أم أبيها

السلام على أم أبيها وبعلها وبنيها , وأمها وأبيها , والسر المستودع فيها , السلام عليكِ ياسيدة نساء العالمين ورحمة الله وبركاته.

ماذا يمكن إن اكتب في حق من هي ابنة رسول الانسانية ومنقذ البشرية من الجهل والضلالة , واحب اهله إلى نفسه , ومن شاءة ارادة الباري عز وجل أن يحصر سلالة رسوله الكريم في ذريتها من صلب أمير المؤمنين , فهي زوجة أمير المؤمنين ووصي رسول رب العالمين , وام سيدي شباب اهل الجنة الحسن والحسين عليهما السلام.

ورد في كتب الاحاديث والسير حديث لرسول الله (ص) جاء فيه: (من عرف فاطمه فقد ادرك ليلة القدر)...

لا يخفى على احد ما لليلة القدر من فضل وعظمة ومنزلة , حتى قال الباري في كتابه الكريم {وما ادراك ما ليلة القدر}(1) فهذه الاية كناية عن جلالة قدر الليلة وعظم منزلتها (2).

ويكتب السيد شبر في تفسيره عن هذه الآية , تعظيم لها وابهام لفضلها (3), فقد قرن رسول الله (ص) ادراك ليلة القدر ونيل ما في ادراكها من ثواب وعطاء جزيل بمعرفة فاطمة الزهراء (ع).

واذا شاء الله إن يجعل ليلة القدر سر من اسراره فبذلك جعل الصديقة الطاهرة سر من اسراره في خلقه.

وفي حديث آخر نقله البخاري في سنده عن رسول الله (ص) جاء فيه (فاطمة بضعة مني من اغضبها فقد اغضبني) ورواه مسلم في صحيحه (انما فاطمة بضعة مني يريبني من يريبها ويؤذيني من يؤذيها) وقوله (ص) (إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها) وهذا الحديث يعتبر دليل على عصمة الصديقة الزهراء , فلو كانت ممن يقارف الذنوب لم يوجب بأن من يغضبها ويؤذيها يجب عليه غضب الله وسخطه على كل حال , ولكنها سلام الله عليها تغضب لغضب الله وترضى لرضاه.

والجميع يعلم بأن الرسول {لا ينطق عن الهوى إن هو الا وحي يوحى}(4)

من خلال هذه الآيه الشريفة نستدل على إن كل ما يصدر من كلام على لسان النبي الاكرم (ص) هو وحي من الله ينزله عليه , ونفي الهوى عن مطلق نطقه (ص)(5), وما ينطق عن هوى نفسه ورأيه بل ليس ذلك إلا وحياً يوحى اليه من الله سبحانه(6).

ولذلك عندما يقول بضعة مني أي إن الزهراء (ع) معصومة من الذبن والسهو , وان رضاها من رضا الباري وغضبها من غضبه.

ومما يدل على عظمة مكانة الصديقة الطاهرة (ع) عند رسول الله (ص) انه صلوات الله عليه يكثر من تقبيلها , ويعني ذلك بأن فيها ذكريات ورائحة الجنة , حيث روي بأن رسول الله (ص) يكثر تقبيل فاطمة الزهراء (ع) إلى إن قالت عائشة:

يا رسول الله اراك كثيراً ما تقبل فم فاطمة وتدخل لسانك في فيها؟!

قال: نعم يا عائشة، انه لما اسري بي إلى السماء ادخلني جبرائيل الجنة فأدناني من شجرة طوبى وناولني من ثمارها تفاحة فأكلتها فصارت نطفة في ظهري , فلما هبطت إلى الارض واقعت خديجة فحملت بفاطمة , فكلما اشتقت إلى الجنة قبلتها وادخلت لسانسي في فمها فأجد فيها ريح الجنة , واجد منها رائحة شجرة طوبى فهي انسية سماوية(7).

فنرى الرسول (ص) يعلل كثرة التقبيل بأن نطفتها من ثمار الجنة , ويشم من خلالها رائحة الجنة , فلماذا لايهتم النبي (ص) بهذا النموذج الآلهي والجنة المصغرة التي منحه اياها الباري عز وجل في الدنيا , وكذلك روي الحاكم في المستدرك عن ابن عمر , إن النبي (ص) اذا سافر كان آخر الناس بهِ عهداً فاطمة , هذه الاحاديث الواردة عن النبي تدلنا على مدى اهتمام ومحبة النبي (ص) لفاطمة الزهراء ومنزلتها وعمق العلاقة التي تربطهما معاً حتى يقول إن فاطمة هي أم ابيها.

كانت (ع) قد تربت على يد معلم البشرية فغذاها بدروس الدعوة الإسلامية والاخلاق المحمدية منذ نعومة اظفارها وفجر نورها , فخدمت سيد الكائنات وساندته فيما عاناه في أيام جهاده , من الاضطهاد وقساوة العيش وطغيان قريش , فمن تضميد جراحات ابيها , إلى احتضانه كأم له وحنانها عليه , فهي تجهد نفسها كي تعوضه بحنانها عما افتقده بافتقاد امها خديجة , وتسعى لأن تكون لرسالته كما كانت امها من قبل.

فقد اراد الرسول (ص) من خلال الاحاديث التي اشادها في حق الصديقة (ع) إن يعرف المسلمون على مكانتها عند الله وعند الرسول وما تتمتع بهِ من طاقات تربوية ودينية وعلمية وبالنتيجة طاقات قياديه لتتربع على قمة الكمال في القدوة الحسنة لأمته نساءاً ورجالاً.

وكان دورها القيادي في حياة الرسول (ص) هو قيادة السيدات من نساء المسلمين , فكانت تعلمهن القرآن الكريم وتلقي عليهن المحاضرات والدروس عن مبادئ وتعليم وقيم الاسلام , وتشيع في قلوبهن الاخلاق الفاضلة , والمثل الكريمة وتعلمهن آداب الاسلام واحكامه , فلم تمنعها حداثة سنها عن التعرف وحل جميع مشاكل أبيها والامة , وتحمل عبء المسؤولية مع ابيها في نشر الدين الإسلامي , فلم تهن ولم تضعف ولم تتردد أو تتراجع.

اما مكانتها (صلوات الله عليها) عند امير المؤمنين (ع) فقد قال (ع):

(فو الله ما اغضبتها ولا اكرهتها على امر حتى قبضها الله عز وجل، ولا اغضبتني ولا عصت لي امراً ولقد كنت انظر اليها فتنكشف عني الهموم والاحزان).

فكان عليه السلام عندما ينظر إلى وجهها تنكشف وتذهب عنه هموم الدنيا واحزانها، لم لا وهي النموذج الالهي والانسيه الحورية.

وفي الختام اذكر ما قال الرسول (ص) حيث قال:

(مابين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) تلك هي الزهراء فقبرها هو روضة من رياض الجنة.

نعم كانت هي هكذا وكانت اكثر من هذا ولكنها ومع كل هذه المميزات الروحية والمعنوية كانت بسيطة في اسلوب حياتها لاتكاد تختلف عن أي امرأة فقيرة , فهي مثال المرأة المسلمة المرتفعة عن المواد الدنيوية والصاعدة بروحها وروحيتها إلى افق الكمال وسجاد العصمة والفضيلة....

فما بال الرجال اذاقوها الكثير من المصائب والمحن؟!...

وغصبوا حق فدك منها؟!...

وكسر ضلعها , واسقاط جنينها؟!...

وحرق باب دارها؟!...

وغصب الخلافة من زوجها؟!...

فما سبب ذلك؟!

أهو جهل بحقها؟!

أم ماذا؟!

المصادر

1 - القرآن الكريم.

2 - الميزان في تفسير القرآن العلامة محمد حسين الطبطبائي \\ دار الكتب الإسلامية.

3 - تفسير شبر \\ السيد عبدالله شبر \\ دار الكتب العلمية - بغداد.

4 - المجموعة القصصية الكاملة \\ بنت الهدى \\ مؤسسة الاسفار الثقافية - ايران.

5 - مجلة اهل البيت (ع) \\جمادي الأول – بغداد.

6 – فيض الكوثر \\ العدد 70 \\ 15 جمادي الآخرة – النجف الاشرف.

____________

1- سورة القدر , الآية (2).

2 - تفسير الميزان \\ العلامة محمد حسين الطبطبائي \\ ج20 \\ ص 671 \\.

3 - تفسير شبر \\ السيد عبدالله شبر \\ ص 563.

4 - سورة النجم , الآية(3 , 4).

5 - تفسير الميزان \\ العلامة محمد حسين الطبطبائي \\ ج19 \\ ص37.

6 - تفسير الميزان \\ العلامة محمد حسين الطبطبائي \\ ج19 \\ ص37.

7 - مجلة اهل البيت (ع) \\ جمادي الاول 1424 \\ ص15.