فاطمة الزهراء (ع)..قدوة الأمـة وامتحانها

الحديث عن فاطمة الزهراء (ع) يحتل مكانة متميزة دون سائر النساء، ليس لأنها بضعة رسول الأمة (ص) فحسب وإنما للمثالية الواقعية للمرأة المسلمة التي نشأت في أحضان الرسالة الإسلامية الفتية في مجتمع كانت تسوده معتقدات الجاهلية بكل ما تحمله من تخلف وهوان، وبالتالي فأي بروز لهكذا شخصية يستوجب نظرة تحليلية لكل الأبعاد السياسية والاجتماعية التي مرت بها الأمة وتأثيراتها المباشرة لنشوء الشخصية فضلاً عن المستوى التأثيري المباشر لتيار الدعوة التي يتصدرها الرسول الأكرم (ص) في شخصية الزهراء (ع).

التيار الذي تصدره الرسول (ص) في زمن الظلمة بإرادة ربانية عظيمة وتعاليم تربوية سامية مخالفة للحياة القبلية الهمجية كفيلة بأن يكون نتاجها تلك المرأة الجليلة من التقى والنقاوة المحفوفة بأسمى القيم الإنسانية والأدب الإلهي الذي احتضنه أبوها (ص) كأسوة للبشرية جمعاء، ومن أم راجحة العقل وسيدة الموقف في تلك المرحلة التغيرية لتطل علينا بسيدة نساء العالمين نشأت ونبراساً يقتدى به.

فالمتطلع لتاريخ الزهراء (ع) يجدها متفردة الأدوار كبنت وزوجة وأم تهتدي به الأمم جمعياً نظرا لسعة الاحتـذاء المثـالي الذي تعمقت فيه فاطمة الزهراء (ع) لتكـون (أم أبيها) في أقسى المواقف والظروف، بل مرجع الأمل النفسي الذي يذيب كل معوقات التبليغ الرسالية والمشقات الحياتية الصعبة، حتى تصل المنزلة إلى رضا الرسول (ص) للأمة من خلال رضاها (ع)..

وما تمنى غيرها نسلاً ومن يلد الزهراء يزهد في سواها هذه العلاقة التي نستنتجها في الكثير من الروايات عن الرسول الأكرم (ص)، تشير إلى متانة تعلق الزهراء (ع) بأبيها (ص) في الكثير من المواقف التي لا يسعفنا المقام لذكرها، لكن المستوى الإجمالي يشير بقرب الزهراء وأسرتها التي تضم علياً والحسن والحسين (ع) بمكانة لم يصل إليها أحد في نفس الرسول (ص)..ولذلك فإن وقع الوداع للرسول (ص) يفتح صفحة حزينة وأسى أليم في مكنونات الزهراء (ع) لأن منزلة العزة التي احتضنتها أبان وجوده لا تعوض بكل المقاييس، وبغض النظر عن حقيقة الأمر الذي فرق الأمة بعد رحيل نبيها (ص)..

إلا أن وقعا كهذا يثير مأساة لا تحسد عليها أي أمة، فما بالك لو كان وقع الألم مباشراً لبضعة الرسول (ص) التي شهدت النزاع بل تطاولت هذه الأزمة للنيل منها (ع).

نعم.. فخيار الخلافة استوجب اتخاذاً لمواقف سياسية نالت من الزهراء (ع) مباشرة في حقها الشرعي المتمثل في (فــدك)، لأن هذا الحق لم يكن ليثار كإرث أو ملك وحسب، ولكن للمدى السياسي والاقتصادي المؤثر لموقف خيار الخلافة التي استقبلته الأمة بعد رحيل الرسول الأكرم (ص).

هذه الوقعة المحرجة التدوين أو تحليلاً في تاريخ صدر الإسلام ـ بأي حال، كانت ضرورية لطرف تهاون في الأثر النفسي الذي شدد عليه الرسول (ص) من جهة، وحاجة ماسة للطرف الهاشمي الذي وجدها فرصة لتعبير الأحقية أمام الأمة من جهة أخرى..

غير أن تحليلاً للموقف يستوجب نظرة في الاعتبارات التالية:

1. حيازة الزهراء (ع) لفدك ميزة معنوية يستفيد منها الطرف الهاشمي المعارض لخيار الخلافة، كما يشير إلى المكانة المعنوية المعتبرة عند الرسول (ص) التي قد تضعف طرف الخلافة.

2. حيازة الهاشميين لفدك وسيلة اقتصادية لتحسين أوضاعهم فضلاً من أي دعم مادي الذي بالإمكان أن يلعبوه كما كان حال أموال السيدة خديجة (ع) في مطلع الدعوة الإسلامية.

3. حيازة فدك واجهة سياسية لسلسلة من المطالب التي سينفذ منها الطرف الهاشمي الذي ستشتد شوكته، وبالتالي فإن مواجهة ممكنة أن تحدث بعد ذلك.

عموماً فإن اعتبارات أخرى مرتبطة جعلت من حدة الخلاف أن تتسع لمصلحة الخلافة التي خففت من دور الزهراء (ع) وشخصيتها، بل وتجاهلت الوقع النفسي والمعنوي الذي نشأ مع بضعة الرسول الأكرم (ص) حتى التحقت بالرفيق الأعلى.. مخلفة أثر ذلك الحزن في كلماتها:

.. أصبحت والله عائفة لدنياكم قالية لكم..، فقبحاً لفلول الحد.. وقرع الصفاة وصدع القناة وخطل الآراء وزلل الأهواء..