فاطمة ام ابيها

فاطمة (ع) وما أدراك منْ فاطمة ؟ وماذا يستطيع القلم أن يسطّر عن فاطمة سلام الله عليها ؟

أنقول أنها بنت الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أم أنها زوجة أمير المؤمنين (ع) أم أنها أُم الحسنين عليهما السلام أم أنها أُم أبيها أم أنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين أم.... أم..

ولا أعتقد بل وأُجزم أن أحداً يستطيع أن يُلِمَّ ولوْ بجزء بسيط من فضائلها وصفاتها التي إمتازت بها سلام الله عليها.

فهي التي أعطت الدروس والعِبر للنساء والرجال على حدٍّ سواء فعلى الرغم من قصر عمرها الشريف فهي تعتبر من نوادر التأريخ على مرِّ العصور فهي ذات شخصية متميزة ومتكاملة وحازت على درجات من الكمال والسموّ والرفعة والايمان والتي قلّما توفرت صفة من صفاتها سلام الله عليها في أحدٍ غيرها , تلك الصفات التي جعلتها اثيرة وحبيبة عند أبيها المصطفى صلّى الله عليه وآله وسلم حيث قال عنها [ فِداها أبوها]. وهذه المقولة لم يقلها صلى الله عليه وآله لأحدٍ غيرها قطّ.

ولفاطمة سلام الله عليها تسعة أسماء عند الله عزّ وجلّ والأسم الجامع لتلك الأسماء هو فاطمة (في أمالي وخصال الشيخ الصدوق... عبد العظيم الحسني عن الحسن بن عبدالله بن يونس عن يونس بن ظبيان قال, قال أبو عبدالله (ع) :

لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل [فاطمة والصدّيقة والمباركة والطاهرة والزكية والراضية والمرضية والمُحَدّثة والزهراء] ثم قال عليه السلام أتدري أيُّ شيءٍ تفسير فاطمة ؟

قلت : أخبرني ياسيدي.

قال : فُطٍمت من الشر.

ثم قال : لولا أن أمير المؤمنين (ع) تزوجها لما كان لها كفؤٌ إلى يوم القيامة على وجه الارض آدم فمن دونه) بحار الانوار ج 43 ص10 رواية 1 باب 2.

وكما أسلفنا أن فاطمة هو الأسم الجامع لتلك الأسماء لإن هناك تأكيد على كلمة فاطمة خاصة ووجه تسميتها بها بأنها فُطِمت من الشر وهذا مفهوم عام يستوعب جميع ما ذكر في وجه تسميتها بهذا الاسم.

لقد أعطت الزهراء (ع) دروساً وعبراً جمّة للنساء على مر العصور والازمنة فهي مثالاً يُحتذى وأُسوة حسنة يُقتدى بها من قبل كل النساء المسلمات ومن أهم تلك الدروس في وقتنا الحاضر هو حُسْن تبعّلها سلام الله عليها وحرصها الشديد على أن تكون زوجة مثالية لأمير المؤمنين (ع) بكل ما في الحياة الزوجية من مكابدة ومعاناة وجهاد وصبر.

فهل هناك أعظم وأجلّ من السيدة الزهراء (ع) لتكون نبراساً وعلماً لنساء وقتنا الحاضر للهدْي بهَدْيها والمسير على طريقها ونورها والذي هو نور من نور الله ونور رسوله الكريم ووصيّه الأمين.

لقد حدّث عنها إمام المتقين علي عليه السلام قائلاً :

(أنها إستقت بالقربة حتى أثّرت في صدرها وطحنت بالرحى حتى مجُلت يداها, وكسحت البيت حتى إغبرت ثيابها , وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها , فأصابها من ذلك ضرر شديد).

فأقول يا لِلّه يا بنت رسول الله. لله درُّكِ يا إبنة الطيبين أكلُّ ذلك يقع عليك وأنتِ الصابرة الطائعة المحتسبة والمتوكلة على خالقها والعالمة بما في ذلك من الأجر العظيم والثواب الجزيل.

قال علي (ع) : فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عز وجل, ولا أغضبتني ولا عصت لي أمراً, ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان.

وروى الحاكم في مستدركه بسنده عن عائشة أنها كانت إذا ذكرت فاطمة (ع) بنت النبي (ص) قالت :

ما رأيت أحداً كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها.

وهذه أم المؤمنين ام سلمة (رض) زوجة النبي (ص) قالت:

تزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفوّض أمر إبنته إليّ فكنت أُؤدّبها وكانت والله أأدب مني وأعرف بالأشياء كلها.

فماذا نقول بعد في حق هذه السيدة الطاهرة المطهّرة وعن زهدها وورعها وعبادتها وتقواها وهي المعصومة تكوينياً وتشريعياً.

روى البخاري في صحيحه عن النبي (ص) أنه قال :

فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني وهذا النص ورد في غيره من الصحاح والكتب المعتبرة وكذلك قول النبي (ص) :

أن الله عز وجل لَيغضب لِغضب فاطمة ويرضى لرضاها.

فهل هناك دليل أعمق وأوضح وأدق على عصمتها سلام الله عليها من هكذا حديث حيث إقترن غضب الله تعالى بغضب السيدة الطاهرة ورضاه برضاها عليها صلوات الله وسلامه.

فهل من معتبر وهل من مفكر في حديث رسول الله (ص) ؟ ولاأدري بماذا يعتذر الذين أغضبوها وظلموها في يوم لا ظلّ إلا ظلّه ولا يزيد الظالمين إلاّ خسارا.

