
سر العظمة في شخصية الزهراء عليها السلام
كلنا وبحسب الفطرة يسعى للرفعة والكمال ويطلب المجد والعظمة واعني (بكلنا) كل بني البشر وحتى السارق والكاذب يسعيان للكمال!
حيث أن السارق يرى كماله وعظمته في المال ويعتبره كعبة الآمال فيبذل كل جهده ووقته في طلبه وجمعه وبمختلف الوسائل فهو وبحسب نظره كلما جمع مالاً ارتقى كمالاً..
وكذا الكاذب هو انما يكذب ليغطي النقص ويظهر بمظهر الكمال وكذا طالب الجمال..
كل هؤلاء لو رجعوا إلى فطرتهم لوجدوا أن الذي سعوا إليه ليس هو الكمال الحقيقي بدليل انهم إذا رأوا ما هو أكمل منه ركضوا إليه ثم ما يلبث هذا الأخير أن ينتهي في زمنٍ ما أو مكان ما لينتقلوا إلى ما هو أكمل منه وهكذا.
فليس هذا كمال وليست هذه عظمة فعظمةٌ يحدها الزمان ويؤطّرها المكان ما هي إلا عظمة مؤقتة زائفة (1) فمن هو العظيم؟
نعم هو ذلك الطامح دائماً إلى الكمال غير المحدود والعظمة اللامتناهية يشدُّ إليها رحاله على الدوام ولن يجد ذلك إلا عند الكمال المطلق وهو ((الله))..
اسع إليه تعش العظمة والتصق بنهجه يوصلك إلى الكمال والرفعة فمن تنكب عن هذا الطريق وزعم أنه عظيم فقد دخل دائرة الأوهام والزيف، واقرأ التاريخ يطلعك على حقيقة الأمر فأين فرعون وهامان؟ وأين قارون وأين أبوجهل؟ وأين أبو لهب هل أغنى عنه ماله وماكسب؟ ثم ها أنت ترى بعينك النهاية المخزية الذليلة لطاغية العصر الذي كان يعيش عُقدة العظمة الزائفة يربطه جنديان عراقيان بالسلاسل ويقودانه للمحاكمة وهل كان هذان الجنديان يجرأن في السابق أن ينظرا في عين ضابط صغير في حكومة صدام؟!
اذن فاين هي العظمة؟ انه الزيف والسقوط.
وحتى لا أطيل عليك المقدمة اختصرها في قول شاعر يخاطب شخصيةً عاشت عظمة مزيفة وهو معاوية بن ابي سفيان ويُذكّره بشخصية عاشت عظمة حقيقية دائمة وهو أمير المؤمنين (ع) واخذت من قول الشاعر هذين البيتين:
| أين القصـور أبا يزيد ولهـوها | والصافنات وزهوها والسؤددُ |
| قم وارمق النجف الشريف بنظرةٍ | يرتدُ طرفك وهو باكٍ أرمدُ (2) |
والآن فلنعرج على من ادركت طريق العظمة فسلكته ووعت سبيل الكمال فانصهرت فيه فتبلورت عظيمة كاملة حيث:
| شعّت فلا الشمس تحكيها ولا القمر | زهراء من نورها الاكوان تزدهر (3) |
قد ضيّقتم الخناق عليَّ حين حدّدتم الأسطر في الكتابة عن سيدة النساء (ع) ولم تحدّدوا في أي جانب نكتب ولكن الذي جعلني اكتب هو يقيني بأنكم لو لم تحدّدوا الأسطر ما كنا لننتهي من الكتابة عنها وكيف ننتهي ونحن نغوص في محيط زاخر لا يُعرف له ساحل؟
على أية حال وبحسب نظرتي القاصرة وتتبعي الأقصر لحياتها (ع) أرى أن سر عظمة الزهراء (ع) يكمن في بعدين:
البعد الأول: كونها امرأة غير عادية لا تقاس بغيرها.
البعد الثاني: كونها بشر تتعاطى مع الحياة كغيرها.
