
رزق النبي (ص) وزوجته الطاهرة خديجة في مكة المكرمة بالزهراء (ع) في يوم الجمعة العشرين من جمادي الآخرة.
لقد ولدت الزهراء (ع) عام 606 م (18 قبل الهجرة)، بينما هناك من يرى أنها ولدت قبل البعثة بستة أشهر، وهناك وجهة نظر أخرى تذهب إلى أن الزهراء (ع) إنما ولدت على أيام النبوة، وليس قبلها، ونجد أن العلماء اختلفوا في مولد الزهراء (ع), وبالتالي فقد اختلفوا في سنها يوم زفت إلى الإمام علي (ع)، وفي سنها يوم أن انتقلت إلى الرفيق الأعلى في الثالث من رمضان عام 11 هـ (أخريات عام 632 م).
ولقد سميت الزهراء (ع) بعدة أسماء منها:
فاطمة والصديقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمحدثة والزهراء (ع) كما كان سيدنا رسول الله (ص) يلقبها بـ « أم أبيها » لحنانها عليه وحبها الدائم، وأما اسمها الأول « فاطمة » فهو اسم لم يكن غريباً عند العرب.
ولدت الزهراء (ع) ونشأت في بيت محمد (ص) وخديجة، وأي أب في تاريخ الإنسانية كلها أعظم وأنبل، وأكرم واشرف من محمد (ص)، وأي أم أرفق وأحن وأشفق من خديجة، ثم سرعان ما أصبح هذا البيت، بيت النبوة والرسالة، ومهبط الوحي والتنزيل، وهكذا تأدبت الزهراء (ع) بأدب أبيها النبي (ص)، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، ومن ثم فقد كانت سيدتنا فاطمة الزهراء (ع)، المثل الأعلى في الخلق الكريم والطبع السليم، وقد اعتنا بها رسول الله (ص) عناية تامة، فكان يثقفها ثقافة إسلامية، ويروضها على الهدي النبوي، والصراط المستقيم، ومن ثم فقد نشأت الزهراء (ع) نشأة كانت المثل الأعلى في الكمال والجلال، فهي إنما تمثل اشرف ما في المرأة من إنسانية وكرامة وعفة وقداسة ورعاية إلى ما كانت عليه من ذكاء وقاد، وفطنة حادة، وعلم واسع، وكفاها فخراً أنها تربت في مدرسة النبوة، وتخرجت في معهد الرسالة، وتلقت عن أبيها الرسول الأمين (ص) ما تلقاه عن رب العالمين، وطبيعي أن الزهراء (ع) تعلمت في دار أبويها، ما لم تتعلمه طفلة غيرها في مكة، بل وفي الدنيا كلها، وصدقت أم سلمه حيث تقول:
« تزوجني رسول الله (ص) وفوض أمر ابنته إلي، فكنت أؤدبها وأدلها، وكانت والله أدب مني، واعرف بالأشياء كلها ».
وكانت تشبه الرسول (ص) فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده عن أنس بن مالك انه قال:
سألت أمي عن صفة فاطمة (ع)، فقالت:
« كانت اشد الناس شبهاً برسول الله (ص)».
واخرج الإمام احمد في مسنده عن أنس بن مالك قال:
« لم يكن احد أشبه برسول الله (ص) من الحسن ابن علي، وفاطمة، صلوات الله عليهم أجمعين».
ولقد تزوجت فاطمة الزهراء بالإمام علي عليه السلام.
بعد وفاة الرسول (ص) انتقل الإرث إلى فاطمة (ع) كان ميراث الزهراء (ع) في الرسول (ص) يتضمن ميراثها فيما تركه رسول الله (ص) ثم فدك التي نحلها إياها رسول الله (ص) ثم نصيبها في سهم ذوي القربى، أما الميراث فلقد طلبت الزهراء (ع) ميراثها من أبيها رسول الله (ص)، فروى أبو بكر عن النبي (ص) انه قال:
« نحن معاشر الأنبياء لا نورث>>.
لم تكن حياة الزهراء (ع) سعيدة بعد انتقال أبيها رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى، ذلك أنها فجعت بوفاة أبيها (ص)، وفوجئت بمنع أبو بكر إياها حقها في فدك، فتأثرت لذلك اشد الأثر وأعظمه فغدت شاكية لا ترى إلا وهي معصوبة الرأس، وطبقا لنبوءة النبي (ص) الصادقة، فسرعان ما لحقت به، فكانت أسرع أهله اللاحقين به، وقد اختلف العلماء في مدة بقائها بعد أبيها (ص)، فقيل أربعون يوما، وقيل خمسة وأربعون، وربما كان ذلك اشتباها بمدة مرضها، وروى الحاكم بسنده عن عائشة أنها شهران، وروى ابن عبد البر في الاستيعاب أنها سبعون يوما، وذهب أبو الفرج الأصفهاني إلى أنها ثلاثة أشهر، لكن المشهور أن الزهراء (ع)، ماتت بعد النبي (ص) بستة أشهر.
