بنت... ومسؤولية

تميّزت صديقة النساء فاطمة صلوات الله عليها بوسام السيادة على نساء العالمين منذ فجر الدنيا وحتى يرث ربنا الأرض ومن عليها، وهذا اللقب والوسام لم يأتِ اعتباطاً وإنما جاء عن جدارةٍ واستحقاق تُرجم في تألق الزهراء في كل فصول حياتها الشريفة ابتداءً من حملها ومروراً بولادتها اجتيازاً بطفولتها حتى نمر بفصلي الزوجية والأمومة لنراها تحوز الرقم القياسي الأول الذي لا يقبل المنافسة من أي أنثى عرفها الكون، وسأختار فترة الطفولة في حياة الصديقة صلوات الله عليها لأقتطف من بستانها بعض المشاهد التي تنبأ عن طفلةٍ تحمل صمودَ الرجال وعن صغيرةِ سنٍ فاقت الكبار في التحمّل والسخرية من الرزايا والنكبات.

ولعل أبرز موقف ُيبرز لنا عظمتها عليها السلام في فترة الطفولة موقف فقدانها لأمها خديجة سلام الله عليها، وهو موقف يعجز فيه عامة الرجال عن التماسك والحفاظ على الثبات الوقار، وبالمقابل نرى فاطمة وهي تسأل أباها عن أمها وهي متعلقة بأذياله بكلتي يديها الصغيرتين والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يشيح بوجهه الشريف عنها ولا يمتلك لها جواباً حتى نزل عليه جبرئيل وهو يقول:

إن ربك يأمرك أن تقرأ على فاطمة السلام وتقول لها:

أمك في بيت من قصب، كعابه من ذهب، وأعمدته من ياقوت أحمر، بين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران.

ثم ماذا؟

ماذا نتوقع من بنت في بدايات حياتها تفقد أماً كخديجة غير الانهيار؟

غير أن رضا وتسليم فاطمة وإيمانها وانقطاعها إلى الله يأبى ذلك دون أن قالت:

إن الله هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام.

وتستمر المشاهد ومقاطع فصل الطفولة في حياتها عليها السلام في مؤازرتها لأبيها فتارةً يأتي والتراب على رأسه فتجلس فاطمة تغسل رأسه وتارة أخرى يُلقى عليه السلا (وهو مشيمة الناقة) وهو منشغل بصلاته وتأتي فاطمة فتميطه عنه، وموقف رائع آخر في مشاركتها له في التطويق والحصار في شعب أبي طالب، حتى أفرزت هذه المواقف العصيبة بنتاً ُتلقب بأم أبيها، ألا يكفي كل هذا في جعل فاطمة قدوةً لكل امرأة حتى وهي طفلة؟!!

وهنا لي كلمة أخيرة إلى كل أم تتطلع إلى صنع بنات متأسيات بالزهراء عليها السلام:

حمّلي ابنتك بعض المهام وأنيطي بها بعض الوظائف بما يتناسق ويتناغم مع سنها، لتتخرج امرأةً فولاذية كما كانت ولا تزال فاطمة، اصقليها لزوجها وأطفالها، أوقفيها بإزاءك على مصلاك، أدخليها معك المطبخ، خذيها معك إلى محال العبادة والعزاء، لقنيها مبادئ فاطمة بما يستوعبه ذهنها، اجعلي منها امرأةً صغيرةً مع إعطائها وقتاً كافيا للتمتع بطفولتها، وأطمئنك أنها ستنعم بحياتها وينعم بها زوجها وأولادها، لأنها سارت على نهج فاطمة في تحمل المسؤولية.