
السلام عليكم لا اخفيكم بان هذه القصة كتبتها منذ اكثر من 10 سنوات و شاركت فيها في مسابقة محلية في مسجد المنطقة احببت ان اشارك معكم للبركة، مع الاشارة اني اعتدت على ما كتبت ففي اجمالي للقصة من كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي و اليكم القصة:
سفر الآلام في مكتبة كبيرة تزكم أنوف الداخلين و تتعود عليها أنوف الجالسين راحة كتبها العتيقة، بما تراكم عليها من كثبان الغبار، رصت رفوفها بعدد هائل من الكتب …
كتب في شتى المجالات، من أمهات الكتب في التاريخ و الأدب و البلاغة و كل مجالات العلوم المختلفة، و على طاولة كبيرة جلس (احمد) غارقا في المطالعة الجادة و حوله الكتب المبعثرة التي لازال الغبار يسكن بين طياتها.
نراه يقلب صفحات كتاب بنهم غريب، يبحث عن شيء لا يراه و لا يعرفه وان رآه استنكره حتى ينتقل إلى كتاب آخر و كان هذا دأبه حتى وقع نظره على كتاب كبير مغلف بجلد قديم.
جذبه باعتناء، رائحة الغبار تخللت جو المكتبة بعد إن فتح غلافه، و اخذ يلتهم سطوره سطرا بعد سطر و يتصفح ورقاته ورقة بعد ورقه..
و فجأة و بينما هو غارق في القراءة فإذا به يرى صفحات الكتاب تهتز اهتزازا عظيما و كأنما الحياة قد دبت فيها.
نهض احمد من على كرسيه وراح يشاهد مدهوشا ورق الكتاب التي تنتفخ شيئا فشيء، بهت احمد و هو يرى خيالا يخرج من بين صفحات الكتاب، تبين ذلك الخيال جيدا غير مصدق فإذا به رجل مسن ذو لحية بيضاء طويلة عليه ثياب غريبة مترهلة ينتعل نعالا من الجلد و يمسك بيده اليمنى عصاه غريبة.
وقف هذا العجوز أمام احمد الذي لا زالت قدماه لا تطيعانه في محاولته الهرب و قطرات العرق الباردة تتصبب على وجهه المصفر، فوقف كأن على رأسه الطير، أراد أن يتكلم فخرج صوته متحشرجا مبحوحا قلقا مضطربا:-
من أنت؟.. و ماذا تريد؟ و كيف خرجت هكذا؟..
فإذا بصوت رخيم جميل واثق يرد بكل هيبة و جلال:-
أنا من تبحث عنه.. أنا من أجهدت نفسك لتعرفني.. أنا.. و هنا قاطعه احمد:-
من أنت؟..
فقال:- أنا (التاريخ) … أنا الحقيقة الناصعة التي تبحث عنها.. و الآن قل لي ماذا تريد مني؟!.. و لماذا قلبت صفحات عمري و ايقضتني من غفوتي.. هل لسبب مهم.. أم لفضول منك.. لماذا أثرت علي شجوني التي طالما نغصت علي حياتي.
هنا تشجع احمد و قال له:-
إني ابحث عنك و أقرا بين سطور الكتب الكثيرة لعلي استوعب بعضا من عمرك الطويل المديد.
هنا ضحك التاريخ و قال:-
عمري مديد لن تستطيع أن تعرفه، فكثير منه مطموس لا تعرفونه و كثيرة أجزاءه التي لا تعرفونها.. فأنا عمري بعمر الدنيا فكيف تريد أن تعرفني؟..
فقال احمد:-
أنا لا أريد أن أزعجك أيها الرجل الجليل و لكن أنا ابحث عن أحداث قريبة نسبيا بالنسبة لعمرك الطويل.. أريد أن أعيشها.. أريد أن اسبر أغوارها.. فهل إلى ذلك من سبيل..
فأجاب التأريخ:-
سل عن ما بدا لك، ستجدني إنشاء الله أمينا في قولي لا أحيد عن الحق قيد أنملة.
احمد:-
إذن دعني اسمع و أعيش الأجواء التي عاشها الرجل الكريم الذي كرمه الله على العالمين و بعثه برسالته الخاتمة و شرفه على جميع خلقه.
التاريخ:-
تقصد انك تريد أن تعيش أجواء النبي الكريم.. النبي الأمي المصطفى محمد (ص)..
احمد:-
نعم.. نعم.. فمد التاريخ يده اليسرى إلى احمد و قال له:-
تمسك بيدي و لا تفلتها، سأنقلك لتعيش الأجواء الحقيقية.. و لكن لطول عمري و شيبتي أتمنى أن اصل بك إلى الزمن الذي تريده.. فأنا عادة لا ارجع إلى زمن و عصر قد مضى من عمري.. فتلك سنة الحياة.
فمسك احمد بشدة بيد التاريخ.. فغاب به بين طيات ذلك الكتاب القديم.
وصل الرفيقان إلى أطراف مدينة كبيرة.. يخيل للرائي من بعيد إن المدينة تغزوها جحافل كثيرة تمتاز بطولها الفارع..
و لكن مجرد الاقتراب اكثر فاكثر تتبين حقيقة الغزاة، فهم ذو جذوع طويلة جدا محملة بثمار لا غنى عنها في تلك البادية القاسية الكبيرة.. إنها النخيل التي تحيط بالمدينة التي أمامهما..
سار احمد و رفيق سفره العجوز حتى وصلا إلى داخل المدينة.. فتسائل أحمد في استغراب و دهشة:-
ما هذه المدينة التي تبدو أنه لا حياة فيها.. أنظر إلى الطرقات إنها خالية من المارة.. و حوانيتها مغلقة و لا أثر للحياة فيها و هذا الهدوء الغامض إنه يربكني و يخيفني.. فأين نحن يا سيدي..؟
التأريخ:-
إننا في (يثرب).. مدينة الرسول.. فهناك أمر لا بد من كشف أسراره في هذه المدينة.. فهلم بنا نسير فيها لعلنا نستوضح ذلك.
سار الرفيقان هُنيئة حتى وصل إلى مسامعهما همهمة غير مفهومة فأسرعا الخطا ما بين طرقات المدينة فإذا هما يريان جمهرة كبيرة على جانبي الطريق.. تبين أحمد تلك الوجوه التي طالما قرأ و سمع عنها لعلّه يرى فيها من يعرفه.. و لكن كلمات الواقفين و علامات الدهشة و الاستغراب و الخوف و الحزن البادي في وجوههم أعاده من خيالاته إلى الواقع و بدأ يركّز فيما يقوله الناس..
فها هو أحدهم و هو شيخ كبير يقول:-
كيف حدث هذا؟ و من له الجرأة على ذلك.
و آخر يقول مستغربا:-
أهذا مجندل الأبطال و قائد الفرسان.. لا أصدق عيني.
تسمّر أحمد في مكانه و كلمات الناس تطرق أذنيه فتزيده توجساً و قلقاً، فتحدثه نفسه:-
ما الذي يحدث في مدينة الرسول.. و في أي جزء من التأريخ أنا. و لما الناس في هذه الحالة المرتبكة؟!..
و بينما هو على هذه الحالة.. فإذا هو يرى جماعة من الرجال تتميز بصلابة الوجوه، أعينهم يتطاير منها الشر يمشون بخطوات سريعة و كأنهم لا يريدون أن يطول بهم المسير إلى مكانهم وفي يد رجل منهم حبلٌ أسود ينتهي بعنق شاب عمامته في رقبته.. شاب يمتاز بالعضلات المفتولة و القوة الملحوظة و سيماء المؤمنين على وجهه تستبشر النفس بمقامه الكريم و تكتحل العين برؤيته..
و لكن مسحة من الحزن العميق تعتلي و جهه الكريم و تطل من عينيه، يمشي معهم طوعاً و الحبل مربوط في رقبته.
وقف أحمد مدهوشاً يمسك بيد رفيقه العجوز الذي وقف واجماً و الناس لخوفهم من هؤلاء تراجعوا و كلامهم يصل إلى مسامع أحمد:-
يقول أحدهم:-
ماذا جرى؟ و كيف استطاعوا ذلك!
و الآخر يقول:-
أنا لا أصدق عيني هل هتكوا حرمة الرسول؟
فيرد ثالث:-
لا بد إن هناك خطأ ما.
