هذا هو محراب فاطمة..

ونحن نعيش أجواء ذكرى ميلاد الصديقة الزهراء عليها سلام الله في هذا الشهر الكريم شهر جمادى الثانية نقف وقفة تحليلية قصيرة مع محراب الزهراء لنتعرفه عن قرب من لسان ابنها الإمام الحسن عليه السلام.

ونستفيد منه بعض الدروس التربوية والاجتماعية الهامة.

عن الحسن بن علي عليهما السلام قال:

(رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه، لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟

فقالت: يا بني، الجار ثم الدار) وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج7، ص113) البحار) 43، ص81 ـ82.

(وسنذكر نص الرواية ونعلق عليها فيما يلي:

النص (عن الحسن بن علي عليهما السلام قال: رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها) ما نلاحظه بداية في هذا النص هو الراوي، فالراوي هنا هو الإمام الحسن عليه السلام، فهو شخص من عمق البيت الفاطمي ومطلع على ما فيه، فينقل لنا هذه الحادثة بحيث يفيدنا حدوثها يقينا - على فرض صحة الرواية وهي قد رويت في أكثر من مصدر - وأول تساؤل يمكننا طرحه هنا هو:

كم كان عمر الامام الحسن عليه السلام وهو يرى أمه تصلي وتدعو؟

فقد لا يتجاوز عمره آنذاك السابعة، وهنا موقف تربوي عظيم، وهو أن الامام وهو في أكثر التقادير في هذا السن وهو يرى أمه في محرابها.

وربما نتساءل ما الذي يفعله طفل في السادسة أو السابعة في مثل هذا الوقت؟

ولماذا يسهر مع أمه حتى مطلع الصبح؟

فيبدوا أن الزهراء عليها السلام كانت تصلي أمام أبنائها بحيث يروها وهي تؤدي الصلاة، وفي هذا أثر كبير في تعلقهم بالصلاة، وكانت تسمح لأبنائها بالسهر معها ليراقبوها وهي تصلي، فالطفل في مثل هذا الموقف يتعلم دروسا مهمة، وتنطبع في نفسيته فاعلية الصلاة، فتنفتح روحه على الصلاة، و ربما يذكرنا هذا بموقف تربوي عن رسول الله مع الحسنين، حين يأتيانه وهو ساجد ويركبان على ظهره ويطيل سجوده لذلك، فإطالة السجود هنا موقف تربوي كبير بحيث يرى الابن أباه وهو يتعبد وهو ساجد فتنطبع هذه الصورة في نفسه، ومن هنا حري بنا أن نربي أبناءنا على مثل هذه المواقف وأن نجعلهم يراقبوننا في عباداتنا لكي يقتدوا بها، فالطفل شديد التأثر بما ينطبع في ذهنه ونفسيته منذ أيامه الأولى.

الرؤية الفاحصة

والملاحظة الأخرى هي أننا نرى مراقبة الامام الحسن لأمه الزهراء وهي تصلي وتدعو، هذه المراقبة التي تتعدى الرؤية العابرة لتصل للرؤية الفاحصة المدققة، فالحسن يراقب أمه من البداية وحتى انبلاج الفجر، ويستمع لمناجاتها ودعائها، ويأتي ليسألها عن سبب دعائها للمؤمنين أولا، كل ذلك كان بالنظرة الفاحصة الدقيقة وربما هنا مدلولات ينبغي أن نتأملها في التربية منها:

1. إن الطفل في بدايات عمره كثير الملاحظة، وهناك من المواقف ما نعدها عابرة، وقد نؤديها بعفوية ولكنها تنطبع في ذهن الطفل، وقد تتأثر بها مسيرة حياته كلها، ومن هنا ينبغي على المربين الالتفات لكل المواقف التي تحدث أمام الطفل، فهو شديد التأثر بها، و سريع في التقاطها، فالمواقف ما لم تحصل عن تخطيط ورعاية فإنها قد تؤثر سلباً على الطفل.

2. التساؤل لدى الطفل: فالطفل بطبيعته دائم السؤال والتساؤل، وهو بعفويته وجبلته يقدم على أبويه ليستفسر ويسأل، ويستكشف، ومن الخطير تربوياً أن نتجاهل أسئلة الطفل في هذه المرحلة، أو أن نرفضها ونردعه عنها، فذلك يخلق فيه عقداً خطيرة، والأخطر أيضاً أن نجيبه بإجابات خاطئة أو غير مقنعة، فالمطلوب هنا أن نستثمر حب الطفل للاستكشاف لتغذيته فكريا وشعوريا، ولابد من تحفيزه وتشجيعه ليستمر في حالة الاستكشاف هذه.

3. لعل قول الإمام الحسن (… في محرابها) يحمل دلالة أن الزهراء كان لها محراب في منزلها، محراب محدد تؤوي له كلما أرادت التوجه للصلاة والعبادة، وتخصيص مكان للعبادة في المنزل أمر تربوي حيث يبقى هذا المكان يذكّر أصحاب المنزل بالعبادة والتوجه لله و الاقتراب منه كما يغرز في نفسية الأبناء حب العبادة والاهتمام بها، ولعل استحباب نقل المحتضر لمكان عبادته حين الاحتضار دلالة على أهمية وجود مكان مخصص للعبادة في المنزل.

النص: (ليلة جمعتها).

ولعل في ذكر ليلة الجمعة هنا تأكيد على أهميتها، فليلة الجمعة ويومه من أفضل أوقات الأسبوع، وفيهما برامج عبادية يؤديها الأولياء، ومن هنا ينبغي أن نركز في ذهنية أبنائنا أهمية هذه الليلة ويومها في وعينا الاسلامي، وأنها ليلة عبادة ويوم عبادة، لا كما أراد أعداء الدين من تحويلهما لأيام وليالي لهو وطرب وسهر بما لا ينفع، إن غرز قدسية ليلة الجمعة ويومها مهمة جدا في نفسية الأبناء، ليعيشوا فيها مع الله، وفي مناجاته وطلب رضوانه.

النص: (فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح).

وهذا الركوع وذاك السجود لله وتلك العبادة المخلصة هي القادرة على خلق الشخصية المؤمنة الواثقة القادرة على تخطي صعاب الدنيا بنفس مطمئنة، العبادة هي ما ينبغي أن نغرسه في روحية أبنائنا، فهناك أجيال تنشأ بعيدة عن روح العبادة الحقة، تؤدي الصلاة ولكنها لا تنهاها عن فحشاء ومنكر، وتقيم العبادات ولكنها العبادات الجوفاء الفارغة التي لا تتعدى حركات الجسم، نعم، نحتاج لعبادة الزهراء لتربينا وتربي أبنائنا وبناتنا على خطى تنمية وإثراء الروح في داخلنا...

النص: (وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم).

وهنا درس عظيم عظيم، وليس هو موقفا تربويا فقط، وإنما اجتماعي أيضا، لاحظوا كيف يتغلغل الجانب الاجتماعي في عبادة الزهراء، فهي سلام الله عليها تعيش هموم الناس في عبادتها، وتتواصل معهم في صلاتها، وتدعو لهم في مناجاتها، ولنقترب من اجتماعية الزهراء وقربها من الناس علينا أن نلاحظ كيف أنها تسمّي المؤمنين والمؤمنات، فالتسمية هذه تعني كونها عارفة بهم وبحالهم، داعية لهم بقضاء حاجاتهم، فهي لا تدعو لمطلق المؤمنين والمؤمنات وإنما تدعو بالتسمية، فهي تعرفهم جيداً، وهذا يدلنا على أنها كانت تعرف أحوال المسلمين وحاجاتهم بالرغم من كونها المخدرة المصونة، ومن هنا نتعلم كيف نتعايش مع هموم الناس، وكيف نتلمس حاجاتهم، وكيف نجتهد في الدعاء لهم...

النص: (ولا تدعو لنفسها بشيء).

لأنها لا تعيش حالة الأنانية، ولا تنطلق من الذات، إنها تعيش روح الأمة، وتدعو للناس لا لنفسها، مما يدلل على سحق التضخم الذاتي، ولنتعلم من الزهراء كيف نعمل للأمة، وكيف ننطلق لمصلحة الأمة، لا لمصالحنا الشخصية، وكيف نسعى في حاجات الأمة لا في حوائجنا الذاتية.

النص: (فقلت لها: يا أماه، لو لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني، الجار ثم الدار).

نعم الجار ثم الدار، على خلاف سلوكنا الاعتيادي الذي يقدم الدار ثم الجار، وربما يتناسى الجار، موقف عبادي واحد ولكنها مملوء من المواقف التربوية والاجتماعية لا يسعنا أن نسهب فيها في هذه العجالة.

موقف نتعلم منه كيف هي الزهراء ولماذا كانت هي الزهراء سلام الله عليها وكيف نحلق كما تحلق الزهراء في أفق واسع وسماء رحبة، فلتتحول محاريبنا لمحراب الزهراء، ولنقترب من شعاع محرابها لنقتبس من نوره نوراُ نصل به لله تعالى.