أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وأفضل الصلوات على سيد الخلق محمد وعلى الهداة الميامين من آله الطاهرين

الحديث عن الزهراء عليها السلام له أبعاد متعددة، فتارة يقع الحديث عن مقام الزهراء صلوات الله عليها عند الله حيث يجعل الله الزهراء محور هذا الوجود وهذا مستفاد من حديث الكساء حيث يأتي الجواب من الله بأن الذي تحت الكساء هم (فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها) بل ويجعل الله الزهراء عليها السلام في قرآنه منبع الخير ومنبع الفيض {إنا أعطيناك الكوثر} فهي أجلى مصاديق الكوثر كما في الروايات الصحيحة والمستفيضة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم آلاف الصلوات والتحيات بل يجعل الله الزهراء على لسان نبيه الكريم مظهر الرضا الإلهي والغضب الإلهي في قول النبي صلى الله عليه وآله (يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها)، وفي كل واحدة مما مر آنفا أبحاث وأبحاث دقيقة جدا ومهمة وفي صميم العقيدة ولكن شرط قد كسر ظهري (لا يزيد عدد الأسطر عن 100 سطر) وإلا فالبحث يستأهل المجلدات، ومنه يتفرع الحديث عن التوسل بها والسؤال منها والاستشفاع بها.

وتارة يقع الكلام عن حقيقة مقام الصديقة الطاهرة عند النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث كان الرسول صلى الله عليه وآله كلما دخلت عليه الزهراء عليها السلام قام من مجلسه وأجلسها فيه، وكان على لسان أم المؤمنين عائشة آخر عهده صلى الله عليه وآله إذا أراد السفر بها عليها السلام وإذا عاد كان أول عهده صلى الله عليه وآله بها عليها السلام.

وتارة يقع عن حقيقة مقامها عند الأئمة عليهم السلام، حيث يقول الإمام الصادق عليه السلام (نحن حجج الله على العباد وفاطمة حجة الله علينا)، وكان الإمام الرضا عليه السلام كلما ذكّر بها يبكي.

وقد خرج من الناحية الشريفة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف أنه قال:

(وفي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي أسوة حسنة...) غيبة الطوسي قدس سره: 172.

ولكن لنجعل الحديث عن الزهراء هنا في مقام بحث تاريخي في ظلامات الزهراء عليها السلام، إذ لو أردنا استيفاء كل الجوانب لكان في مجلدات لا أنه (لا يزيد عدد الأسطر عن 100 سطر). ولكن لمن أراد تدقيق النظر في هذه البضعة الطاهرة فليراجع كتاب الأسرار الفاطمية للشيخ محمد فاضل المسعودي وسع الله عليه وهو من الكتب القيّمة جداً.

مسألة حقيقة ظلامات الزهراء عليها السلام التاريخية مسألة من مسلمات التاريخ الشيعي تستفاد من الروايات المستفيضة والصحيحة السند، ومن شاء فليرجع إلى كتاب العوالم نقلا عن كتاب سليم بن قيس: 220.

وأما بالنسبة لوثاقة كتاب سليم بن قيس فليراجع الذريعة 2|152 حيث يقول (ليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة عليهم السلام خلاف في أن كتاب سليم بن قيس أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت عليهم السلام)، وكذلك فليراجع معجم رجال الحديث للسيد الإمام الأكبر الخوئي رضوان الله عليه 9|220، ووسائل الشيعة 30|153-157.

ومسألة الظلامة التاريخية هي مسألة مجمع عليها عند علمائنا عدا النادر الشاذ.

ولكن بحثنا ليس هنا بل بحثنا هو هل وردت هذه الحقيقة في كتب الفريق الثاني أي كتب أهل السنة والجماعة أم لا؟، وقد يقول قائل لماذا هذا البحث؟

فنرد عليه بكلمة واحدة (الفضل ما شهدت به الأعداء).

المدعى أن هذه الحادثة وردت في كتب الفرق جميعا فهي من المسائل التي أجمعت عليها كلمات المؤرخين حتى بلغت من الشهرة بحيث تنظم أبياتا من الشعر لشاعر النيل الحافظ ابراهيم حيث يقول:


وقـولـة لعلي قـالها عـمـرأكرم بسامعها أعظم بملقيها
حرقت دارك لا أبقي عليك بهاإن لم تبايع وبنت المصطفى فيها
ما كان غير أبي حفص بقائلهاأمام فارس عدنان وحاميها

ولكن الإختلاف في تفاصيل هذه الحادثة فمنهم من يثبت لنا أن الباب قد كسر ومنهم من يثبت حرق الباب ومنهم من يقول بعصرها عليها السلام بين الباب والحائط ومنهم من يثبت سقوط الجنين من بطنها عليها أفضل الصلاة والسلام.

أما بالنسبة لمسألة الهجوم والإحراق فقد وردت في جملة من المصادر إلا أننا نذكر بعضا منها وسوف تقتصر على ذكر بعض الجمل منها لأن ذكر جميع ما ورد فيها يطيل المقام جدا:

  • ابن قتيبة الدينوري في الإمامة والسياسة 1|30. حيث يذكر:

    {بأن أبي بكر افتقد بعض الصحابة المتخلفين عن البيعة عند دار علي عليه السلام وهم سلمان وأبو ذر والمقداد وعمار والزبير. فبعث إليهم عمر فلما قدم عمر إلى الدار دعاهم فلم يجيبوا فدعى بالحطب وقال: لتخرجن أو لأحرقها على من فيها، فقيل يا أبا حفص إن فيها فاطمة! فقال وإن}.

    وهنا محل الشاهد حيث أن عمر الذي كان يعيش مع مقام النبوة ومن المفروض أنه ذائب فيه يقول وإن، وهو يعلم من هي فاطمة وهو يعلم مقامها عليها السلام عن النبي أي مقام.

    وبعدها يذكر الدينوري باقي القصة ولمن أراد فليرجع إليها في مظنها.

  • العقد الفريد 4|247. كما قلت لا مجال لذكر كلمات من جميع المصادر وتحليلها مع شديد الأسف مع أن فيها أبحاث وأبحاث، فمن يدقق فيها يستطيع أن يكشف تماما حقيقة الحالة التي كان يعيشها المسلمون ويعيشها أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله.

  • الصفدي في الوافي بالوفيات 6|53.

  • إبن أبي الحديد في شرح النهج 14|192. فيذكر بأن زينب بنت رسول الله كانت لاحقة بأبيها صلى الله عليه وآله في قصة معروفة يقول فيها (... وخرج بها يقود بعيرها وهي في هودج لها وتحدثت بذلك الرجال من قريش والنساء، وتلاومت في ذلك وأشفقت أن تخرج ابنة محمد من بينهم على تلك الحال، فخرجوا في طلبها سراعا حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود ونافع بن عبد القيس فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملا فلما رجعت طرحت ما في بطنها وقد كانت من خوفها رأت دما وهي في الهودج فلذلك أباح الرسول دم هبار يوم فتح مكة.)

    ولابن أبي الحديد هنا تعليقا حيث يقول عن النقيب أبي جعفر رحمه الله (فقال إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله أباح دم هبار بن الأسود لأنه روع زينب فألقت ذا بطنها، فظهر الحال إنه لو كان حيا لأباح دم من روع فاطمة حتى ألقت ذا بطنها.).

    وهنا محل الشاهد حيث أنه قارن بين من روع زينب بمن روع فاطمة، الآن نسأل من أعظم مقاما زينب أم فاطمة عليها السلام. وعلى هذا فقس.

    التاريخ يقول بأن للزهراء عليها السلام خمسة أولاد هم حسن وحسين ومحسن وزينب وام كلثوم عليهم السلام، ولكنه يذكر بأن المحسن عليه السلام قد إما توفي صغير وإما سقط ميتا. والمدعى أنها عليها السلام أسقطته بسبب العصرة.

  • المستدرك 3|165-158.

  • البداية والنهاية 5|330، 7|252.

  • القاموس المحيط في مادة شبر.

  • ذخائر العقبى:55-166.

  • الملل والنحل 1|53.

  • لسان العرب 7|17 في مادة شبر.

    ويذكر التاريخ بأن الرسول هو من أعطى المحسن اسمه، وفيه نكتة حيث أن الحسن عليه السلام لم يعط الإسم إلى بعد ولادته والحسين عليه السلام كذلك ولكن المحسن له مزية إعطاء الإسم قبل أن يولد فهذا فيه جانب تأكيد من قبل الرسول الأعظم، وكأنه يريد أن يقول بأن للزهراء ولد يقتل شهيدا به يثبت أحقية المذهب الحق كما سنبين.

    ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله يؤكد أن من نسلها أعطى الله كل شيء {إنا أعطيناك الكوثر} فنحن عندما نبكي على ظلامة الزهراء عليها السلام لا نبكي لمجرد أننا نريد ذلك بل نحن نبكي على ثلث نسل رسول الله صلى الله عليه وآله.

    وهنا الآن يرد سؤالان مهمان هما:

    كيف نستطيع أن نقبل بأن هذا البيت الطاهر ينقلب عليه المسلمون في ليلة وضحاها؟

    نجيب بأنه من قال بأننا نقول بأن الإنقلاب تم في ليلة وضحاها، إن الإنقلاب كان منذ يوم الدار الذي نصب فيه الرسول صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام خليفته. حيث كان أغلب الصحابة يأخذون مواقفا من الإمام علي عليه السلام وذلك لتفضيل الله سبحانه وتعالى له، وتذكر عندنا مصادر التأريخ بأن خمسة ممن كانوا يصحبون النبي صلى الله عليه وآله قد تعاهدوا في صحيفة على غصب الخلافة ومن أراد المزيد في هذا المجال فليراجع كتاب سليم بن قيس.

    وأما السؤال الثاني هو كيف نقبل بأن شهامة وشجاعة الإمام علي عليه السلام نسمح له بأن يجعل الزهراء عليها السلام هي التي تواجه الموقف لوحدها دون أن يدافع عنها؟

    للإجابة على ذلك لابد من فهم الموقف الذي أدته الزهراء عليها السلام.

    هنالك قضية لابد من ملاحظتها وقعت بعد وفاة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وهي أنه تم الإنقلاب على الحكومة العادلة المفترضة الطاعة المتمثلة بالإمام علي عليه السلام وأتباعه، ومن هنا كان لابد للزهراء من عملين هما:

  • حماية الإمام علي من أي خطر وذلك لحفظ بقاء الشريعة المتمثل بخلافة الله في الأرض المتمثلة بالامام علي صلوات الله عليه، وذلك العمل تمثل في لحوقها به عليهما السلام عندما أخذ إلى المسجد للبيعة وهي بذلك قامت بعمل لا يكن لغيرها أن يؤديه.

  • إثبات أحقية المذهب الحق وإبطال طريقة الطرف المقابل، أي إثبات الإمامة الحقة بدأ بأمير المؤمنين عليه السلام وأحد عشر إماما من ذريتها، وهي سلام الله عليها قامت بهذا العمل من خلال رفض عدة أمور والمطالبة بأمور أخرى:

    رفضت سلام الله عليها خلافة الأول وكل من يأتي من بعده بصورة غير شرعية، وأيضا رفضت أن ترضى عنه عندما جاء يسترضيها هو وصاحبه وبذلك بينت بأن الله لا يرضى عنهما أبدا حيث لم ترجع عن عملها حتى استشهدت سلام الله عليها.

    طالبت بفدك ومع ذلك لم تعطها، وهي سلام الله عليها بمطالبتها بفدك كانت تطالب بحقها لا أن المطالبة هي مجرد مطالبة بقطعة من الأرض، لأنه لو كان قد أعطاها فدكا لكانت طالبته بالخلافة أيضا، وما كان قادرا على ردها لأنه بإعطائها فدكا كان قد ألزم نفسه بعدم رد شيء تطلبه منه.

    ومن هنا نخلص إلى أن العمل الذي قامت به ما كان أحد قادرا على عمله سواها فسلام الله عليها يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حية.

    ومع شديد الأسف أكرر بأن الشرط كان سبب نقص البحث من جهات عديدة فلو أعطينا فرصة لكان بحثا أرصن.


    والحمد لله رب العالمين