في كنف النبوة وتحت ظلال الوحي كانت تلك السيدة تراقب هذا الكيان الجديد الذي غطت أخباره هذا العالم المترامي الأطراف وبينما تسير السنون وتتنامى نفحات النبوة وتنتشر، تبدأ المأساة، مأساة المقربين من الوحي، حيث العداء الذي نصب لهم منذ الأيام الأولى للرسالة، فكان أصحاب الكساء الذين اعترف بفضلهم كل المسلمين دون استثناء هم شهداء الرسالة بين مسموم أو مقتول.

فبعد أن رحل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاء دور علي وفاطمة، وحيث أن علياً حوصر ولم يعط دوره الذي أوكله الرسول الكريم إليه أصبح دور الزهراء (عليها السلام) ناطقة باسم النبي والوصي معاً واتضح بعد ذلك مدى الاختراق الذي استشرى في الجسد والكيان الإسلامي من خلال طبقة المنافقين التي حاولت شق عصا المسلمين وحرفهم عن مسار الرسالة المقدسة..

وقد قيل عن اسمها انه قال الإمام الصادق (عليه السلام) وإنما سميت فاطمة ((عليها السلام)) لأن الخلق فطموا عن معرفتها.

وقد كانت لها مكانة عظيمة لدى الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) فقد قال عنها (صلى الله عليه وآله): (فاطمة روحي التي بين جنبي) إذاً ومما لا شك فيه ان فاطمة الزهراء هي (روح لروح) ولمكانتها الرفيعة بالنسبة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وحبه الشديد لها ولمعرفته أنها أم الأئمة فانه قد نعتها بأم أبيها وقد كان يجلّها ويحترمها ويقبل يدها وهو الذي لم يقبل يد أحد من البشر.

فهل بعد كل ما أوردناه شيء يعلو هذه المكانة والذي فعل كل هذه الأمور هو سيد البرية وخاتم الرسل والأنبياء وهكذا كانت ولادتها ليست عادية كما هي مكانتها وكما هي شخصيتها لاحقاً فلم يسمها أبوها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا جبرئيل بل سماها رب العزة بـ (فاطمة).

فقد تكونت نطفتها من ثمار الجنة لأن الله شاء أن تخلق من طعام الجنة وتولد على يد أربع نسوة هن سارة وآسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وكلثم أخت موسى بن عمران.

وعندما ولدتها أمها وسقطت على الأرض أشرق منها النور حتى دخل كل بيت في مكة ولم يبق في شرق الأرض ولا غربها إلاّ أشرق فيه ذلك النور...

وبعد ولادتها بثلاث سنوات خطفت يد المنون والدتها الطاهرة السيدة خديجة وعند دفن السيدة خديجة كانت فاطمة (عليها السلام) تلوذ برسول الله (صلى الله عليه وآله) وتدور حوله وتسأله:

يا رسول الله أين أمي.

فجعل النبي لا يجيبها فهبط عليه جبرئيل فقال:

إن ربك يأمرك أن تقرأ على (فاطمة) السلام وتقول لها:

أمك في بيت من قصب كعابه من ذهب، وأعمدته من ياقوت احمر، بين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، فقالت (فاطمة) إن الله هو السلام ومنه السلام واليه يعود السلام.

نمت شخصية الزهراء (عليها السلام) قوية متماسكة ومدعومة معنوياً من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي كان يصرح بمكانتها وشخصيتها المميزة ويستأذن بالدخول إلى بيتها احتراماً لها ورغم صغر سنها إلاّ أن الخُطّاب كانوا يأتون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) بما فيهم كبار الصحابة وكان الرسول (صلى الله عليه وآله) يرفض ذلك لهدف مستقبلي وهو اقترانها بكفؤها الوحيد في هذا العالم من الأولين والآخرين وكانت هذه السيدة العظيمة قد اشتركت مع عظمة أمير المؤمنين فكوّنا صوتاً إسلامياً فرق بين الحق والباطل وسمى ليكون مثالاً وأنموذجاً يحتذى به من المسلمين وغير المسلمين وقد بلغت من أخلاقها وآدابها ما صرح به القرآن الكريم بالآية الكريمة من سورة الدهر وما أجمع عليه المفسرون من نزولها في فاطمة وعلي.

ورغم عمرها القصير فقد برزت شخصيتها بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة في الخطب البليغة التي فضحت فيها النفاق والمنافقين والذين يلتفون حول منبر النبي (صلى الله عليه وآله) وقد تبلورت شخصيتها وتكونت عبر السنوات التي تلت وفاة أبيها فقد كانت زاهدة متعبدة، صابرة، شاكرة، وقد اجتمعت فيها كل الصفات الحميدة.

وضعت السيدة الزهراء (سلام الله عليها) دين أبيها أمام الناس بكل وضوح وحاول البعض طمس حقيقة الانحراف الذي حصل واستمر بعد وفاة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فكان بيت الأحزان الذي أسسته فاطمة هو صفعة في وجه التاريخ، الذي هادن وتهاون في الوقوف مع النبي وعلي وفاطمة وآثر أن يقف في صف من عاداهم ونَصَب لهم فخاخ النصب، فتحولت مسيرة هذا الدين الحنيف إلى غير طريقها.

بعد شهرين وأيام وبعد مكابدة الألم المادي والمعنوي، وبعد ما جرى عليها من ظلم القوم، كان لابد لهذه الروح الطاهرة أن تلحق بربها، وإيصال الرسالة إلى نبي هذه الأمة وما عمل الذين خلفوه فيها من ترك لسنته، ومحاولة للتحريف في تفسير الكتاب الإلهي.

سبقت أيام ولحظات الموت، غصصاً كثيرة، كانت شواهد على حالة الظلم الذي لحقت بها.

وقد ملأت تفاصيل هذه الحادثة بطون الكتب التاريخية، مما تعرضت (عليها السلام) له من ضرب ومحاولة قتل ومن ثم المرض الذي لم يطل والذي كانت تتخلله صرخات فاطمة (وا أبتاه، واصفياه، وامحمداه، وا ابا القاسماه، واربيع الأرامل، من للقبلة والمصلى ومن لابنتك الوالهة الثكلى) تنادي وكأن رحيل النبي يتجدد معها يومياً وكل ما رأت من مظاهر الانحراف عن سنته.

صرخات وحزن وحسرة وهي تنادي أباها:

(أصبحت الناس عنا معرضين ولقد كنا بك معظمين في الناس غير مستضعفين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل وأي حزن بعدك لا يتصل).

وهكذا كانت الرحلة اليومية إلى البقيع بصحبة ريحانتي رسول الله (ص) الحسن والحسين (عليهما السلام) لبث الشكوى عند الرسول الأكرم وتعود مساءً مع أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى رحلة أخرى من الحزن ويبقى هذا الحال حتى الأيام الأخيرة التي لم تستطع معها اكمال هذا الشوط المقدس.

فيخّيم الحزن مرة أخرى على بيت علي ويخطف المنون مرة أخرى نفحة من ذكرى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والسرّية تحيط هذا الحدث بوصية منها (سلام الله عليها) فكانت وصيتها موضع التنفيذ وترحل الزهراء (سلام الله عليها) ساخطة على قوم أبيها، حاملة أول رسالة إلى النبي الأكرم بعد فراقه أمته.

إن شهادة الزهراء (عليها السلام) ليس حدثاً عابراً، مر ومضى، بل هو علامة واضحة على النهج المحمدي الذي استمر بعدها والذي مثل الإسلام الحقيقي، عبر امتداد الإمامة الشرعية للدين والدنيا وعلى أن كل من خالف خط محمد (ص) هو خارج عن الإسلام بلا جدال، وعلى المسلمين اليوم أن يعيدوا النظر في هذا التاريخ الذي سوّدت الكثير من صفحاته ليعيدوا للإسلام نضارته ونصاعته.

إن مرور هذه القرون المتعاقبة على هذه الحادثة الأليمة لم يمحو منها أي أثر بل على العكس من ذلك، فإن الذكرى ظلت تتجدد سنوياً عبر مئات البحوث والمؤلفات التي أضاءت الكثير من جوانب هذه الحادثة المفجعة.

وتظل الزهراء (سلام الله عليها) مثلاً أعلى لكل مسلم ومسلمة ومثلاً أعلى لجهاد الكفار في أي زمان ومكان.

فسلام الله على الزهراء يوم ولدت ويوم استشهدت مظلومة مقهورة ويوم تبعث حية طالبة بثأرها وثأر أبيها وبعلها وبنيها.