكن فسند الحديث غير نقي, ويكفي روايته عن ابن ابي مليكة, وهو مؤذن ابن الزبير وقاضيه, وقد مر بنا حال ابن الزبير وعداوته لاهل البيت, ويبدو لي ان ابن الزبير كان بارعا ـ إن صح الحديث عنه ـ فلم يذكر له ما يحاقق عليه من زعم حضور او سماع, مع ان سنه عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كانت تسع سنين, فكان أكبر من المسور بسنة .. الذي زعم أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يخطب وهو يومئذ محتلم . مع أن عمره كان يومئذ ثماني سنين !! والآن فلنطو صفحة ابن الزبير, ولنقرأ المسور فيما قاله عنه مترجموه, ثم ننظر في حديثه ...

ثالثا :
المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري : أما ابوه فكان من مسلمة الفتح, ومن المؤلفة قلوبهم, ومن الدرجة الدنيا منه م نفقد ذكر ابن هاشم في سيرته نقلا عن ابن اسحاق اسماء من اعطاهم النبي (صلى الله عليه وآله) مائة من الابل, وعد منهم ابا سفيان وابنه معاوية وآخرين, ثم قال : واعطى دون المائة رجالات من قريش منهم مخرمة بن نوفل الزهري وسمى آخرين ...
وأخيراً هو الذي قال عنه (صلى الله عليه وآله) فيما روته عائشة : (بئس أخو لعشيرة), وذلك حين استأذن, فلما دخل بش به, فلما خرج قالت له عائشة في ذلك, فقال : يا عائشة اعهدتني فحاشا ؟ إن شر الناس من يتّقي شرّه (تاريخ الاسلام للذهبي 2/1316) .
وأما أمة فهي عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف .
وأما عن مولده فقالوا بعد الهجرة بسنتين بمكة, وقدم المدينة مع أبيه بعد الفتح سنة ثمان وهو غلام ايفع ابن ست سنين, وعدّه ابن الاثير وابن عبد البر وابن حجر في كتبهم في الصحابة منهم, إلا ان ابن قتيبة قال في المعارف : وكان يعدل بالصحابة وليس منهم . (المعارف, ص 429) .
وأما عن سلوكيته فقالوا : لم يزل مع خاله عبد الرحمن بن عوف مقبلا ومدبرا في أمر الشورى, وكان مع عثمان في الدار إلى أن قتل فانحدر إلى مكة, ولم يزل بها مواليا لمعاوية حتى قال عروة بن الزبير : فلم أسمع المسور ذكر معاوية إلا صلى عليه (سير أعلام النبلاء 3 / 263 .
وذكروا أنه كره بيعة يزيد بن معاوية, ولعل ذلك لما قال ابن قتيبة في المعارف :
وكان المسور قال : إن يزيد بن معاوية يشرب الخمر, فبلغه ذلك فكتب الى امير المدينة فجلده الحد, فقال المسور :
أيشربها صرفا يفك ختامها ابو خالد ويجلد الحد مسور (المعارف, ص429, وفي عجز البيت زحاف ظاهر, ويرتفع بتقديم الحد على (ويجلد) فيكون هكذا : ابو خالد والحد يجلد مسور) .
وفي ترجمته في الاستيعاب نقل ابن عبد البر عن مالك بن أنس انه قال : بلغني ان المسور بن مخرمة دخل على مروان فجلس معه وحادثه, فقال المسور لمروان في شيء سمعه : بئس ما قلت . فركضه مروان برجله, فخرج المسور ...
وأما عن فضله فقال ابن عبد البر وغيره : وكان المسور لفضله ودينه وحسن رأيه تغشاه الخوارج, تعظمه وتنتحل رأيه, وقد برأه الله منهم !!
وأما عن موته فقالوا : كان مع ابن الزبير, فلما حاصر الحصين بن نمير مكة ورمى الكعبة بالمنجنيق أصابه حجر فشجه, ثم مات بعد خمسة أيام .
هذه هوية الرجل نسبا وحسبا ودينا وسلوكا .. فأبوه من مسلمة الفتح ومن المؤلفة قلوبهم من الدرجة الثانية ـ إن صح التعبير ـ وبعد هو بئس أخو العشيرة, ثم هو بعد من شر الناس إذ يتقي (صلى الله عليه وآله) شره ... وأمه اخت عبد لرحمن بن عوف فهو خاله, وقالوا : (الخال أحد الضجيعين) كناية عن تأثير طباع الأخوال في ابناء الأخت إذ هم ينزعون إليهم بعرق, ثم هو صهره فقد كانت عنده جويرية بنت عبد الرحمن بن عوف (نسب قريش لمصعب الزبيري, ص 269 ) .
هذا ما لمسناه في سلوكية المسور حيث قالوا : كان مع خاله عبد الرحمن ابن عوف ولم يزل مقبلا ومدبرا في أمر الشورى, وموقف ابن عوف فيها معلوم, حتى عناه الإمام بقوله في خطبته الشقيقية : ومال الآخر لصهره .
فإن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان من أمّه كانت تحت أبن عوف (شرح النهج 1/63), وقال له : والله ما ولّيت عثمان إلا ليرد الأمر إليك (تاريخ ابن الأثير 3/30 طـ بولاق ). ومما يزيدنا وضوحا في عثمانيته انه لم يبايع الامام بعد مقتل عثمان, وخرج من المدينة الى مكة, ثم هو الذي كان يصلي على معاوية إذا ذكره كما مر ذلك عن عروة بن الزبير .

وأخيرا دخل مع ابن الزبير في أمره, وانتحل الخوارج رأيه حيث استقطبوه, وإن قال ابن عبد البر وأبن حجر وغيرهما : (وقد برأه الله منهم), ولسنا بحاجة الى مناقشتهم في ذلك, فمن اين علموا بتلك البراءة والله لم يوح الى احد بعد نبيه ؟؟ فلا تزال دعواهم تحتاج الى إثبات, على أن مصعب الزبيري ـ صاحب كتاب نسب قريش ـ ذكر ذلك ولم يزعم ما قالوه في براءته, و هو أقدم منهما زمانا, وأعرف بحال المسور .

ولننظر إلى حديث المسور في الفرية المزعومة, وهو حديث أخرجه عنه البخاري ومسلم والترمذي واحمد وغيرهم, ولن نستقصي جميع مصادر, بل سنكتفي بما أخرجه البخاري في صحيحه وقد نشير الى ما ورد عند غيره, وذلك لان صحيحه عند المغالين به اصح كتاب بعد كتاب الله فيما يزعمون !.. ولأنه ذكر حديث المسور في خمسة ابواب مقطعا اوصاله عن عمد, حتى يخيل للناظر انه ذكر خمسة أحاديث مختلفة الألفاظ, ولكن الباحث الناقد يدرك ان اختلاف الصورة لا يغير الحقيقة, وهذا ما أربك كثيرا من شراح الصحيح, فحاولوا جهدهم توجيه ما فيها من تناقض وتهافت, ولم يوفقوا في سعيهم الحثيث, في دفع ما يرد على الحديث, بل شوشوا أذهان قرائهم, ولم يجنوا غير مضيعة الوقت في عرض آرائهم تبعا لأهوائهم .
ولو أنهم صنعوا صنع ابن قتيبة لجنبوا انفسهم كثير ا من النقد والرد, فابن قتيبة في معارفة كان أوعى منهم حين قال عن المسور : (وكان يعدل بالصحابة وليس منهم), ثم قال : وقد روى قوم عنه أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : لو أن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن ابي طالب فلا آذن ثم لا آذن .
فهو حين ينفي صحابية المسور, ينفي عنه عاصمية الصحابة, سواء قرئت جملة وكان يعدل ) بالتخفيف او التشديد . ثم يمرض القوم في زعم روايته عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه سمعه يقول ... وهو يدلنا على عدم قناعته بصحبة المسور كما كشف عن قيمة روايته عنده, وما اقتضابه لحديثه إلا مؤشر على ذلك .

ثم ما يعنيه بقوله : (لو أن بني هشام) الخ, فهل يدل على حدوث الخطبة او إرادتها, وهذا ما سنقرأ الجواب عنه في الكلام على حديث المسور عند البخاري في صوره الآتية :

1- أخرج البخاري في صحيحه في كتاب فرض الخمس باب ما ذكر من درع النبي (صلى الله عليه وآله) وعصاه وسفيه وقدحه وخاتمه, و ما استعمل الخلفاء بعده من ذلك مما لم يذكر قسمته, ومن شعره ونعله وآنيته مما يتبرك اصحابه وغيرهم بعد وفاته .
قال : حدثنا سعيد بن محمد الجرمي, حدثنا يعقوب بن إبراهيم, حدثنا ابي ان الوليد بن كثير حدثه عن محمد بن عمرو بن طلحة الذي حدثه, ان ابن شهاب حدثه, ان علي بن الحسين حدثه, انهم حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية (بعد) مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه, لقيه المسور بن مخرم فقال له : هل لك إلي من حاجة تأمرني بها ؟ فقلت له : لا . فقال : فهل انت معطي سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله), فإني أخاف ان يغلبك القوم عليه, وأيم الله لئن اعطيتنيه لا يخلص إليه ابدا حتى تبلغ نفسي, إن علي بن ابي طالب خطب ابنة ابي جهل على فاطمة (عليها السلام), فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا, وأنا يومئذ محتلم, فقال : إن فاطمة بضعة مني, وأنا اتخوف ا ن تفتن في دينها, ثم ذكر صهرا له من بني عبد شمس فأثنى عليه مصاهرته إياه, قال : حدثني فصدقني, ووعدني فوفى لي, وإني لست أحرم حلالا, ولا أحل حراما, ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنت عدو الله أبداً .
(صحيح البخاري 4/83 طـ بولاق, صحيح مسلم 4 / 326, باب مناقب فاطمة . مسند أحمد 4/326 ط مصر الأولى . سنن ابي داود 2/225, سير أعلام النبلاء 3/263, المعجم الكبير للطبراني 20/19، وغيرها) .

2- وأخرج في صحيحه أيضا في المناقب, باب مناقب قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) ومنقبة فاطمة (عليها السلام) بنت النبي (صلى الله عليه وآله), وقال النبي (صلى الله عليه وآله) : فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.
قال : حدثنا ابو الوليد, حدثنا ابن عينية, عن عمرو بن دينار, عن ابن ابي مليكة, عن المسور بن مخرمة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
فاطمة بضعة مني, فمن أغضبها أغضبني (صحيح البخاري 5/21 طـ بولاق).