بامتزاج البعدين تخرج الزهراء العظيمة التي حيَّرت العقول في بعدها الأول، وصارت قدوة كل من يسعى للعظمة في بعدها الثاني..
البعد الأول:
إذا خُضنا غمار هذا البعد أيقنا بتدخل يد الغيب في صياغة روح الزهراء وشخصيتها فالله سبحانه وتعالى خلقها من نور عظمته (4) قبل أن يخلق آدم وهل خلق آدم إلا بسببها؟ ثم هل تاب عليه لولاها؟ (5) بل انه سبحانه خلق الكون بافلاكه وسـماواته وأرضيه ببركتها وارى حديث الكساء (6) يكفيني عبأ السرد والتفصيل فإذا أضفت إلى ذلك أية التطهير (7) وشفعتُها بآية المباهلة (8) أكون قد أنهيت هذا البعد ولكنه لا يريد ان ينتهي فعظمتها أكبر وكمالها أزهر، أليس طعام الجنة هو الذي كوَّن نطفتها (9) لتُصب من أعظم الأصلاب في أطهر الأرحام؟
ولذا ليس هناك من عجب ان تُحدّث الزهراء أمها وهي جنين في بطنها (10) ولن يُستكثر عليها حضور سيدات نساء زمانهن يوم ولادتها (11) فقد شرُفن بها وهي تسقط بل قل تصعد من بطن أمها مشيرة باصبعها ناطقة بالشهادات الثلاث لله بالوحدانية ولأبيها بالنبوة ولبعلها وبنيها بالولاية (12) ثم هل تلام العظيمة الكاملة بعد ذلك اذا رفضت الدنيا كلها مهراً؟ فلا وزن للدنيا في ميزان عظمة الزهراء وكمالها لذلك لم ترضَ إلا بالشفاعة الكبرى مهراً (13) وحق لها ذلك..
وهنا يوقفني عن الاستمرار محدودية السطور لأدخل في البعد الثاني.
البعد الثاني:
هذا البعد جعلها قدوة للرجال فضلاً عن النساء فهي عظيمة محاطة بالعظماء (وهنا تكمن التربية) فأبوها هو العظمة نفسها وبعلها هو نفس العظمة، وأمها أعظم العظيمات فحقَّ لها أن تنجب العظماء: بنـت النـبي ويالها من حرة تلد الاباة وتنجب الشهداء الرافعين على النجوم لواءهم اكرم بمن رفع الخلود لواء (14).
هاهي فاطمة البنت (فليت البنات يقتفين اثرها) تربّت في بيت الوحي والعظمة ورضعت من لبن أمها روح العظمة فعاشت مع أبيها بداية الدعوة وظروفها القاسية رأت قسوة المشركين الاذلاء على أبيها فصبرت كما صبر أبوها وعاشت سنوات الحصار المر في شعب أبي طالب (15).
فاطمة شربت حنان الام والأب ثم سقته أباها بعد موت أمها فصارت بحق (أم أبيها) (16).
ثم هذه فاطمة الزوجة النموذج الرائع لكل امرأة تنشد السعادة والعظمة فها هي تقبل بعلي (ع) زوجاً لها لانه عظيم في دينه وخُلقه وإن كان فقيراً في ماله فلم تجد لعظمتها كفؤاً سوى عظمة علي (ع) فلم يكن المهر مادي القليل سداً – بعد ان كان مهرها الحقيقي الشفاعة – ولا البيت المتواضع ولا الأثاث الاكثر تواضعاً مانعاً لها عن قبول العظيم ابي العظماء (ع) (17) فعاشا معاً نعم الزوج ونعم الزوجة في سعادة ومودة وأُلفة رغم قساوة العيش والفقر ولـخّص أمير المؤمنين (ع) صفة زوجته العظيمة بقوله:
(.... ولا اغضبتني ولا عصت لي أمراً، لقد كنت انظر إليها فتنكشف عني الهموم والاحزان) (18).
