السيدة الزهراء (ع)

كي نعرف من هذه السيدة العظيمة، لابد لنا أن نتعرف على كل الجوانب المتعلقة بحياتها من ولادتها حتى وفاتها.وفي البدء نتطرق إلى نسبها عليها السلام.

نسبها

تنتسب هذه السيدة إلى عائلة شريفة طاهرة من ناحية الأب ومن ناحية الأم، فأبوها هو قائد البشرية، هو الرسول الأعظم خاتم النبيين وسيد المرسلين أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم ابن عبد مناف بن قصي بن كلاب، وأمها هي تلك السيدة الجليلة المشهورة بأخلاقها وكرمها وشرفها وثروتها بين قومها، هي السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، وكانت هذه ا؟لأم تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وهي أول النساء إسلاما، ولقد بشرها الرسول (ص) بالجنة في قوله:

(أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة............إلى آخر الحديث.(1)

فنتاج هذين الأبوين، هي سيدتنا الزهراء (ع).

مولدها

ولدت السيدة فاطمة الزهراء (ع) في يوم الجمعة بتاريخ العشرين من جمادى الثانية بعد البعثة بخمس سنين في مكة المكرمة في بيت النبوة، بيت الرسول الكريم (ص).

وروي إن السيدة خديجة لما أرادت أن تضع مولودتها بعثت إلى نساء قريش أن يأتينها لكنهن رفضن الحضور فاغتمت خديجة لذلك، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة عليهن من الجمال والنور ما لا يوصف هن:

حواء وآسية بنت مزاحم وكلثم أخت موسى ومريم بنت عمران، فولدت فاطمة (ع) ووقعت ساجدة رافعة إصبعها (2).

أسماؤها

من عادة الناس أن يختاروا لأولادهم الأسماء، لكن السيدة فاطمة (ع) اختار اسمها الله عز وجل حيث أوحى إلى ملك فأنطق به لسان محمد (ص) فسماها فاطمة لأنها فطمت وشيعتها من النار. (3)

فطم الله فاطمة من لظاها وبنيها سلالة الأزكياء (4) ولها العديد من الأسماء منها:

الصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء والبتول والسيدة وغيرها.

نشأتها

نشأت الزهراء في بيت الرسالة، بيت الوحي والتنزيل وفي أحضان نبي الأمة وزوجته الطاهرة ونهلت منهما الحب والحنان، وتعلمت من والدها كل العلوم الإسلامية فهو مدينة العلم وتخلقت بأخلاقه.

وهكذا عاشت مع والديها تنمو في ظلهما وترى ما يجري عليهما من المشركين، وقيل إنها يوما حضرت المسجد الحرام فرأت أباها جالسا في حجر إسماعيل يتلو القرآن وبعض المشركين يوصلون إليه الأذى ويحاربونه محاربة نفسية. وعاصرت الزهراء فترة حصار المشركين للنبي وأصحابه في شعب أبي طالب.

كل ذلك شاهدته الزهراء (ع) وهي بذلك تستلهم الدروس العملية في الصبر والتحمل لتتخذها سبيلا في مواجهة الظلم في حياتها.

وعندما بلغت السابعة توفت والدتها تلك الأم العطوفة الحنونة فشعرت الزهراء بالحزن والفراق، لكن كان يسليها وجود أباها الذي رغم حزنه الشديد كان يعوض ابنته بحبه وحنانه ومن كثرة حبه تعلقه بها قال فيها:

(فاطمة بضعة مني، يؤذيني من آذاها ويسرني ما يسرها).(5)

وكبرت السيدة فاطمة (ع) وازداد تعلقها بأبيها، حتى كانت لوالدها كالأم في حنانها ورعايتها لأبيها فكان يكنيها (بأم أبيها).

ولما اشتد أذى الكفار للرسول (ص)، عزم على الهجرة للمدينة فكانت الزهراء (ع) أول المهاجرين من النساء.