3- وأخرج ايضا في المناقب في باب ذكر أصهار النبي صلى الله عليه وآله منهم ابو العاص بن الربيع (ولم يذكر في الباب حديثا غير الآتي) قال : حدثنا أبو اليمان, أخبرنا شعيب عن الزهري, قال : حدثني علي بن حسين ان المسور بن مخرمة قال : إن عليا خطب بنت ابي جهل, فسمعت بذلك فاطمة, فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت : يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك, وهذا علي ناكح بنت أبي جهل, فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسمعته حين تشهد يقول : أما بعد, فإني أنكحت أبا العاص بن الربيع فحدثني وصدقني, وإن فاطمة بضعة مني, وإني أكره أن يسوءها, والله لا تجتمع بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبنت عدو الله عند رجل واحد . فترك علي الخطبة (صحيح البخاري 5/22 طـ بولاق . صحيح مسلم4/1903 . سنن ابن ماجة 1/644 . مسند أحمد 4 / 326, صحيح ابن حبان 15 / 408) .
وزاد محمد بن عمرو بن طلحة عن ابن شهاب عن علي عن مسور : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر صهرا له من بني عبد شمس, فأثنى عليه في مصاهرته اياه فأحسن, قال : حدثني فصدقني, ووعدني فوفى لي .

4- وأخرج ايضا في كتاب النكاح في باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف (ولم يورد في الباب حديثا غير الآتي), قال : حدثنا قتيبة, حدثنا الليث عن ابي مليكة عن المسور بن مخرمة, قال : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في ان ينكحوا ابنتهم علي بن ابي طالب فلا آذن, ثم لا آذن, ثم لا آذن, إلا أن يريد ابن ابي طالب ان يطلق ابنتي وينكح ابنتهم, فإنما هي بضعة مني, يريبني ما رابها, ويؤذيني ما آذاها (صحيح البخاري 7 / 37 طـ بولاق . مسند أحمد 4/328 ) .

5- وأخرج ايضا في كتاب الطلاق, باب الشقاق, وهل يشير بالخلع عند الضرورة, وقوله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما) الآية, (ولم يورد في الباب غير الحديث الآتي, فلاحظ), قال :
حدثنا أبو الوليد, حدثنا الليث عن ابن ابي مليكة عن المسور بن مخرمة الزهري, قال : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : إن بني المغيرة استأذنوا في أن ينكح علي ابنتهم فلا آذن (صحيح البخاري 7/47 ط بولاق) .
هذه هي الأحاديث التي ذكرها مسندة في خمسة ابواب, وكأنه لم يكفه ذلك حتى اشار معلقا في أول باب كنية المشرك فقال: وقال مسور : سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول : إلا ان يريد ابن ابي طالب ...
وفي فتح الباري قال : هذا طرف من حديث تقدم, موصولا في باب فرض الخمس(فتح الباري 13 / 213) .

والآن وقد انتهينا من كشف هوية الثلاثة : ابي هريرة, وابن الزبير, والمسور بن مخرمة, نختتم\
اولا : الحديث عنهم بقوله (صلى الله عليه وآله) : والذي نفسي بيده لا يبغضنا رجل إلا أدخله الله النار (أخرجه ابن حبان في صحيحه كما في زوائد لنور الدين الهيثمي موارد الظمآن, ص 555 طـ مصر بتحقيق محمد عبد الرزاق حمزه, والحاكم في المستدرك 3 / 150, وقال : هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه, وأخرجه الذهبي في تلخيصه بهامش المستدرك ولم يعلق عليه بشيء) .

وثانياً : قال ان نعود الى مناقشة متن الحديث, ننبه القارئ بحال بعض أعلام الرواة في السند كابن عيينة الذي رمي بالاختلاط, كما ذكره الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي في رسالته (الاعتباط بمن رمي بالاختلاط) (الاعتباط بمن رمي بالاختلاط, ص12 ط حبل 1350 هـ ), وكالزهري الذي كان من المنحرفين عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام), وكان يعمل لبني أمية, وقد تجنب حديثه غير واحد لذلك, حتى إن ابن عساكر اخرج في تاريخه بسنده عن جعفر بن إبراهيم الجعفري, قال ك كنت عند الزهري أسمع منه, فإذا عجوز قد وقفت عليه, فقالت : يا جعفري لا تكتب عنه, فإنه مال إلى بني امية وأخذ جوائزهم, فقلت : من هذه ؟ قال : اختي رقية خرفت, قالت : بل خرفت أنت, كتمت فضائل آل محمد, وقد حدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله, قال : أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه, اللهم وال من والاه وعاد من عاداه, وانصر من نصره واخذل من خذله .
قالت : وحدثني محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله, قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله (تاريخ دمشق (ترجمة الإمام) 2 / 65 ) .
وبلغ إنكار الصالحين عليه ان كتب اليه بعضهم كتابا فيه تقريع وتوبيخ, جاء فيه : واعلم ان ايسر ما ارتكبت واخف ما احتملت, انك آنست وحشة الظالم, وسهلت سبيل الغي بدونك الى من لم يؤد حقا, ولم يترك باطلا حين ادناك, اتخذوك قطبا تدور عليه رحى ظلمهم, وجسرا يعبرون عليه الى بلائهم ومعاصيهم, وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم, يدخلون بك الشك على العلماء, ويقتادون بك قلوب الجهلاء ... وجاء في آخره : فداو دينك فقد دخله سقم, وهيئي زادك فقد حضر سفر بعيد (( وما يخفى على الله من شيء في الارض ولا في السماء )) (ابراهيم: 38) .

والسلام (ذكر الكتاب بطولة الغزالي في الاحياء 2/143, وابن ابي الحديد في شرح النهج 4/124، والمناوي في فيض القدير 2/407, وهامش الكشف الإلهي 1/122, وكلهم لم يصرحوا باسم الكاتب, لكن الحسن بن شعبة الحراني صرح في كتابة تحف العقول, ص 198 باسمه, وأنه الامام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام), كما أنه ذكر الكتاب اطول مما ذكره الآخرون, فراجع) .
فمن الغريب العجيب ان يروي الزهري هذا الحديث عن علي بن حسين, ثم يزعم أنه حدثه عن المسور بذلك كما مر في الصورة الأولى عن البخاري .
وإذا عرفنا أن علي بن حسين الذي ذكره بصيغة التنكير هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين الذي روى أبو هلال العسكري في كتابه بسنده, قال : بلغ علي بن الحسين رضي الله عنهما أن عروة بن الزبير وابن شهاب الزهري يتناولان عليا ويعبثان به, فأرسل إلى عروة فقال : أما انت فقد كان ينبغي ان يكون نكوص ابيك يوم الجمل وفراره ما يحجزك عن ذكر أمير المؤمنين, والله لئن كان علي على باطل لقد رجع أبوك عنه, ولئن كان على حق لقد فرّ أبوك منه .
وأرسل الى ابن شهاب فقال : وأما أنت يا ابن شهاب فما اراك تدعني حتى أعرّفك موضع كير (الكير بالكسر : زق ينفخ فيه الحداد . راجع شرح النهج 1/359ط الاولى ففيه قريب مما ذكر ابو هلال من تعيير الإمام لابن شهاب الزهري) . أبيك (الصناعتين, ص 13 ط سنة 1320 هـ) .
فمن كان هذا حاله مع الامام امير المؤمنين (عليه السلام) كيف يصدق في زعمه ان علي بن حسين حدثه عن المسور .. وهو الذي قرعه ووبّخه, لا بل حتى عيره بماضي أبيه الوضيع !!

ثم ما بال علي بن حسين يحدث الزهري وهو يعرف عداوته لجده بحديث ـ إن صح ـ فهو انتقاص لجده ؟ وما بال الزهري وهو الذي روى عن عدة من الصحابة, منهم انس, وسهل بن سعد, وحتى عن ابن عمر الذي ذكروا في ترجمته أنه روى عنه ثلاثة أحاديث, ما باله يروي هذا الحديث عن علي بن حسين ـ كما يسميه ـ وهو من التابعين, ولا يرويه عن المسور الصحابي الذي هو يرويه, وهو قد أدركه, وكان أشد لصوقا به من علي بن حسين نسبا وسببا فكلاهما زهري, ولأن اباه والمسور كانا معا من اصحاب ابن الزبير, وإلى ذلك أشار عبد الملك بن مروان حين اتصل به الزهري فاستنسبه فنسب نفسه, فقال عن أبيه : إن كان ابوك لنعارا في الفتن (ترجمة الزهري من تاريخ دمشق, ص 13 بعناية شكر الله قوجاني ط مؤسسة الرسالة ) .
ولقد كان عمر الزهري عند وفاة المسور فوق عمر المسور حين سمع الحديث المزعوم, فقد مر أنه قال كاذبا : سمع الحديث وهو يومئذ محتلم ! والصحيح انه كان ابن ثمان سنين, بينما كان عمر الزهري عند وفاة المسور ثلاث عشرة سنة .
وهكذا سؤال بعد سؤال يوضح ما في الإسناد من خلل, مضافا إلى ما في المتن من علل, ويبقى بلا جواب .

