{إنما يُريد الله ليذهِب عنكُم الرجس أهلَ البيتِ ويُطهركم تطهرا}

(سورة الاحزاب 33).

تحية إجلال.. تحية إجلال وإكبار لأم الحسنين، لفاقدة الطهرين، لملطومة الخد.. ومكسرة الأضلاع .. وما زادهم أعداءها إلا عذاب فوق عذاب..

مشـــكاة نـــور الله جـــل جـــلالــه زيـتـــونــة عــم الــورى بــركاتها هـي قـطب دائــرة الـوجـود ونقطة لمـــا تــنـزلـت أكثـــرت كــثـراتها.

السلام عليك يافاطمة الزهراء وعلى أبيك وبعلك وبنيك والسر المستودع فيك لقد امتلأت نفسي فرحا وسرورا حين علمت بأن المسابقة قد خصصت هذه المرة بحق سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام فهي قدوتي الحسنة ولكن امتزج مع هذا الفرح قليل من الحزن والأسى على سيدتنا ومولاتنا بنت الرسول لما فعلوه أعداء الإسلام بها وبسبطي رسول الله، وقد تمنيت من الكثير أن يشاركوا في هذا الموضوع الذي يستحق التقدير فعلا.

فأنا أؤيد من يحترم المرأة ويقدرها وأعتبره متبع لله وأهل بيته، لأن المرأة في الجاهلية لم تكن مكرمة فقد نظروا إليها كحيوان وأنها ملك للرجل وكانت أيضا وصمت عار في وجهة نظرهم ويدفنونها لذلك السبب وهي حية قال تعالى: {وإذا المؤودة سألت بأي ذنب قتلت} (سورة التكوير).

ولكن حين طل بدر الإسلام أعطيت المرأة حقها كزوجة وأم قال رسول الله (ص) (الجنة تحت أقدام الأمهات) وفي صلب هذا الموضوع تأتي بركات أهل البيت عليهم السلام ولا سيما سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام.

ففي يوم الجمعة العشرين من جمادى الآخر في مكة المكرمة أذن الله للسيدة خديجة سلام الله عليها بولادة سيدتنا الطاهرة فاطمة بنت محمد صلوات الله عليهم أجمعين حينها دخلت على خديجة نساء سمر طوال كأنهن جئن من عالم الآخرة، عند ذلك خرجت فاطمة بنت محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشية وقد اختار الله سبحانه وتعالى لها تسعة أسماء عنده عز وجل وهن (الزهراء والمحدثة والطاهرة والزكية والصديقة والمباركة والراضية والمرضية وسميت أيضا بفاطمة لأن الله عز و وجل فطم من أحبها من النار) وكنيتها أم الحسنين وكان نقش خاتمه أمن المتوكلين وأطلق عليها أم أبيها لكثرة حنانها على أبيها وعطفها عليه حين وفاة أمها خديجة بنت خويلد عليهم جميعا سلام الله وكانت حين ذاك ابنة خمسة أعوام ونبي الله كان يحبها كثيرا فهي قرة عينه وسلوة أحزانه، ومن كثر حب رسول الله صلى الله عليه وآله لها سألتْه عائشةُ ذات يوم ما سبب حبك لفاطمة هذا الحب العظيم؟

فأجاب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله: (لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها كما أحبّ، فاطمةُ بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني، ومن سرّها فقد سرّني).

وكانت عائشة تقول أيضا: إنّها أشبه الناس برسول الله بحديثها ومنطقها.

وكانت فاطمة لا تحب أحداً قدر حبّها لأبيها.

وعندما بلغت فاطمةُ سنَّ الرشد خطبها كثير من الصحابة منهم أبو بكر وعمر، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يردّ الخاطبين قائلاً:

إنني أنتظر في أمرها الوحي.