زواجها

كبرت الزهراء وترعرعت في بيت والدها خاتم النبيين، أصبحت شابة في سن الزواج.، فتبادر إلى خطبتها الكثير من الأشراف لما كانت تتميز به من الجمال والخلق والفصاحة والشرف والنسب، ومن هؤلاء الذين تقدموا للرسول (ص) لخطبتها أبو بكر وعمر وعثمان وعبد الرحمن وآخرون لكن الرسول (ص) كان جوابه لهم: (انتظر بها القضاء).

لكن الله شاء إن تتزوج الزهراء (ع) بأفضل إنسان في ذلك الزمان، فخطبها أخو الرسول الكريم أول المسلمين والبطل المعروف في الميادين، فوافقت الزهراء (ع) على ذاك البطل ورضيت به زوجا وبمهر وقدره أربعمائة وثمانين درهما. وتم الزواج واعدت الولائم وزفت الزهراء (ع) إلى بيت زوجها وحولها نساء أبيها يمدحنها ولحفصة هذا النشيد:


فاطمة خير نساء البشرومن لها وجه كوجه القمر
فضلك الله على ذا الورىبفضل من خص بآي الزبر
زوجك الله فتى فاضلاأعني عليا خير من في الحضر
فسرن جاراتي بها إنهاكريمة بنت عظيم الخطر (6)

عاشت الزهراء (ع) في بيت زوجها عيشة بسيطة ترعى زوجها وتؤدي أعمالها برضا وحب متبادل فكانت خير زوجة لزوجها.

أولادها

كان ثمرة هذا الزواج الميمون ثلاثة أولاد وبنتان، فالأولاد هم الإمام الحسن (ع) والإمام الحسين (ع) والمحسن الذي أسقط وهو جنين، والبنات هما السيدة أم كلثوم (ع) وبطلة كربلاء وعقيلة الهاشميين السيدة زينب (ع).

تربى الأولاد والبنات في مدرسة الزهراء (ع) تربية صالحة فتخرجوا منها وهم عظماء البشر وسيرتهم تشهد بذلك.

عبادتها

مما تميز به أهل البيت (ع) كثرة العبادة وتقربهم إلى الله والزهراء كذلك كانت كثيرة العبادة كانت تقوم حتى تتورم قدماها. وهي كانت أعبد الناس نسكا وصلاة في خشية وبكاء ورمت في عبادة الله جهدا قدماها منها لفرط العناء (7).

وروي عنها ابناها إنها إذا قامت تصلي الليل تدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها بشيء، ومما اشتهرت به الزهراء (ع) تسبيحها بعد كل فريضة وهذا ما علمها الرسول (ص) ويسمى {تسبيح الزهراء (ع)} وهو 34 مرة الله أكبر و 33 الحمد لله و 33 سبحان الله ونختم بلا اله إلا الله.

ولها من الأدعية والأحراز الكثير ومنها:

(دعاء النور) وهو ما علمته سلمان الفارسي (رض) وهو مفيد للحمى:

بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله النور، بسم الله نور النور، بسم الله نور على نور، بسم الله الذي هو مدبر الأمور، .....................الخ.(8)

ولها هذا الدعاء (اللهم بحق العرش ومن علاه، وبحق الوحي ومن أوحاه، وبحق النبي ومن نبأه، وبحق البيت ومن بناه، يا سامع كل صوت..............الخ.(9)

خطبتها

عاشت الزهراء (ع) بعد وفاة والدها حزينة، فقد فقدت الأب الرحيم الحنون فحزنها يشتد ويتجدد يوما بعد يوم ومن رثاء لها عند قبر والدها:


ماذا على من شم تربة أحمدأن لا يشم مدى الزمان غواليا
قل للمغيب تحت أطباق الثرىإن كنت تسمع صرختي وندائيا
صبت علي مصائب لو أنهاصبت على الأيام صرن لياليا (10)

لقد منعوها من البكاء على أبيها، فبنى لها زوجها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة ويسمى (بيت الأحزان)، وكانت تذهب يوميا للبكاء على أبيها.

ولم يكفهم ذلك حتى اغتصبوا منها فدكا والتي جعلها الرسول (ص) لأبنته بأمر الله تعالى، فجاءت إليهم تطالبهم بها ومعها زوجها وأم أيمن يشهدان على ذلك، لكنهم رفضوا شهودها، فخطبت فيهم خطبتها الشهيرة ومنها نقتطف هذه الفقرات:

(بلى، قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته أيها المسلمون! أأغلب على ارثيه؟!) يابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! (لقد جئت شيئا فريا)....(11).

وفاتها

عاشت الزهراء (ع) بعد أبيها فترة قصيرة، لم تهنأ بالعيش فلقد ذاقت من صنوف العذاب مالا يتحمله البشر، ما الذي فعلوه ببنت نبيهم؟ لقد هجموا على دارها واحرقوها ودخلوا على الزهراء وهي خلف الباب فعصروها حتى أسقطت جنينها، ونبت المسمار في صدرها، ولقد صرخت من شدت ألمها وا أبتاه وا محمداه.

وعليها هجم القوم ولم تك لاثت لا وعلياها الخمارا لست أنساها ويالهفي لها إذ وراء الباب لاذت كي توارى لا تسلني كيف رضوا ضلعها؟ واسألن الباب عنها والجدارا واسألن أعتابها عن محسن كيف فيها دمه راح جبارا وهل المسمار موتور لها فغدا في صدرها يدرك ثارا (12)

ومرضت بعد ذلك مرضا شديدا، إلا إن جاء يوم وفاتها أوصت الزهراء (ع) زوجها بعدة وصايا، وأهمها أن يدفنها ليلا ولا يشهد أحدا ممن ظلمها لأنها كانت ساخطة على أبى بكر وعمر.

توفت الزهراء يوم الثلاثاء، الثالث من جمادى الآخرة سنة 11 هجرية وعمرها 18 سنه، ودفنت ليلا وخفي قبرها حتى لا يعرفوا مكانه ويصلوا عليها، والى اليوم لا يعرف مكانه أحد، ورحم الله من قال:

ولأي الأمور تدفن سرا بضعة المصطفى ويعفى ثراها (13)

بعد إن دفنت الزهراء (ع) أنشأ الإمام عليه السلام يقول:


نفسي على زفراتها محبوسةيا ليتها خرجت مع الزفرات
لاخير بعدك في الحياة وانماأبكي مخافة أن تطول حياتي (14)

ورثاها قائلا:

لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الفراق قليل وان افتقادي فاطما بعد أحمد دليل على أن لا يدوم خليل (15)

سيدتي الزهراء سلام الله عليك..........

أقدم هذا المقال حبا وولاءا لك، أرجو أن أكون قد وفقت يا زهراء منك الشفاعة يوم الجزاء.

المراجع

  • أعلام النساء - علي محمد علي الدخيل.

  • فاطمة الزهراء (ع) أم أبيها - فاضل الحسيني الميلاني.

  • مقتل السيدة فاطمة الزهراء(ع) - عبد الرضا معاش.

  • قصص وعبر من حياة الزهراء (ع) - محمد الروحاني.

  • فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة - السيد شريف سيد العاملي.

  • فاطمة الزهراء (ع) من المهد إلى اللحد - السيد محمد كاظم القزويني.

  • مفاتيح الجنان.

    ____________

    (1) الاستيعاب: 2/720.

    (2) بحار الأنوار / ص: 2 / ج:43 المجلسي.

    (3) بحار الأنوار / ص: 12 / ج: 43.

    (4) ملحمة أهل البيت / ج: 3 / ص: 11 للفرطوسي.

    (5) مسلم: الجامع الصحيح، نقلا عن القندوزي: ينابيع المودة ص 171.

    (6) مولد فاطمة لابن بابويه.

    (7) ملحمة أهل البيت / ج: 3 / ص: 18 للفرطوسي.

    (8) مفاتيح الجنان / ص:112.

    (9) مفاتيح / ص: 112.

    (10) مقتل السيدة فاطمة الزهراء (ع) / ص: 24.

    (11) مقتل السيدة فاطمة الزهراء (ع) / ص: 43.

    (12) للسيد صدر الدين الصدر.

    (13) للأزري في قصيدته العصماء.

    (14) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة / ص: 190.

    (15) فاطمة الزهراء أم أبيها / ص: 196.