ولنترك حال الرجال وما فيهم من مقال وإشكال, ولنعد الى متن الحديث لنتبين فيه مواطن العلل, ولنقرأه ثانيا حسب وروده في كتاب البخاري ـ الذي هو اصح كتاب بعد كتاب الله عند المغالين فيه ـ ولا نحاسبه على تقطيع اوصاله الى خمسة أحاديث ـ ولا على حشر بعضها تحت عناوين لا تمت اليها بصلة, ولا ... ولا ... فنحن والحديث الأول عنده فنقرأ فيه :

أولاً : قول المسور لعلي بن حسين ـ كما في الحديث : هل لك إلى من حاجة تأمرني بها ؟ فقال : لا .
فهل لنا أن نسأل المسور أي حاجة تلك التي يمكن له ان يقضيها غير ما يتعلق بالسلطة الاموية و التي كان بعد لا يزال ظالعا معها, لأن زمن السؤال قد حدده علي بن حسين حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية (بعد) مقتل حسين بن علي رحمة الله عليه, لقيه المسور بن مخرمة فقال له : هل لك ... الخ .
ونحن إذا نظرنا إلى طبيعة الحال في ذلك الوقت نجد أن مقام الإمام ـ علي بن حسين ! ـ أسمى وأرفع مما كان عليه المسور, فإن ما اظهره يزيد من التنصل من تلك الجريمة التي لا تغتفر حتى لعن ابن زياد, وقال : لعن الله ابن مرجانة .. بما استعظموه من قتلي الحسين, مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه (تاريخ الكامل لابن الاثير 4 /39 ط بولاق) .
قال ابن الأثير : ودعا عليا ليودعه وقال له : لعن الله ابن مرجانة, أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا أعطيته إياها, ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي, ولكن قضى الله ما رأيت, يا بني كاتبني حاجة تكون لك .
وذكر ابن الأثير وغيره ان يزيد بن معاوية لما وجه مسلم بن عقبة المري ـ وهو الذي سمي مسرفا ـ الى المدينة المنورة لمقاتلة أهلها حين خلعوا بيعته, قال له : فإذا ظهرت عليهم فابحها ثلاثا, فكل ما فيها من مال أو دابة او سلاح او طعام فهو للجند, فإذا مضت الثلاث فأكفف عن الناس, وانظر علي بن الحسين فاكفف عنه واستوص به خيرا, فإنه لم يدخل مع الناس, وإنه قد أتاني كتابه .
قال ابن الأثير : وقد كان مروان بن الحكم كلّم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد وبني أمية في أن يغيب أهله عنده فلم يفعل, فكلّم علي بن الحسين فقال : إن لي حرما وحرمي يكون مع حرمك, فقال : أفعل, فبعث بامرأته وهي عائشة ابنة عثمان بن عفان وحرمه إلى علي بن الحسين, فخرج علي بحرمه وحرم مروان الى ينبع, وقيل : بل أرسل حرم مروان وأرسل معهم ابنه عبد الله بن علي الى الطائف (المصدر السابق 4/49) .
وجاء في إرشاد المفيد : ان مسرف بن عقبة لما قدم المدينة ارسل إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فأتاه, فلما صار إليه قربه وأكرمه وقال له : اوصاني امير المؤمنين ببرك وتمييزك من غيرك ... الخ (الارشاد, ص 276) .
فمما تقدم تبين ان الامام علي بن الحسين عليه السلام كان أرفع مكانة وأجل قدرا وأقوى موقعا لدى الحاكمين من المسور بن مخرمة, الذي رفسه مروان برجله كما مر, وجلدوه الحد كما تقدم, فهو أذل من أن يتمكن من قضاء حاجة لأحد عند الأمويين .

وثانيا : لنقرأ قول المسور لعلي بن الحسين : فهل انت معطي سيف رسول الله (صلى الله عليه وآله), فإني أخاف أن يغلبك القوم عليه, ونحن لا نناقشه في أمر السيف وكيفية وصوله إلى علي بن الحسين, وهو من مواريث النبوة ... وهذا عنده وقومه ينافي القول بعدم ميراث الأنبياء, ولكن هل لنا أن نسأل المسور : من هم القوم الذين يخشى أن يغلبوا علي بن الحسين على سيف جده غير بني أمية, وإذا كانوا هم فهل كان ذلك قبل واقعة الحرة أو بعدها ؟
فإن كان قبلها فالإمام علي بن الحسين كان أعزّ منه منعة, وهم كانوا أذل وأضعف جندا, خصوصا بعد ان اخرج الامويون واتباعهم من المدينة, حتى ان مروان استودع الامام عياله كما مرّ .
وإن كان بعدها فالإمام هو الوحيد الذي لم يتعرض له بسوء بوصية من يزيد وقد مر ذلك ايضا, فأي حال تلك التي كان المسور يخشاها على الإمام ان يغلب فيها على سيف جدّه ؟
ولو لم يكن ثمة تحديد زمني في الحديث حيث ورد ان المسور لقي علي بن الحسين (عليه السلام) (حين قدموا المدينة من عند يزيد بن معاوية بعد مقتل الحسين بن علي رحمة الله عليه (راجع ذلك في الصورة الاولى من أحاديث البخاري) . أقول : لو لم يكن ذلك التحديد لاحتملنا أن المسور قال ذلك بعد ان بلغه طلب عبد الملك بن مروان من الامام علي بن الحسين ذلك السيف يستوهبه منه ويسأله الحاجة, فأبى عليه, فكتب إليه عبد الملك يهدده وأنه يقطع رزقه من بيت المال, فأجابه (عليه السلام) : أما بعد فإن الله ضمن للمتقين المخرج من حيث يكرهون, والرزق من حيث لا يحتسبون, وقال جل ذكره (إن الله لا يحب كل خوان كفور) (سورة الحج، الآية 38) . فانظر أينا اولى بهذه الآية (المناقب لابن شهرآشوب 3/302 ط النجف, بحار الانوار 46/95 نقلا عن المحاسن للبرقي) .
وفي جواب الإمام علي بن الحسين هذا ما يقطع جهيزة كل متنطّع لتصويب عرض المسور بن مخرمة, فهو لم يخش عبد الملك بن مروان ولا سلطته, وهو هو في عتوه وجبروته .

وثالثا : لنرى ثالثة الأثافي, وتلك هي فرية المسور في قوله : إن علي بن ابي طالب خطب ابنة ابي جهل على فاطمة (عليها السلام), فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال : إن فاطمة بضعة مني ... الخ .
الا مسائل : ما هو الربط في هذه الرواية بين قصة طلبه السيف وبين قصة الخطبة المزعومة ؟
والجواب هو ما أربك شرّاح صحيح البخاري فصالوا وجالوا , ليوافقوا بين القصتين فلم يوفقوا .
وللطرافة ننقل للقارئ بعض ما ذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري حيث قال : وقال الكرماني : مناسبة ذكر المسور لقصة خطبة بنت ابي جهل عند طلبه للسيف من جهة ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحترز عما يوجب التكدير بين الأقرباء, أي فكذلك ينبغي ان تعطيني السيف حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه, أو كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يراعي جانب بني عمه العبشميين فأنت ايضا راع جانب بني عمك النوفليين, لأن المسور نوفلي (فتح الباري 7/22) .
أقول : هكذا قال, والصحيح ان المسور زهري لا نوفلي .
ثم قال : أو كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحب رفاهية خاطر فاطمة (عليها السلام) فأنا ايضا أحب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها, فاعطني السيف حتى أحفظه لك .
قلت ـ والقائل هو ابن حجر : وهذا الاخير هو المعتمد, وما قبله ظاهر التكليف, وسأذكر إشكالا يتعلق بذلك في كتاب المناقب إن شاء الله تعالى .
أقول : وما ذكره في كتاب المناقب ليس إلا تعليقة على الحديث الثاني في شرح قوله (صلى الله عليه وآله) : (فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني) فقال : وهو طرف من صفة خطبة علي ابنة ابي جهل, وسيأتي مطولا في ترجمة أبي العاص بن الربيع قريبا, وهذا ليس فيه أي إشكال .

وأما ما ذكره في كتاب المناقب ايضا في ترجمة ابي العاص بن الربيع وهو الحديث الثالث كما مر, فقد قال : وإنما خطب النبي (صلى الله عليه وآله) ليشيع الحكم المذكور بين الناس ويأخذوا به, إما على سبيل الإيجاب, وإما على سبيل الأولوية, وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة فزعم ان هذا الحديث موضوع, لأنه من رواية المسور وكان فيه انحراف عن علي, وجاء من رواية ابن الزبير وهو اشد من ذلك, ورد كلامه بإطباق اصحاب الصحيح على تخريجه ! انتهى ما عند ابن حجر وهو خلاصة ما سطر (فتح الباري 8 / 87) .
الا على العقول العفا إن كان هذا الرد الباهت يصلح لرد قول الشريف المرتضى, وكم في تلكم الكتب من اخبار موضوعة وقد نقدوها سندا ودلالة, وابن حجر نفسه في مقدمة شرحه التي سماها (هدى الساري) ذكر شواهد كثيرة لا يسع المقام ذكرها فلتراجع .
ثم كان ما أورده اصحاب الصحيح انزل من اللوح المحفوظ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, ولو انصف ابن حجر نفسه قبل انصافه الشريف المرتضى فلم يذكر رده الذي هو غاية ما عنده, لكان به اولى وعليه أبقى .
ثم إنه أطال الكلام في الاختلاف في اسم المخطوبة من بنات ابي جهل, كما أطال في شرح قوله ك (حدثني فصدقني) . ولم يأت بطائل .

ورابعا : نعود الى قول المسور : فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم .
وهذا من أكاذيبه التي أربكت شراح الصحيح ايضا فقالوا وقالوا, وإلى القارئ بعض ما قالوا :
قال ابن سيد الناس : هذا غلط, والصواب ما وقع عند الإسماعيلي بلفظ كالمحتلم!!
قال : والمسور لم يحتلم في حياة النبي (صلى الله عليه وآله), لأنه ولد بعد ابن الزبير, فيكون عمره عند وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ثمان سنين ...
ثم قال ابن حجر : قلت كذا جزم به وفيه نظر, فإن الصحيح ان ابن الزبير ولد في السنة الاولى, فيكون عمره عند الوفاة النبوية تسع سنين, فيجوز أن يكون احتلم في أول سني الإمكان ! أو يحتمل قوله : (محتلم) على المبالغة والمراد التشبيه, فتلتئم الروايتان, وإلا فابن ثمان سنين لا يقال له محتلم ولا كالمحتلم, إلا ان يريد بالتشبيه انه كان كالمحتلم في الحذق والفهم والحفظ ن والله أعلم (فتح الباري 11/241) .
فانظر بربك الى هذا التمحل الفاسد, في توجيه كلام المسور المعاند, فهل تجد له في كلام ابناء آدم من شاهد ؟ هذا ما يتعلق بأول حديث رواه البخاري, أما حديثه الثاني فليس فيه ما يستدعي المناقشة والوقوف عنده, وإنما هو جزء من الحديث الأول .

