وُلدت فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد بعثة والدها العظيم (صلى الله عليه وآله) بخمسة أعوام، وبعد حادثة الإسراء والمعراج بثلاث سنين، وقد بشّر جبريل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بولادتها وكان تاريخ ولادتها يوم الجمعة العشرين من شهر جمادى الآخرة في مدينة مكّة.

نشأت فاطمة الزهراء (عليها السلام) في أحضان الوحي والنبوة، في بيت مفعم بكلمات الله وآيات القرآن المجيد.

سألتْ عائشةُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم عن سبب حبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمة هذا الحبَّ العظيم. فلقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل رأسها ويدها.

كانت فاطمة الزهراء تشبه سيّدنا محمّد (صلى الله عليه وآله) في خَلْقه وأخلاقه.

تقول أم سلمة زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله):

فاطمة أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله).

بلغت فاطمةُ سنَّ الرشد، وآن لها أن تنتقل إلى بيت الزوجية، فخطبها كثير من الصحابة في طليعتهم أبو بكر وعمر، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يردّ الخاطبين قائلاً:

إنني أنتظر في أمرها الوحي. وجاء جبريل يخبره بأن الله فد زوّجها من علي. وهكذا تقدم علي، والحياء يغمر وجهه، إلى خطبة فاطمة (عليها السلام).

فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها:

(يا فاطمة إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟)

سكتت فاطمة وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء، فهتف رسول الله: (الله أكبر! سكوتها رضاها).

جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ بيد علي (عليه السلام) وقال:

(قم بسم الله وقل على بركة الله، ما شاء الله لا قوّة إلاّ بالله، توكلّت على الله)، ثمّ قاد علياً (عليه السلام) وأجلسه عند فاطمة (عليها السلام) وقال:

(اللهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما واجعل عليها منك حافظاً وإنّي أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم).

ثم قبّلهما مُهنّئاً وقال:

(يا علي نِعم الزوجة زوجتك)، وقال لفاطمة: (يا فاطمة نِعم البعل بعلكِ). ووسط زغاريد النسوة من المهاجرين والأنصار وبني هاشم وُلدت أطهر وأمثل أسرة في التاريخ، لتكون نواة لأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

في العام الثالث من الهجرة أنجبت فاطمة (عليها السلام) أول أولادها فسمّاه سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) (الحسن)، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول الله، وهو يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات القرآن.

وبعد عام وُلد الحسين (عليه السلام).

أراد الله أن تكون ذرّية رسوله محمد (صلى الله عليه وآله) من فاطمة (عليها السلام).

واحتضن الرسولُ سبطيه يحوطهما برعايته، وكان يقول عنهما: (هما ريحانتاي من الدنيا). كان يحملهما معه إذا خرج أو يُجلسهما في أحضانه الدافئة.

دخل رسول الله ذات يوم منزل فاطمة وكان الحسن يبكي جوعاً وفاطمة نائمة، فأخذ إناءً وملأه حليباً وسقاه بنفسه.

عاد رسول الله من حجة الوداع ولزم فراش المرض وغُشي عليه من شدّة الحمّى، وهرعت إليه الزهراء تحاول دفع الموت عنه وهي تذرف الدموع، وكانت تتمنى أن تموت هي بدلاً عنه.

فتح الرسول (صلى الله عليه وآله) عينيه وراح يتأمّل ابنته الوحيدة، فطلب منها أن تقرأ له شيئاً من القرآن، فراحت الزهراء تتلو القرآن بصوتٍ خاشع وكان الأب العظيم يصغي بخشوع إلى كلمات الله وهي تطوف في فضاء البيت.

أراد أن يقضي آخر لحظات عمره المبارك وهو يصغي إلى صوت ابنته التي رعتْه صغيرة ووقفتْ إلى جانبه كبيرة.

والتحق الرسول بالرفيق الأعلى وعرجت روحه الطاهرة إلى السماء.

كان رحيل الرسول صدمة كبيرة لابنته البتول ولم يتحمل قلبها تلك المصيبة، فراحت تبكي ليل نهار.

ثم وجهت لها السياسة والأطماع ضربة أخرى بعد أن اغتصبوا منها (فدكاً) وتجاهلوا حق زوجها في الخلافة.

حاولت الزهراء الدفاع عن حقّها وكان لها في ذلك مواقف غاية في الشجاعة.

كان الإمام يدرك أن استمرار الزهراء في معارضة الخليفة سيجرّ البلاد إلى فتنة، فتضيع كل جهود الرسول (صلى الله عليه وآله) أدراج الرياح ويعود الناس إلى الجاهلية مرّة أخرى.

طلب الإمام من زوجته العظيمة الاعتصام بالصمت والصبر، حفاظاً على رسالة الإسلام.

وهكذا سكتت الزهراء لكنها بقيت غاضبة وتذكّر المسلمين أن غضبها يعني غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغضب الرسول يعني غضبَ الله سبحانه.

سكتت الزهراء إلى أن رحلت عن الدنيا ولكنها طلبت في وصيّتها أن تُدفن سرّاً.

كانت فاطمة كشمعة تتوهج وتحترق وتذبل ثم يخبو نورها شيئاً فشيئا.

لم تستطع البقاء بعد رحيل أبيها وتنكّر الزمان لها.

كانت أحزانها تتجدّد كلما ارتفع الأذان يهتف: أشهد أن محمداً رسول الله.

كانت تريد اللقاء بأبيها وكان شوقها يستعر يوماً بعد آخر.

وهزل جسمها ولم يعد يتحمل شوق روحها إلى الرحيل.

وهكذا ودّعت الدنيا.