كانت فاطمة (عليها السلام) عزيزة على النبي (صلى الله عليه وآله) وبلغ حبّه لها أقصى ما يمكن أن يبلغه حب إنسان لإنسان، ولم تكن أبوّته لها هي وحدها مصدر هذا الحب العظيم بل كانت هناك عوامل عديدة زادت النبي (صلى الله عليه وآله) تعلقاً بابنته وحباً لها.

منها: أنها كانت وحيدته بعد أن فقد الأولاد واحداً بعد واحد, ومن يتتبع أخبارها يبدو له أن فاطمة (عليها السلام) ذات شخصية متفوقة، وذكاء فكري، وحسن تفهم للأمور وتحمل للشدائد، وإدراك لظروف المجتمع الذي تعيش فيه.

وقد كان وقوفها إلى جنب أبيها في مطلع الدعوة وهي لا تزال صغيرة السن وقوف المرأة الراشدة البالغة لا وقوف الفتاة اليتيمة التي فقدت أمها فأصبحت عبئاً على أبيها كما يحدث في مثل هذه الحالات.

وقوف الفتاة التي تدرك ظروف أبيها وتعلم خطر الرسالة التي يدعو إليها، وتعرف ما يحيط به من شدائد وأهوال وعداوات. وما يحتاج إليه من مخلصين ومناضلين أكفاء، يشاركونه حمل الأعباء الضخمة التي بات يحملها.

لهذا تناست فاطمة (عليها السلام) أنها صغيرة السن، يتيمة الأم، محتاجة لمن يرعاها في بيتها ويقوم على شؤونها، وصممت على أن تقف إلى جنب أبيها وقوف المرأة الصلبة القوية العزيمة، المضحية براحتها ورفاهيتها، لا وقوف البنت المدللة التي تزيد أبيها تعباً على تعبه، وأن أي فتاة أخرى غير متمتعة بسجايا فاطمة (عليها السلام) ومرّت بها ظروف فاطمة (عليها السلام) لكانت بالفعل في مثل ذلك السن عبئاً وهماً على أبيها.

ولكن فاطمة (عليها السلام) الطفلة صارت ربة بيت أبيها (صلى الله عليه وآله) بعد وفاة أُمها (عليها السلام) تكفيه التفكير بمشاغل بيته، ثم صارت عضداً له في الشدائد، فحين يبلغها أن أباها تعرّض لأذى قريش تركض إليه ركض اللبوة وتقف إلى جانبه مدافعة عنه، ثم تأخذ بيده مزيلة عن جسده ما ألقته عتاة قريش عليه، أو تضمد جراحه بيديها مترفعة عن ضعف النساء في هذه الحالات، مثبتة لأبيها أن إلى جانبه بطلة مكافحة لا طفلة مدللة.

جهادها في سبيل الله

لقد واكبت الصديقة (عليها السلام) رسالة الله تعالى منذ صغرها ولم تألو جهداً من أجل رفع راية الحق وإظهار دين الله ولو كره المشركون، حيث أنها واكبت تطورات الموقف العصيب الذي فرضه المشركون على الرسول (صلى الله عليه وآله) والرسالة في مكة المكرمة، وتحملت ما تستطيع النهوض به من المسؤولية.

فعن عبد الله بن مسعود قال:

بينما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل:

أيكم يقوم إلى سلا بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي (صلى الله عليه وآله) وضعه بين كتفيه، قال:

فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض..

حتى انطلق شخص فأخبر فاطمة (عليها السلام) فجاءت وهي جويرية طفلة صغيرة فطرحته عنه، ثم أقبلت على المشركين تلومهم، فلما قضى النبي (صلى الله عليه وآله) صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم (6).

وكانت الزهراء (عليها السلام) تضمد جراح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد غزوة أحد، فكانت تغسل الدم وكان علي ابن أبي طالب (عليه السلام) يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة (عليها السلام) أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رماداً ثم ألصقته بالجرم فاستمسك الدم (7).

ومن الجدير بالذكر أن الزهراء (عليها السلام) قد عاشت الحصار مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وقاست معهم آلامه ومضايقاته، وهي يومئذ في سن مبكرة كما أنها (عليها السلام) قد تحملت مرارة الهجرة بعد هجرة أبيها إلى المدينة المنورة حيث صحبت أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) في هجرته إلى المدينة.

وهكذا فالمرأة المسلمة مدعوّة للإقتداء بالزهراء (عليها السلام) في الذود عن الرسالة، والدفاع عن مبادئها، والتبشير بها في إطار البيت أو المدرسة والمجتمع.

ففي حياة الصديقة (عليها السلام) غنى وخصوبة في مضمار الجهاد في سبيل الله وحمل مسؤولية الدعوة إلى دينه.

زواجها (عليها السلام)

كانت حياة الزهراء (عليها السلام) في بيت الزوجية مثلاً أعلى ودرساً مليئاً بالعبر والقيم الإنسانية العليا، فقد عاشت في بيتها المتواضع سعيدة راضية صابرة على قساوة الحياة وتشارك زوجها (عليه السلام) في جهاده وتعينه في مراحل الدعوة الصعبة، فقد ورد عن علي (عليه السلام):

(لقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان) حتى كان أمير المؤمنين عندما يخاطبها يقول لها:

(سيدتي فاطمة)، وعندما يخرج عنها يرجع القهقري.

وكانت تعتني بشؤون منزلها وتدير حاجاتها بجهودها فلم يكن لها عبيد ولا خدم فكانت تتكبد العناء في إدارة البيت وكان الإمام علي (عليه السلام) يشاركها في أعمالها أحياناً ويهون عليها متاعبها وربما ساعدها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو الذي أحاط علياً وفاطمة بعد زواجهما بتوجيهه وعنايته فعاش الزوجان في ظل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتحت كنفه ورعايته.

وهذه الصورة العائلية توضح لنا صور الحياة التعاونية في علاقة الرجل بالمرأة وعظمة التواضع عند قادة الإسلام، فلقد خبر الزوجان الحياة وعرفاها جهاداً وكفاحاً وتيقنا بأن العمل شرف وجهاد فعمل ورضى، ضاربة بذلك مثلاً عن تواضع القيادة وتعودها على العيش بمستوى الطبقات الفقيرة، ففاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) لا فرق بينها وبين غيرها إلا بالتقوى.

وقد أثمر هذا الزواج الميمون بولادة الحسن والحسين (عليهما السلام) ثم زينب الحوارء الكبرى، وأخيراً زينب الصغرى المسماة أم كلثوم.

وقد احتل الحسنان من نفس رسول الله (صلى الله عليه وآله) موقع الولد في قلب الوالد الحنون، وكانت هذه العلاقة علاقة نسب وروح ومبادئ وأهداف سامية فهي علاقة النبوة بالإمامة وعلاقة حفظ الشريعة وقيادة الأمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(كل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم).

شهادتها (عليها السلام)

وبعد أيام كمد مدتها خمس وسبعون يوماً، لاقت فيها (عليها السلام) شتى صنوف الألم النفسي والجسدي، حيث رأت ظلم القوم لزوجها وقلة ناصريه وحيث الهم الأكبر الذي تجسد في فقدان الأمة لأبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبداية محاولات تضييع تعاليمه السامية فكانت تنتظر هذا اليوم الذي بشرها به أبوها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وكانت بحق رسول الوصي إلى النبي لتخبره بما جرى من ظلم القوم عليها وعلى زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام).

وكانت ليلة الشهادة كما أوصت (عليها السلام) بعلها أمير المؤمنين أن يغسلها ويكفنها ويصلي عليها وحده مع من أوصت بالصلاة عليها من خلص أتباع أمير المؤمنين كسلمان والمقداد وعمار، وأن يدفنها ليلاً سراً دون علم بقية الصحابة، لئلا ينالوا شرف الصلاة عليها وتشييعها ودفنها.

فهذه الفضيلة لا ينالها إلا من خلص إيمانه كأمثال سلمان والمقداد.

وفي صباح اليوم التالي جاء القوم، ينادون يا علي أين أصبحت فاطمة فأخبرهم أنه دفنها ليلاً، فاستنكروا عليه هذا الفعل الذي حرمهم شرف هذه الفضيلة، وهددوا بنبش القبر، وأرادوا فعل ذلك ولكن أمير المؤمنين (عليه السلام) ضيّع أثر القبر، وضيّع عليهم انتهاك حرمة رسول الله.

وهكذا انتهكوا حرمة فاطمة قبل وفاتها، وأرادوا انتهاك حرمتها بعد وفاتها.