فاطمة الزهراء معلمة الأجيال

أطلّ نجم في العشرين من جمادى الآخرة بمكة المكرمة يوم الجمعة بعد المبعث الشريف بسنتين في بيت حمل عبء الدعوة و إخراج الناس من الظلاله و حيرة الجهالة نزلت بفضله البركة و الرحمة الإلهية على قريش و جميع الناس آنذاك و إلى يومنا هذا سمي بفاطمة الزهراء سلام الله عليها.

كانت سنوات عمر الزهراء عليها السلام قصيرة العمر كبيرة المعنى محفوفة بالبلايا لكنها عليها السلام كانت صابرة و بدل أن تنهار أمام هذه المحن و البلايا خلقت المعجزات بتخطيها و خلقْ شخصية رسالية منها.

كانت سلام الله عليها و هي في بطن أمها و بعد أن قوطعت من نساء قريش أمها لزواجها من يتم أبي طالب؛ تحدثها لتخفف عنها آلامها و وحدتها - لذلك سميت عليها السلام بالمحدِثة- إلى حين ولادتها المباركة.

و تتالت المصائب على نبي الأمة فساندته خديجة سلام الله عليها و ساعدته، و لما جرى الحصار الذي فرضته قريش على الرسول و على أهل بيته و أصحابه كانت الزهراء سلام الله عليها تحبو، فهي بذلك عاصرت الحدث مع أبيها و أهله و أصحابه.

و جرى الزمان حتى وفاة السيدة خديجة سلام الله عليها، فعاشت مولاتنا الزهراء سلام الله عليها يتيمة الأم في أحضان بيت النبوة و الإمامة، و انصقلت في شخصيتها المباركة كل معاني الإيمان و العفة و الجرأة و الشجاعة و الجود و العبادة و الزهد، كما أنها كانت سلام الله عليها تخفف آلام رسول الله صلى الله عليه و آله و تمسح التراب و تنحي القاذورات عن رأسه الشريف كما يروى و قد كان عمرها لا يتجاوز الرابعة إلى الخامسة من سنوات عمرها الأولى.

و جاء اليوم المبارك الذي تزوجت فيه سلام الله عليها من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سلام الله عليه، فكانت مكملة له و كان مكملاً لها عليه السلام، و بحسب بعض الروايات أنّ {بينهما برزخ لا يبغيان} نزلت في علي و فاطمة عليهما السلام أي بينهما فاصل و حاجز معنوي فلا يتشاجران و لا يختلفان، و قوله تعالى: {يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان} أي ينتج منهما سلام الله عليهما الحسن و الحسين سلام الله عليهم أجمعين.

فإذا كانت السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام ابنة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم و ابنة الصديقة خديجة الكبرى سلام الله عليها التي منحته أموالها حين حرمه الناس و صدقته حين كذبه الناس، و هي – أي الزهراء سلام الله عليها - زوجة أمير المؤمنين و إمام المتقين، و الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه و آله:

(أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي) و هي أم الحسن و الحسين عليها السلام سيدا شباب أهل الجنة، فأي مقام و أية منزلة قد تقلدتها الزهراء سلام الله عليها، و لا نستغرب نزول جبرئيل عليها، فكم نجهل مكانة الزهراء سلام الله عليها!!!!!

من الكرامات التي منّ الله بها عليها سلام الله عليها أنّ لها وقفة على باب جهنم كي تنتقي فيها محبيها - اللهم اجعلنا من شيعتها و محبيها - فيؤتى بمحب كثير الذنوب إلى النار، فتشفع له عند الله عزّ و جل، ويقول الله تبارك و تعالى فمن قرأتي بين عينيه محباً مؤمناً فأدخليه الجنة.

فمن هي و ما هو يا ترى السر المستودع فيها.

يروى عن الإمام الكاظم سلام الله عليه أنه قال:

(فاطمة صديقة شهيدة)، فهي إلى جانب أنها وصلت إلى رتبة العصمة قد وصلت إلى رتبة ترى و تشهد على أعمال الخلائق و هي أيضاً سلام الله عليها وصلت إلى رتبة أنّ أعمالها و عبادتها تشهد على أقوالها و صدقها و مهما سعينا فلن نصل إلى هذه الرتبة، فكانت سلام الله عليها يطابق قولها عملها و ليست كأمثالنا نقول {إياك نعبد و إياك نستعين} و نعبد أصناماً كبيرهم صنم الأنا و حب الذات.

فاطمة الزهراء سلام الله عليها هي سر الوجود فلولاها ما خلق الله البشر و لا الجنة و لا النار ولا الأرض و لا السماء و لا الأفلاك التي تسري بأمر ربها لما ورد في الحديث القدسيّ عن الله عزّ و جل مخاطباً فيه الرسول صلى الله عليه و آله: ((لولاك لما خلقت الأفلاك و لولا علي لما خلقتك و لولا فاطمة لما خلقتكما)).

لم يوجد في الكون مثل الزهراء سلام الله عليها حيث جمعت خصلتين كما أنها إنسية فهي حوراء أيضا، وقد عاشت في بيت زوجها جامعة بين الخدمة في المنزل و تربية الأبناء و العبادة فكان هذا المزيج لوحة مثلت فيه الإسلام المحمديّ الأصيل إضافة إلى أنها كانت المرجع الذي يرجع إليه المسلمون في أمور دنياهم و آخرتهم، إلى أن حضرت وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم و انتقل إلى الرفيق الأعلى، فبكت عليه الزهراء سلام الله عليها حتى عدت من البكائين فكانت بوفاته مصيبة قد أصيبت بها الأمة الإسلامية و المسلمين فثبت بعض و ظهر نفاق البعض الآخر.

إلى أن جاءت الطامة الكبرى وهي الدخول على دار بضعة رسول الله صلى الله عليه و آله دون استئذان و عصرها بين الجدار و الباب مع علمهم بوجودها خلف الباب، فكيف يجهل الخليفة الأول و الثاني أن جبرئيل كان ينزل هذه الدار و لا يدخلها دون استئذان وهما كما يروى أنهما ملازمين للرسول صلى الله عليه و آله، فهل يجهلان قدر فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه و آله و بضعته، ألا يعلمان أن للدار حرمة؟!!!

روى في بعض كتب أهل السنة المعتبرة كالبخاري أن الرسول صلى الله عليه و آله كان كلما قدم إلى بيت الزهراء سلام الله عليها كان يقول السلام عليكم يا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة اتأذنوا لي بالدخول، فتقول له الزهراء سلام الله عليها: أبه إن البيت بيتك و البنت بنتك فلا مانع من الدخول، فيقول صلى الله عليه و آله: إن الله تبارك و تعالى أمرني ألا أدخل من دون إذن منك.

ألم يعيها القوم و كانوا بمسمع منها و مرأى. فهل لأجل ذلك يا رسول الله كنت تقول:

(فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذني)، و هل لأجل ذلك كنت تقف على باب دارها و تقرأ الآية المباركة: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا} و تبكي عند الباب؟!!!

و لأجل هذا تجرأ القوم، و صوبوا سهماً ثلاثي الشعاب في صدر الحسين سلام الله عليه.

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ربنا اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين

الهي يا رب فاطمة بحق فاطمة اشف صدر فاطمة بظهور الحجة.

المصادر

1- فاطمة الزهراء (ع) المرأة النموذجية في الإسلام للعلامة الشيخ إبراهيم الاميني.

2- عدة محاضرات مسموعة و مرئية و مقالات..

3- مما تعلمته من الدروس الدينية في حياتي العملية.

4- بعض مواقع الانترنت النافعة كموقع المرجع الديني آية الله السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم.