الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين

نقل عنهم عليهم السلام أنهم قالوا (نحن حجج الله على خلقه وامنا فاطمة حجة علينا) لو تفكر اي انسان عاقل ومنصف في معنى هذا الحديث وما يحمل من قدر عظيم للسيدة الزهراء عليها السلام لعلم ان هذه السيدة العظيمة هي ليست امراة عادية كانت ابنة لنبي وزوجة لامام بل ان الله سبحانه وتعالى حين اختارها من بين جميع النساء لتكون الوعاء الطاهر لخلفاء الله في ارضه وحججه على عباده قد اعطاها دورا اكبر من ان تستوعبه العقول القاصرة عن ادراك بعض الامور المحسوسة، ففاطمة ومن يدرك من هي فاطمة فمن عرفها فقد ادرك ليلة القدر ولهذا فاختيار الباري (عز وجل) لها كان على قدر كبير من الاعتناء حتى بالنطفة التي تنعقد منها هذه السيدة العظيمة فيؤمر رسول الله ان لا يقارب السيدة خديجة عليها السلام وكله تحضير سماوي لانعقاد تلك النطفة الطاهرة ومن ثم المعراج ليأكل رسول الله صلى الله عليه وآله من ثمر الجنة ولتتكون في صلبه الشريف نطفة تلك الحوراء الانسية وحين تولد تسمى زهراء وكما يقول الامام الصادق عليه السلام (سميت زهراء لان السموات والارض أزهرت بولادتها) وليبدأ دورها الرسالي منذ صغرها لتكون أم ابيها كما يحلو له صلوات الله عليه وآله ان يناديها ولتترعرع في ذلك النور الالهي ولتتربى في حجر الرسالة وتكبر وعناية السماء لا تفارقها حتى ان الله جل وعلا يجعل غضبه لغضبها واي منزلة اعظم من هذه ويختار لها الباري رجلا لا يعرفه الا هو ورسوله الاكرم ليكون زوجا لها فيوحي الى رسوله أن زوج النور من النور ويأبى الله الا ان يتم نوره ولو كره الكافرون وتنتقل الى بيت اذن الله ان يرفع ويذكر فيه اسمه وليمنحها الباري لقب سيدة نساء العالمين من الاولين والاخرين وليولد لها سيدي شباب اهل الجنة ولتكتمل تلك الانوار الخمسة التي من اجلها خلق الله خلقه والابتداء دوما بفاطمة (هم فاطمة وابوها وبعلها وبنوها).

ويأتي بعد ذلك التتويج الالهي الاعظم لفاطمة وابيها وبعلها وبنيها وهو تاج لم يمنحه الله لاحد من خلقه حتى انبياءه وهو الدرجة الاعلى والمرتبة الاشرف الا وهي العصمة في اعلى مراتبها {إنما يريدُ اللهُ ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا} وتمر على الصديقة الطاهرة لحظات الحزن والاسى لفقد الحبيب وتنهمر الدموع لأن لحظة الفراق قد حانت ولكن الى حين حيث اللقاء الابدي عند مليك مقتدر وما احلى اللقاء الحبيب مع حبيبه فيهمس في أذنها بأن المعشوق قد اشتاق للقاءه فيصيبها من ذلك حزن عميق ولكن سرعان ما يتهلل وجهها بفرح عظيم حين يهمس مرة أخرى (أنت اول اهل بيتي لحوقا بي)، إنها البشارة بقرب اللقاء.

وتبدأ أهم مرحلة في حياة الحوراء الانسية وهي مرحلة مقارعة الظالمين فأن أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر وأي جور أعظم من أن لا تراعى وصية الله ورسوله فتقف هذه الصديقة كالجبل الاشم مع كل ما بها من جراحات الروح والجسد لتخطب خطبتها الغراء بوجه الظالمين ولتقول كلمة الحق حين خرست الالسن وعميت القلوب (اعلموا أني فاطمة و أبي محمد) وانكفأت على جراحها بعد أن رأت غدر الامة وانقلابها واصبحت تتوق للقاء الحبيب لتشكو له ما فعل الظالمون وتمر عليها لحظات مع امامها لتبوح له بما في نفسها ولتوصيه وصيتها ولتظل هذه الكلمات الطاهرة عارا وخزيا على من ظلمها في الدنيا والاخرة: (وأوصيك لا يشهدن جنازتي أحد من هؤلاء الذين ظلموك وظلموني وأخذوا حقك وحقي فانهم عدوي وعدو رسول الله أبي، ولا يصلين علي أحد من أتباعهم وادفني بالليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار وعَفِّ على قبري).

ولتستمر العناية الالهية بها حتى في يوم المحشر، حتى أذا حشر الناس على صعيد الحساب، نظر الجميع إلى كوكب دري قد أضاء سناه، فإذا فاطمة بنت محمد قد زهر نورها في كوكبة عظيمة من ملائكة الله قد أقبلت تحيط بها وتسير في ركابها وتحف بها وتقوم بخدمتها.

وانشق صمت الزمان عن صوت النداء:

يا معشر الخلائق نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد على الصراط إلى الجنة.

فسلام على عظيمة شع نورها في السماء قبل أن يزهر في الأرض.

وسلام على صديقة خلقت حورية في جنة الخلد قبل أن تولد إنسية في قداسة المهد.

وسلام على صابرة مجاهدة زاهدة عابدة من المهد إلى اللحد.