وأما الحديث الثالث وفيه قال المسور :
إن عليّاً خطب بنت ابي جهل فسمعت بذلك فاطمة, فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت : يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك, وهذا علي ناكح بنت أبي جهل .
أقول : ومن قول فاطمة (عليها السلام) لأبيها يظهر ان الأذى كان قد لحق ببنات النبي (صلى الله عليه وآله) قبلها من أزواجهن فلم يغضب لهن, حتى ذكرت له زعم قومه أنه لا يغضب لبناته مستثيرة فيه غيرته وحميته وشففته .
وإذا صح زعم المسور في ذلك فالنقد يتوجه ألى أصهار النبي (صلى الله عليه وآله) عدا ابي العاص الذي خصه البخاري بالعنوان وذكره المسور في حديثه, فلا يبقى إذن سوى عثمان الذي كانت عنده أم كلثوم ورقية وماتتا عنده, وإليه يتوجه النقد, فهل شعر المسور بذلك ؟ وهل يقبله وهو الذي كان مع عثمان كما مر ؟ ولعل من أجل هذا أعرض شراح الصحيح عن شرح هذه الجملة من حديثه, خصوصا الحافظ ابن حجر الذي تخطى ذلك الى شرح جملة (وهذا علي ناكح بنت أبي جهل), فقال : وفي رواية الطبراني عن ابي زرعة عن ابي اليمان (وهذا علي ناكحا) بالنصب, وكذا عند مسلم من هذا الوجه . أطلقت عليه اسم ناكح مجازا باعتبار ما كان قصد يفعل ...
واختلف في اسم ابنة أبي جهل ...
فاستعرض الأقوال في اسمها, ولا يعنينا تحقيق ذلك كثيرا الآن ...
إلى ان قال في شرح قوله : (حدثني فصدقني) لعله كان شرط على نفسه ان لا يتزوج على زينب, وكذلك علي, فإن لم يكن كذلك فهو محمول على ان عليا نسي ذلك الشرط, فلذلك اقدم على الخطبة, أو لم يقع عليه شرط, إذ لم يصرح بالشرط, فلذلك أقدم على الخطبة, أو لم يقع عليه شرط, إذ لم يصرح بالشرط, لكن كان ينبغي له ان يراعي هذا القدر, فلذلك وقعت المعاتبة, وكان النبي (صلى الله عليه وآله) قل ان يواجه احدا بما يعاب به, ولعله انما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة (عليها السلام), وكانت هذه الواقعة بعد فتح مكة, ولم يكن حينئذ تأخر من بنات النبي (صلى الله عليه وآله) غيرها, وكانت أصيبت بعد أمها بأخوتها, فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها .
هذا ما قاله اشهر شراح الصحيح ان لم يكن أعلمهم, فاقرأ ذلك واحكم عليه بما تقتضيه شريعة الإنصاف دون اعتساف .

ولنعد إلى فقرات الحديث لنقارن بينها وبين ما مر عنه في الحديث الأول في تحقيق النص الذي سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) فسنجد بينهما من التفاوت ما يدعو الى الريبة في الأمر, حتى في الصحيح, لاتفاق سند الحديثين من الزهري الى المسور, وإنما ذكر البخاري الحديث الاول عن محمد بن عمرو بن طلحة عن الزهري, والحديث الثاني ذكره عن شعيب عن الزهري, ثم قال : وزاد محمد بن عمرو بن طلحة ... الخ, فذكر بعضا من تلك الزيادة خصوصا جملة : (وإني لست أحرم حلالا, ولا أحل حراما), فراجع الحديث وقارن بينهما بدقة, لترى مدى التفاوت متنا مع اتحاد السند, وأنه لأمر مريب ! .

وأما الحديث الرابع فنلاحظ عليه :

أولا : غرابة العنوان الذي جعله البخاري للباب الذي أورد الحديث فيه ولم يورد فيه غيره, فراجع .

ثانيا : أنه ذكره بسنده عن الليث عن ابن أبي مليكة عن المسور, بينما أخرجه الترمذي عن أيوب عن ابن ابي مليكة عن عبد الله بن الزبير, وذكر الاختلاف فيه, ثم قال : يحتمل أن يكون ابن ابي مليكة حمله عنهما جميعا .
قال الحافظ ابن حجر بعد ترجيحه رواية الليث عن ابن ابي مليكة, لكونه توبع من رواية عمرو بن دينار وغيره, ولكون الحديث قد جاء عن المسور من غير رواية ابن ابي مليكة, فقد تقدم في فرض الخمس (المصدر السابق 7/22) . وفي المناقب (المصدر السابق 8/87) . من طريق الزهري عن علي بن الحسين بن علي عن المسور, وزاد فيه في الخمس قصة سيف النبي (صلى الله عليه وآله), وذلك سبب تحديث المسور لعلي بن الحسين بهذا الحديث, وقد ذكرت ـ والكلام لابن حجر ـ ما يتعلق بقصة السيف عنه هناك .
ولا أزال اتعجب من المسور كيف بالغ في تعصبه لعلي بن الحسين حتى قال : إنه لو اودع عنده السيف لما مكن أحدا منه حتى تزهق روحه رعاية لكونه ابن ابن فاطمة محتجا بحديث الباب، ولم يراع خاطره في أن ظاهر سياق الحديث المذكور غضاضة على علي بن الحسين, لما فيه من إبهام الغض من جدّه علي بن ابي طالب, حيث أقدم على خطبة بنت أبي جهل على فاطمة, حتى أقتضى ان يقع من النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك من الإنكار ما وقع!!
بل أتعجب من المسور تعجبا آخر غير ذلك, وهو أن يبذل نفسه دون السيف رعاية لخاطر ولد ابن فاطمة, وما بذل نفسه دون ابن فاطمة نفسه اعني الحسين والد علي الذي وقعت له معه القصة حتى قتل بأيدي ظلمة الولاة!!
لكن يحتمل أن يكون عذره ان الحسين لما خرج الى العراق ما كان المسور وغيره من اهل الحجاز يظنون أن امره يؤول الى ما آل اليه والله اعلم, انتهى كلام ابن حجر .
أقول : وليس فيما ذكره الحافظ ابن حجر من اختلاف المسند, ولا تعجبه أولا وثانيا ـ على ما فيهما من نقد لاذع للمسور ـ ولا في احتمال تعذيره على وهنه ما يدعونا إلى إطالة البحث فيه والتحقيق معه, ولكن هلم الخطب في ثالثة الأثافي كما يقولون :

ثالثا : قال المسور : سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوا في أن ينكحوا ابنتهم علي بن ابي طالب, فلا آذن, ثم لا آذن ... إلى آخر ما مرّ .
فهل لنا أن نسأل من البخاري ورجاله حتى المسور عن اختلاف سبب الخطبة, وقد مر في الحديث الاول ان عليا خطب بنت ابي جهل, فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطب ... الخ .
وفي الحديث الثالث ان عليا خطب بنت أبي جهل, فسمعت بذلك فاطمة,فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله), فقالت : يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك , وهذا علي ناكح بنت ابي جهل : فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسمعته حين تشهد يقول ... الخ .
ويمكن الجمع بين الحديثين بتوحيد السبب في خطبة النبي (صلى الله عليه وآله), أما في الحديث الرابع الذي نحن بصدده, فقد جاء أن السبب هو استئذان بني هشام بن المغيرة في ان ينكحوا ابنتهم علي بن ابي طالب, فسمعه المسور يقول : فلا آذن, ثم لا آذن, ثم لا آذن ... الخ .

أما الحديث الخامس فهو جزء من الحديث الرابع, إلا أن البخاري أغرب في وضعه تحت عنوان ليس فيه آية دلالة على المعنون, فقد أورده في كتاب الطلاق في باب الشقاق, وهل يشير بالخلع عند الضرورة, وقوله تعالى (وإن خفتم شقاق بينهما) الآية ... ثم لم يورد غيره في ذلك الباب .
وهذا ما اربك شراح الصحيح, والى القارئ ما قاله وحكاه عنهم ابن حجر :
قال بعد كلام في الآية ومعناها : ثم ذكر ـ أي البخاري ـ طرفا من حديث المسور في خطبة علي بنت ابي جهل, وقد تقدمت الإشارة اليه في النكاح, واعترضه ابن التين بأنه ليس فيه دلالة على ما ترجم به, ونقل ابن بطال قبله عن المهلب قال :
إنما حاول البخاري بإيراده ان يجعل قول النبي (صلى الله عليه وآله) : (فلا آذن) خلعا, ولا يقوى ذلك, لأنه قال في الخبر : (إلا ان يريد ابن ابي طالب أن يطلق ابنتي), فدلّ على الطلاق, فإن أراد ان يستدل بالطلاق على الخلع فهو ضعيف, وإنما يؤخذ فيه الحكم بقطع الذرائع (فتح الباري 11/323) .
وقال ابن المنير في الحاشية : يمكن ان يؤخذ من كونه (صلى الله عليه وآله) أشار بقوله : (فلا آذن) إلى ان عليا يترك الخطبة, فإذا ساغ جواز الإشارة بعدم النكاح التحق به جواز الإشارة بقطع النكاح .
وقال الكرماني : تؤخذ مطابقة الترجمة من كون فاطمة ما كانت ترضى بذلك, فكان الشقاق بينها وبين علي متوقعا, فاراد (صلى الله عليه وآله) دفع وقوعه بمنع علي من ذلك بطريق الإيماء والإشارة, وهي مناسبة جيدة .
وإلى هنا ننهي ما نقلناه عن ابن حجر, ولا نعقب بقليل أو كثير على تلك الأقوال التي لا يخفى تنطّع أصحابها وسماجتها ...
والعجب من الحافظ ابن حجر وهو على ما عنده من المعرفة كيف يذكرها ولا يعقب عليها بنقد, وكأنه قد ارتضاها, وهي كما ترى .
والآن وقد انتهينا من النظر في أحاديث البخاري الخمسة, وهي اوصال متقطعة لحديث واحد رواه المسور بن مخرمة ... نعود فنسأل المسور ورواة حديثه وحتى أصحاب الصحاح ومن أخرجه عنه, ثلاثة اسئلة تفرض نفسها :

السؤال الأول : ما بال علي يخطب ابنة ابي جهل ؟ وهو الذي يعلم بعداوة ابي جهل للإسلام ونبيه حتى قتل ببدر كافرا, وعلي نفسه قد قتل من بني هشام بن المغيرة في يوم بدر ويوم أحد عشرة, ثمانية منهم ببدر, وتاسعهم كان حليفا لهم, وعاشرهم قتله يوم أحد, وهم :
1- هشام بن أبي أمية بن المغيرة .
2- مسعود بن أبي أمية بن المغيرة .
3- أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة .
4- حذيفة بن أبي حذيفة بن المغيرة .
5- المنذر بن أبي حذيفة بن المغيرة .
6- عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة, قال ابن حزم في الجمهرة : وكان بنو مخزوم قد ألبسوه لامة أبي جهل ليخفوا مكان أبي جهل, فقتله علي (الجمهرة 1/143) .
7- حاجب بن السائب بن عويمر بن عمرو بن عائذ .
8- أبو قيس بن الوليد بن المغيرة .
كما قتل من حلفائهم في ذلك اليوم أيضاً :
9- حرملة بن عمرو كما في سيرة ابن هشام .
وقتل في يوم أحد منهم :
10- أبا أمية بن أبي حذيفة بن المغيرة أخا حذيفة الذي قتله ببدر . فهؤلاء عشرة ممن عثرت على أسمائهم, وربما فاتني غيرهم وإن اختلفت الأقوال في بعضهم .

فما باله يخطب من أناس وترهم بآبائهم وإخوانهم, وهو يعلم بوغر صدورهم لما لهم عنده من ترات لم يطفئ الإسلام إوار الحقد من صدورهم, وهم كبقية قريش إنما كانوا يبغضون عليا لأنه قتل منهم سبعين رجلا كأن وجوههم سيوف الذهب على حد قول عثمان بن عفان (معرفة الصحابة لأبي نعيم 1/301 طـ مكتبة الدار بالمدينة المنورة سنة 1408 هـ ) .
ثم ما باله يخطبها من رجل سبق له أن اراد قتله يوم فتح مكة فاستجار بأخته أم هاني, وهو الحارث بن هشام كما في حديث سويد بن غفلة وسيأتي, فأجارته أم هاني, فدخل عليه علي وقد شهر سيفه يريد قتله, فمنعته أم هاني من ذلك كما منعته من قتل جميع من استجار بها, وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك : قد أجرنا من أجارته أم هاني .
ثم ما الذي أغراه بها ؟ علو النسب أو كمال الحسب ؟ مع أنها لم تكن بتلك الحسناء, بل وصفوها بأنها العوراء, ولو شاء الزواج لِمَ لم يتزوج بنت عمه الحمزة أسد الله وأسد رسوله ؟ وهو الذي كان أشار على النبي (صلى الله عليه وآله) بالزواج منها فقال له : اراك تتوق إلى نساء قريش, فهل لك في ابنة حمزة بن عبد المطلب أجمل فتاة في قريش ؟ فقال : يا علي أما علمت أنها ابنة أخي من الرضاعة, فإن الله حرم من الرضاعة ما حرّم من النسب ...(درر الأحاديث النبوية بالأسانيد اليحيوية, ص103 طـ بيروت ) .
فهذه تفوق بنت أبي جهل حسبا ونسبا وجمالا وكمالا, وهي لم تكن ممن يحرم عليه نكاحها .

السؤال الثاني : ما بال النبي (صلى الله عليه وآله) يغضبه خطبة علي لابنة أبي جهل, لأن ذلك يسيء الى فاطمة (عليها السلام), بينما نجده يغضب لعلي لا عليه حينما أخبره اربعة من الصحابة أن عليا اصطفى جارية من السبي عندما أرسله الى اليمن, فشكوه في المسجد الواحد تلو الآخر على ملأ من المسلمين, فغضب (صلى الله عليه وآله), عليهم وحتى أبد بعضهم بنظره, أي نظر إليه نظرا حاداً, ثم قال : (لا تؤذوني في علي, لا تشكوا عليا, إن عليا مني وأنا من علي) وقال :
(من آذى عليا فقد آذاني...) إلى آخر ما قال, وقد مرّ ذكر ذلك قبل هذا في شرح قول سيدنا الناظم :
وفضلك السامي بذا قد عرفا وكل من آذاك آذى المصطفى فهل أن اصطفاء علي (عليه السلام) لجارية من السبي لم يبلغ فاطمة (عليها السلام) أو بلغها ولم يسئها ذلك, لأنها لا تغار منها ؟ السؤال الثالث : ما بال المسور وأضرابه لم يسموا لنا تلك المخطوبة المحظوظة بهوى علي فيها, فتركوا أصحاب الحديث والتاريخ والأنساب يخبطون خبط العشواء, فسمّاها مصعب الزبيري (جويرية), فقال في كتابه نسب قريش : وكان علي بن ابي طالب قد خطب جويرية بنت أبي جهل قبل عتّاب, وهم بنكاحها, فكره ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال : إني لأكره ان تجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله .
فتركها علي, وتزوّجها عتّاب (نسب قريش, ص12).
وسمّاها ابن حزم في الجمهرة (الحنفاء), فقال : وولد أيضا أبو جهل (الحنفاء), أراد علي أن يتزوجها, فكره ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله), فتزوجها عتاب بن أسيد(الجمهرة 1/145) .
وسمّاها البلاذري في أنساب الأشراف (العوراء) (أنساب الأشراف 1/404) . ونسب ذلك إلى تسمية النبي (صلى الله عليه وآله) لها بذلك, ولما لم يكن لأبي جهل من تسمى بذلك فلا بد أن يكون ذلك نبزاً لها . وقد تقدمت الإشارة الى ان ابن حجر ذكر الاختلاف في اسمها في فتح الباري (فتح الباري 8/87) . فزد على ما مر (الجيفاء) نقلا عن الطبري وابن السكيت وغيرهما, وقيل : اسمها (جميلة) نقلا عن شيخه ابن الملقن .
فلماذا هذا الاختلاف وبنات أبي جهل كما في كتب الأنساب أربع . وإليك أسماؤهن وأسماء أزواجهن نقلا عن نسب مصعب الزبيري المتوفي سنة 236 هـ, فهو أقرب زمانا وهوى إلى المسور وإضرابه من رواة تلك الأسطورة .

قال : وكان لأبي جهل أربع بنات : صخرة والحنفاء وأسماء وجويرية, وأمّهن أروى بنت أبي العيص .
1- كانت الحنفاء بنت ابي جهل عند سهيل بن عمرو بن عبد شمس العامري .
2- وكانت أسماء بنت أبي جهل عند الوليد بن عبد شمس بن المغيرة المخزومي, فولدت له أم عبد الله بنت الوليد, تزوج أم عبد الله بنت الوليد عثمان بن عفان, فولدت له الوليد وسعيد ابني عثمان بن عفان (فهل كان زواج عثمان بها بعد موت ابنتي النبي (صلى الله عليه وآله) والجواب عند المسور واضرابه, لكن ما رواه من قول فاطمة (عليها السلام) لأبيها : يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك) يأبى ذلك ... راجع ما مر في الكلام عن الحديث الثالث عند البخاري, فثمة إشارة الى ما يتعلق بالمقام .
3- وكانت جويرية بنت أبي جهل عند عتاب بن أسيد بن أبي العيص ...

قال مصعب : وكان علي بن ابي طالب قد خطب جويرية بنت أبي جهل قبل عتّاب, وهم بنكاحها, فكره ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله), وقال : إني لأكره ان تجمع بين بنت ولي الله وبين بنت عدو الله, فتركها علي وتزوجها عتّاب, فولدت له عبد الرحمن بن عتاب, قتل يوم الجمل, ووقف عليه علي فقال : هذا يعسوب قريش, جدعت أنفي, وشقيت نفسي (يا لله من قوم لا يستحيون من الكذب, أهكذا تبلغ القحة بهم أن يرووا ذلك, هم يترجمون عبد الرحمن بن عتاب ويذكرون ولادته في آخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله) فيكون عمره يوم قتل 26 سنة, فهل يعقل أن يقول علي ذلك في إنسان حاربه مع أعدائه, ولم يكن له في تاريخ قريش على اختلاف بيوتاتهم وأيام صولاتهم مقام مشهود ولا مقال محمود, ثم يصفه بأنه يعسوب قريش, واليعسوب قيرش, واليعسوب هو سيد النحل وأميره ...
فبماذا استحق منه هذا التقريض ؟ ولماذا منه كل هذا التفجع والتوجع المزعوم ؟ ولعل قحة قائلهم تبلغ به فيزعم ان مبعث ذلك هو حنين نفسه الى أمه, وليعلم القارئ أن = جويرية هذه هي التي سبق لها ان قالت يوم فتح مكة وقد سمعت الأذان على ظهر الكعبة : قد لعمري رفع لك ذكرك, أما الصلاة فسنصلي, والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا, روى ذلك الواقدي في مغازيه 2/846, فعلي (عليه السلام), هو أبرز من قتل الأحبة كما مرّ, وقد بينت أسماء من قتلهم من قومها, فراجع ) والآن بعد أن بينّا زيف المسور في روايته, نعود فنذكّر القارئ مرة أخرى بما مر منا سابقا في أول ذكر الرواة, فنقول : حدث بتلك المثابة من الأهمية يغضب فاطمة (عليها السلام), ويغضب أبوها لغضبها, فيخرج الى المسجد ويخطب الناس في ذلك آلى آخر ما مر في حديث المسور, ثم لا يرويه من الصحابة الحضور من مهاجرين وأنصار إلا المسور مع توفر الدواعي الى نقله خصوصا عند شانئي علي (عليه السلام) . إن ذلك لعجيب !!
ولو كان الحدث بحذافيره كما يرويه المسور في حديثه, لرواه المخالف قبل المؤالف, وهذا ليس كفضائله التي أخفاها أولياؤه خوفا وأعداؤه حسداً, ومع ذلك شاع من بين ذين وذين ما ملأ الخافقين .
إذن ليس من المعقول تصديق المسور في جميع زعمه لتلك القصة بكامل تفاصيلها كما رواها وحده دون بقية الناس الذين خطبهم النبي (صلى الله عليه وآله), اللهم لا يقبل ذلك منه .

والسؤال الآن الذي يفرض نفسه : هل ان القصة مفتعلة أساساً, أم لها نصيب من الصحة ولو كان ضعيفا ؟؟ إذ ليس من المقبول عقلا أن يكون المسور على ما هو عليه من البغض والشنآن يختلق قصة موهومة من عالم الخيال ن فيذيعها لتكون حقيقة ثابتة وهي ليس لها أساس ... لا يعقل ذلك, إذ لا يوجد دخان من دون نار, ولا بد من منشأ انتزاع .
إذن ما هو الواقع في ذلك ؟؟

هذا ما يجب ان نبحث عنه بصبر وأناة في مختلف المصادر الحيثية والتاريخية والنسبية, وقد بحثت فيما وصلت إليه يدي فلم أجد سوى حديث يرويه سويد بن غفلة أخرجه الحاكم في المستدرك, وفيه ما يمكن أن يجعل أساساً لتلك القصة, وإليك الحديث بنصّه :
قال الحاكم : أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي, ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل, حدثني أبي, ثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة, اخبرني أبي عن الشعبي عن سويد بن غفلة، قال : خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمّها الحارث بن هشام, فاستشار النبي صلى الله عليه وآله, فقال : أعن حسبها تسألني ؟ قال علي : قد أعلم ما حسبها, ولكن أتأمرني بها ؟ فقال : لا, فاطمة مضغة مني, ولا أحسب إلا وأنها تحزن أ, تجزع, فقال علي : لا آتي شيئا تكرهه ... هذا حديث صحيح على شرط الشيخين, ولم يخرجاه بهذه السياقة . (المستدرك 3/158) .
أقول : هذا الحديث لا يخلو
(أولاَ) سنده من مناقشة في رجاله, ويكفي وجود الشعبي الذي كان ممالئا لبني أمية, ومرّ بيان حاله فيما سبق, ولا حاجة إلى إعادته. (قال معمر : وبلغني أن الشعبي كان يلعب بالشطرنج, ويلبس ملحفة حمراء, ويرمي بالجلاهق .. كذا في المصنف لعبد الرزاق 10/467, وفي سنن البيهقي 10/211 بدل ويرمي بالجلاهق : ويرخي شعره ) والراوي عنه زكريا بن أبي زائدة كان يدلّس (تقريب التهذيب 1/261 ) .

