فاطمة الزهراء (عليها السلام)
سر الأسرار و منبع الأنوار

سلام على الزهراء البتول، سلام على نفحات عطر الرسول، سلام على زوج فحل الفحول، سلام على أم الشهيد المقتول، سلام على الطاهرة المطهرة، سيدتي أعذري قلمي لتقصيره لأنكِ بحرٌ لا يبلغ قراره و نورٌ لا يسبر أغواره وعزائي أن ما لا يدرك كله لا يترك جله، وكفاني فخراً أني تشرفت بالكتابة عن سيدة النساء العالمين راجياً من الله القبول والتسديد.

قد لا يجد المرء في كثير من المواقف كلام يقوله وخاصة في حال الانبهار وكيف لا ينبهر مثلي وهو يقف بحضرة سيدة النساء (ع) التي خصها الله بالذكر في محكم التنزيل بآيات محكمات تعظيماً لشأنها وإظهاراً لفضلها ونتشرف بذكر بعضها: قال تعالى { أنا أعطيناك الكوثر } في ولادتها سلام الله عليها والكوثر هو الخير الكثير، ولا بأس بذكر رواية عن تسميتها بفاطمة عن أبي جعفر (ع) قال: { لما ولدت فاطمة (ع) أوحى الله إلى ملكٍ فأنطق به لسان محمد (ص) فسماها فاطمة ثم قال إني فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث ثم قال أبو جعفر (ع) والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث في الميثاق } الكافي ج1 ص460، وقال تعالى: { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً } وهنا أراد المولى جلت قدرته أعلان حقيقة لا لبس فيها وهي عصمة أهل البيت وسيدة آل محمد فاطمة الزهراء (ع) المعصومة من الزلل المصونة من الخطأ التقية الورعة العابدة سلام الله عليها، وبعد الطهارة والعصمة قال تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى } وأما آية المباهلة فقد أظهرت عظيم الشأن وجلالة القدر لهذه المرأة العظيمة عندما خرج رسول الله (ص) وأخرج معه الأمام علي (ع) وفاطمة الزهراء (ع) والحسن والحسين (عليهما السلام) في مباهلة نصارى نجران فقال تعالى: { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع' أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } والرسول الكريم لم يخرج زوجاته ولا واحدة من نساء المسلمين بل أخرج فاطمة (ع) من دون كل النساء ليؤكد على خصوصية من السماء لها من دون كل النساء ولكرامتها على الله (جلت قدرته).

وبعد أن بينا فضلها وذكرها في القرآن الكريم لابد لنا من بيان ذكرها في أحاديث النبي (ص) وأهل البيت (ع) قال أبو عبد الله الصادق (ع) في قول الله تعالى: { الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاةٍ (فاطمة ع) فيها مصباح (الحسن ع) المصباح في زجاجةٍ (الحسين ع) الزجاجة كأنها كوكبٌ دري (فاطمة ع كوكب دري بين نساء أهل الدنيا) يوقد من شجرةٍ مباركةٍ (إبراهيم ع) زيتونةٍ لا شرقية ولا غربية (لا يهودية و لا نصرانية) يكاد زيتها يضيء' (يكاد العلم ينفجر بها) ولو لم تمسسه' نارٌ نورٌ على نورٍ (إمام بعد إمام) يهدي الله لنوره من يشاء (يهدي الله للأئمة من يشاء) ويضرب الله الأمثال للناس } أصول الكافي ج1 ص195، ومن أسرارها (ع) روي عن يزيد بن عبد الملك عن أبيه عن جده قال: { دخلت على فاطمة (ع) فبدأتني بالسلام ثم قالت ما غدا بك، قلت طلب البركة، قالت أخبرني أبي وهو ذا أنه من سلم عليه وعليّ ثلاثة أيام أوجب الله له الجنة، قلت لها في حياته وحياتك، قالت نعم وبعد موتنا } الوسائل ج14 ص368.

وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) قالا: { إن فاطمة (ع) لما أن كان من أمرهم ما كان أخذت بتلابيب عمر فجذبته إليها ثم قالت أما والله يا ابن الخطاب لولا أني أكره أن يصيب البلاء من لا ذنب له لعلمت أني سأقسم على الله ثم أجده سريع الإجابة } الكافي ج1ص460.

ولولا الخوف من الإطالة لذكرت المزيد من الروايات في أنوارها وأسرارها (ع) وهي سلام الله عليها ولدت في عشرين جمادى الآخر بعد مبعث رسول الله (ص) بخمس سنين وتوفيت ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً وبقيت بعد أبيها (ص) خمسة وسبعين يوماً، وروي عن أبي عبد الله (ع) قال: { إن فاطمة (ع) مكثت بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوماً وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان يأتيها جبرائيل (ع) فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها وكان علي (ع) يكتب ذلك } الكافي ج1، ودلت الروايات على شهادتها ومنها هذه الرواية عن أبي الحسن (ع) قال:

{ إن فاطمة (ع) صديقة شهيدة وإن بنات الأنبياء لا يطمثن } الكافي ج1 ص 458.

والحديث عن وفاتها ذو شجون ووجدت الرجوع لأهل البيت ليرووا لنا هذا الحدث أصدق وأبلغ فعن أبي عبد الله الحسين بن علي (ع) قال: { لما قبضت فاطمة (ع) دفنها أمير المؤمنين سراً وعفا على موضع قبرها ثم قام فحول وجهه إلى قبر رسول الله (ص) فقال السلام عليك يا رسول الله عني والسلام عليك من أبنتك وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي إلا أن لي في التأسي بسنتك في فرقتك موضع تعزّ فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت نفسك بين نحري وصدري بلى وفي كتاب الله لي أنعم القبول إنا لله وإنا إليه راجعون قد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة وأخلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله أما حزني فسرمد وأما ليلي فمسهد وهم لا يبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم كمدٌ مقيحٌ وهمٌّ مهيجٌ سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك أبنتك بتظافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليلٍ معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين، سلام مودعٍ لا قالٍ ولا سئمٍ فإن انصرف فلا عن ملالةٍ وأن أقم فلا عن سوء ظنٍّ بما وعد الله الصابرين، واه واهاً والصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية فبعين الله تدفن أبنتك سراً وتهضم حقها وتمنع إرثها ولم يتباعد العهد ولم يخلق منك الذكر وإلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك وعليها السلام والرضوان } الكافي ج1.

وعن المفضل عن أبي عبد الله (ع) قال: { قلت لأبي عبد الله (ع) من غسل فاطمة (ع) قال ذاك أمير المؤمنين وكأني استعضمت ذلك من قوله فقال كأنك ضقت بما أخبرتك به قال فقلت قد كان ذاك جعلت فداك فقال لا تضيقنّ فإنها صديقة ولم يكن يغسلها إلا صديق أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا عيسى } الكافي ج1.

وعن موضع القبر فقد اختلف فيه فالبعض يقول بالبقيع والبعض يقول بين القبر والمنبر وذكرت رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: { سألت الرضا (ع) عن قبر فاطمة (ع) فقال دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد } الكافي ج1 ص461.

فسلام عليها يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا.