الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على البشير النذير, ,والسراج المنير , المبلغ رسالات ربه الأمين, والمبعوث رحمة للعالمين, محمد واله الطيبين الطاهرين, سيما ابنته أم الأئمة, وزهرة فؤاد شفيع الأمة , فاطمة الزهراء عليها السلام, الحوراء الانسيه, وأم أبيها , الكوثر الذي أكرم الله به نبيه المصطفى (ص), حيث أن الزهراء عليها السلام تعد همزة الوصل بين النبوة والإمامة, فجاءت إلى الأرض بشمسها الساطعة المنيرة , ونورها المشرق المكلل بالزهد والأيمان والتقوى لتكون سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين, وهذا اصطفاء من الله لها على نساء العالمين , لما لها من مكانه قدسية عند الله , ولقد أعجزت العقول عن إدراكها, والناس قد فطموا عن كنه معرفتها, وبها وبأهل بيتها نزلت ايات محكمات من الذكر الحكيم تتلى آناء الليل وأطراف النهار.

ومن أسماء الزهراء عليها السلام التي عبرت عن مكنونها:

فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضيّة والمحدَّثة والزهراء. (1)

أما كناها عليها السلام فقد كانت تكنى بـ أم الحسن وأم الحسين وأم المحسن وأم الأئمة وأم أبيها.

أما عن مواقفها التي سطرت بها أروع المواقف في تاريخ البشرية, ويظهر هذا جليا في شخصيتها النورانية ومكانتها العلمية, وعبادتها وقربها من الله تعالى.

وقد استحقت الزهراء عليها السلام أن تنال أعظم الدرجات عند الله بحيث أن الرحمن وصفها في كتابه ,ومنير خطابه , بالعصمة والطهارة , بقوله تعالى {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} صدق الله العلي العظيم. (2)

وقدسية فاطمة الزهراء عليها السلام ذاتية, نابعة من أعماق كيانها النوراني, الذي فطرها الله عليها, حتى تأهلت بذلك أن تنال وسام سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

ولقد اقتصر عمرها الشريف عليها السلام في مواجهة محن النبوة والرسالة, ومجابهة الصعاب من أجل رفع راية الإسلام شامخة مع بعلها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام.

حياتها الزوجية:

فقد تقدم قول أمير المؤمنين علي عليه السلام: (فو الله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل ولا أغضبتني ولا عقت لي أمرا ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان)

كما أن الزهراء عليها السلام ضمنت لعلي عليه السلام عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت وضمن لها عليٌ عليه السلام نقل الحطب وان يوفر الطعام ,هذه الحوراء الانسيه التي ربت سيدى شباب أهل الجنة والعقيلة زينب عليهم السلام على القران وتعاليمه وتخلقت بالأخلاق رسول الله صل الله عليه واله وسلم وأخلاق أمها خديجة الكبرى عليها السلام.

فصاحتها وبلاغتها:

قالت عائشة: (ما رأيت أحد من خلق الله أشبه حديثا وكلاما برسول الله صل الله عليه واله وسلم من فاطمة).

وكانت عليها السلام تدافع عن الحق والعدالة وتتصدى للظلم بكل ألوانه ,وتعرية الظالمين وكشفهم على حقيقتهم من خلال كلماتها المدوية للعقول, والنافذة إلى النفوس, فقد حيّرت العقول والألباب بما احتوي منطقها من حكمة وفصل الخطاب ويظهر هذا جليا في خطبها التي تجسدت فيها البلاغة والفصاحة في جميع جوانبها.

مكانتها عند الله تعالى:

ومن المقامات التي حضيت بها فاطمة الزهراء عليها السلام أن الله تعالى يرضى لرضها ويسخط لسخطها وهذا يدل على مكانة الزهراء عليها السلام عند الله تعالى, ويظهر هذا جليا عندما خرج الرسول الأكرم وهو اخذ بيد فاطمة الزهراء عليها السلام فقال:

(من عرف هذه فقد عرفها , ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد, وهي بضعة مني , وهي قلبي , وهي روحي التي بين جنبي, من أذاها فقد أذاني ومن أذاني فقد آذى الله). (3)

كما أقسم الله تعالى بعزته وجلاله أن يفطم شيعة الزهراء من النار حيث قال:

(يا فاطمة وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السموات والأرض بألفي عام أن لا أعذب محبيك ومحبي عترتك بالنار). (4)

فأي منزلة ومقام وعظيم شان لها عند الله تعالى بحيث يقسم الله بعزته أن لا يعذب شيعة الزهراء ومحبيها, فهنيا لكم يا شيعة الزهراء على هذه المنزله الرفيعة عند الله بولايتكم للزهراء عليها السلام , والتمسك بخطها والسير على نهجها, بأن الله ضمن لكم دخول الجنة.

ولمنزلتها الكريمة عند الله تعالى أن أول شخص يدخله الله تعالى في جنته هي فاطمة الزهراء عليها السلام, حيث قال رسول الله صل الله عليه وآله وسلم: (أول شخص يدخل الجنة فاطمة) عليها السلام. (5)

ظلامات الزهراء عليها السلام:

لقد حثنا الله عليها في كتابة بقوله تعالى: {قل لا اسئلكم عليه اجر الإ المودة في القربى} صدق الله العظيم.(6)

وهنا أوجه سؤالي إلى النبي الأكرم (ص) هل عرف أصحابك قدر وحق ومنزلة الزهراء عليها السلام بعد أن فارقتهم؟ أم أنهم تجاهلوا آيات القران والسنة المطهرة التي تحثهم على التمسك بأهل البيت عليهم السلام!

و يظهر هذا جليا في ما صنعوه بعد أن فارقتهم, إنهم ظلموا الزهراء عليها السلام, وكسروا ضلعها (7) وعصروها بين الحائط والباب, واسقطوا المحسن من بطنها.(8)

وغصبوا حق بعلها في الخلافة , والتهديد بحرق بيتها بمن فيه ,وحرق باب بيت الزهراء عليها السلام.(9)

وعندئذ أخذت الزهراء عليها السلام تخاطب أبيها محمد (ص) وتشتكي إليه وتقول:

(يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب و ابن أبي قحافة)!.

ويظهر هذا الانقلاب واضحا في قوله تعالى {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} صدق الله العلي العظيم. (10)

كما أنهم منعوا الزهراء عليها السلام من ابسط حقوقها وهو البكاء على أبيها محمد صلى الله عليه واله وسلم بقولهم لها قد آذيتنا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف.(11)

فدك في التاريخ:

فدك (قرية بخيبر بناحية الحجاز فيها عين ونخل أفاءها الله على نبيه محمد صل الله عليه واله وسلم) النحلة التي خصها بها الرسول محمد صل الله عليه واله سلم لفاطمة في حياته. (12), بأمر رباني في محكم كتابه قال تعالى: {فات ذا القربى حقة} صدق الله العظيم. (13)

وقال تعالى: {وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} صدق الله العظيم. (14) أي يا محمد أعطي فاطمة عليها السلام فدكا, وفعلا امتثل الرسول الأكرم للأمر الرباني, وأعطاها لأبنته فاطمة الزهراء عليها السلام. (15) وكانت في يد فاطمة الزهراء إلى أن توفي رسول الله صل الله عليه واله وسلم , فأخذت منها بالظلم والقهر وبكل ألوان الاستبداد ,وبكل ما تحمله الكلمة من معاني ألاغتصاب و العدوان من طواغيت الظالمين , ولكن وقفت فاطمة الزهراء عليها السلام تلقي خطابها في مسجد أبيها بالمدينة, والذي هًز المدينة بمن فيها, ,وأقام قيامتها على الظالمين المغتصبين, ولتبين للتاريخ بأسره أنّ الخلافة التي تقوم بالاعتداء على أملاك رسول الله ومخالفة وصاياه والابتعاد عن كتاب الله و سنته, ليست امتداداً للرسول (ص) وإنما هي مخالفة للدين والرسالة المحمدية.

وكان خطاب الزهراء عليها السلام لطمه على وجوه الظالمين والمستبدين ووقوفا أمام الظلم وتعريته بكل أنواعه, وقبل هذا فأن الزهراء عليها السلام قدمت الشهود لإثبات حقها في فدك ولكن الخليفة الأول والثاني ردوا الشهود بحجج واهية لأبعادها عن حقها في فدك ثم أن الزهراء خاطبت القوم بقولها: (إن لم تعطوني على أنها نحلة من أبي محمد (ص) إذن فهي ملكي بالإرث).

عندئذ ادعو على الفور حديثاً على لسان النبي الأكرم يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا ديناراً..) لإسقاط حق الزهراء عليها السلام وإبعادها عن المطالبة بحقها بفدك بستار ديني بحيث يسكتوا القوم ويقنعونهم بأن هذه المطالبة تخالف السنة النبوية, وهذه فرية مفضوحة بلا ريب ,وكل ذي عقل يستطيع دحرها وإسقاطها لأنها تنافي القران والسنة المطهرة, والعجب العجاب أن الخليفة الأول لم يصادر بيوت النبي من أزواجه إن صح هذا الحديث المكذوب , واني أتعجب من أن هذا الحديث لم يسمع به أهل بيت النبي (ص)! فكيف سمع به الخليفة الأول والثاني؟ و كيف يمكن أن يأتي الرسول (ص) بحديث يعارض نصّ القرآن؟ ولكن الزهراء عليها السلام ردت على هذه الفرية بقولها:

(سبحان الله! ما كان رسول الله (ص) عن كتاب الله صادفاً ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتّبع أثره ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور؟)

إن الزهراء عليها السلام أظهرت وبقوة فرية وأكذوبة هذا الحديث, ووضحت أن أبيها أعلم الناس بالقران.

فكيف يأتي بحديث يعارض نص القران! ثم أن الزهراء عليها السلام وجهت خطابها إلى أبي بكر في خطبتها بقولها:

بابن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟! لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم) إذ يقول: {وورث سليمان داود }.(16)وقال تعالى: {فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب} صدق الله العظيم.(17) وغيرها من السور الكريمة.

وهنا ترسخ معنى الآية الكريمة لقول الله تعالى: {أفلا يتدبرون القران أم على قلوب أقفالها}.(18) على الخليفة الأول والثاني و ولذلك فان الزهراء وبعد اليأس من الخليفة وزمرته نادت وقالت:

(فنعم الحكم الله، والزعيم محمّد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون).

إنفاقها في سبيل الله:

كانت الزهراء عليها السلام من أكثر الناس زهدا وورعا وتقوى بحيث لم تكن من النوع الذي يقيم لحطام الدنيا أي وزن والدليل على ذلك أنها تصدقت بعقدها المبارك و أهدت حتّى ثياب عرسها لسائلة مسكينة ليلة الزفاف ,وكانت تلبس أرذل الثياب وتتصدق بملابسها الجديده لفتيات المدينة الفقيرات , هذه هي الزهراء سلام الله عليها في زهدها وأنفاقها, وقد شهد القرآن لها ولألها في سورة (الإنسان) بالإيثار في سبيل الله ولو كان بهم خصاصة.

عبادتها:

روى الإمام الصادق (عليه السلام) بسنده إلى الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) انه قال:

(رأيت أمي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعة فلم تزل راكعة وساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعوا لنفسها بشيء فقلت لها: يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت يابني الجار ثم الدار).

وعن الحسن البصري: ما كان في هذه الامة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورّم قدماها, فأين نحن اليوم من عبادة الزهراء عليها السلام؟

استشهادها:

إن الزهراء عليها السلام فارقت الدنيا بلوعتها وحزنها وآلمها وهي واجدة على الخليفة الأول, ولم يؤذن لأبي بكر لحضور جنازتها, ودفنت ليلا.(19)

ولكني أريد أن أسال الأمام علي عليه السلام سؤالا لم أجد له جوابا إلى الآن.

