الاسئلة و الأجوبة » الإمامة الخاصّة(إمامة الأئمّة الاثني عشر(عليهم السلام)) » وصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) قبل وفاته


ح م ع ك / البحرين
السؤال: وصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعليّ(عليه السلام) قبل وفاته
أرجو منكم التكرّم بتزويدي بوصية النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) للإمام عليّ(عليه السلام) قبل انتقاله للرفيق الأعلى، والتي تتعلّق بالبلاء والغدر الذي سيحلّ بأمير المؤمنين(عليه السلام) في بيته وزوجته(عليها السلام)، وخلافة المسلمين من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم), والتي يأمره فيها بالصبر على كلّ هذا البلاء.
وهذا ما يحجّنا به بعض المذاهب الإسلامية، ألا وهو سكوت الإمام(عليه السلام) عن حقوقه.
الجواب:

الاخ (ح م ع ك) المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نعم، وردت الوصية بما ذكرت من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين(عليه السلام) نقلاً عن أمر الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم. وإليك الوصية كما رواها ثقة الإسلام الكليني(رحمه الله) في كتابه (الكافي): بسنده عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير، قال: حدّثني موسى بن جعفر(عليه السلام)، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أليس كان أمير المؤمنين كاتب الوصية ورسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) المملي عليه، وجبرئيل والملائكة المقرّبون(عليهم السلام) شهود؟
قال: فأطرق طويلاً.
ثمّ قال: يا أبا الحسن [كنية الإمام موسى بن جعفر(عليه السلام)] قد كان ما قلت, ولكن حين نزل برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأمر، نزلت الوصيّة من عند الله كتاباً مسجّلاً، نزل به جبرئيل مع أمناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمّد! مر بإخراج مَن عندك إلاّ وصيّك، ليقبضها منّا وتشهدنا بدفعكَ إيّاها إليه ضامناً لها - يعني عليّاً(عليه السلام) - فأمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بإخراج من كان في البيت ما خلا عليّاً(عليه السلام)، وفاطمة فيما بين الستر والباب.
فقال جبرئيل: يا محمّد! ربّك يقرئكَ السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك، وشهدت به عليك، وأشهدت به عليك ملائكتي، وكفى بي يا محمّد شهيداً.
قال: فارتعدت مفاصل النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: يا جبرئيل! ربّي هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، صَدَق (عزّ وجلّ) وبرَّ، هات الكتاب.
فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)، فقال له: اقرأه، فقرأه حرفاً حرفاً، فقال: يا عليّ! هذا عهد ربّي تبارك وتعالى إليَّ، وشرطه علَيَّ وأمانته، وقد بلّغت ونصحت وأدّيت.
فقال عليّ(عليه السلام): وأنا أشهد لك (بأبي وأُمّي أنت) بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلتَ، ويشهد لكَ به سمعي وبصري ولحمي ودمي.
فقال جبرئيل(عليه السلام): وأنا لكما على ذلك من الشاهدين.
فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا عليّ! أخذتَ وصيّتي وعرفتَها، وضمنتَ لله ولي الوفاء بما فيها؟
فقال عليّ(عليه السلام): نعم، بأبي أنت وأُمّي، علَيَّ ضمانها، وعلى الله عوني وتوفيقي على أدائها.
فقال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا عليّ! إنّي أُريد أن أشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة.
فقال عليّ(عليه السلام): نعم، اشهد.
فقال النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّ جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران، معهما الملائكة المقرّبون لأُشهدهم عليك.
فقال: نعم، ليشهدوا وأنا - بأبي أنت وأُمّي - أشهدهم.
فأشهدهم رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان في ما اشترط عليه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأمر جبرئيل(عليه السلام) في ما أمر الله(عزّ وجلّ) أن قال له: يا عليّ تفي بما فيها من موالاة مَن والى الله ورسوله، والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله، والبراءة منهم، على الصبر منك، وعلى كظم الغيظ، وعلى ذهاب حقّك، وغصب خمسك، وانتهاك حرمتك؟
فقال: نعم يا رسول الله... إلى آخر الوصية))(1)..
وفيها ما يجري على عليّ(عليه السلام) بعد رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وجاء في مصادر أهل السُنّة ما يؤيّد ذلك:
فقد روى يونس بن حباب، عن أنس بن مالك، قال: ((كنّا مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليّ بن أبي طالب معنا، فمررنا بحديقة, فقال عليّ: يا رسول الله! ألا ترى ما أحسن هذه الحديقة؟!
فقال: إنّ حديقتك في الجنّة أحسن منها.
حتّى مررنا بسبع حدائق يقول عليّ ما قال، ويجيبه رسول الله بما أجابه.
ثمّ إنّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقف فوقفنا، فوضع رأسه على رأس عليّ وبكى، فقال عليّ: ما يبكيك يا رسول الله؟
قال: ضغائن في صدور قوم لا يبدونها لك حتّى يفقدوني.
فقال: يا رسول الله! أفلا أضع سيفي على عاتقي فأبيد خضراءهم؟
قال: بل تصبر.
قال: فإن صبرت.
قال: تلاقي جهداً.
قال: أفي سلامة من ديني؟
قال: نعم.
قال: فإذن لا أُبالي))(2).

وفي (مختصر إتحاف السادة المهرة): ((قلت: يا رسول الله! ما يبكيك؟ قال: (ضغائن في صدور أقوام لا يبدونها لك إلاّ من بعدي). قال البوصيري: رواه أبو يعلى الموصلي، والبزّار، والحاكم وصحّحه))(3).
وقد أخبر الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، بأنّ النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبره بأنّ الأُمّة ستغدر به من بعده..
فقد روى عثمان بن سعيد، عن عبد الله بن الغنوي: أنّ عليّاً(عليه السلام) خطب بالرحبة، فقال: (أيّها الناس، إنّكم قد أبيتم إلاّ أن أقولها! وربّ السماء والأرض: إنّ من عهد النبيّ الأُميّ إلَيَّ: إنَّ الأُمّة ستغدر بك بعدي).
قال ابن أبي الحديد المعتزلي بعد روايته لهذا الخبر: وروى هيثم بن بشر عن إسماعيل مثله، وقد روى أكثر أهل الحديث هذا الخبر بهذا اللفظ، أو بقريب منه(4).

ولم يكن أمر النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين(عليه السلام) بالصبر من بعده على ما سيجري عليه من بلاء وغدر، كما صرّح بذلك الإمام عليّ(عليه السلام) نفسه، إلاّ للقراءة الكاملة التي كان يقرأها النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) - بما منَّ الله عليه من علم - لحال الأُمّة من بعده(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتتلخّص بما يلي:
1- تفرّق كلمتها؛ إذ كانت رزية يوم الخميس الواردة في صحاح المسلمين خير شاهد على ذلك.
2- قلّة الناصر لأمير المؤمنين(عليه السلام) في مطلب الخلافة وزعامة الأُمّة بعد النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم).. وقد كانت أحداث السقيفة، وتقاعس المسلمين من المهاجرين والأنصار عن نصرة الإمام(عليه السلام) بأعذار وتبريرات مختلفة، تناولها الباحثون عند حديثهم عن تلك الحقبة خير دليل على هذا الواقع.

وقد وردت جملة من الروايات تشير إلى هذه الحقّائق المتقدّمة:
جاء في (كتاب سليم بن قيس الهلالي)، عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّه قال لأمير المؤمنين(عليه السلام): (يا عليّ! إنّك ستلقى بعدي من قريش شدّة من تظاهرهم عليك وظلمهم لك، فإن وجدت أعواناً عليهم فجاهدهم، وقاتل من خالفك - بمن وافقك - فإن لم تجد أعواناً. فأصبر وكفّ يدك، ولا تلق بيدك إلى التهلكة، فإنّك منّي بمنزلة هارون من موسى، ولك بهارون أُسوة حسنة؛ أنّه قال لأخيه موسى: (( إِنَّ القَومَ استَضعَفُونِي وَكَادُوا يَقتُلُونَنِي )) (الأعراف :150) )(5).

وفي المصدر ذاته: ((إنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يأخذ بيدي الحسن والحسين(عليهما السلام) ويطوف بالبضعة الزهراء(عليها السلام) على بيوت الأنصار والمهاجرين وأهل السابقة في الإسلام يدعوهم لنصرته، فلم يستجب له غير أربعة، هم: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، والزبير، حتّى قال: (لو وجدت أعواناً أربعين رجلاً من المهاجرين والأنصار من أهل السابقة لناهضت هذا الرجل) ))(6).

وفي (تاريخ اليعقوبي) عند ذكره لأحداث السقيفة وما جرى أيامها: ((...وكان خالد بن سعيد غائباً، فقدم فأتى عليّاً، فقال: هلم أُبايعك، فو الله ما في الناس أحدٌ أولى بمقام محمّد منك، واجتمع جماعة إلى عليّ بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له، فقال لهم: اغدوا على هذا محلّقين الرؤوس. فلم يغد عليه إلاّ ثلاثة نفر))(7).

الأمر الذي كان يعني بأنّ على الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أن يسلك أحد الطريقين: إمّا الخروج بالسيف على من ناواه مع قلّة الناصر, وهذا يعني: احتمال موته واستئصاله، واستئصال أتباعه القليلين، الذين أطاعوا الله والرسول بالتمسّك بالثقلين - الكتاب والعترة - وفي ذلك تكون الخسارة كبيرة، وقد لا تعادلها خسارة للأُمّة، بل وربّما تتعرّض الرسالة الإسلامية برمّتها للخطر فيما لو تم ذلك، هذا بالإضافة إلى وقوع خطر الانقسام الشديد في الأُمّة الذي يجعلها لقمة سائغة لأعدائها المتربّصين بها من اليهود والنصارى وهي فتية عهدها وما زالت في دور نشوئها بعد.
والطريق الثاني: وهو طريق السكوت والصبر والعمل على تهيئة الأُمّة تهيئة عقائدية روحية، تستطيع من خلالها أن تتحمل المسؤولية في نصرة أئمّة الحقّ، وأن تعي أبعاد الرسالة الإسلامية وأهدافها الطويلة الأمد، وهو الطريق الذي رسمه النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين(عليه السلام).

وقد سار عليه الإمام(عليه السلام)، وهيّأ الأُمّة لهذه المرحلة بصبره وعلمه وتقواه، حتّى أجمعت الأُمّة على مبايعته والامتثال لأوامره فيما بعد؛ فقد كانت بيعته(عليه السلام) هي البيعة الوحيدة، من بين الذين سبقوه، التي أجمع عليها المهاجرون والأنصار في مدينة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذلك عندما أحسّت الأُمّة بضرورة قيادته(عليه السلام) لها، وأنّه الوحيد القادر على إنقاذها في تلك المرحلة الخطرة من تاريخها.
ولا يعني صبره(عليه السلام) وعدم خروجه بالسيف على من ناواه في حقّ الخلافة أنّه سكت عن حقّه ولم يطالب به، بل كانت مطالبته(عليه السلام) بحقّه دائمة ومستمرّة؛ إذ لم يترك الإمام(عليه السلام) مجالاً سلميّاً يمكن أن يطالب فيه بحقّه إلاّ وسلكه.

وقد ذكرت كتب السير والحديث والتراجم تلك المقالات التي كان الإمام(عليه السلام) يجاهر بها بالمطالبة بحقّه وأن القوم اغتصبوا حقّاً هو له دونهم... فراجع على سبيل المثال:
1- (تاريخ الخلفاء - الإمامة والسياسة ــ) لابن قتيبة: محاججته لأبي بكر وبقية الأصحاب الذين أبرموا بيعة السقيفة, وقوله(عليه السلام): (لا أُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتما هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟!)(8).

2- نصوص مختلفة في (نهج البلاغة) يذكر فيها أمير المؤمنين(عليه السلام) مطالبته بحقّه. منها: ما ورد في يوم الشورى: (وقال قائل: إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص. فقلت: بل أنت والله لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبت حقّاً لي تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه... قال(عليه السلام): فلمّا قرعته بالحجّة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بهت لا يدري ما يجيبني به...)(9).
ودمتم في رعاية الله

(1) أُصول الكافي 1: 281 كتاب الحجّة، باب إنّ الأئمّة لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلون إلاّ بعهد من الله، بحار الأنوار 22: 479 الباب (1) حديث (28).
(2) انظر: المعجم الكبير للطبراني 11: 60، الكامل لابن عدي 7: 173، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 322، 324 ترجمة الإمام عليّ، شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 272.
(3) مختصر إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة 9: 176 حديث (7433).
(4) شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 107، وانظر: المستدرك على الصحيحين للنيسابوري 3: 142، وتلخيص المستدرك للذهبي بذيل المستدرك، كنز العمّال 11: 297 الحديث (31562)، تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر 42: 447 ترجمة الإمام عليّ، البداية والنهاية لابن كثير 6: 244.
(5) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 134 تظاهر الأُمّة على عليّ(عليه السلام).
(6) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 302 رسائل بين أمير المؤمنين(عليه السلام) ومعاوية، وانظر: بحار الأنوار 29: 470.
(7) تاريخ اليعقوبي 2: 126 خبر سقيفة بني ساعدة وبيعة أبي بكر.
(8) الإمامة والسياسة 1: 18 - 19 إباية عليّ(كرّم الله وجهه) بيعة أبي بكر.
(9) نهج البلاغة تعليق الشيخ محمّد عبده 2: 85 في كلام له في الحجّة على من رماه بالحرص.

حمد / الامارات
تعليق على الجواب (1)
لماذا نقرأ عند وصيّة الإمام(عليه السلام) عند وفاته لأهل بيته بالتمسّك بالقرآن وسُنّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولم يوص بالقرآن وإمامة الإمام الحسن؟
الجواب:

الأخ حمد  المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في (الكافي): ((عن سليم بن قيس، قال: شهدت وصيّة أمير المؤمنين(عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن(عليه السلام)، وأشهد على وصيّته الحسين(عليه السلام) ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثمّ دفع إليه الكتاب والسلاح، وقال لابنه الحسن(عليه السلام): (يا بني! أمرني رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن أُوصي إليك، وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي، كما أوصى إلَيَّ رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودفع إلَيَّ كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين(عليه السلام)).
ثمّ أقبل على ابنه الحسين(عليه السلام)، فقال: (وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك هذا)، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين(عليه السلام)، ثمّ قال لعليّ بن الحسين: (وأمرك رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ، واقرأه من رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنّي السلام) ))(1).
فعليّ(عليه السلام) من خلال هذه الوصية أوصى إلى ابنه الحسن(عليه السلام).
ودمتم في رعاية الله

(1) الكافي 1: 297 باب الإشارة والنص على الحسن بن عليّ(عليهما السلام).

م / غالب
تعليق على الجواب (2)
تقولون في سبب عدم مطالبة عليّ بن أبي طالب بحقّه في الخلافة بعد وفاة النبيّ محمّد، أو عدم مواجهته لهذا الاغتصاب هو: عدم توفّر عدد كافٍ من الأنصار؛ إذ أنّه طلب أربعين رجلاً ولم يحضر لنصرته إلاّ أربعة؛ وقد قرأت هذا في موقعكم.
أقول: كيف يعقل هذا؟! هذا يعني أنّ المؤمنين حقّاً هم أربعة فقط والبقية كلّهم منافقون، أو على الأقلّ مخالفون لأوامر نبيّهم! كيف يعقل أن يخالف كلّ المسلمين من المهاجرين الذين تحمّلوا المصاعب والأذى في سبيل هذا الدين، والأنصار الذين نصروا وقدّموا الغالي والنفيس لنصرة هذا الدين أوامر نبيّهم الواضحة يوم غدير خمّ، بل أوامر ربّهم - والذي أنزل حينها آية إكمال الدين وآية البلاغ - وينقضون البيعة التي في عنق كلّ واحد منهم لعليّ بن أبي طالب؟! كيف يعقل أن يكون كلّ هؤلاء منافقون وهم تحمّلوا ما تحمّلوا في سبيل نصرة هذا الدين؟!
الجواب:

الأخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد أن استتبّ الأمر للخليفة الأوّل وصارت بيده السلطة، لم يكن هناك من لديه القدرة على قتالهم، لكن مجموعة من المهاجرين والأنصار أرادوا تحريك الوضع ضدّ الخليفة الأوّل، فجاؤوا لعليّ(عليه السلام) يبايعونه على الموت دونه، فقال لهم عليّ(عليه السلام): (إن كنتم صادقين فاغدوا علَيَّ غداً محلّقين)، فحلق عليّ(عليه السلام)، وحلق سلمان، وحلق المقداد، وحلق أبو ذر، ولم يحلق غيرهم، كما ورد ذلك في رواية(1)، وفي أُخرى تضيف عمّار بن ياسر(2)، وفي أُخرى تضيف الزبير(3).
ويصرّح عليّ(عليه السلام) في كلام له أنّه: (لو وجد يوم بويع أخو تيم (أبو بكر) أربعين رجلاً كلّهم على مثل بصيرة الأربعة الذين وجدت، لما كففت يدي ولناهضت القوم، ولكن لم أجد خامساً فأمسكت)(4).
وقوله(عليه السلام) واضح بأنّه أراد أربعين على بصيرة هؤلاء، أي: مستعدّين للتضحية والقتال.
ونحن نقول: نعم، الظاهر لم يكن على مثل بصيرة هؤلاء سواهم.

أمّا أنّه لا يوجد من يعرف الحقّ ويؤيّد عليّاً(عليه السلام)، ويعتقد أنّه صاحب الخلافة الحقّة وأنّ من غصبوها ظالمين، فلا نقول به! بل كان هناك كثير من المهاجرين والأنصار يعرفون ذلك ولكنّهم لم يكونوا مستعدّين للقتال والتضحية، أو كانوا ينتظرون ما تأتي به الأيام، أو كانوا يتأمّلون خيراً.
وبالتالي لا نحكم على كلّ المسلمين بالردّة، بمعنى: إنكار الإمامة، سوى هؤلاء الأربعة، بل نقول: إنّ كثيراً من المسلمين ارتدّوا بمعنى: أنكروا الإمامة، سواء عن علم وقصد، أو عن تواطؤ، أو عن جهل، أو طمع، وهناك الكثير منهم - أي البقية - كانوا يعرفون الحقّ ولكنّهم كانوا مختلفين في مستوى الإيمان واليقين، وفيهم المستضعفون.

وأمّا استبعاد مخالفة المسلمين لأمر رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنّه لا يعقل ذلك، فهذا مخالف لما نصّ عليه القرآن الكريم، من وقوع مثل ذلك لبني إسرائيل، عندما عبدوا العجل بعد تأخّر موسى(عليه السلام) ودفعهم هارون(عليه السلام) عن منصبه.
فأين موت رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) من تأخّر موسى(عليه السلام)؟! وأين إنكار الإمامة من عبادة العجل؟! وقد كان بنو إسرائيل سبعون ألفاً ارتدّوا كلّهم سوى هارون(عليه السلام) وأهل بيته، مع أنّ في المسلمين من بقي على الحقّ غير عليّ(عليه السلام) وأهل بيته؛ فلاحظ!
ودمتم في رعاية الله

(1) انظر: روضة الواعظين للفتّال النيسابوري: 282 مجلس في ذكر فضائل أصحاب النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب 2: 375 فصل في الحكمين والخوارج، تاريخ اليعقوبي 2: 126.
(2) انظر: الاختصاص للمفيد: 6 ذكر السابقين المقرّبين من أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام).
(3) انظر: كتاب سليم بن قيس: 219 خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام) في السنة الأخيرة من عمره.
(4) انظر: كتاب سليم بن قيس: 218 خطبة أمير المؤمنين(عليه السلام) في السنة الأخيرة من عمره.

لادلاء تعليق على الاجابة انقر هنا

الاسم
الدولة
العمر
الرتبة العلميّة
الدين والمذهب
البريد الالكتروني
السؤال