حوراء إنسية جاءت إلى الأرض من حول العرش فأشرقت الأرض بنور ربها، وعمت البشرى قلب الرسول (ص) وفاضت الفرحة قلب السيدة خديجة (ع).

حوراء إنسية حملت معها نور الإيمان والتوحيد، وبصائر الهدى والتقوى، وذخائر الزهد بالدنيا والصبر على المكاره او النوائب، لتكون سيدة نساء العالمين من الأولين إلى الآخرين.

حوراء إنسية تحملت أعباء النبوة مع صاحب الرسالة، فكانت السند والعماد الحامي لتلك الرسالة، والأم الحانية والراعية والوفية لهذه الرسالة وصاحبها، لتكون أم أبيها ولا سواها على مدار التاريخ.

حوراء إنسية تخلقت بأخلاق الله ورسوله، فكانت القرآن الناطق يدافع عن الحق والعدالة، وكانت البضعة من أبيها ما يؤذيها، وما يؤذي الله عز وجل.

حوراء إنسية لم يكن لها كفؤ غير أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (ع)، فتشاطرت معه نوائب أمة عقت هاديها وعصت أوامر باريها، ومالت عن الطريق القويم والقرآن يجلجل في الكون {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} وصاحب الرسالة وخاتم االأنبياء يناديهم (أوشك أن أدعى فأجيب، وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي وأهل بيتي، وإن اللطيف الخبير قد أنبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)، فأي تمسك تمسكت هذه الأمة، أفترقت عنهم وتمسكت بغيرهم ليضلوا الطرق أبد الدهر. وينحرونها، لأن وجودها بينهم كان حاجزا لهم عن الميل إلى المعاصي والغرق في الشهوات، والإنصراف عن رضوان الله ونعمه والأخروية إلى المصالح الدنيوية العاجلة، فشملتهم لعنة الآولين والآخرين.

فيا هول ما أنصرفوا عن سفينة الهدى إلى سفينة الزيغ والضلال، وياهول ما أقترفوا حين راحوا يجتمعون الحطب لإحراق سفينة أهل البيت، يوم أحاطوا بدار فاطمة، وويا قبح وجوه استطلعتها الزهراء حين أطلت من الباب، فإذا بها ترى أناساً قد مسخوا قردة وخنازير.

عظيمة عاشت الزهراء (سلام الله عليها) ؛ على قصر عمرها الشريف، تقابل محن النبوة والرسالة ومحنة تلو أخرى..

ودخان يتصاعد من الحطب خارج الدار، وأقدام غليظة تركل الباب فينفتح، وأيد آثمة تمتد إلى الزهراء لتصفع وجهها وخدها، وأسواط تلسع صدرها وظهرها، ورفسة قوية من قبضة غليظة جاحدة حاقدة على الرسول وأهل بيته الأطهار، تقع عليها فتسقط الزهراء على الأرض مغشيا عليها، وحبل يطوق عنق علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، والصديق الأكبر والفاروق الأغظم لتقوده إلى البيعة.. كرها..

يالهول هذا المنظر، ويالهذه الأمة العاقة العاثرة، تروع الزهراء فيسقط جنينها (المحسن)، وتقتحم الدار لجر زوجها حيدر الكرار لبيعة من أغتصب الخلافة ومن ليس أهلا لما تأهب له وأقدم عليه.

ويرفض الإمام علي إبن أبي طالب (ع) البيعة بإصرار وحزم، وتعود فاطمة الزهراء البيت المنتهك الحرمة، المهدور الكرامة، تجر معها آلامها وتجر غصصها، وتغالب وهن جسمها بماضي عزيمتها، وأغلقوا عليهم بابهم، وخلفوا فتنة السامري وراءهم، وانصرفوا إلى ما هو أوسع لهم، لكن أنى للسامري أن يتركهم وما تفرغوا له، ومتى كان الفراعنة يتركون الناس وشأنهم؟

كان لابد أن يحدثوا فتنة جديدة، وكانت (فدك) هي مجال هذه الفتنة الجديدة، فقد أراد فرعون وهامان أن يجرداهما من المال بعد أن جرداهما من السلطان، وما كان المال والسلطان مبتغى أهل بيت العصمة، إلا أن يكونا في خدمة الرسالة الخاتمة التي استودعها وأتمنوا عليها.

وما كان لسيدة نساء العالمين أن تسكت على ظلم حاكم وجوره إنهالو فعلت لتعود المظلوم جرأة وإقداماٍ على الجور والظلم، فكيف لها أن تؤثر الجلوس في بيتها وأن تسكت على هذا الإبتزاز الجديد؟

أم كيف لها أن تتخاذل من مواجهة المحنة الجديدة، وهي لا تجهل أن القضية محبوكة من قبل السلطة وإزلامها.

وأتخذت أم أبيها قرارها الحازم، فلتخسر القضية ظاهراٍ ولتربح الموقف السليم، ولتخسر (فدكا) لتربح ترسيخ تعاليم الرسالة في مواجهة الظلم وعدم السكوت على الجور وعدم الرضوخ للباطل.

نعم ؛ لقد خسرت الزهراء (فدك) لكنها زودت الأمم بدستور مقدس، وتكت للتاريخ كنزا تتلألأ درره بين الحين والأخر بوميض الثورة على الباطل، وخلفت لكل ثائر على الظلم راية مقدسة تستظل به الثورة على حكام الجور.

وعندما ثقل المرض بالزهراء، وبرحت الآلام بالصابرة المجاهدة، وأحسنت بدنو الأجل، وأستبشرت بلقاء أبيها رسول الله (ص) رنت إلى علي باسمة لأول مرة وآخر مرة منذ وفاة أبيها، وجاشت الخواطر الكسيرة، وهاجت العواطف الأسيرة فانهمرت من مآقيها الدموع، علها تطفى نار الجوى التي أوشكت أن تقضي على الجسد الناحل، وقالت الزهراء لعلي:

{أنه قد نعيت إلى نفسي، وأنا اليوم لاحقة بأبي، فأصبر لأمر الله وأرض بقضائه، ولا يشهدن جنازتي أحد من هؤلاء الذين ظلموك وظلموني وأخذوا حقك وحقي، فإنهم عدوي وعدو رسول الله أبي، ولا يصلين علي أحد من أتباعهم، وأدفني بالليل إذا هدئت العيون ونامت الأبصار، وعف علي قبري...}.

أغمضت الزهراء عينيها، ومدت رجليها، وأسلبت يديها، وسكنت متجهة إلى القبلة ومضت شهيدة إلى ربها.