
قال الله تعالى: {والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم}(التوبة: 61) و قال النبي، صلي الله عليه و آله:
فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها و يؤلمني ما يؤلمها، و يقبضني ما يقبضها و يريبني ما يريبها... يسوؤني ما يسوؤها... يغضبني ما يغضبها.... و قال، صلي الله عليه و آله و سلم، مخاطبا إياها:
إن الله يغضب لغضبك و يرضي لرضاك.
من الحقائق التاريخية التي لا تخفي علي الباحث في تاريخنا الإسلامي، الحوادث التي وقعت في السنة العاشرة من الهجرة المباركة و بعدها، قبيل ارتحال النبي الأعظم، صلي الله عليه و آله، الى الرفيق الأعلي، سيما تلک الوقائع المؤلمة التي وقعت بعد ارتحاله، صلي الله عليه و آله، من استبداد حزب سياسي هدفه السيطرة علي قيادة الامة، والوصول الي الحكم، والتغلب علي الأمر!
إن ما نسب الي هذه الفئة من ارتكاب الجرائم الفظيعة والمظالم الشنيعة، التي كان أفظعها منعهم الحكومة الشرعية المنصوصة، من إدارة الأمور، و قلبهم نظام الحكم و الإدارة الذي عينه النبي، صلي الله عليه و آله، و أخذ منهم البيعة عليه في غدير خم، و نصّ عليه في مناسبات كثيرة، مثل يوم الإنذار و غيره، و غصبهم حقوق سيدة نساء العالمين کفدك و ما نحلها النبي، صلي الله عليه و آله، امتثالاً لأمر ربه تعالي، و ضربهم و لطمهم إياها و إسقاطهم جنينها السبط الثالث لرسول الله، صلي الله عليه و آله، حتى هجرتهم، و بقيت غاضبة عليهم تدعو عليهم بعد کل صلاة حتى التحقت بأبيها، صلي الله عليه وآله، مظلومة مضطهدة، عليها السلام.
إن کل ما نسب اليهم من أمور ارتکبوها في ظلم الصديقة الزهراء، عليها السلام، و امير المؤمنين، عليه السلام، امورٌ تقع حسب العادة في مثل تلک الظروف القاسية، من أولئک القساة!
و إن ما نقل عنهم و وصل الينا من أعمالهم الإرهابية لهو أقل مما يقع في مثل تلک المواقف، و الإنقلابات و المؤامرات السياسية!
فالقوم أرادوا أمراً عظيماً! أرادوا تغيير المسار الذي عينه رسول الله، صلي الله عليه و آله، للأمة، و نص عليه مرة بعد مرة، و کرة بعد کرة، و هم يعلمون بأن ذلك لا يتم لهم إلا باضطهاد بني هاشم واستضعافهم و استضعاف الامة باستضعافهم، وكسر هيبتهم و موقعهم المنيع بين الناس، سيما فاطمة الزهراء، عليها السلام، التي هي سيدة نساء العالمين، و البقيّه الباقية، و البنت الفريدة الوحيدة للرسول الأعظم، صلي الله عليه و آله!
فالذين تراهم لم يحفظوا الرسول، صلي الله عليه و آله، في بنته العزيزة، فما ظنک بسائر الناس!! و قد كان رأسهم جاداً في تهديده لأهل البيت، عليهم السلام، و من معهم من المعتصمين في بيت علي و فاطمة، عليهما السلام، الرافضين للدخول في مؤامراتهم، الممتنعين عن بيعة أبي بكر، کان جاداً في تهديده بحرق البيت الشريف بمن فيه عليهم، و فيه أخ الرسول و بطل الاسلام والخليفة المنصوص عليه، عليه السلام، و فيه سيدة نساء الجنة، عليها السلام، وابناهما سيدا شباب أهل الجنة، عليهما السلام.
و قد دخل رئيسهم البيت مع جلاوزته الجفاة الطغاة فوقع ما وقع من الضرب وإسقاط الجنين، و غير ذلك مما لم يحفظ عنهم.
و بالجملة لا يشك المطلع علي التاريخ أن ما نسب اليهم من ضربها، عليها السلام، و إسقاط جنينها العزيز و غصب حقها، كلها من الأمور التي تقع في مثل تلک الظروف، و أنهم لم يكن يتم لهم ما أرادوا إلا بمثل هذه الأفاعيل الشنيعة.
و کل هذا الذي ليس إلا بعض مظالمهم التي هي ثابتة عند الشيعة، بل وغيرهم، و المشهورة بينهم، و المدونة في کتبهم من القرن الأول في مثل كتاب سليم بن قيس، رحمه الله، الي زماننا هذا القرن الخامس عشر. بل هي مشهورة مذكورة في قصائد الشعراء الأبرار و قد أرسلوها أرسال المسلمات، مع أن نقل هذه الوقايع ممنوعاً من قبل الحكومات بأشد المنع بحيث لا يمكن لرواتها نقلها إلا سراً.
و هذا الشيخ كاشف الغطاء، قدس سره، يقول في مطلع مقالته (فاطمة الزهراء، عليها السلام) التي أشرتم اليها، ما هذا لفظه:
« طفحت و استفاضت كتب الشيعة من صدر الاسلام والقرن الأول مثل كتاب سليم بن قيس و من بعده الي القرن الحادي عشر و ما بعده، بل و الي يومنا، كل كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمة و أبيهم الآية الكبرى، و أمهم الصديقة الزهراء، صلوات الله عليهم أجمعين، و كل من ترجم لهم وألف كتاباً فيهم، أطبقت كلمتهم تقريباً أو تحقيقاً في ذكر مصائب تلك البضعة الطاهرة، فإنها بعد رحلة أبيها المصطفي ضرب الظالمون وجهها و لطموا خدها، حتي احمرت عينها و تناثر قرطها، و عصرت بالباب حتي كسر ضلعها و أسقطت جنينها، و ماتت و في عضدها كمثل الدملج!
ثم أخذ شعراء أهل البيت، سلام الله عليهم، هذه القضايا و الرزايا و نظموها في أشعارهم و مراثيهم، و أرسلوها إرسال المسلمات، من الكميت (توفي 126 هجرية) و السيد الحميري (توفي 179) و دعبل الخزاعي (توفي 210) و النميري (توفي 245) و السلامي (توفي 236) و ديكا لجنّ (توفي 293)...
و من بعدهم و من قبلهم الي هذا العصر، و توسع أعاظم شعراء الشيعة في القرن الثالث عشر و الرابع عشر الذي نحن فيه كالخطي و الكعبي والكواز، و آل السيد مهدي الحليين و غيرهم ممن يعسر تعدادهم و يفوت الحصر جمعهم و آحادهم.
و كل تلك الفجائع و الفظائع و ان كانت في غاية الفظاعة والشناعة، و من موجبات الوحشة والدهشة، و لكن يمكن للعقل أن يجوِّزها، و للأذهان و الوجدان أن يستسيغها، وللافكار أن تقبلها و تهضمها، ولا سيما و أن القوم قد اقترفوا في قضية الخلافة و غصب المنصب الإلهي عن أهله ما يعد أعظم وأفظع» انتهي.
و أقول: من أدل الدليل علي وقوع ذلک استقرار الحكم لهم، والحديث عن ذلك طويل.
امّا، ما في كتاب الإرشاد لشيخنا الأقدم المفيد، رضوان الله تعالي عليه، فهو كالنص في وقوع تلك المصائب الجليله و الوقائع الفظيعه، فهو في تأليفه كتاب الإرشاد لم يقصد إلا ذكر فضائل أهل البيت و إثبات مناقبهم و مقاماتهم، عليهم السلام، و أنهم هم الذين يحب علي الأمة الإئتمام و الإقتداء بهم و اتباعهم، وأخذ العلم عنهم، والإهتداء بهم، فهم الأئمة الذين هداهم الله بهداه، و جعلهم هداة الناس، والذين أورثهم الله علم الكتاب، واصطفاهم من عباده، ولم يرد، رحمه الله، في هذا الكتاب الرد الصريح علي مخالفيهم و غاصبي مقاماتهم و بيان مطاعنهم الكثيرة، و لكنه لم يملك نفسه في المقام فأشار بهذه العبارة الي ما صدر بالنسبة الي سيدة نساء العالمين، سلام الله عليها، و لم يزد علي ذلك لئلا يخرج عن أسلوب كتابه.
و إلا فأنا لا أشك أن قصده بقوله « و في الشيعة من يقول» نفسه و جميع أصحابه وشيعة أهل البيت، عليهم السلام، و تعبيره في المقام من ألطف التعابير و هو دليل علي حكمته و ذكائه و إدانته للقوم بمظالمهم و جرائمهم الكبيرة، و تسبيبهم إسقاط الجنين المقدس، و ضربهم للزهراء، عليها السلام.
و أما الشيخ كاشف الغطاء، رحمه الله، فاستبعاده لذلك أسلوبٌ في استعظام هذه الجرائم بحق شخصية فريدة وحيدة لا تقابل في الفضائل والمناقب و المقامات المعنوية بأحد من هذه الأمة، و يمکن أن يکون استبعاده صدور هذا الجرائم من الذين صدرت منهم أسلوباً مجازياً أيضاً، أما إن کان حقيقاً فهو ليس في محله!
أليسوا هم الذين أرادوا قتل النبي، صلي الله عليه و آله؟! أليسوا هم الذين منعوا النبي، صلي الله عليه و آله، من كتابة وصيته؟!
ألم يقل عمر كلمته الخبيثه التي كان ابن عباس يتذکرها و يبكي و يقول:
الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله، صلّي الله عليه و آله و سلم، و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب؟!
أليس منهم خالد بن وليد، الذي قتل مالك بن نويرة الصحابي المسلم و زني بزوجته؟!
أفيستبعد ذلك بعد ما ارتكب معاوية المظالم الكبيرة؟!
و بعد قتلهم سيد شباب اهل الجنة الحسين، عليه السلام، و أصحابه و أنصاره و أسر أهل بيته آل بيت رسول الله، صلي الله عليه و آله؟! و بعد واقعه الحرة و غيرها مما سود صحائف التاريخ....؟!!
ثم إن هذا الشيخ الجليل، رحمه الله، نص كما تقدم علي اتفاق الشيعه وعظمائهم و شعرائهم على صدور هذه الجنايات من القوم، و كل استبعاده إن صح يخص لطم خد الزهراء، و مس يد الاجنبي لوجهها، عليها السلام، لكن كأنه نسي أن ما صدر منهم بالنسبة الى الإمام الحسين سيد الشهداء، عليه السلام، و أهل بيته و أصحابه لم يكن في الفظاعة والقباحة أقل من ذلك!
و ماذا ينتظر من فظ غليظ القلب، يقال إنه وأد ستاً من بناته في الجاهلية بقسوة شديدة فظيعة، فليس للإستبعاد هنا قيمة و لا محل. {و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون} و لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.