على أي جنب وضعت سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء عليها السلام في قبرها على الضلع المكسور أم الضلع الثاني؟

وبقي قبرها سلام الله عليها مخفيا ولغز مجهولا حتى يظهر ولدها المهدي عليه السلام فيزورها ويبارك لنا الله بزيارتها.

عفافها وحجابها:

وحين سُئلت عليها السلام أي شيء خير للنساء أجابت:

(وخير لهن أن لايرين الرجال ولا يراهن الرجال).

كما ينبغي للمراة أن تلزم قعر بيتها. وأركز على مسالة الحجاب لأن الحجاب يعد رمز جهاد المراة ونورها وهيبتها وشخصيتها.

(اللهم أني أسألك بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تفعل بي ما أنت أهله ولا تفعل بي ما أنا أهله)(20).

اللهم صل على القران الناطق فاطمة الزهراء ,المكسورة ضلعا, والمجهولة قدرا , والمدفونة سرا, حبيبة نبيك المصطفى, وأم أحبائك وأصفيائك, التي انتخبتها وفضلتها, واخترتها على نساء العالمين وسلم تسليما كثيرا.

____________

(1) أوردة ابن بابويه بسند معتبر عن الإمام الصادق (عليه السلام).

(2) ألأحزاب:33.

(3) كشف الغمة: 1 | 467، الفصول المهمة: 128، ونزهة المجالس2/228.، أورده الشبلجني في نور الأبصار:52.

(4) سفينة البحار: 2 | 37.

(5) أوردة الذهبي في ميزان الاعتدال.

(6) الشورى:23.

(7) أوردة سليم بن قيس في كتابه:ج2ص864 ضمن ح48.

(8) أورده الذهبي في ميزان الاعتدال:ج1 ص139 رقم 552. وأورده ابن حجر في لسان الميزان: ج1 ص292 رقم 825 , وأورده الصفدي في الوافي بالوفيات:ج5 ص347 , وأوردة الشهرستاني في الملل والنحل:ج1 ص57.

(9) أوردة البلاذي في أنساب الأشراف:ج1ص586ح1184(ط.دار المعارف),أوردة عمر رضا كحالة في أعلام النساء:ج4ص114,أوردة أبن سليم بن قيس في كتابة:ج2ص584 ضمن ح4,أوردة المسعودي في إثبات الوصية:ص123.

(10)آيه 144 سوره آل عمران.

(11) الخصال:272ح15,عنه البحار:43/155ح1وج146/109ح2,الأمالي للصدوق:121,عنه البحار:43/155 ملحق ح1,ج46/109 ملحق ح2,مناقب أبي طالب:3/322.

(12) مجمع الزوائد:9/49,فتوح البلدان:42(ط. مكتبة الهلال),شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1/198, تاريخ أبي الفداء:1/168,أعلام النساء:4/116.

(13) الروم: 38.

(14) الإسراء:26.

(15) لسان العرب:10/203,شواهد التنزيل:1/438ح467,ورواه فرات في تفسيره:239ح323البرهان: 3/264ح3 ,الدر المنثور:2/158وج273,روح المعاني:5/85.

(16) النمل:16.

(17) سورة مريم: 5-6.

(18) سورة محمد:24.

(19) صحيح البخاري:5/177 (ط.دار إحياء التراث العربي_بيروت). السنن الكبرى للبيهقي:6/300(ط.دار صادر_بيروت.تاريخ الأمم والملوك للطبري 2/448(ط.منشورات مؤسسة الاعلمي).كفاية الطالب للكنجي الشافعي:225(ط.الغري)عنه إحقاق الحق:10/479,السنن الكبرى للبيهقي:4/29(ط.حيدر اباد).

(20) قبسات من حياة الأستاذ المر عشي النجفي رحمه الله: ص 124.