
ملحوظة:
المقال راعى الشروط المذكورة في مساحة الكتابة فاضطر إلى الأختصار والأكتفاء بالتنبيه، في بحث مفصل اشتغلُ عليه منذ زمن يتعلق بتحليل النصوص الدينية وفق المناهج الحديثة وحفريات المعرفة في الكلمات والاشياء.
فاطمة: الاسم الجامع.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله:
(لما أسري بي دخلت الجنة فناولني جبرئيل تفاحة فأكلتها فصارت نطفة وفاطمة منها وكلما اشتقت إلى ريح الجنة قبلتها) (1).
إن الكلمات تقف عاجزة عند التعامل مع الإنسان أحيانا فماذا ستفعل أمام الحوراء الإنسية؟؟
فلعمري أن الأديب الماهر ليقف ذاهلا وهو لما يكن بعد على شاطئ يمها وريشة الفنان تنتفض إحتجاجا لانها لا ترقى لرسم لمحات عنها فأي قلم يجرؤ بعد الاف الصحائف التي سودت لتدون حروفا عن سيرتها العطرة ولم يشفَ غليل كتابها إلى الان؟!! (2)
كيف يحيط الملك بملكوتها ويخط الإنسان غير الكامل سطورا عن الإنسان الكامل؟ (3)
أفلم تسمَ بفاطمة لأنّ الخلق فطموا عن معرفتها؟؟ (4)
ستبقى كتابتنا عن أم أبيها مجرد نبضة قلب تنطبع على الورق لتتجاوز السرد التأريخي للحوادث، خفقات الشعور الملتهب بعشق من اشتق لها الرب المتعال اسما من اسمه.
في الحديث الشريف عن (سلمان الفارسي رضى الله عنه في حديث طويل قال قال النبي صلي الله عليه وآله:
يا سلمان فهل علمت مَن نقبائي ومن الإثنا عشر الذين اختارهم الله للإمامة بعدي؟
فقلت الله ورسوله أعلم.
قال: يا سلمان خلقني الله من صفوة نوره........ إلى أن قال: والله الفاطر وهذه فاطمة والله ذو الإحسان وهذا الحسن والله المحسن وهذا الحسين) (5)
فهل كانت السيدة فاطمة -عليها السلام - إلا لتفطم شيعتها من النار وتعصم من تنبض قلوبهم بذكرها من الجحيم (6) سأحاول أن اقترب من شاطئ اليم مبتعدا عن أسلوب السرد التأريخي لسيرة الزهراء عليها السلام فالاف الدراسات والكتب تناولت ذلك، والإنسان عندما يرفع القلم فينبغي أن يضيف شيئا ولو على سبيل المحاولة وفق إمكانياته المعرفية.
وما اخترته هو الوجود اللفظي لاسم: فاطمة: الفاء والالف والطاء والميم والتاء المربوطة.
فالالفاظ والأشياء هي إشارات تحتاج إلى من يفك شفرتها وهذه الشفرات تكون كالنواة التي تحمل الأشرطة الوراثية التي تتحرك لاحقا لتتحول إلى تفاصيل أو تجليات متجسدة. مما يتطلب حفريات معرفية وتنقيبات دقيقة للخروج بنتيجة محددة حول شريط ما وساضرب مثلا للتقريب فقط.
عندما نتأمل مفردة مهنة في اللغة التي تعني العمل الثابت وتقرأ بالكسر وبالفتح وبالفتح أفصح بل رفض بعضهم كسرها فقال الأَصمعي: المَهْنة، بفتح الميم، هي الخِدْمة، قال: ولا يقال مِهْنة بالكسر وعلى كلا الوجهين فهي مشتقة من المهانة قال ابن منظور في لسان العرب: والفتح من المَهانة الحَقَارة والصُّغْر فتكون الميم أَصلية، إن التنقيب في تلك الكلمة يمثل شفرة تفصح لنا عن ظاهرة قبلية قائمة على مفهوم اخلاقي يعتبر العمل الثابت المحترم يشي بالمهانة بخلاف الكسب بالقوة والسلب فهو يعبر عن الشجاعة التي تتطلب الاحترام!!!