وصل الجمع بجانبهم و سار مسرعاً هنا.
قال التأريخ لأحمد:- لنذهب خلفهم.
فقال أحمد:- هلم بنا و لكن من هؤلاء و من هو هذا الشاب.. فقال التأريخ و الأسف يملئ وجهه:-
أنهم من أصحاب الرسول و الشاب هذا ابن عمه عليّ (ع)، تعال معي لنستوضح الأمر الجلي.
سار الرجال نحو المسجد النبوي الكبير و دخلوه و علي ملبباً بحبله حتى انتهوا إلى رجل كبير في صدر المجلس وقف على رأسه جماعة من الرجال بأيديهم سيوفهم.. و الناس جلوس حوله.
هنا انطلق الحق مجلجلاً من علي:-
أما والله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم إنكم لن تصلوا أليّ.. فلعن الله قوماً بايعوني ثم خذلوني.
كان أحمد يقف على مبعده مع رفيقه فسأله:-
ما الذي يحدث.. ?
فقال التأريخ:-
الرجل الجالس هو صاحب الغار و القائمين حوله أعرف منهم سيف الله المسلول و أمين هذه الأمة و فاروقها.. و هو يشير إليهم.. و لكن أنصت لما يدور.. فتوجه أحمد بعينيه التي لا تصدق ما تراه و أخذ يتابع المشهد المروع فإذا به يرى الفاروق ينتهر علي و يقول له:-
بايع.
علي:-
و إن لم أفعل؟
عمر:-
إذن نقتلك ذلاً و صغاراً.
علي:-
إذن تقتلون عبد الله و أخا رسول الله.
فقال أبو بكر:-
أمّا عبد الله فنعم و أمّا أخو رسوله فلا نقرّ لك به.
فرد علي (ع):-
أتجحدون أن رسول الله آخى بين نفسه و بيني.. و راح يخطب فيهم خطبة عظيمة.
عندما رأى علامات الانكسار و التأثر بادية على وجه أحمد مسك التأريخ بيده و خرج به خارج المسجد فتسائل أحمد:-
ما الذي جرى و أين النبي الكريم.. وما هذا الزمن الشؤم الذي رميتني فيه.
فقال التأريخ:-
مات الرسول و خان الناس الوصية الإلهية فبات مصيرهم للضياع و ما تراه شيء من فيض قال لهم نبيهم و المرض يهد أركانه (آتوني بكتف و دواء لأكتب لكم كتاب لن تضلوا بعده أبداً).. يريد النبي لهم السعادة فأرادوا الذل و الخسران بقولهم:-
إن النبي ليهجر.. هذا غيض من فيض ما تراه يا احمد من أمر هذه الأمة رأيته أنا قبلك، لقد تنازعوا الإمارة و الرسول مسجاً فوق مغتسله ليس معه أحد إلاّ ابن عمه الذي رأيت الحبل يتدلى من عنقه و بعض أهل بيته و صحابته الخلّص.
أمرها عجيب هذه الأمة ضيعوا الوصية و تناهبوا إرث الرسول.
توقف الرجل العجوز عن كلامه و قال لأحمد:- ? قف أنت هنا و استمع لما يدور، فأمّا أنا فذاهب بالقرب من بيت فاطمة ابنة الرسول..
وقف أحمد يستمع لنقاش القوم و جدالهم و يشهد جولة أخرى من صراع الحق مع الباطل.. و يرى كيف أن الحق يفنّد و يدحض ادعاءات الباطل.. إن جاء له بالأسبقية للإسلام كان الحق أسبق و إن جاء الباطل بفارق السن استشهد الحق بالقرآن و إن جاء الباطل بالقربى كان الحق هو الأقرب للرسول.
هكذا كان جدال القوم يصل إلى مسامع أحمد حتى سمع جلبة عظيمة فأدار رأسه نحوها فإذا هو يرى التأريخ مسرعاً نحوه و هو في حالة يرثى لها من الحزن و الأسى.
أحمد:- ماذا جرى يا سيدي؟ ما بك؟ و ما هي هذه الجلبة العظيمة.. ثم قل لي ما هذا السواد القادم نحونا.
فأجابه التأريخ و أنفاسه تتقطع من شدة التعب:-
قلت لك إني ذاهب إلى بيت فاطمة و بالفعل ذهبت، و لما قرُبتُ من منزلها رأيت الدخان يتصاعد من أمام بابها و بقايا الحطب المشتعل لا زالت النار فيه و آثار دماء على باب المنزل و فاطمة مغشياً عليها و الدماء على ثوبها و حولها الحسن و الحسين و ابنتيها الصغيرتين و فضة الخادمة المؤمنة ينتحبون و يبكون.
توقف الشيخ قليلا حتى يلتقط أنفاسه ثم قال:-
و ما هي إلاّ لحظات حتى أفاقت فاطمة من غشوتها تتطلع في أنحاء الدار ثم نادت بصوت الجريح الحزين:-
يا فضة أين ابن عمي؟
فقالت فضة:-
أخذه القوم غصباً.
فأدارت فاطمة حجابها حولها و خرجت من بيتها تعثر في أذيالها يلحق بها الحسنين و ابنتاها و فضة.. و ثلة من نساء بني هاشم.
يا الله لو شهدت ذلك المنظر لتخيل إليك أن السماء سوف تنطبق على الأرض.. و قد أسرعتُ إليك لأكون معك، و ها هي السوادة تقترب منا و تقف على باب المسجد، التأريخ و أحمد يقفان على مبعدة و هم يرون فاطمة تقف على باب المسجد ثم ينطلق الصوت الحزين المجهد من كثرة النياح على المصطفى الذي لم يفارق الدنيا إلاّ من بضعة أيام، الصوت الوجل على وصي الرسول، الخائف عليه من الأعداء انطلق رغم التعب و الإجهاد انطلق يزأر يرهب الأعداء..
(خلو ابن عمي أو لأكشف بالدعاء رأسي و أشكو للإله شجوني).
فكأن الدنيا بما فيها تموج و تضطرب تجاوباً مع الصوت الحزين و لكن خطوات رجل ذو ملامح غير عربية مزّقت جو الترقب الذي انفرج بقول الرجل لفاطمة:-
إن أبوك بُعث رحمة للعالمين فلا تكوني عليهم نقمة. فتنصرف تلك المرأة المتجلببة بأثوابها راجعة إلى بيت النبوة و دموعها تبكي النبي و وصيه.
هنا التفت الرجل العجوز إلى أحمد و قال له ? آن لسفرنا و مسيرنا أن ينقضي و لا بد لنا من الرجوع.. فلم يتمالك أحمد نفسه حتى رمى رأسه على صدر التأريخ و أجهش بالبكاء طويلاً حزناً و أسى على ما رأى، طلب أحمد من رفيقه أن يخبره بما سيجري.
فقال التأريخ:-
سأحكي لك هذا في طريق العودة.
جلس أحمد في المكتبة و الحزن والهم ينغصان حياته، جلس أمام كتبه العتيقة و راح يراجع في ذاكرته ما قاله التأريخ من أحداث جرت بعد خروج فاطمة إلى المسجد.. و كيف أنها رجعت إلى بيتها حزينة تلم حولها أولادها خوفاً عليهم و كيف أنها طافت بمعية زوجها الوصي المظلوم على بيوتات الأنصار و المهاجرين تستنصرهم و لا من ناصر.. حتى أجهدها التعب و أجلستها جروحها مريضة بمرضها الأخير.. جليسة الدار تعودها نسوة المدينة.. كيف أصبحت من علتك يا ابنة رسول الله.. فتقول:-
(أصبحت و الله عائفة لدنياكم) و كيف أن فاطمة اشتد بها المرض فيأتي المنافقون لاسترضائها فتأبى ذلك، يتذكر أحمد ذلك و لا ينسى يوما خرج فيه الحسنان من البيت يبكيان يبحثان عن علي و الناعي ينعي فاطمة التي شيعت بعد ذلك و دفنت ليلاً و أخفي قبرها عن أعداءها، ليعود الشاب الحزين إلى داره تستقبله طفلته الصغيرة بدموعها المنحدرة على وجنتيها فيضمها و أخوتها إلى صدره الحنون و ذاكرته لا زالت عالقة بأمهم و قبرها المخفي و لا زالت أنامله التي تمسح على رؤوس أطفاله لا زالت تتحسس الضلع المكسور.