وأما عبادتها فيعجز اللسان عن وصفها ولتُمْلَئَنّ كتباً كثيرة في ذلك , روى الأمام الصادق (ع) بسنده عن الأمام الحسن بن علي عليهما السلام أنه قال :

رأيت أمي فاطمة (ع) قامت في محرابها ليلة جمعة فلم تزل راكعة وساجدة حتى إنفجر عمود الصبح , وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء فقلت :

يا أماه لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟

فقالت : يابني الجار ثم الدار.

وعن الحسن البصري : ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة كانت تقوم حتى تورم قدماها.

فهنا نلاحظ أن السيدة الزهراء (ع) ضربت أمثلة رائعة للمسلمين في تربية أبنائها من خلال عبادتها وزهدها وورعها حيث إنعكست هذه العبادة على أبنائها سلام الله عليها وعليهم فهي أم سيدا شباب أهل الجنة وأم الحوراء زينب عليها السلام.

فهؤلاء هم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة.

وأما عن زهدها فقد روي أن شملتها التي تلتف بها خلِقة وقد خيطت في إثني عشر مكاناً بسعف النخل.

نظر إليها سلمان يوما فبكى وقال :

واحزناه إن بنات قيصر وكسرى لفي السندس والحرير وإبنة محمد (ص) عليها شملة صوف خلِقة قد خيطت في إثني عشر مكانا.

وجاء في تفسير الثعلبي عن حعفر بن محمد عليهما السلام وتفسير القشيري عن جابر الانصاري قالا :

رآى النبي (ص) فاطمة وعليها كساء من أجلّة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها فدمعت عينا رسول الله (ص) فقال :

يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة فقالت :

يا رسول الله الحمد لله على نعمائه والشكر لله على آلائه فأنزل الله تعالى {ولسوف يعطيك ربك فترضى}.

بأبي أنتِ وأمي يابنت رسول الله فلقد ضربت أروع الأمثلة في الزهد والاحتساب عند الله تعالى وقدَّمتِ للبشرية جمعاء كنوزاً من العِبَرِ والصفات العالية والخُلُق الحميد.

وأما إرتباطها بالقرآن الكريم فهي لم تفارقه يوماً من الأيام وقد كانت دائمة العهد به حتى في آخر لحظات حياتها لم تترك تلاوة كتاب الله عز وجل وقد أوصت عليا ًسلام الله عليه بتلاوة القرآن على قبرها.

وذِكْرُها في القرآن واضح وجلي في كتب عموم المسلمين وعلى إختلاف مذاهبهم ومشاربهم وإن لم يذكر اسمها صريحاً.

فآية التطهير {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} فهذه الآية الشريفة بإتفاق المفسرين نزلت في علي وفاطمة وإبنيهما عليهم السلام أجمعين.

وآية المباهلة {قل تعالوا ندعوا أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم..... } فالمراد من نسائنا هي الزهراء (ع) ومن أبنائنا هم الحسن والحسين عليهما السلام ومن أنفسنا هو الإمام علي (ع) وآية الإطعام {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله, لا نريد منكم جزاءاً ولا شكوراً..... } أيضا نزلت في فاطمة وبعلها وإبنيهما عليهم السلام وآية الكوثر {إنا أعطيناك الكوثر.... } حيث نزلت في فاطمة (ع) وانها الكوثر أي الخير الكثير حيث أن سلالتها تملأ الدنيا.

وآية المودة {قُل لاأسئلكم عليه أجراً إلاّ المودة في القُربى...} حيث فرض الله تعالى المودة لإهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم جزاء أتعابه وأدائه رسالة ربه ولكن أنظر أيها اللبيب ماذا فعلوا بأهل بيته من بعده وخصوصا إبنته فاطمة بضعته وروحه التي بين جنبيه كما عبر عنها (ص).

تلك التي كان رسول الله (ص) لا يقدر على فراقها وكان إذا سافر كانت آخر وجه يراه من أهل بيته وأول وجه يراه بعد عودته.

روى الحاكم في المستدرك عن إبن عمر :

أن النبي (ص) كان إذا سافر كان آخر الناس عهدا به فاطمة وإذا قدم من سفر كان أول الناس به عهدا فاطمة.

وروي مثله في مسند أحمد بن حنبل وروي أيضا عن عائشة أنها قالت :

ما رأيت أحدا كان أشبه كلاما من فاطمة برسول الله (ص) وكانت إذا دخلت عليه رحب بها وقام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه , قال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

فانظروا ماذا فعلت هذه الامة بإبنة نبيها وبضعته فبعد وفاة أبيها (ص) لقيت فاطمة الكثير من المصائب والمحن أُضيفت لتألّمها على فراق أبيها , منها غصب فدك بعد أن أنحلها رسول الله في حياته , وغصب الخلافة من زوجها علي (ع) وحرمان الأجيال والتاريخ من نور الهداية الإلهية , والهجوم على دارها وإحراقها وغيرها الكثير من الحوادث المؤلمة التي ذكرت في مختلف المصادر ولا شك بأن هذه المصائب أثرت فيها وأُستشهدت بسبب هذه المحن والجروح التي أصابتها وهي في الثامنة عشر من عمرها الشريف وهذا ما جعلها توصي الإمام علي (ع) بإخفاء قبرها ودفنها سراً وعدم مشي الآخرين ممن ظلموها في جنازتها حتى تلقى الله تعالى وهي واجدة وغاضبة عليهم شاكية لربها مما جرى عليها من امة نبيها وهي التي قال فيها رسول الله (ص) :

إن الله ليغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها.

وقد دلّت الايام أنها فارقت الدنيا وهي غاضبة على البعض.

اللهم إنا نُشهدك ونُشهد ملائكتك وأنبيائك ورسلك أننا راضون عمن رضت عنه بنت رسول الله وغاضبون على على من غضبت عليه بنت رسول الله (ص).

اللهم وإجعلنا من المتمسكين بحبلها والسائرين على طريقها والمعتصمين بها وبأبنائها عليهم السلام.