ومحاولة فتح التنقيب بهذه الكلمات في الروايات الشريفة يحتاج إلى دراسة موسعة تبين الزلازل الإسلامي في بنى اللغة كالاسماء مثلا التي لها تاثير واسع في حركة الفرد وشخصية المجتمع بالتالي فالأهتمام بها دينيا لم يقع إعتباطا كما نجده في الكافي: 6: 19، باب الأسماء والكنى. واسم السيدة فاطمة في ابحاث العلماء وقعت العناية بفهمه من منطلقات لغوية وميثولوجية تقليدية وهذا ما نلحظه في ابحاث الشيخ الهمداني في (فاطمة بهجة قلب المصطفى) والشيخ المعاصر جوادي آملي في ابحاثه عن جلال الزهراء وجمالها فهم يقتصرون على مفاهيم الاشتقاق الكبير والصغير ومن ثم بحث مادة -ف ط ر- ومادة- ف ط م- وهذه الابحاث اللغوية تحتاج إلى مراجعة نقدية وتقويمية بدلا من إعتمادها كمسلمات في القراءات الدينية ومثال ذلك مما يتناسب مع موضوعنا هو إعتبار حروف المباني حروفا مهملة لا معنى لها والحال أن لكل حرفا معنى خاصا وفقا لمفاهيم الحل القصدي للغة (7) الذي يكتشف معنى كل حرف ودلالته الخاصة فلو فهمنا ذلك فستأخذ الأبحاث منحى آخر أوسع واشمل.
فالحرف وفقا لذلك يكون جزء معنى الكلمة، ومعنى الكلمة متكون من مجموع معاني الحروف، لو تأملنا بذلك جيدا لانفتحت لنا أفاقا من الأبحاث الإسلامية كمعاني الحروف المقطعة وعلى ذلك فبحث اسم فاطمة يقع في الأحرف ولا دخل لنا بمادتي فطر وفطم!!
فالفاء في فاطمة لها معنى والالف في فاطمة له معنى والطاء في فاطمة لها معنى والميم في فاطمة له معنى والتاء المربوطة في فاطمة لها معنى. هي قطب دائرة الوجـود ونـقطة* لمّــا تـنزّلت اكـثرت كـثراتـها هي أحمد الثاني وأحمد عـصرها* هي عنصر التوحيد في عرصــاتها فهذه الأحرف لها جوانب وجودية ودلالة خاصة بينتها الروايات التي تناولت بيان جوانب خاصة جدا في اسم فاطمة، فهي من الفاطر مشتقة والفاطمة لمحبيها من النار والمفطومة من الشر والطمث والدماء....
وهي من عرفها أدرك ليلة القدر (8).
إن نقل نصوص الروايات يأخذ مساحة واسعة لذا سنشير الى بعض المصادر التي يمكن مراجعتها لقراءة الروايات في الهامش 8.
ومتابعة البحث مفصلا يحتاج إلى دراسة موسعة وهنا نكتب فقط تنبيها لهذا البحث في مساحة مقرر أن لا تتجاوز المائة سطر مما يحد من قدرة الكاتب على التوضيح والاستدلال.
فنكتفي بإنا مع الزهراء نعيش الإشارة والظلال ومع الزهراء نعيش الرسالة بكل ثوريتها ونقاءها وطهرها وحركتها في المجتمع الإنساني.
نحملها دمعا يسقط على الخدود ويلهب القلوب التي تتفجر براكينا من الحمم ضد جلاديها من الطغاة على مر العصور..
الزهراء القامة التي تتقازم أمامها قامات العمالقة في الزمن الردئ الذي يرفع السفهاء ليخذلوها فترتد سهامهم إلى نحورهم...
اقل القليل الذهب في رمل الصحراء وتبقى الزهراء هي الزهراء سر وجودنا وإشراقة أنوار الملكوت في عالم الإمكان.
____________
(1) الصراط المستقيم: ج1 ص170 الفصل الخامس.
(2) أكثر من (1168) كتابا أحصيت لحد الان عن سيدة النساء عليها السلام راجع كتاب (فاطمة في مرآة الكتاب) لإسماعيل الأنصاري الخوئيني طبع بـ(19) لغة، . ويحصي المؤلفات عبر (15) قرناً.
(3) الإنسان الكامل مفهوم عقائدي يبينه العلماء راجع الإنسان الكامل في نهج البلاغة لحسن زاده آملي
(4)البحار ج43ص65.
(5) حار الأنوار ج15 ص9 روايه9 باب1.
(6) المناقب لابن شهراشوب ج3 ص 110.
(7) الحل القصدي للغة هو عنوان كتاب ضخم ودراسة قيمة للعلامة الباحث العراقي عالم سبيط النيلي رحمه الله يبين فيه حقيقة دلالات ومعاني الحروف.
(8) البحار ج43ص 65، امالي الصدوق: 474، ح 18، الكافي: 1 / 46 ح 6.