وطبقا لرواية الإمام الباقر وعروة بن الزبير، وان وفاتها كان ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة للهجرة (20 نوفمبر 632 م) وبولديها الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، حفظت العترة المحمدية.
وروي عن الإمام جعفر الصادق (ع) عنه قال:
لما قبض رسول الله (ص) ما ترك إلا الثقلين، كتاب الله عز وجل، وعترته أهل بيته، وكان قد اسر إلى فاطمة (ع)، إنها لاحقة به، وإنها أول أهل بيته من اللاحقين به , ولما جاء اجل فاطمة (ع) لم تحم ولم تصدع، ولكن أخذت بيد الحسن والحسين فذهبت بهما إلى قبر النبي (ص) فأجلستهما عنده ثم وقفت، فصلت بين المنبر والقبر ركعتين، ثم ضمتهما إلى صدرها والتزمتهما، وقالت يا ولدي اجلسا عند أبيكما ساعة، والإمام علي عليه السلام يصلي في المسجد، ثم رجعت نحو المنزل، فحملت ما فضل من حنوط النبي (ص) فاغتسلت به ولبست فضل كفنه، ثم نادت يا أسماء، فقالت لها:
لبيك يا بنت رسول الله، فقالت تعاهديني، فاني ادخل هذا البيت فأضع جنبي ساعة فإذا مضت ساعة ولم اخرج فناديني ثلاثا، فان أجبتك، وإلا فاعلمي إني لحقت برسول الله (ص)، ثم قامت مقام رسول الله (ص) في بيتها، فصلت ركعتين، ثم جللت وجهه بطرف ردائها وقضت نحبها، وقيل بل ماتت في سجدتها.
فلما مضت ساعة أقبلت أسماء فنادت يا فاطمة الزهراء (ع)، يا أم الحسن والحسين، يا بنت رسول الله (ص)، يا سيدة نساء العالمين، فلم تجب فدخلت فإذا هي ميتة، فقال الإعرابي:
كيف علمت وقت وفاتها يا ابن عباس، قال:
اعلمها أبوها، ثم شقت أسماء جيبها، وقالت كيف أجترئ فأخبر ابني رسول الله بوفاتك، ثم خرجت، فتلقاها الحسن والحسين فقالا:
أين أمنا، فسكتت، فدخلا البيت فإذا هي ممتدة، فحركها الحسين، فإذا هي ميتة، فقال:
يا آخاه، آجرك الله في أمنا، وصاح أهل المدينة لما علموا بخبر وفاتها، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة، كادت المدينة تتزعزع منها، وهن يقلن:
يا سيدتاه، يا حبيبتاه، يا بنت رسول الله، واقبل الناس إلى علي وهو جالس، والحسن والحسين عليهم السلام، بين يديه يبكيان فبكى لبكائهما، واجتمع الناس فجلسوا وهم يسترجعون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلوا عليها، فخرج أبو ذر الغفاري وقال:
انصرفوا فان ابنة رسول الله (ص) أخراجها هذه العشية فقام الناس وانصرفوا.
وروى السمهودي في وفاتها عن جعفر الصادق عن أبيه أن عليا دفن فاطمة عليها السلام ليلا في منزلها الذي دخل في المسجد، فقبرها عند باب المسجد، المواجه دار أسماء بنت حسين بن عبد الله (في وقته) وهو الباب الذي كان في شامي باب النساء في المشرق، وهناك رواية أخرى إن الزهراء (ع) دفنت في البقيع، وسوى علي حول قبرها قبورا مزورة حتى لا يعرف احد موضعه (ولست ادري لماذا، ومن ثم فهو رأي غير مقبول) ويستدلون على ذلك بأن الإمام الحسن قال « ادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي »، على أن هناك رواية تؤكد إن الزهراء (ع) دفنت في بيتها الذي ادخله عمر بن العزيز في المسجد، وان عبد العزيز بن مروان كان يقول إنها دفنت في بيتها، وصنع بها ما صنع برسول الله (ص) وإنها دفنت في موضع فراشها، ويحتج بأنها دفنت ليلاً، ولم يعرف بها كثير من الناس (وهذا ما أحس أنا شخصيا به في زياراتي التي اشرف بالمثول فيها أمام سيدي ومولاي وجدي رسول الله (ص) وتكاد رجلاي تقف هناك عند المكان الذي قيل لي انه بيت الزهراء (ع)).
هذا وقد روي أن الإمام كان يزور قبر الزهراء (ع) كل يوم.