و(ثانيا) هو حديث منقطع الإسناد, لأن سويد بن غفلة وإن كان معدودا من المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام, إلا أنه لم يسمع من النبي (صلى الله عليه وآله) حديثه, ولذلك عقب الذهبي على تصحيح الحاكم فقال : مرسل قوي ... إلى أن قال : فالعجب من الحاكم كيف صحّحه ؟!
أقول : إذا كان في ذلك ما يبعث على العجب, فماذا يقول الذهبي في موافقة شراح البخاري كابن حجر (فتح الباري 9/268 ) . والقسطلاني (إرشاد الساري 8/114) والعيني (عمدة القاري 20/211) . للحاكم في تصحيحه ؟ وأعجب العجب أن الذهبي نفسه روى هذا الحديث في سير أعلام النبلاء ولم يعقب عليه بشيء ! (سير أعلام النبلاء 2/124) .

و(ثالثاً) فيه من التهافت الظاهر ما ينبغي الالتفات إليه, وذلك في قول سويد :
خطب علي ابنة ابي جهل إلى عمها الحارث بن هشام, وقوله : فاستشار علي النبي (صلى الله عليه وآله) ... فأي معنى لاستشارة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الخطبة ؟ ولو كان العكس لصح ذلك منه .

ومع ذلك كله فبقية الحديث من قوله : (فاستشار النبي صلى الله عليه وآله) ... إلى آخره هي أساس ما نسج حوله الرواة كالمسور وأضرابه, وهي في نفس الوقت تنفي وقوع الخطبة من علي, كما تنفي خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في الناس على المنبر معلنا غضبه ... فيكون الحديث بكل بساطة خاطرة خطرت لعلي, فاستشار النبي (صلى الله عليه وآله) مستأذنا, وقال : أتأمرني بذلك , فقال : لا ... فقال علي : لا آتي شيئا تكرهه .

وبهذا المعنى رد ابن عباس على عمر في محاورة جرت بينهما في حديث الخلافة اشار فيها الى هذا المعنى, والمحاورة طويلة جاء فيها :
قال عمر : يا بن عباس إن صاحبكم إذا ولي هذا الأمر زهد, ولكن أخشى عجبه بنفسه أن يذهب به, فليتني أراكم بعدي !
فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين إن صاحبنا من قد علمت والله (غير) ما تقول, إنه ما غير ولا بدل, ولا أسخط رسول الله (صلى الله عليه وآله) أيام صحبته له ...
قال ـ ابن عباس ـ فقطع علي الكلام, فقال : ولا في ابنة ابي جهل لما أراد ان يخطبها على فاطمة ؟ قلت : قال الله تعالى في معصية آدم (عليه السلام), (ولم نجد له عزما), وصاحبنا لم يعزم على سخط رسول الله (صلى الله عليه وآله), ولكن الخواطر التي لا يقدر أحد على دفعها عن نفسه, وربما كانت من الفقيه في دين الله, العالم العامل بأمر الله.
فقال : يا ابن عباس من ظن أنه يرد بحوركم فيغوص فيها معكم حتى يبلغ قعرها فقد ظن عجزا, استغفر الله لي ولك, خذ في غيرها ... الخ (هذه المحاورة رواها الزبير بن بكار في كتابه الأخبار الموفقيات, وأخرجها عنه السيوطي في كتابه جمع الجوامع كما في ترتيبه كنز العمال 7/53 الطبعة الأولى بحيدر آباد, والمتقي الهندي في منتخب الكنز بهامش مسند أحمد 5/229, ولكنها لا توجد في المطبوع من الموفقيات أخيرا بتحقيق الدكتور سامي مكي العاني, فهي مما يستدرك عليه مما فاته استدراكه فيما ذكر في آخر النسخة المطبوعة) .
ومع ذلك فقد روى الهيثمي في مجمع الزوائد نقلا عن الطبراني في معاجمه الثلاثة ... والبزّاز باختصار, وفيه عبيد الله بن تمام وهو ضعيف (مجمع الزوائد 9/203)، كما أخرجه العقيلي في الضعفاء في ترجمة عبيد الله بن تمام . وقال ابن حجر في لسان الميزان : ضعّفه الدار قطني وأبو حاتم وأبو زرعة وغيرهم .
وقال أبو حاتم : ليس بالقوى, روى أحاديث منكرة : وقال الساجي : كذّاب يحدث بمناكير (لسان الميزان 4/97) .
وذكره ابن الجارود والعقيلي, وأورد له عن خالد عن عكرمة عن ابن عباس : أن عليّا خطب بنت أبي جهل, فبعث إليه النبي صلى الله عليه وآله : إن كنت متزوجاً فرد علينا بنتنا .

أقول : فحديث يرويه عبيد الله بن تمام الذي مرّ حاله, وينتهي سنده إلى عكرمة الخارجي الكـّذاب الذي حبسه علي بن عبد الله بن عباس على باب الكنيف, لأنه كان يكذب على أبيه, وحديث كذبه شائع ذائع حتى إن ابن عمر حذّر غلامه أن يكذب عليه كما كذب عكرمة على ابن عباس, وقد أكذبه آخرون, مضافا إلى أنه كان خارجيا يبغض الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام), فهل يمكن أن نصدق أن ابن عباس روى ذلك ؟

وثمة حديث آخر وهو موضوع, لأنه أشد تعفنا مما سبق, حيث رووا عن علي نفسه إقراره بموجدة النبي (صلى الله عليه وآله) منه لذلك, واستشفاعه بأبي بكر ...
إلى غير ذلك مما يستبطن كذبه في سياق ما رواه المتقي الهندي في كنز العمال (كنز العمال 14/158 برقم 338 حيدر آباد) . عن الحارث عن علي, قال : لما خطبت بنت أبي جهل بن هشام وجد النبي (صلى الله عليه وآله) موجدة, فرأيت في وجهه, فخرجت الى أبي بكر فأخذت بيده, فأدخلته على رسول الله (صلى الله عليه وآله), فلما رأى النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر مقبلا تهلل وجه النبي (صلى الله عليه وآله) فرحا, فقلت : يا رسول الله رأيت في وجهك ما أكره, فلما نظرت إلى أبي بكر تهلل وجهك إليه فرحا ! فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : ما يمنعني أن تهلل وجهي إلى أبي بكر فرحا, وأبو بكر أول الناس إسلاماً, وأقدمهم إيماناً, وأطولهم سمتا, وأكثرهم مناقب, رفيقي في الهجرة الى المدينة, وآنيسي في وحشة الغار, ومن بعد ذلك ضجيعي في قبري, كيف لا يتهلل وجهي إلى أبي بكر فرحا ؟ (الزوزني) .
ولا تعليق لنا على ذلك إلا تنبيه القارئ على مدى العبث في التاريخ, والمغالاة في صياغة الشخصية المحبوبة عند النبي (صلى الله عليه وآله), والنزعة الخفية في التفضيل, وأن أبابكر هو الأنموذج الأمثل للصحابة .
ألا سخنت عيون البكرية ما أشد غباءهم فما داموا استمرؤوا الكذب, كيف فاتهم أن يضيفوا إلى هذه الحبكة المفتعلة جملة (وهو خليفتي من بعدي) لتتم لهم الحجة, ولكنهم فيما يبدو رأوا سقوط أبي بكر في حمأة الحيرة المملة التي عاناها حين سأله الأعرابي وقال له : أنت خليفة رسول الله ؟ فقال : لا . فقال : فما أنت ؟ قال : أنا الخالفة بعده, فلم يذكروا له ذلك ما دام أبو بكر قال عن نفسه هو الخالفة, والخالفة كما قال ابن الاثير الذي لا غناء ولا خير فيه. وإنما قال ذلك تواضعاً .
وطبيعي أن يقول ذلك أبو بكر, فهو أعرف بنفسه من غيره, ولأنه يعلم ذلك من نفسه, كما أنه من الطبيعي أن يقول ذلك ابن الاثير, ويقوله جميع البكريين معه, الذين هم أكثر بكرية من أبي بكر ـ على مقولة : (ملكيّون اكثر من الملك) ...
ولكن ما يصنع ابن الاثير وأضرابه وتفسير قوله تعالى (فاقعدوا مع الخالفين), والمفسرون قالوا : فلان خالفة أهل بيته إذا كان فاسدا فيهم, من خلوف فم الصائم, فعلى هذا يكون المعنى فاقعدوا مع الفاسدين (تفسير القرطبي 8/218) .
وخفف بعضهم تلك اللهجة الحادة في تفسير الخالف, فجعل معناه قلة الخير والحمق, قال أبو هلال العسكري في كتابه الأوائل : وأما الخلافة ـ بالفتح ـ فالحمق وقلة الخير, رجل خالف (الأوائل, ص 100) .
وقال أبو زيد : يعني من لا خير فيه من المنافقين .

ومهما يكن مراد أبي بكر في قوله : (أنا الخالفة) فإن البكرية لم يجعلوه في حديثهم السابق خليفة النبي (صلى الله عليه وآله), ولكن هلّم الخطب في جعلهم له أول الناس إسلاما وأقدمهم إيمانا, وهذا عين ما قاله رسول الله لابنته فاطمة عليها السلام: زوّجتك أقدم أمتي سلما, وأكثرهم علماً, وأعظمهم حلماً (مسند أحمد 5/26, الاستيعاب 3/36, الرياض النضرة 2/194, مجمع الزوائد 9/101, 114, بطريقين صحح أحدهما, ووثق رجال الآخر . كنز العمال 6/156 طـ الأولى : السيرة الحلبية 1/289 . سيرة زيني دحلان بهامش الحلبية 1/188) .
وتلكم عائشة ابنة ابي بكر تقول في خطبتها بعد الجمل : وأبي رابع اربعة من المسلمين (كنز العمال 14/141) .

أما سعد بن أبي وقاص ـ أحد العشرة المبشرة ـ فيقول لابنه محمد وقد سأله :
أكان أبو بكر أولكم إسلاما ؟ فقال : لا, ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين , ولكن كان أفضلنا إسلاما (تاريخ الطبري 2/215 . وسنده صحيح) .

وأخيرا كيف يصدّق عاقل بما رواه البكريون آنفا عن علي (عليه السلام) من موجدة النبي (صلى الله عليه وآله), مع أنه القائل كما في نهج البلاغة في خطبة له يصف مقامه عند الرسول (صلى الله عليه وآله) : وما وجد لي كذبة في قول, ولا خطلة في فعل (نهج البلاغة 1/392) .
أليست خطبته بنت أبي جهل خطلة في فعل ؟ كيف يصدق ذلك مسلم, حاشا لله (إنّما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون) (سورة النحل, الآية 105) .

بقيت بعض الأحاديث تلتقي في مؤدّاها مع حديث المسور من غضب فاطمة (عليها السلام) بسبب الغيرة ايضا, ولكن لم تكن المرأة التي تاقت نفس علي إليها هي ابنة ابي جهل, وإنما هي حرة وأمة :

1-أما الحرة فهي أسماء بنت عميس ... وحديثها أخرجه الطبراني في معجمه الكبير (المعجم الكبير للطبراني 22/338, 24/120 طـ الثانية بالموصل) . وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد (مجمع الزوائد 9/203) ., وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط, في إسناده من لم أعرفه .
إذن لا يهمنا بيان حال إسناده فلننظر إلى متنه ...
قالت أسماء : خطبني علي, فبلغ ذلك فاطمة فأتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقالت : إن أسماء متزوجة عليّا, فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله .

فنقول : إن اسماء كانت اولا عند جعفر بن ابي طالب رضوان الله عليه, فلما كانت غزاة مؤتة سنة ثمان من الهجرة في جمادي الأولى أو الآخرة قتل فيها جعفر, فتزوجها أبوبكر بعد قتل جعفر وبعد يوم حنين كما عن عمر بن شبة في مكة, وحكاه ابن حجر في الإصابة في ترجمة اسماء, فإن غزاة حنين كانت في شوال سنة ثمان من الهجرة, والرسول (صلى الله عليه وآله) خرج إليها لست خلون من شوال, وانتهى الى حنين في عاشرة (السيرة النبوية لابن كثير 3/610) .
فيكون بين الوقعتين أربعة أشهر وأيام هي بمقدار عدة المرأة المتوفى عنها زوجها, ويعني ذلك ان أبا بكر تزوج أسماء عند خروجها من العدة, وعلى هذا دل ما ذكره ابن كثير في سيرته, قال :
ورثت أسماء بنت عميس زوجها ـ جعفرا ـ بقصيدة تقول فيها :

فآليت لا تنفك نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا فلله عينا من رأى مثله فتى أكر وأحمى في الهياج وأصبرا ثم لم تنشب أن انقضت عدتها, فخطبها أبو بكر الصديق (رض) فتزوجها, فأولم وجاء الناس للوليمة, فكان فيهم علي بن ابي طالب, فلما ذهب الناس استأذن علي ابابكر (رض) في أن يكلم اسماء من وراء الستر فأذن له, فلما اقترب من الستر فنحه ريح طيبها, فقال لها علي ـ على وجه البسط : من القائلة في شعرها :
فآليت لا تنفك نفسي حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا قالت : دعنا منك يا أبا الحسن, فإنك امرؤ فيك دعابة (السيرة النبوية لابن كثير 3/478) .
على أن هناك ما يحمل على الشك بصحة ما رواه ابن كثير, فقد نسب الزمخشري في ربيع الأبرار البيت المذكور الى عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل (ربيع الابرار 2/279), قالته في رثاء زوجها عبد الله بن أبي بكر, ثم خطبها عمر, فلما أولم بها قال عبد الرحمن بن أبي بكر : يا أمير المؤمنين أتأذن أن ادخل رأسي على عاتكة ؟ فأدخل رأسه فقال :
آليت لا تنفك عيني قريرة عليك ولا ينفك جلدي أصفرا فنشجت نشيجا عالياً، فقال عمر : ما أردت إلا هذا غفر الله لك .

وهذا الجواب منها ينفي خطبة علي لها,لأن خطبته لها لو كانت لابد أن تكون قبل خطبة أبي بكر, لأن أبا بكر مات عنها سنة 13 من الهجرة, يعني بعد موت فاطمة بثلاث سنين, فلابد أن يفترض أن خطبة علي لها كانت قبل خطبة أبي بكر لها, فكان عليها أن تجيبه بعد عتابه لها على تناسيها رثاءها لأخيه جعفر : أنت اولى مني بالعتاب, ألم تسبق الي بالخطبة, ولأشارت الى ما نسب إليها من زعم أن عليا خطبها, وقول فاطمة (عليها السلام) لأبيها وقول أبيها (صلى الله عليه وآله) : ما كان لها أن تؤذي الله ورسوله ...
لا أن يكون جوابها : دعنا منك يا أبا الحسن, فإنك امرؤ فيك دعابة .

2- وأما الأمة فهي جارية أعطاها له أبو بكر, وحديثها أخرجه عند الرزاق عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر قال : أعطى أبو بكر عليا جارية, فدخلت أم أيمن على فاطمة فرأت فيها شيئا كرهته, فقالت : مالك ؟ فلم تخبرها، فقالت :
مالك ... فوالله ما كان أبوك يكتمني شيئا ... فقالت : جارية أعطوها أبا حسن, فخرجت أم أيمن فنادت على باب البيت الذي فيه علي بأعلى صوتها : أما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحفظ في أهله ؟ فقال : ما هذا الصوت ؟ فقالوا : أم أيمن تقول : أما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحفظ في أهله, فقال علي : وما ذاك ؟ قالت : جارية بعث بها إليك ... فقال علي : الجارية لفاطمة (المصنف لعبد الرزاق 7/302ـ 303, وعنه في منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد 5/99 ولكن بتفاوت ) .
فهذا الحديث يرويه ابن عيينة, وهو ممن رمي بالاختلاط كما في كتاب الاعتباط لسبط ابن العجمي (كتاب الاعتباط لسبط ابن العجمي, ص 12) كما ذكره من المدلّسين في كتابه الآخر (التبيين لأسماء المدلّسين), وابن عيينة يرويه عن عمرو بن دينار, وهذا أيضا من المجروحين كما في كتاب المجروحين لابن حبّان, قال :
ممن كان ينفرد بالموضوعات عن الأثبات, لا يحل كتابه حديثه إلا على جهة التعجب, وسئل ابن معين عنه فقال : ليس بشيء ... مضافا الى أنه كان يعرف بقهرمان آل الزبير, فمن كان كذلك هل يقبل حديثه ؟ (كتاب المجروحين 2/70 ط حيدر آباد) .
على أن في نفس حديثه ما يدل على كذبه, وذلك أن فاطمة (عليها السلام) التي لم تبق بعد أبيها سوى أيام او شهور لم تزد على ستة أشهر ثم ماتت (عليها السلام), وكان علي معها في محنتها, ولم يبايع أبا بكر ما دامت فاطمة حية ... وقالوا :
لم يحضر جمعة ولا جماعة مع القوم إلى أن ماتت فاطمة (عليها السلام), فانصرفت وجوه الناس عنه, فبايع هو كما بايع معه العباس وبنوه وجماعة بني هاشم وبقية الفئات المعارضة التي اتخذت منه ملجا يلجؤون إليه وسندا يستندون عليه .

فهل يعقل أن أبا بكر يبعث إليه بجارية ويقبل ذلك علي (عليه السلام) منه وهو بعد لم يزل ساخطا لما جرى معه ومع فاطمة (عليها السلام) من بعد النبي ؟ ولو سلمنا ذلك فهل ان عليا نسي ما مر له في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) من استشارته في أمر ابنة ابي جهل, وان ذلك يسيء إلى فاطمة, فقال : لا أفعل شيئا تكرهه, ثم ها هو الآن يقبل الجارية, ويقيم معها, حتى تنكر ذلك عليه أم أيمن !!

ثم ما بال علي (عليه السلام) وبنيه لم يتبينوا تلك الكراهية من فاطمة (عليها السلام) وهم يعيشون معها في البيت, وتبينتها أم أيمن التي كانت في بيت غيربيتها ؟! دون من كان يزورها من نساء المهاجرين والأنصار, وحتى أسماء بنت عميس التي كانت تمرضّها .
كل ذلك يوحي باختلاق الحديث, ولا نستبعده من عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير الذي قال فيه ابن حبان : كان ينفرد بالمضوعات عن الأثبات, لا يحل كتابة حديثه إلا على وجه التعجب ..
وما يدرينا لعل عبد الرزاق إنما كتب حديثه في كتابه (المصنف) على ذلك الوجه .

ثم أعلم أيها القارئ الكريم ان النبي (صلى الله عليه وآله) أعطى عليا يوم حنين جارية يقال لها ريطة بنت هلال بن حيان بن عميرة (السيرة النبوية لابن كثير 2/671) فلا يخلو إما أن يكون ذلك يغيظ فاطمة (عليها السلام) أو لا يغيضها، فإن كان يغيظها فلم فعله النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ وإن كان لا يغيظها فما الفرق بين ريطة وغيرها من النساء, سواء كانت زوجة أو جارية بملك اليمين, وكلتاهما بحكم الضرائر عند النساء ؟ على ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد دافع عن الإمام في اصطفائه الجارية حينما بعثه إلى اليمن وشكاه بريدة كما في البخاري في كتاب المغازي, باب بعث علي بن ابي طالب وخالد بن الوليد رضي الله عنهما قبل حجة الوداع, في الحديث الثاني من الباب بسنده عن بريدة رضي الله عنه, قال : بعث النبي (صلى الله عليه وآله) عليا إلى خالد ليقبض الخمس, وكنت أبغض عليا وقد اغتسل, فقلت لخالد : ألا ترى إلى هذا ؟ فلما قدمنا على النبي (صلى الله عليه وآله) ذكرت له, فقال : يا بريدة أتبغض عليا ؟ فقلت : نعم, فقال : لا تبغضه, فإن له في الخمس أكثر من ذلك .