وجاء جبريل يخبره بأن الله قد زوّجها من علي، عند ذلك تقدم علي، إلى خطبة فاطمة عليهم جميعا سلام الله، فدخل رسول لله (صلى الله عليه وآله) على فاطمة ليرى رأيها وقال لها:

(يا فاطمة إن علي بن أبي طالب من قد عرفْتِ قرابته وفضْله وإسلامه، وإني قد سألتُ ربّي أن يزوِّجكِ خيْرَ خلْقه وأحبَّهم إليه، وقد ذكر من أمرك شيئاً فما ترين؟)

سكتت فاطمة وأطرقت برأسها إلى الأرض حياء، فهتف رسول (ص): (الله أكبر! سكوتها رضاها ).

حينها كان علي عليه السلام لا يملك من دنياه شيئاً غير سيفه ودرعه، فأراد أن يبيع سيفه، فمنعه رسول الله لأن الإسلام في حاجة إلى سيف علي، عند ذلك باع علي عليه السلام درعه ودفع ثمنه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

وعندما جاء عقد الزواج قال رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام لعلي سلام الله عليه:

(قم بسم الله وقل على بركة الله، ما شاء الله لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، توكلّت على الله).

ثمّ قاد علي عليه السلام وأجلسه عند فاطمة عليها السلام وقال: (اللهم إنّهما أحبّ خلقك إليّ فأحبّهما وبارِكْ في ذُرّيتهما واجعل عليها منك حافظاً وإنّي أعيذهما وذرِّيتهما من الشيطان الرجيم).

وبعد فترة من زواجهما وكان حين ذاك العام الثالث للهجرة أذن الله فولدت سيدة النساء بمولودها الأول وقد سماه رسول الله صلوات الله عليه بالحسن وكانت الفرحة غامرة لآل الرسول وبعد عام من ولادة الإمام الحسن وُلِد الإمام الحسين عليهما جميعا سلام الله وكان جدهما رسول الله يحبهما حبا جماً ويقول (أنهما ريحانتاي من الدنيا) وإذا سمع صوت بكاؤهما فانه يتأثر بذلك فذات يوم مر ببيت فاطمة عليها السلام فسمع بكاء الحسين سلام الله عليه فقال: (ألا تدرون أن بكاؤه يؤذيني).

فكانت ذرية رسول الله من ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها {ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم} (سورة آل عمران: الآية24).

وعندما كبرا الحسن والحسين مرضا مرض شديد فنذر علي وفاطمة نذرا أن يصوموا ثلاثة أيام إذا عافاهما الله وعندما من الله عليهما بالصحة صاموا ثلاثة أيام وكانوا في تلك الايام الثلاثة يتصدقون بطعامهم، فنزلت فيهم الآية {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيرا، إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً} (سورة الإنسان 8).

وقد علّم رسول الله عليه الصلاة والسلام الزهراء بتسبيحات: (أدلك على شيء يساعدك في كل شيء تكبرين الله أربع وثلاثين مرة وتحمدينه ثلاثة وثلاثين مرة وتسبحينه ثلاثة وثلاثين مرة).

ولقد تميزت السيدة الزهراء بمستواها العلمي العميق، وقد ألقت خطبتها الشهيرة في مسجد أبيها رسول الله صلى الله عله وآله بحضور المهاجرين والأنصار مطالبة بذلك بحقها في الفدك وعند وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم بشرها والدها بأنها أول اللاحقين به، وقد بدأت مظلومية فاطمة سلام الله عليها منذ ذلك الحين وكانت شديدة الحزن على أبيها من ناحية وعلى بعلها وغصبها من ورث أبيها من ناحية أخرى فماتت أسى وحزن بأبي وأمي بعد خمس وسبعين يوم من وفاة والدها وقد أوصت زوجها قبل وفاتها أن يدفنها سرا كي لا يعلم أحدا بقبرها وقد دفنت في المدينة المنورة عند أبيها فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة).

والآن اختتم هذا المقال وقلبي ممتزج بين الفرح والحزن أتمنى أنني قدمت ولو شيء بسيط جدا في حق آل رسول الله ولعن الله ظالميهم من الأولين والآخرين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.