الحمد لله رب العالمين , ثم الصلاة والسلام على أشرف المرسلين , حبيب إله العالمين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين , لا سيما الزهراء عليها السلام, أم الأئمة, الكوثر الفياض المتفجر بالإيمان والقرب من الله تعالى , التي أضاءت الأرض بنورها , النورٌ الإلهي النابع عن إرادة الله التكوينية, التي تجلت في الزهراء عليها السلام, بحيث خلقت من نور الله , بحيث أن أصل نطفة الزهراء عليها السلام قد تكوًن في ليلة المعراج من ثمر الجنة, ونرى هذا واضحا في الحديث الشريف ,عن الهروي عن الرضا عليه السلام قال:

قال النبي صلى الله عليه وآله: (لما عرج بي إلى السماء أخذ بيدي جبرائيل عليه السلام فأدخلني الجنة فناولي من رطبها فأكلته فتحول ذلك نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة عليها السلام ففاطمة حوراء إنسية فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة). (1)

فكانت الزهراء عليها السلام علامة وآية من قدرة الله سبحانه وتعالى جمعت كل الفضائل. واستحقت أن تنال أسمى المنازل والمقامات عند الله تعالى.

علة تسمية فاطمة عليها السلام بالزهراء:


شعت فلا الشمس تحكيها ولا القمرزهراء من نورها الأكوان تزدهر

محمد جمال الهاشمي وسميت فاطمة بالزهراء لعلة ألا وهي موجودة في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال:

(ثم أظلمت المشارق والمغرب، فشكت الملائكة إلى الله تعالى أن يكشف عنهم تلك الظلمة، فتكّلم الله جلّ جلاله كلمة فخلق منها روحاً، ثمّ تكلّم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نوراً، فأضاف النور إلى تلك الروح وأقامها مقام العرش، فزهرت المشارق والمغارب فهي فاطمة الزهراء، ولذلك سمّيت الزهراء لأنّ نورها زهرت به السموات).(2)

فما أعظم نور الزهراء عليها السلام , الذي أضاء المشارق والمغارب بقدرة الله تعالى.

إن الأقلام تعجز عن إعطاء الزهراء حقها, والحبر يكل عن ذكر صفاتها, والعقول تحيرت في مكنونها, فكانت كالشمس الضاحية , والقمر المنير, بل هي أعظم من ذلك , لأنها بضعة رسول الله صل الله عليه واله وسلم , وأم أبيها.

من مقامات الزهراء عليها السلام:

أن الله تعالى اختصها بالشفاعه الكبرى, وأنها سيدة نساء الجنّة وسيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.(3), وأنها أم الحسن والحسين سيدى شباب أهل الجنة عليهما السلام وأم العقيلة زينب عليها السلام ويتجلى هذا في الحديث المروي عن أبي أيوب الأنصاري والذي من جملته كان الخطاب لفاطمة عليها السلام... عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

(ومنا سبطا هذه الأمة وسيّدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين وهما أبناك، والذي نفسي بيده منا مهديّ هذه الأمة وهو من ولدك).(4)

وتفتخر الزهراء عليها السلام أنه ليس لها كفؤا إلا سيد الأوصياء وأمير الموحدين علي أبن أبي طالب أي نفس الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم , وأن الله تعالى اصطفاهم بالعصمة والطهارة وأذهب عنهم الرجس.

ويظهر هذا واضحا في قوله تعالى: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} صدق الله العلي العظيم.(5)

كما أن الله تعالى أعطى الزهراء عليها السلام منزلة عظيمة ومقام رفيع, بحيث أصبحت علة الموجودات التي خلقها الباري عز وجل ويظهر هذا في الأحاديث القدسية التي خاطب بها الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

(يا أحمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولولا عليّ لما خلقتك ؛ ولولا فاطمة لما خلقتكما).(6)

بمعنى أن الزهراء عليها السلام أم الأئمة وحلقة الوصل بين الإمامة والنبوة, وتمثل الزهراء عليها السلام وعاء العلوم الربانية, وكان للزهراء عليها السلام مكانه رفيعة عند الله بفضل التسبيح والتقديس والتهليل والتحميد لله تعالى.

وتظهر مكانة الزهراء عليها السلام عند الله تعالى بحيث أن الله تعالى يرضى لرضا فاطمة ويغضب لغضبها عليها السلام , عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يا فاطمة إن الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك). (7)

فأي منزلة وعظيم شان لها عند الله بحيث أن الله قرن رضاه برضا الزهراء وغضبه بغضبها عليها السلام , كما أن الله تعالى أكرم الزهراء عليها السلام لمكانتها عنده بالشفاعة لشيعتها ومحبيها بالنجاة من النار, عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (يا فاطمة أبشري فلك عند الله مقامٌ محمودٌ تشفعين فيه لمحبيك وشيعتك فتُشفعين). (8)

ولنا الفخر إننا من شيعة الزهراء عليها السلام, ومن الناهجين نهجها , والسائرين على خطاها, والمتمسكين بالقران الكريم والسنة المعطرة التي تحثنا على حب أهل البيت عليهم السلام والتمسك بهم.

مظلومية الزهراء عليها السلام:

وماذا عساني أقول في بضعة المصطفى , التي تجرعت من الالام والأحزان غصصا, على يد الطغاة الغاصبين , والحكام المستبدين ,أبناء السقيفة , وشورى اللاشورى, الذين منعوها حتى من إرثها في فدك , وسلبوا نحلتها التي أعطاها الرسول صلى الله عليه واله وسلم بأمر رباني , ونسوا آيات القران المحكمات التي تأمر بذلك , إذ يقول الباري في محكم كتابة: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير * ما أفاء الله على رسوله من أهل القربى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل لكيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم * وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} صدق الله العلي العظيم. (9)

وقوله تعالى: {وءات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل} صدق الله العلي العظيم. (10)

هذه الآيات وغيرها توضح وتبين حق الزهراء عليها السلام في فدك, النحلة التي غصبت منها بعد أبيها المصطفى صلى الله عليه واله وسلم بالظلم والقهر والغلبه.(11)

على الرغم من أن الزهراء عليها السلام قدمت الشهود فجاءت بعلي الذي هو نفس رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , والحسنين سيدي شباب أهل الجنة, وأم أيمن المشهود لها بالجنة, ولكن الخليفة الأول والثاني ردوا شهادتهم بحجج واهية , والعجب العجاب أن مثل هؤلاء ترد شهاداتهم , ثم أن الزهراء عليها السلام طالبت بها على وجه الميراث , ولكن الخليفة الأول نسب حديثا على لسان النبي يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا ديناراً) وبهذا الحديث يكون الخليفة الأول من الذين أفتروا على الرسول صل الله عليه واله وسلم ,لان من المستحيل أن يأتي الرسول صلى الله عليه واله وسلم بحديث يعارض نص القران الذي يقول: {وورث سليمان داود}.صدق الله العلي العظيم.(12) وقال تعالى: {فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من آل يعقوب} صدق الله العلي العظيم. (13).

وغيرها من الآيات الكريمة , ولو صح هذا الحديث المفترى على رسول الله صلى الله عليه واله وسلم , فلماذا نرى أن الخليفة الأول لم يصادر بيوت النبي من أزواجه! وكيف سمع الخليفة الأول والثاني بهذا الحديث ولم يسمع به أهل البيت عليهم السلام؟

ولكن الزهراء عليها السلام ردت على هذا الحديث المفترى بقولها:

(سبحان الله! ما كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم عن كتاب الله صادفاً ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتّبع أثره ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور؟)

ويأتي هذا الانقلاب المتوقع منهم لقوله تعالى: {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين} صدق الله العلي العظيم. (14)

ولا عجب في هذا والزهراء عليها السلام منعت من ابسط حقوقها وهو البكاء على أبيها , ولهذا بنا لها أمير المؤمنين علي عليه السلام بيتا يسمى بيت الأحزان , فكانت عليها السلام لا يهدأ لها أنين ولا يسكن منها الحنين, حزنا على أبيها المصطفى , وألماً على ما جرى بعده , ولم تزودها المصائب التي آلمت بها إلا صبرا وثباتا وأيمانا بالله تعالى, وأستمر بها هذا الحال إلى أن فارقت الدنيا , وخرجت من الدنيا وهي واجدة على الخليفة الأول والثاني ودفنت ليلا , ولم يسمح لهم بحضور جنازتها. (15).

وكان لاستشهاد الزهراء عليها السلام آلما شديد , ولوعه مريرة, وحزن سرمد منذ أن فارقت الدنيا وإلى يومنا هذا , فقد رسمت على عيون وقلوب محبيها ومحبي أهل بيتها الدموع التي تشتكي من لوعة الفراق , وحزنا لما جرى على بضعة المصطفى وثمرة فوأده , التي من أجلها يبكي الباكون ويندب النادبون لما حل بها من مصائب ونوائب.

وفي الختام يجب علينا أن نسال أنفسنا أين نحن من سيرة الزهراء عليها السلام وعلمها وزهدها وعبادتها وتسبيحها وتضرعها لله تعالى!

نسال الله العلي القدير أن يجعلنا من الناهجين خط الزهراء عليها السلام والسائرين على خطاها والمتمسكين بالقران الكريم والسنة المعطرة التي تحثنا على التمسك بأهل البيت عليهم السلام.

اللهم صل على الزهراء الإنسية, المكسورة ضلعا, والمجهولة قدرا, والمدفونة سرا, وكوثر نبيك المصطفى وزوجة وليك المرتضى , وأم أحبائك وأصفيائك, التي انتخبتها وفضلتها على نساء العالمين من الأولين والآخرين وسلم تسليما كثيرا.

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , أيفعل هذا ببنت المصطفى, وثمرة فوأده , وقرة عينه, إنه من هوان الدنيا , ولكن المشتكى إلى الله تعالى , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

____________

(1) بحار الأنوار ج39 باب1 ص4 رواية2.

(2) البحار: 40 | 44، ارشاد القلوب، 403، الفضائل لابن شاذان: 172.

(3) العوالم: 11 | 49، 51.

(4) ينابيع المودة: 436، منتخب الاثر: 192.

(5) ألأحزاب: 33.

(6) فرائد السبطين: 1 | 36 ح 1، عنه غاية المرام: 5 ح 1، ح 15 ح 1 أرجح الطالب: 461.

(7) المناقب: 3 | 106.

(8) كنز الفوائد: 1 | 150.

(9) الحشر: آية 6 ـ 7.

(10) الإسراء: 26.

(11) كشف الغمة ج 1 | ص 476. , وتفسير العياشي 2 | 287 ح 50., وكتاب تأويل الآيات 1 | 435 ح 5، البرهان: 3 | 264 ح 3. ,وتفسير مجمع البيان 6 | 411., وتفسير فرات 239 | ح 323، 322 | ح 437.

(12) النمل: 16.

(13) سورة مريم: 5-6.

(14) آل عمران: 144.

(15) صحيح البخاري: 5/177 , كفاية الطالب للكنجي الشافعي: 225, السنن الكبرى للبيهقي: 6/300.