أقول : فما بال التسري لا يغيظ فاطمة (عليها السلام) إذا بلغها ؟ ويغيظها إذا كان تزويجاً ؟ ولا يفوتني تنبيه القارئ إلى أن الحديث السابق عن البخاري رواه غيره بأوسع وأوضح مما ذكره, فراجع فتح الباري في شرح الحديث المذكور (فتح الباري 9/128) .

لماذا وضع هذا الحديث ؟
لقد مر بنا مرارا تذكير القارئ بأن الأمويين عمدوا إلى كثير من فضائل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) فجعلوا مثلها للخلفاء الآخرين, ولا ننس ما ذكره المدائني من كتب معاوية إلى عماله ببراءة الذمة ممن روى في فضل علي شيئا .
ثم كتابه يأمرهم فيه بوضع الحديث في فضائل الشيخين .
ثم كتابه يأمرهم فيه بوضع الحديث في فضائل عثمان .
ولما كان عثمان لم يحمد في مصاهرته للنبي (صلى الله عليه وآله), وقد أساء صحبة زوجته أم كلثوم ابنة النبي (صلى الله عليه وآله), فلما ماتت في شعبان سنة تسع من الهجرة فغسلتها أسماء بنت عميس وصفية بنت عبد المطلب, وقيل :
غسّلها نسوة من الأنصار فيهن أم عطية .

قال ابن كثير : وهذا ثابت في الصحيحين, وثبت في الحديث إيضا أنه (عليه السلام) لما صلى عليها وأراد دفنها قال : (لا يدخله أحد قارف الليلة أهله), فامتنع زوجها لذلك, ودفنها أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه .
وقال ابن كثير : (ويحتمل أنه أراد بهذا الكلام من كان يتولى ذلك ممن يتبرع بالحفر والدفن من الصحابة كأبي عبيدة وأبي طلحة ومن شابههم, فقال : لا يدخل قبرها إلا من لم يقارف أهله من هؤلاء), إذ يبعد أن عثمان كان عنده غير أم كلثوم بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا بعيد, والله أعلم (السيرة النبوية 4/74 وجاء في الهامش ان ما بين القوسين سقط من أ, يعني من نسخة أ ) .
وفي شرح المواهب اللدنية للزرقاني تحقيق لا غنى عن مراجعته, فليراجع (شرح المواهب 2/200, 201) .

أقول : ومن البلية أن نجد بين علماء التبرير من هم عثمانيون أكثر من عثمان, فهذا ابن كثير يذكر هذا الاحتمال البارد الكاسد, ويريد أن يغمض عيون الناس, فلا ينظروا إلى قبح مقارفة عثمان .
ومن جناية ابن كثير على الحديث وخيانته أنه لم يذكره كما ورد في صحيح البخاري الذي اعتمده وصحيح مسلم في ذكر وفاة أم كلثوم, وإلى القارئ ما ذكره البخاري في صحيحه في الجنائز, باب يعذب الميت ببكاء أهله, وباب من يدخل قبر المرأة, بسنده إلى أنس بن مالك, قال : شهدنا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس على القبر, فرأيت عينيه تدمعان, فقال : هل فيكم من أحد لم يقارف الليلة ؟ فقال أبو طلحة (زيد ابن سهل الانصاري ) : أنا . قال : فانزل في قبرها. قال : فنزل في قبرها فقبرها . قال ابن مبارك : قال فليح : أراه يعني الذنب .
قال أبو عبد الله ـ هو البخاري ـ:ليقترفوا : ليكتسبوا (صحيح البخاري 2/22, 244).

أقول : وهذا أخرجه أحمد ايضا في مسنده (مسند أحمد 3/126, 228, 229, 270), وابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم (الطبقات 8/31 في ترجمة أم كلثوم), والحاكم في المستدرك (المستدرك 4/47), والبيهقي في السنن الكبرى (السنن الكبرى 4/53) وابن حجر في الإصابة (الإصابة 4/489) والسهيلي في الروض الأنف (الروض الأنف 2/107) وكثير من المصادر, حتى لم تخل منه كتب اللغة, كنهاية ابن الأثير, ولسان العرب, وتاج العروس (النهاية في غريب الحديث 3/276, لسان العرب 11/189,تاج العروس 6/220) .
ولشرّاح صحيح البخاري وغيرهم في هذا الحديث تشريق وتغريب عجيب في تبرئة ساحة عثمان من مغبة معنى المقارفة . على أن جماعة من أعلام الحفاظ قد فسّروا المقارفة بالذنب صراحة, فقد مرّ عن فليح قوله : أراه يعني الذنب .

ومرّ في تعقيب البخاري بقوله : (ليقترفوا : ليكتسبوا) إشارة إلى قوله تعالى (وليقترفوا ما هم مقترفون) كما فهمه ابن حجر في فتح الباري(فتح الباري 3/163)، وإلى قوله تعالى (إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) . وجاء في مسند أحمد قول سريج : يعني ذنباًَ .
وقال الخطابي : لم يقارف معناه لم يذنب (عمدة القاري 4/85) .

ولعل أجرأ من وقفت على كلامه في تفسيره المقارفة تصريحا لا تلويحا هو ابن بطال, قال : أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أن يحرم عثمان النزول في قبرها, وقد كان أحق الناس بذلك, لأنه كان بعلها , وفقد منها علقا لا عوض منه, لأنه حين قال (عليه السلام) : (أيكم لم يقارف الليلة) سكت عثمان ولم يقل : أنا . لأنه كان قد قارف ليلة ماتت بعض نسائه, فلم يشغله الهم بالمصيبة وانقطاع صهره من النبي (صلى الله عليه وآله) عن المقارفة, فحرم بذلك ما كان حقا له, وكان أولى به من أبي طلحة وغيره, وهذا بين في معنى الحديث, ولعل النبي (صلى الله عليه وآله) قد كان علم بذلك بالوحي فلم يقل له شيئا, لانه فعل فعلا حلالا، غير أن المصيبة لم تبلغ منه مبلغا يشغله,حتى حرم ما حرم من ذلك بتعريض غير تصريح, والله أعلم (الروض الأنف 2/107) .
وزاد العيني في عمدة القارئ على ابن بطال أن جمع بين قوله وقول الخطابي, وقد مر ـ وأدان عثمان في تلذّذه بالرفث إلى جارية (عمدة القاري 4/85) .
وهذ الحديث الذي فيه إدانة عثمان حتى حرم من حق الدفن الذي كان هو الأولى به من أبي طلحة, وعلم المسلمون المشيّعون يومئذ بذلك, كيف لا يحاول الأمويون وأنصارهم إذ لم يمكن تضييعه فلا اقل من تمييعه ولو عن طريق علماء التبرير في مستقبل الزمان, وقد مرّ بنا كلام ابن كثير البارد الكاسد .

إذن فليجتهد الأمويون ومن لف لفهم من بقية أعداء الإمام في خلق حدث أكبر يدينون به الإمام, فكان حديث خطبة ابنة ابي جهل, وقد مرّ بنا كيف حال رواته, وكلهم من زبانية الأمويين وأعداء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) .
ولنختم الكلام بما قاله ابن ابي الحديد المعتزلي أصولا والحنفي فروعا في شرح النهج, قال :
وعندي أن هذا الخبر لو صح لم يكن على امير المؤمنين في غضاضة ولا قدح, لأن الامة مجمعة على أنه لو نكح ابنة أبي جهل مضافا إلى نكاح فاطمة (عليها السلام), لجاز, لأنه داخل تحت عموم الآية المبيحة للنساء الأربع, فابنة ابي جهل المشار إليها كانت مسلمة, لأن هذه القصة كانت بعد فتح مكة وإسلام أهلها طوعا وكرها, ورواة الخبر يوافقون على ذلك .
فلم يبق إلا أنه إن كان هذا الخبر صحيحا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما رأى فاطمة قد غارت, وأدركها ما يدرك النساء, عابت عليا (عليه السلام) عتاب الأهل, كما يستثبت الوالد رأي الولد, ويستعطفه إلى رضا أهله وصلح زوجته, ولعل الواقع كان بعض هذا الكلام, فحرّف وزيد فيه .

ولو تأملت أحوال النبي (صلى الله عليه وآله) مع زوجاته, وما كان يجري بينه وبينهن من الغضب تارة والصلح تارة أخرى, والسخط تارة والرضا أخرى, حتى بلغ الأمر إلى الطلاق مرة, وإلى الإيلاء مرة, وإلى الهجر مرة والقطيعة مرة, وتدبّرت ما ورد في الروايات الصحيحة مما كنّ يلقينه (عليه السلام) به ويسمعنه إياه, لعلمت أن الذي عاب الحسدة والشانئون عليا (عليه السلام) به بالنسبة إلى تلك الأحوال قطرة من البحر المحيط .

ولو لم يكن إلا قصة مارية وما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين تينك الامرأتين من الأحوال والأقوال, حتى أنزل فيهما قرآن يتلى في المحاريب ويكتب في الصحائف, وقيل لهما ما يقال للإسكندر ملك الدنيا لو كان حيا منابذا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) : (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير), ثم أردف بعد ذلك بالوعيد والتخويف (عسى ربه إن طلقكن) الآيات بتمامها, ثم ضرب لهما مثلا امرأة نوح وامرأة لوط اللتين خانتا بعليهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا, وتمام الآية معلوم, فهل ما روي في الخبر من تغضّب فاطمة على علي (عليه السلام) وغيرتها من تعريض بني المغيرة له بنكاح عقيلتهم إذا قويس إلى هذه الأحوال وغيرها مما كان يجري إلا كنسبة التأفيف إلى حرب البسوس, ولكن صاحب الهوى والعصبية لا علاج له (شرح نهج البلاغة 1/329 ط مصر الأولى) .

هذا آخر ما أردت بيانه حول نسيج الأفاكين الذين حاولوا الغضّ من مقام الإمام امير المؤمنين (عليه السلام), وأنه آذى فاطمة وأساء إليها, تارة لخطبة ابنة أبي جهل, واخرى بخطبة أسماء بنت عميس, وثالثة بجارية بعث بها إليه أبو بكر ... ولكن كشفنا عوارهم, وزدنا أوارهم, وإن أغضب ذلك أنصارهم, انتصارا للحق المهضوم, ودحضا للباطل المزعوم, (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) من كتاب (علي إمام البررة ج2 / ص168ـ 230) للعلامة الفاضل السيد محمد مهدي الخرسان
ودمتم في رعاية الله

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال