اللهم صل على محمد وعلى آل محمد الحديث الخاص بشأن فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام، يمكن التقديم له بالقول؛ بأن هناك ثلاث فترات او لحظات لها اهمية قصوى في حياة الانسان ووجوده، وهي:

لحظة الولادة ولحظة الوفاة، ولحظة البعث. فكل إنسان لابد ان يتمتع بولادة هادئة وسليمة. ولكن كيف ولدت الزهراء؟

إنّها ولدت مظلومة، بل هي ظُلمت حتى قبل ولادتها، وذلك حين هجرت نساء قريش امّها خديجة الكبرى عليها السلام بداعي إسلامها ونصرتها لزوجها رسول الله، فظلت وحيدة تحدثها ابنتها الزهراء من رحمها وتسلّيها.

فإذا كانت فاطمة أم ابيها باعتبارها كانت تهدئ عليه مصائبه وآلامه في مكة حين البعثة، او في المدينة جرّاء الحروب والمعارك، فترى كم كان عمرها حينئذ لتقوم بهذه المهام الجسيمة؟

سؤال:

وقد يتساءل البعض عن العلاقة بين واقع الذرية الطيبة المصطفاة، واقع المأساة والشظف في العيش؟

والجواب:

هو انّ حكمة الله اقتضت آن تكون الزهراء رمز الفضيلة في المجتمع الجاهلي الذي كان يكيل للمرأة انواع الظلم والكبت والقهر؛ الظلم الذي كان يعبر عن فلسفة الحياة الجاهلية وانتكاسته الفكرية آنذاك ?

فإذا قرأت الشعر والقصص الجاهلية تجد صفحات الافتخار والتشرف بظلم المرأة ووأدها ?

حتى قيل إن احدهم جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مؤكداً له انه أب لأحد عشر طفلاً ما قبل واحداً منهم قط ? فلم يكن بوسع الرسول الاّ القول لأصحابه بأن من أراد منكم النظر الى رجل من أصحاب النار فلينظر الى هذا الرجل.

انّ ظلم المرأة اصبح قاعدة ايديولوجية لدى العرب في ذلك اليوم، فكان ان خلق الله سبحانه فاطمة الزهراء لتكون النموذج الأعلى للأخلاق والفضيلة، حتى قال عنها النبي: (لو كان الحُسن شخصاً لكانت فاطمة).

فالكمال الإنساني تجسد بصورة مباشرة في وجود الزهراء، وعبرها تمكن الرسول الاكرم هدم قلعة الظلم وتغيير القلوب الفظّة القاسية.

لقد أصبحت الزهراء قدوة أبديّة في إطار تحطيم الصنمية والعنصرية الجنسية، وهي النموذج الأعلى للمرأة، كيلا تصبح موجوداً مقهوراً.

امّا المرأة التي تقهر في البيت وهي بنت او اخت او زوجة او أم، فإنها تعجز عن انجاب او تربية رجال افذاذ، بل ينبغي توقّع ان يكونوا محطّمين مقهورين.

وعليه فإنك إذا اردت تربية مجتمع شجاع مجاهد متحدٍ للظلم مقاوم للجريمة، فلابد ان تربي المرأة والزوجة على هذه الصفات، وتجعل منها كائناً حيّاً مؤثراً.

وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكن المزيد من الاحترام والتعظيم لابنته الزهراء، لانّه كان يعرف جدارتها التامة في التربية وانجاب الرجال الافذاذ في مدرسة اهل البيت، التي حفظت الاسلام على اسنى وجه.

ولطالما قبّل النبي يد ابنته، وكذلك كان عليّ زوجها يفعل، ولطالما كان علي لا يولّيها ظهره إذا اراد مغادرتها.

ففاطمة الصديقة حجة الله في زمانها وحجته في كل زمان، وهذه هي فلسفة قول الرسول الكريم: (فاطمة سيدة نساء العالمين).

وإن قال قائل بأن الزهراء كانت إنساناً معصوماً. وهذا ما قد يفصل بينها وبين البشر العاديين، فإنني اجيبه بوضوح بأن وظيفة المسلمين تجاه الزهراء الأخذ من نورها ما يستطيعون استيعابه.

فليس لهذا القائل ان يدّعي بأنّه لا يستضيء بنور الشمس. لأنّ كتلة الشمس محرقه.

نسأل الله تعالى ان يجعلنا من المقتدين بأهل البيت والعارفين بحقهم، والمسلّمين لفظلهم والمهتدين بنورهم والمستضيئين بضيائهم، وان يجعلنا ممّن تنالهم شفاعتهم ويحشرون معهم ويستقرّون في الجنّة عند بيوتهم وبجوارهم، إنّه ولي التوفيق وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.