ثم هذه فاطمة الأم العظيمة التي أعطت للأمة الكثير حين انجبت العظماء وربّتهم وغذّتهم العظمة فإذا قرأت سيرتهم – حسن وحسين وزينب وأم كلثوم (19) ستُذهل وستسأل من أين جاؤا وكيف صُنعوا؟ عندها ستكون الاجابة:
هي الزهراء، وكفى..
ما ذكرته عن الزهراء يخص النساء وما سأذكره يعم الرجال والنساء فالزهراء نموذج لكل من ينشد العظمة بغض النظر عن جنسه..
عبادتها:
إذا نظرت لها واقفة في محرابها بين يدي خالقها أيقنت انها واقفة تعبُّ من العظمة الإلهية وتنهل من الكمال المطلق حتى تتورم قدماها (20) فلذلك سُخِّر لها كل شيء وسل مهد الحسين من يحركه (21) ومن يطحن بالرحى (22) وهي تعبة نائمة..
وهاهي تتحفنا بذكر الله الكثير تسبيحتها المباركة (23) وتهدينا دعاء النور الشريف (24) وما كانت لتدعو لنفسها بل للمؤمنين والمؤمنات وتقول: (الجار ثم الدار) (25).
من أجل ذلك وغيره جعلها ابوها نور عينه وثمرة فؤاده وروحه التي بين جنبيه (26) وبضعته التي من آذاها فقد آذاه (27).
علمها:
لم تكن ترُد طالبة علم عن بابها وتعمل على نشر العلم في نساء المدينة (28) وكم سؤال يسأله الرسول الأعظم (ص) لم يجدوا اجابته إلا عندها (29) وكفى بـخُطَبِها نوراً للعقول والقلوب وقد تخرجت من مدرستها فضة الناطقة بالقرآن (30) العاملة به (31).
عفتها وحشمتها:
كانت لا تجالس العُمي من الرجال فضلاً عن المبصرين وتقول ان الاعمى لا يرى ولكنه يشم الريح (32) فأين نساؤنا من هذا؟
زهدها:
لم تبلغ الدنيا بما فيها عند الزهراء كعب نعلها فزهدتها وتصبرت على مرارتها لانها كانت تنظر إلى حلاوة الآخرة وعظمتها فهي تنام على الجلد ووسادة الليف (33) وترتدي الكساء المصنوع من الوبر والصوف وتطحن الرحى (34) وكم بذلت من مالٍ (هي احوج إليه) في سبيل الله حتى رسمت لنا قمة الايثار والبذل بعد ذلك وهي لا تريد من بشر جزاءاً ولا شكورا فـتنـزل سورة الدهر (35) إكراماً لها ولأهل بيتها بل وزيادة في اكرامها تذكر السورة نعيم الجنة ولا تذكر الحور ففاطمة الحورية العظيمة لم تترك للحور ذكراً (36).
جهادها:
كما رأيت فكل حياتها جهاد وبذل وعطاء وصبر ولكن قمة جهادها تتجلى في أخر حياتها حين خرجت بدافع التكليف الشرعي التي كانت تعرفه جيداً فخرجت في طريق اداء التكليف الذي اكمل عظمتها ولكن لماذا خرجت؟
خرجت (37) حينما علمت بأن طريق عظمة المسلمين وسر عظمتهم هو رسالة أبيها، وسر استمرار الرسالة وهي الولاية مهددة بالاغتصاب والعزل، وزوال الولاية هو زوال الرسالة وزوال الرسالة يعني الرجوع إلى حياة الذل والخسة والانحطاط من جديد وهذا معنى {فما بلّغت رسالته} (38).
والمدقق في سيرة الزهراء يعرف ان فدكاً ما كانت تعني لفاطمة اشجاراً ولا نخيلاً بل هي نفس الخلافة المغتصبة (39).
إن خروج الزهراء اشعل شعلة لكل المظلومين للمطالبة بحقوقهم وابقتها شعلة دائمة بداوم الايام عندما أصرّت على سِرِّية تشييعها واخفاء قبرها (40) ليتساءل الجميع وعلى مر التاريخ بأن لكل عظيم قبر ومقام فاين قبر هذه العظيمة سيدة نساء العالمين؟ ولماذا أُخفي قبرها؟ وليأتيهم الجواب:
هي طلبت ذلك لانهم اخفوا العظمة المتمثلة في الولاية فأخفت هي قبرها احتجاجاً لتقول ان قبرها سيظهر مع رجوع الولاية إلى أصحابها (41) حين يخرج آخر عظماء أبنائها وينشر العظمة في كل الدنيا (42) فما كل جدٍّ في الرجال محمد ولا كل أم في النساء بتول (43).
وحتى نلملم البحث من أطرافه نُتوِّجُه بمقطع من زيارتها الشريفة التي تحوي بعض مضامين العظمة:
(.... فاطمة بنت رسولك وبضعة لحمه وصميم قلبه وفلذة كبده والنخبة منك له والتحفة خصصت بها وصيه وحبيبة المصطفى وقرينة المرتضى وسيدة النساء ومبشرة الأولياء حليفة الورع والزهد وتفاحة الفردوس والخلد التي شرَّفت مولدها بنساء الجنة وسللت منها أنوار الأئمة وارخيت دونها حجاب النبوة....) (44)
الهوامش والمصادر:
____________
(1) الأربعون حديثاً للأمام الخميني (قدس) ص 178-179 بتصرف.
(2) من قصيدة للشاعر الدكتور محمد مجذوب راجع الملحق لكتاب سياحة في الغرب للقوجاني (مؤسسة النعمان لللطباعة) ص 117.
(3) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 20.
(4) المصدر السابق ص 15 والمقصود أنها واحدة من الأنوار الخمسة.
(5) معاني الأخبار للشيخ الصدوق ص 125 والمقصود أنها واحدة من الأنوار الخمسة.
(6) مفاتيح الجنان للقمي ص 405.
(7) القرآن الكريم سورة الأحزاب آية 33.
(8) القرآن الكريم سورة آل عمران آية 61.
(9) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 26.
(10) المصدر السابق ص 31.
(11) المصدر السابق ص 34.
(12) منتهى الآمال للقمي ج1 ص258.
(13) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 61.
(14) المصدر السابق ص 79.
(15) المصدر السابق ص 48-49.
(16) المصدر السابق ص 50.
(17) المصدر السابق ص 57.
(18) المصدر السابق ص 66.
(19) المصدر السابق ص 69-74.
(20) المصدر السابق ص 110.
(21) منتهى الآمال للقمي ج1 ص 536.
(22) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 112.
(23) المصدر السابق ص 111.
(24) مفاتيح الجنان للقمي ص 166.
(25) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 109.
(26) المصدر السابق ص 109.
(27) علل الشرائع للشيخ الصدوق ج1 ص 185.
(28) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 127-128.
(29) المصدر السابق ص 128 وص 133.
(30) المصدر السابق ص 129-130.
(31) المصدر السابق ص 97.
(32) المصدر السابق ص 133.
(33) المصدر السابق ص 59.
(34) منتهى الآمال للقمي ج1 ص 262.
(35) القرآن الكريم.
(36) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 98.
(37) المصدر السابق ص 159و ص 163.
(38) القرآن الكريم سورة المائدة آية 67.
(39) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 169-الزهراء خير نساء العالمين للشيخ مكارم الشيرازي ص 89.
(40) فاطمة الزهراء المثل الأعلى للمرأة المسلمة للسيد شريف سيد العاملي ص 185.
(41) مقتطفات ولائية للشيخ الوحيد الخراساني في الهامش ص 133.
(42) مجمل سيرة المعصومين للسيد جواد شبر ص 155.
(43) المصر السابق ص 35.
(44) مفاتيح الجنان للقمي ص 404-405، المقصود بذلك آية المباهلة حيث أن أمير المؤمنين (ع) هو نفس الرسول (ص).